إلغاء نتائج دوائر المرحلة الأولى.. ماذا تبقى من انتخابات البرلمان؟

اتساع إلغاء نتائج دوائر الفردي في المرحلة الأولى من انتخابات 2025 يفتح جدلًا حول تنفيذ الأحكام، وإصلاح النظام الانتخابي، والشرعية السياسية للبرلمان المقبل.
Picture of رشا عمار

رشا عمار

بحسب التغطيات الصحفية المعاصرة للأحداث، أصدرت المحكمة الإدارية العليا مساء السبت 29 نوفمبر 2025 أحكامًا بإلغاء نتائج دوائر جديدة، قُدّر عددها حينها بـ29 دائرة، إضافة إلى 19 دائرة ألغتها الهيئة الوطنية للانتخابات، ليصل الإجمالي المذكور في تلك التغطية إلى 48 من أصل 70 دائرة للمقاعد الفردية في المرحلة الأولى، التي شملت 14 محافظة. وبحسب هذا الحصر الصحفي تبلغ النسبة نحو 70% من دوائر المقاعد الفردية في المرحلة الأولى، في أزمة أثارت جدلًا واسعًا حول مصداقية العملية الانتخابية.

ويرى مراقبون تحدثوا إلى زاوية ثالثة أن اتساع نطاق الإلغاء في محافظات الصعيد، إلى جانب دوائر في المنيا والفيوم والبحيرة والجيزة والإسكندرية، وضع العملية الانتخابية أمام اختبار سياسي وقانوني صعب.

التطورات المتسارعة تأتي وسط جدل واسع أُثير منذ يومي التصويت في 10 و11 نوفمبر الماضي، إذ شابت العملية الانتخابية اتهامات بالتلاعب وشراء الأصوات والتأثير على الناخبين، دفعت الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى التدخل بشكل مباشر، مطالبًا الهيئة الوطنية للانتخابات بـ”التدقيق التام” في الطعون، وعدم التردد في إلغاء الانتخابات جزئيًا أو كليًا “إذا تعذّر الوصول إلى إرادة الناخبين الحقيقية”. وأشار لاحقًا إلى أن تدخّله كان بمثابة “فيتو” اعتراضًا على ممارسات لم يكن راضيًا عنها.

وخلال يومي التصويت في المرحلة الثانية، أعلنت وزارة الداخلية ضبط عمليات واسعة لشراء الأصوات والتأثير على سير الانتخابات، في مؤشر يرسّخ المخاوف من تكرار الانتهاكات ذاتها، بينما أعادت الأحكام القضائية الأخيرة الجدل حول مصير الانتخابات ومستقبل البرلمان المقبل، في ظل دعوات متصاعدة لإعادة النظر في العملية الانتخابية برمتها بعد انكشاف حجم التجاوزات ومخاوف من تأثيرها على الثقة في الانتخابات.

ومساء الأحد، أعلنت الهيئة الوطنية للانتخابات، تفاصيل إعادة الجولة الأولى من المرحلة الأولى لانتخابات مجلس النواب في 19 دائرة انتخابية، التي سبق إلغاء نتائجها بقرار من مجلس إدارة الهيئة.

وأضافت الهيئة في بيان رسمي أن الاستعدادات اللوجستية والفنية اكتملت، وأن إعادة التصويت في الدوائر الـ19 ستجرى للمصريين بالخارج يومي 1 و2 ديسمبر، وداخل مصر يومي 3 و4 ديسمبر 2025، وفق قرار 18 نوفمبر 2025. ويختلف هذا الجدول عن الإجراءات الخاصة بالدوائر التي تناولتها أحكام المحكمة اللاحقة.

توضيح رقمي: حساب 48 من أصل 70 يساوي نحو 68.6%، ويخص دوائر الفردي في المرحلة الأولى فقط. اختلفت التغطيات المعاصرة في عدد الدوائر التي تناولتها أحكام المحكمة؛ لذلك لا يُقدّم هذا الإجمالي باعتباره حصرًا رسميًا نهائيًا لكل مراحل الانتخابات. ويعرض الإنفوجراف التالي الـ19 دائرة التي ألغتها الهيئة في 18 نوفمبر، دون إضافة الأحكام القضائية اللاحقة.

