أخلت النيابة سبيل الدكتور محمد زهران، الخبير التربوي ومؤسس تيار استقلال المعلمين، في أكتوبر 2026، بعد أكثر من ثلاثة أشهر قضاها محبوسًا احتياطيًا على ذمة اتهام بنشر وإشاعة أخبار كاذبة. وفي حواره مع زاوية ثالثة، يقول زهران إنه لا يعرف حتى الآن السبب الحقيقي لحبسه، ويروي تفاصيل ترشحه مستقلًا في انتخابات مجلس النواب 2025 عن دائرة المطرية، والطعن الذي قدّمه أمام محكمة النقض.
ويتحدث زهران كذلك عن ميزانية التعليم والمادة الدستورية التي لم تُفعّل منذ 2014، وعن نقابة المهن التعليمية التي تديرها «لجنة تسيير أعمال» لا يعرفها قانونها، ومعاش المعلم الذي لا يتجاوز 120 جنيهًا شهريًا، وشروطه للترشح لمنصب النقيب.
إلى نص الحوار:
«صفحة وطُويت»: الحبس والإفراج
نريد أن نعرف منك التفاصيل: ماذا حدث لك؟
لا أريد الحديث عن هذه الفترة؛ أعتبرها صفحة وطُويت، وبدأنا صفحة جديدة. فترة الحبس مرّت وتجاوزناها، ونحن نمد أيدينا للدولة، فلا أحد يستطيع أن يزايد على وطنيتنا، والدولة تحتاج إلى كل واحد فيها. وأرى أن الدولة بدأت في الفترة الأخيرة تمد يدها للناس، بدليل أنها أخلت سبيلي حين تأكدت من عدم صحة الاتهامات الموجهة إليّ، وعدت إلى عملي، والحياة مستمرة.
ما الاتهامات التي وُجّهت إليك؟ وكم قضيت في محبسك؟
الاتهام الموجود في قرار النيابة هو نشر وإشاعة أخبار كاذبة. وقضيت ثلاثة أشهر وأربعة أو خمسة أيام، من 17 يوليو حتى 20 أكتوبر.
هل واجهت تضييقًا في الحبس؟ هل رأيت مشكلات أو أي تعنت؟
هناك معاملة مختلفة للمحبوسين على ذمة ما يُسمى قضايا الرأي؛ فنحن في مكان له معاملة خاصة، بعيدًا عن المحبوسين الجنائيين في قضايا المخدرات والأموال العامة وجرائم النفس. المسألة في النهاية اختلاف في وجهات النظر: الأجهزة الأمنية ترى أن هذا الكلام يثير مشكلات في البلد، والمتهم يرى أنه يناقش قضايا الدولة ومشكلاتها. وانتهى الأمر بأن تأكدت الأجهزة الأمنية من ذلك، فهي تعرف تاريخ كل شخص.
أنا لست في حاجة إلى تقديم مستندات على وطنية محمد زهران. شاركت في وضع دستور 2014 بدعوة من رئاسة الجمهورية، وأنا من قدّم مواد التعليم فيه، من المادة 19 إلى المادة 25، وأُدرجت كما قدّمتها بالضبط، وهذا موجود في مضبطة جلسات لجنة الخمسين. وقدّمت كذلك المادتين 76 و77 الخاصتين بالنقابات المهنية، ونزلتا بنصّهما كما قدّمتهما، والجلسات مسجلة بصوتي على قناة صوت الشعب. ولأول مرة في تاريخ الدساتير يمثل معلمٌ التعليمَ في لجنة وضع الدستور، وحصلت على تكريم من رئاسة الوزراء ومن وزير التربية والتعليم في ذلك الحين.
فأنا شخصية معروفة لديهم؛ حين يضعون خطة لتطوير التعليم يدعونني إليها، وحين جاء الحوار الوطني دعوني لتعديل قانون التعليم وقانون نقابة المهن التعليمية. الدولة نفسها تعرف قيمة محمد زهران، لكن تحدث بعض البلاغات الكيدية، وبناءً عليها يجري التحقيق بحسب ظروف البلاغ وملابساته، وتتحقق الجهات الأمنية من مدى صحة هذه الادعاءات، وبالتالي أُخلي سبيلي بعد ثلاثة أشهر من الحبس.
وطبيعي، لا شك، أن التجربة صعبة. لو كنتِ في بيتك وأُغلق عليكِ الباب وليس معكِ أحد، والمفتاح في الباب من الخارج، وأنتِ تعرفين أنكِ ستخرجين بعد قليل، وأن أي أحد يمر ستنادينه من العين السحرية فيفتح لكِ، أو ستتصلين بأحد فيفتح لكِ، فستشعرين بالاختناق. بل ستشعرين به لو كان الباب مفتوحًا وليس معكِ أحد في البيت، فما بالكِ وأنتِ مقيّدة الحرية داخل سجن؟ السجن في النهاية مكان لتنفيذ عقوبة.