توزيع 19 دائرة ألغتها الهيئة الوطنية للانتخابات في 18 نوفمبر 2025 على سبع محافظات.

هل فشلت “الوطنية للانتخابات” في إدارة المشهد؟

يؤكد – نائب رئيس مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية والسياسية-، الدكتور عمرو هاشم ربيع أن ما تشهده انتخابات مجلس النواب الجارية يمثل واحدة من أعقد اللحظات الانتخابية في تاريخ مصر الحديث، وأن اتساع إلغاء نتائج الدوائر بقرارات الهيئة وأحكام المحكمة يضع مشروعية البرلمان المقبل تحت اختبار بالغ الحساسية. ويشدد على أن “أقل ما يجب” هو إعادة الانتخابات في الدوائر الملغاة كاملة، بينما يظل “الأفضل”، من وجهة نظره، هو إعادة الانتخابات برمتها وإقرار نظام انتخابي جديد بعد أن أثبت النظام الحالي عجزه وسوء مخرجاته.

ويُحمل ربيع الهيئة الوطنية للانتخابات المسؤولية الأساسية عمّا وصلت إليه العملية الانتخابية من ارتباك، موضحًا أنها “تفشل للمرة الأولى بهذا الشكل في إدارة الاستحقاق”، سواء بعدم إنفاذ القانون في تسليم محاضر الفرز للمرشحين، أو في وقوفها عاجزة أمام ممارسات بعض الأحزاب المدعومة أمنيًا، وهو ما يعيد، بحسب تعبيره، أجواء انتخابات كانت تقودها وزارة الداخلية في عهد مبارك. مشيرًا في حديثه إلى زاوية ثالثة إلى أن الهيئة تُكرر أخطاء السنوات الماضية، وتصرّ على انتخابات غير تنافسية، خصوصًا على مستوى القوائم، ما يجعل التنافس الحقيقي محصورًا في نصف المقاعد المنتخبة فقط ويمنح الإخوان فرصة للتشكيك خارجيًا.

ويضيف ربيع أن حجم الإخفاقات دفع الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى التدخل لإيقاف ما وصفه بـ”الانزلاق نحو تكرار مشاهد 2010″، معتبرًا ذلك التدخل سابقة سياسية، إذ لم يشهد النظام السياسي المصري تدخلاً رئاسيًا بهذا الشكل منذ تعديل الرئيس الأسبق حسني مبارك لنظام القوائم عام 1984.

ويؤكد أن من أخطر الظواهر التي تتجلى بقوة هذا العام بيع المقاعد علنًا داخل القوائم المطلقة، واعتباره أمرًا “مُبررًا” من بعض القيادات الحزبية تحت لافتة دعم الحزب. ويتساءل: “كيف يمكن لمرشح دفع عشرات الملايين أن يمثل الشعب بنزاهة؟ وكيف يمكن لهذا المسار أن يصنع حياة حزبية طبيعية؟”.

ويشير ربيع إلى التراجع الكبير في أعداد المرشحين مقارنة بانتخابات 2000 و2005 و2010 و2020، معتبرًا ذلك مؤشرًا على انخفاض الثقة العامة في البرلمان وقدرته على حل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية. ويُبرز تفشي توريث المقاعد داخل البرلمان والقوائم، ليس كامتداد للتمثيل العائلي التقليدي، بل كمجاملة بين أفراد الأسرة الواحدة، الأمر الذي يُضعف المؤسسة التشريعية خصوصًا عند شغور المقعد لصالح بدلاء بلا خبرة.

ويشدّد على أن المال الانتخابي يستخدم هذا العام بكثافة غير مسبوقة، سواء عبر تجنب الإنفاق من الحسابات الرسمية، أو عبر توزيع الأموال والسلع التموينية في الدوائر بلا خجل، وهو ما دفع الرئيس إلى إنذار بعض الأحزاب لرفع دعايتها من الشوارع، بعد أن تقاعست الهيئة عن القيام بواجبها الرقابي.

ويلفت أستاذ العلوم السياسية إلى أن استمرار الانتخابات رغم الأحكام القضائية بإلغاء الدوائر يُنذر ببرلمان “يفتقد سندًا حقيقيًا من الشرعية”، خاصة إذا تم تمرير استمرار المجلس دون إعادة جادة للانتخابات في الدوائر الملغاة. ويؤكد:”لا يمكن لبرلمان يقوم على الغش والتدليس وشراء الأصوات أن يتحمل مهمة تعديل الدستور أو إدارة المرحلة المقبلة. الحل الجاد يبدأ بإصلاح النظام الانتخابي نفسه، والعودة إلى نظام القائمة النسبية المغلقة كما كان عام 1984، لأنه وحده الكفيل بإحياء الحياة الحزبية وضبط المال الانتخابي ومنع القفزات الإخوانية، وصناعة برلمان يخدم الدولة لا دوائر ضيقة”.

وتجرى الانتخابات بنظام يجمع بين الفردي والقوائم المغلقة المطلقة، مع تخصيص 284 مقعدًا لكل نظام، بإجمالي 568 مقعدًا منتخبًا، يضاف إليها الأعضاء المعينون بقرار رئاسي. وتخوض «القائمة الوطنية من أجل مصر»، التي تضم 12 حزبًا، انتخابات القوائم دون قائمة منافسة. ولا يعني ذلك الفوز تلقائيًا: يشترط القانون الحصول على أصوات تعادل 5% على الأقل من الناخبين المقيدين في دائرة القائمة المعنية، وليس 5% فقط من الأصوات المدلى بها.

568 مقعدًا منتخبًا: 284 للفردي و284 للقوائم، دون الأعضاء المعينين.

ماذا يعني حكم القضاء الإداري؟

يقول الدكتور عادل عامر، – الخبير القانوني ورئيس مركز المصريين للدراسات القانونية والسياسية-، إن اتساع إلغاء نتائج الانتخابات بقرارات الهيئة وأحكام المحكمة الإدارية العليا يشكل تحولًا كبيرًا في المشهد الانتخابي، ويضع العملية الانتخابية أمام مسارات معقدة ستحدد شكل البرلمان المقبل ومدى تمتعه بالشرعية. مشيرًا في حديثه إلى زاوية ثالثة أن حكم الإلغاء يعني عمليًا أن الانتخابات داخل هذه الدوائر “باطلة أو متوقفة إلى أن تُعاد معالجتها وفق ما قررته المحكمة”، وهو ما يجعل العملية الانتخابية الحالية “غير مكتملة على مستوى الجمهورية”.

يرى عامر أن السيناريو الأقرب هو إعادة الانتخابات في الدوائر الملغاة، ثم استكمال تشكيل المجلس، مع بقاء الجدل السياسي حول شرعيته. ولا يعني إلغاء نتيجة التصويت تلقائيًا إعادة ترسيم حدود الدوائر؛ إذ تختلف إعادة الاقتراع عن تعديل التقسيم الانتخابي، ويتحدد الإجراء بحسب منطوق الحكم والقانون.

وبسؤاله حول احتمال إلغاء الانتخابات وإعادتها بشكل كلي، يقول عامر إن ذلك “غير مرجح” بسبب كلفته السياسية والمالية، ولا يحدث إلا إذا تبين أن العيوب التي أبطلت الدوائر تمس العملية الانتخابية برمتها. ويرى أن الإعادة الكاملة قد تعالج العيوب التي تمس العملية برمتها، مع بقاء حق الطعن وفق القانون؛ فإعادة التصويت لا تجعل نتائجه محصنة تلقائيًا من كل طعن.

ويجب التمييز عند الحديث عن الطعن ووقف التنفيذ بين حكم صادر من محكمة أدنى، وأحكام المحكمة الإدارية العليا نفسها في الطعون الانتخابية. فالأحكام محل هذا التقرير صادرة من الإدارية العليا، وليست أحكامًا تنتظر طعنًا عاديًا أمامها؛ ولا يُقدّم احتمال الطعن باعتباره مسارًا تلقائيًا لتجاهل حكم نهائي واجب التنفيذ.