أدعو الله ألا تتكرر هذه الفترة، لأنها تجربة مؤلمة نفسيًا. لديّ أسرة وبيت وأولاد يحتاجون إلى وجودي معهم، خاصة أن أولادي صغار السن ويحتاجون إلى رعاية ووجود دائم. السجن مهما تقدّم، فيه تلفزيون، وفيه تريّض نخرج فيه ونجلس بالخارج قليلًا، وفيه تهوية، وللمرضى أسرّة، وفيه الوسائل التي تعين على الإقامة داخله، لكنه في البداية والنهاية اسمه سجن.
انتخابات النواب و«أسباب الحبس»
قال كثيرون إن حبسك ارتبط بما حدث في انتخابات مجلس النواب الأخيرة. هل هذا صحيح؟
ترشّحت مستقلًا في انتخابات مجلس النواب 2025 عن دائرة المطرية، وكنت حاضرًا في وسائل الإعلام المصرية والعربية والأجنبية. ذهبت لدفع رسوم الترشح على أساس أنها ألف أو ألفا جنيه كما كنا نرى من قبل، فوجدتها ثلاثين ألف جنيه. فكتبت على صفحاتي: «يا جماعة، أعتذر، فأنا لا أملك سوى راتبي من الوظيفة». رواتب الوظيفة لا تكفي الأساسيات، ولا بد أن نعمل إلى جانبها حتى نغطي الأساسيات والضروريات، ورواتب المعلمين، مثل رواتب العاملين في الدولة، لا تساعد أحدًا على فتح بيت.
كان لا بد أن أنسحب، لكن أهالي الدائرة والأصدقاء والأحباب جمعوا الثلاثين ألف جنيه ودفعوا رسوم ترشحي، والكشف الطبي أيضًا، الذي بلغ عشرة آلاف جنيه، دفعه الناس. ولم أعلّق لافتات دعائية؛ اللافتات يصنعها من يريد أن يعرّف بنفسه، أما أهل الدائرة فيعرفونني. والناس الذين لم يكونوا يشاركون نزلوا، وقالوا لي: «لم ننزل في انتخابات منذ 2013، ونزلنا خصيصًا من أجلك».
وفّقني الله في الجولة الأولى ودخلت الإعادة، وكنت مكتسحًا فيها، ثم فوجئنا بأن النتيجة تغيّرت؛ حدث تلاعب في النتيجة. قدّمنا إلى اللجنة العامة والهيئة الوطنية للانتخابات مستندات تثبت التلاعب والتزوير المتعمد بالرشاوى الانتخابية، وألقت الشرطة القبض على 45 شخصًا كانوا يوزعون الرشاوى ويوجّهون الناخبين لصالح المرشحين الآخرين. وحرّرنا محضر إثبات حالة في قسم المطرية بحدوث تلاعب وتزوير داخل إحدى اللجان، وهذه اللجنة، من بين 46 لجنة، كان استبعاد صندوق واحد منها كفيلًا بتغيير النتيجة، لكن المرشح الثاني صُعّد مكاني. سلكت المسار القانوني، وقدّمت طعنًا أمام محكمة النقض رقم 15 لسنة 96 قضائية، وحجزته المحكمة للحكم في 16 نوفمبر.
من قالوا إنني حُبست بسبب الانتخابات رأوا في الحبس وسيلة ضغط. وقيل أيضًا إنهم أرادوا منعي من الترشح لمنصب نقيب معلمي مصر، لأن الزملاء المعلمين حرّروا لي تفويضات وتوكيلات، وهناك رغبة لدى البعض أو لدى أصحاب القرار في ألا أترشح. هذا ليس اجتهادًا شخصيًا مني، بل كلام قيل كثيرًا وسمعته بعد خروجي، فقد كنت أسير في المسار القانوني ثم حُبست فجأة. وأخبروني أن قنوات خارجية قالت إنني محبوس لمنعي من الترشح، أو للضغط عليّ حتى أتنازل عن دعوى بطلان انتخابات دائرة المطرية المنظورة أمام محكمة النقض.
سمعت هذا كله كما سمعتِه وكما سمعه الناس في الشارع، لكنني لا أستطيع أن أحدد السبب الرئيسي لحبسي، لأنني لا أعرفه. الاتهام نشر وإشاعة أخبار كاذبة، وطلبت من النيابة أن تُريني ما هي الأخبار الكاذبة.
وبعد خروجي سمعت أن هناك من قال إنني حُبست بسبب الطعن الذي أقدّمه ببطلان انتخابات دائرة المطرية، لأن البطلان وتصعيدي سيُغضبان الحزب، فحرصوا على الضغط عليّ. وقال آخرون إن السبب انتخابات نقابة المهن التعليمية المزمعة في فبراير، وإنهم لا يريدونني لأن لي شعبية في الشارع. هناك تكهنات كثيرة، لكن الاتهام الموجود في النيابة نشر وإشاعة أخبار كاذبة، ولم يثبت أمام النيابة أنني نشرت أخبارًا كاذبة، فصدر قرار إخلاء سبيلي بناءً على التحريات التي قالت إن هذا الكلام غير صحيح.