يحذر عامر من أن استكمال العملية دون تنفيذ حكم نهائي واجب النفاذ يضع البرلمان في مأزق قانوني وسياسي. وتظل أي منازعة في تشكيله مرتبطة بالسبب القانوني، والإجراءات المقررة، واختصاص المحكمة؛ فلا يترتب بطلان المجلس كله تلقائيًا على إلغاء نتائج دائرة أو أكثر.

هل فقد البرلمان المقبل شرعيته؟

يقول -المحامي الحقوقي-، حليم حنيش لـ”زاوية ثالثة” إن البرلمان فقد شرعيته السياسية بشكل واضح، وهي، بحسب قوله، الشرعية التي كانت السلطة تسعى إليها منذ البداية. مضيفًا أن السلطة أدارت العملية الانتخابية من خلال “هندسة متعمدة” عبر قانون الانتخابات المقترح، الذي ركّز على نقطتين أساسيتين.

أولًا، تقييد نظام القوائم بطريقة تُرضي جميع الأطراف الموالية تقريبًا، بما فيها أحزاب “الحيز المتاح” التي أصبحت امتدادًا لأحزاب ما قبل 2011 مثل الوفد والتجمع، وهو ما أدى، على حد وصفه، إلى “إغلاق الباب تمامًا أمام المعارضة الحزبية والمستقلين” ضمن نظام القوائم. ويؤكد: “نصف البرلمان فاز بالتزكية لأن السلطة وأجهزتها الأمنية هي التي اختارته مسبقًا.”

ثانيًا، يشير حنيش إلى أن نظام الفردي جرى توسيع دوائره بشكل كبير، بما يقلل قدرة المرشحين المعارضين أو المستقلين على المنافسة، ويجعل السباق محصورًا بين مرشحين محسوبين على السلطة وقادرين ماليًا على الإنفاق الضخم المطلوب. متابعًا: “السلطة كانت تراهن على أن هؤلاء المرشحين قادرون على خلق زخم انتخابي يمنح العملية شرعية تصويتية، لكن هذا لم يحدث عمليًا.”

ويرى حنيش أن صراع هؤلاء المرشحين المحسوبين على الدولة هو ما أدى إلى “وصول مخالفات الانتخابات لرئيس الجمهورية نفسه”، في إشارة إلى حجم التجاوزات التي جرى الكشف عنها. ويضيف: “ما حدث في الجولة الأولى تضاعف في الجولة الثانية، والسلطة لم تحصل على الشرعية السياسية التي كانت تطمح إليها.”

ويؤكد أن الشرعية القانونية وحدها لا تعني شيئًا في ظل وقائع التزوير والمخالفات، مشيرًا إلى أن القانون نفسه لا يحمي حتى من يُبلّغون عن الانتهاكات: “التزوير مخالف للقانون، لكن يمكن أن تُحبس وأنت ذاهب لتقديم بلاغ عنه، كما حدث مع مرشح حزب المحافظين ومونيكا مجدي وغيرهما.”

ويعتبر حنيش أن أحكام المحكمة الإدارية العليا بإلغاء نتائج دوائر في الجولة الأولى “دليل جديد على غياب الشرعية السياسية للعملية الانتخابية ككل”، مشددًا على أن نسب المشاركة المنخفضة تعزز هذا الغياب. ويؤكد: “هذا البرلمان سيكون عبئًا على السلطة في مسألة إثبات الشرعية، خصوصًا مع الحديث عن تعديل دستوري وشيك. الحل الأفضل والأكثر استقرارًا هو إعادة الانتخابات بالكامل.”

ما السيناريوهات المحتملة؟

من جهته، يؤكد -المستشار السياسي والقانوني- محمود الروبي أن توجيهات الرئيس، وقرار الهيئة الوطنية للانتخابات، وحكم المحكمة الإدارية العليا بإلغاء نتائج التصويت في هذا العدد الكبير من الدوائر، تمثل جميعها واحدة من أهم اللحظات القانونية والسياسية في المشهد الانتخابي الراهن. ويرى أن هذا التطور يعكس، من جانب الدولة، حرصًا واضحًا على صون العملية الانتخابية وتثبيت معايير النزاهة، كما يعكس من جانب القضاء دوره المحوري في حماية الإرادة الشعبية. وفي المقابل، يفتح ذلك بابًا واسعًا أمام سيناريوهات متعددة ستترك أثرًا مباشرًا على تشكيل البرلمان القادم ومدى تمتّعه بغطاء شرعي كامل.

وحول السيناريوهات المحتملة يقول الروبي، إن الأقرب هو إعادة الانتخابات في الدوائر الملغاة وفق جدول زمني عاجل، وستعيد الهيئة الوطنية تنظيم العملية الانتخابية في الدوائر الملغاة، مع تعزيز الإجراءات الرقابية والضوابط لمنع تكرار المخالفات التي أدت إلى الإلغاء. ويشير إلى أن نجاح الإعادة في بيئة منضبطة ونزيهة سيمنح البرلمان المقبل شرعية قانونية وانتخابية كاملة ومستقرة.

نظرًا للعدد الكبير للدوائر الملغاة، يعتقد الروبي أن العملية قد تواجه ضغوطًا لوجستية وزمنية، وهو ما قد ينتج عنه تأخير أو تمديد للجدول الانتخابي. أي اضطراب من هذا النوع قد يؤدي إلى فراغ تمثيلي واسع داخل البرلمان إذا تم انعقاده قبل اكتمال الانتخابات في كل الدوائر، وهو وضع قد يسبب إشكالات سياسية ودستورية لاحقة.

يرى الروبي أن حجم الإلغاء قد يدفع عددًا من القوى السياسية للاعتقاد بأن هناك خللًا بنيويًا أعمق في المنظومة الانتخابية، وليس مجرد مخالفات إجرائية. البعض قد يدفع باتجاه مراجعة النظام بأكمله، سواء عبر ضبط المال السياسي، أو إعادة النظر في تقسيم الدوائر، أو استبدال النظام الانتخابي الحالي بنظام آخر. لكنه يضيف أن هذا السيناريو يظل صعب التطبيق في اللحظة الراهنة بسبب حساسية التوقيت وتشابك المسارات السياسية والدستورية.

يطرح الروبي كذلك احتمال أن تتجه الدولة إلى تعزيز الضمانات في مرحلة الإعادة وفي المرحلة الثانية من الانتخابات، بما يحول دون الانزلاق إلى أزمة تمثيل أو طعون متتالية قد تهدد استقرار البرلمان المقبل. وفي هذا الإطار، قد تُشدد الأجهزة المعنية الرقابة على الدعاية الانتخابية والمال السياسي والالتزام بضوابط العملية الانتخابية.

ومن الناحية القانونية يوضح الروبي أن إعادة الانتخابات في الدوائر التي جرى إلغاؤها بحكم قضائي نهائي تمنح البرلمان القادم سندًا قانونيًا واضحًا وصلبًا؛ فالإعادة تتم تحت إشراف القضاء ورقابة الهيئة الوطنية للانتخابات، وهو ما يضمن أن البرلمان الذي يُستكمل تشكيله بعد الإعادة سيكتسب سندًا قانونيًا أقوى، بحسب تقييمه، مع بقاء الحقوق القانونية في الطعن على النتائج.

ويضيف أن ارتفاع نسب المشاركة الشعبية سيشكل عنصرًا حاسمًا في ضمان نزاهة العملية الانتخابية، إذ يعتقد أن ضعف الإقبال هو العامل الأكبر الذي يفتح الباب أمام المخالفات والانتهاكات. لذلك يدعو الروبي إلى توسيع الوعي السياسي والقانوني لدى المواطنين، والتأكيد على أهمية مجلس النواب في حياتهم اليومية، سواء في التشريع أو الرقابة أو الخدمات العامة.

كذلك يؤكد المستشار السياسي والقانوني على أن الدولة أثبتت جدية واضحة في ضبط مسار الانتخابات، وأن رفض الرئيس للمخالفات وتدخل القضاء بحسم يعكسان رغبة مؤسسية في حماية العملية الديمقراطية. ومن ثم فإن الكرة الآن، كما يقول، في ملعب المواطنين للمشاركة الفعالة، واختيار ممثليهم الحقيقيين، والتعبير عن إرادتهم بصورة تعيد الثقة للمشهد السياسي والبرلماني.

صراع تجاوز حجم البرلمان!

يرى أكرم إسماعيل، – العضو المؤسس بحزب العيش والحرية (تحت التأسيس)-، أن الوضع الراهن بعد اتساع إلغاء نتائج دوائر المرحلة الأولى من الانتخابات البرلمانية يعكس حالة من الخلل العميق داخل النظام الانتخابي والسياسي في مصر. مشيرًا إلى أن الشرعية في أي برلمان في مصر لم تستمد تاريخيًا من الشعب بشكل حقيقي، بل غالبًا ما كانت متأثرة بصراعات داخلية في أجنحة النظام، وما يجري حاليًا ليس استثناءً. مضيفًا: “هناك صراع كبير داخل النظام، وهذه الخلافات تؤثر بشكل مباشر على قدرة الأجهزة المسؤولة على إدارة العملية الانتخابية بسلاسة ونجاح”.

وحول تأثير هذه الأزمة على البرلمان القادم، يشير إسماعيل إلى أن البرلمان المقبل حتى لو استمر، سيكون محدود الفاعلية، لأن المشهد السياسي الحالي أكبر من حجم البرلمان ذاته، ويكشف عن ضعف النظام الراهن في احتواء العملية الانتخابية وإدارتها بشكل متماسك. وقال: “البرلمان ليس له وزن حقيقي في العملية، وما يحدث أكبر منه بكثير”.

ويلفت إلى أن الصراعات الحالية بين مؤسسات الدولة المعنية بالانتخابات، بما في ذلك الهيئة الوطنية للانتخابات والمحاكم الإدارية، أظهرت تناقضات كبيرة في إدارة العملية الانتخابية، وأعادت إلى الواجهة ضعف المنظومة السياسية في مصر. موضحًا أن هذا يضع الرأي العام أمام تساؤلات مشروعة حول قدرة النظام على إتمام الانتخابات بشكل نزيه وفعال.

كذلك يؤكد على أن الأزمة الراهنة ليست مجرد مسألة برلمانية، بل تعكس صراعات أوسع داخل النظام السياسي، تجعل أي تقييم للبرلمان المقبل مرتبطًا بفهم أعمق للتحديات التي تواجه إدارة الدولة نفسها.

وكانت  الهيئة الوطنية للانتخابات ألغت نتائج انتخابات مجلس النواب في 19 دائرة فردية من بين 70 دائرة أجريت فيها الانتخابات خلال المرحلة الأولى، وذلك بعد رصد ما وصفته الهيئة بـ”عيوب جوهرية” مست نزاهة عمليتي الاقتراع والفرز. 

وجاء القرار، الذي أعلنه رئيس الهيئة المستشار حازم بدوي في مؤتمر صحفي، ليشمل دوائر شهدت خروقات انتخابية واسعة أو تضاربًا في محاضر الحصر العددي أخلّ بسلامة العملية الانتخابية.

الوقائع التي استدعت الإبطال شملت خروقات دعائية أمام اللجان، وعدم تسليم محاضر الحصر للمرشحين أو مندوبيهم، فضلًا عن تفاوت ملحوظ بين أرقام اللجان الفرعية والعامة، وهي مخالفات اعتبرتها الهيئة كفيلة بإهدار سلامة النتيجة في الدوائر الملغاة،  في المقابل أكد المستشار أحمد بنداري، مدير الجهاز التنفيذي للهيئة الوطنية للانتخابات في تصريحات له أن الهيئة لم ترصد وجود وقائع رشوة مالية لأي مرشح، إلا أن التحقيقات مستمرة في شأن المخالفات المرصودة في الدوائر الـ19، وسيتم الإعلان عن نتائجها فور الانتهاء منها.

وبناءً على المادة 54 من قانون مباشرة الحقوق السياسية، صدر قرار الإلغاء الكامل للانتخابات الفردية في هذه الدوائر، وتحديد موعد جديد للاقتراع مطلع ديسمبر 2025 داخل مصر وخارجها.

وتصدّرت إمبابة بمحافظة الجيزة قائمة الدوائر الملغاة، وهي الدائرة التي أعلنت فيها النائبة السابقة نشوى الديب انسحابها من السباق بعد وقت قصير من بدء التصويت، احتجاجًا على ما وصفته غياب ضمانات النزاهة ووجود مرشح للأمن في الدائرة. كما أُلغيت نتائج أربع دوائر في محافظة قنا، وسبع دوائر في محافظة سوهاج جنوب الصعيد، فضلًا عن دائرتين في محافظة الفيوم، ودائرة واحدة في محافظة أسيوط، ودائرة في محافظة الإسكندرية، إلى جانب ثلاث دوائر في محافظة البحيرة.

هذه الخطوة جاءت بعد أن دعا الرئيس عبد الفتاح السيسي، الهيئة الوطنية للانتخابات إلى التدقيق في الأحداث التي شهدتها بعض الدوائر التي جرت فيها منافسة على المقاعد الفردية خلال المرحلة الأولى، وإلغاء نتائج هذه المرحلة “كليًا أو جزئيًا” إذا تعذّر “الوصول إلى إرادة الناخبين الحقيقية”، وذلك قبل يوم واحد من إعلان النتائج الرسمية. وطالب السيسي الهيئة بألا تتردد في اتخاذ القرار المناسب، سواء بإلغاء المرحلة بالكامل أو إلغاء نتائج دائرة أو أكثر على أن تُعاد الانتخابات فيها لاحقًا، مؤكدًا أن سلامة العملية الانتخابية تأتي في المقام الأول.

وشهدت المرحلة الأولى عددًا من الأزمات التي وثقت عبر مقاطع مصورة ونُشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، جاء من بينها انسحاب النائبة السابقة نشوى الديب من دائرة إمبابة بعد ساعة من فتح باب الاقتراع، احتجاجًا على ما وصفته بـ”غياب النزاهة والشفافية وحسم المقاعد مسبقًا لمرشح الأمن”. بالإضافة إلى أزمة أخرى في دائرة المنتزه بالإسكندرية، بعدما استغاث المرشح عن حزب الإصلاح والنهضة أحمد فتحي عبد الكريم بالرئيس عقب ادعائه فتح عدد من صناديق الاقتراع داخل لجنة مدرسـة مصطفى مشرفة وتفريغها من استمارات التصويت قبل موعد الفرز، في واقعة عدّها دليلًا على احتمال التلاعب؛ وهي رواية المرشح، وليست نتيجة تحقق مستقل في هذا التقرير.

تكشف المقابلات عن اختلاف واضح في تفسير الأزمة: يدعو ربيع وحنيش إلى إصلاح جذري أو إعادة شاملة، ويركز عامر على تنفيذ الأحكام وآثارها القانونية، بينما يرى الروبي في الإعادة المنظمة فرصة لاستعادة الثقة، ويقرأ إسماعيل الأزمة في ضوء صراعات داخل النظام السياسي.

وتبقى المهمة المباشرة تنفيذ القرارات والأحكام الملزمة، وإتمام انتخابات قانونية في الدوائر المتأثرة. أما قدرة هذه الخطوات على استعادة الثقة الشعبية في البرلمان، فهي السؤال السياسي الذي تطرحه الآراء الواردة في التقرير.

أضف زاوية ثالثة إلى مصادرك المفضلة على جوجل

رشا عمار
صحفية مصرية، عملت في عدة مواقع إخبارية مصرية وعربية، وتهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية.

Search