أسباب حبسي كثيرة، والناس تتكلم وتجتهد. لكن هل لديّ معلومة أكيدة عن أسباب حبسي؟ لا والله، لا أعرف. ليتكِ تعرفين أحدًا يقول لي لماذا حُبست.
ميزانية التعليم: مادة دستورية معطّلة
ننتقل إلى ملف التعليم: ما أهم الملفات التي ستعمل عليها بعد عودتك إلى عملك؟
أرى أن ملف التعليم هو الأهم. أنا من وضع مواد التعليم في الدستور، وأكثر من يعرف لماذا اعتُمدت؛ فقد وجدوها كلها ضرورية. طالبت برفع ميزانية التعليم، فلا تعليم يعمل بالمجان، ولا تطوير بالمجان. قلنا في دستور 2014 إن الميزانية يجب أن تكون 4% من الناتج القومي المصري، على أن تزيد تدريجيًا حتى تبلغ المعدلات العالمية في 2016، وهي معدلات كانت تصل حينها إلى 8 و 10% من الناتج القومي، حتى نحقق جودة التعليم المصري. لكن هذه المادة لم تُفعّل حتى الآن، وما زالت الميزانية 2% من الناتج القومي.
لذلك نريد في الفترة المقبلة أن نعمل مع أجهزة الدولة ومؤسساتها، وزارة المالية ووزارة التربية والتعليم ومجلس الوزراء ومجلس النواب، حتى تُفعّل هذه المادة وتزيد الميزانية تدريجيًا حتى تبلغ المعدلات العالمية؛ فلا يوجد تعليم بالمجان. لكن هذا التواصل يحتاج إلى نقابة منتخبة تعبّر عن المعلمين، أما لجنة تسيير الأعمال الموجودة الآن فلا تستطيع الكلام، لأنه ليست لأعضائها أي صفة شرعية في نقابة المهن التعليمية. ومن يدفع ميزانية التعليم؟ الدولة والقيادة السياسية، ولهذا نتواصل مع الدولة.
لدينا أكثر من 60 ألف مدرسة تحتاج إلى ميزانية كبيرة، وأكثر من 26 مليون طالب في التعليم قبل الجامعي. نحتاج إلى ميزانية وعمل كثير، وإلى تعيين معلمين، فلدينا عجز صارخ في المعلمين. ونحتاج كذلك إلى تثبيت المناهج. الأجيال التي سبقتنا، والدكتور مجدي يعقوب والدكتور أحمد زويل والدكتور فاروق الباز، والعلماء المصريون الأفذاذ في أوروبا وأمريكا، تعلّموا جميعًا في المدارس المصرية الحكومية وبالمناهج المصرية. كان المنهج يبقى عشر سنوات دون أن يتغير، فيضبط المعلم نفسه عليه، أما الآن فكل وزير يأتي يقول إنه سيجري عملية تطوير.
ألغى وزيرٌ الصفَّ السادس الابتدائي، وهو الدكتور أحمد فتحي سرور الذي أصبح بعدها رئيسًا لمجلس الشعب، ثم عاد الصف السادس الابتدائي. والثانوية العامة مرة سنتان ومرة ثلاث سنوات، ومرة تكون السنة الثانية شهادة ومرة الثالثة، ثم نجعلها سنة واحدة، ونجعل الامتحانات إلكترونية ثم ورقية؛ كل هذه الأمور تشوّش تفكير الطلاب.
ولكي يكون مسار التعليم معروفًا، يجب أن تكون لدينا استراتيجية طويلة المدى لها أهداف واضحة وطريقة لتحقيقها، تخرّج طالبًا مصريًا يصلح لسوق العمل، فلا يكون لدينا آلاف الخريجين من كليات الآداب والدبلومات الفنية لا يلبّون حاجة سوق العمل. نحتاج إلى خطة واضحة نحدد فيها ما نريده من التعليم، كما تفعل كل الدول: هل نحن دولة اقتصادية؟ تجارية؟ زراعية؟ سياحية؟ ويكون ذلك من صميم المناهج التي تحقق أهداف الدولة من التعليم.
أداء وزير التعليم وخطط التطوير
ما رأيك في أداء وزير التربية والتعليم الحالي؟
شهادتي مجروحة في وزير التربية والتعليم، لأنني موظف في الوزارة. التقيته قبل عامين، وهو على المستوى الإنساني رجل محترم جدًا. أما البكالوريا والثانوية العامة والمناهج، وإلغاء مواد أساسية وتحويلها إلى مواد لا تُضاف إلى المجموع، فلا أستطيع الحكم على أداء الوزير فيها، فأنا في البداية والنهاية موظف في إدارة تعليمية وتحكمني أمور.
لكن لو دُعيت إلى خطة تطوير التعليم، سأقول لوزير التربية والتعليم: واحد، اثنان، ثلاثة. لديّ خطة ورؤية بحكم خبرتي، فقد عملت في جميع مراحل التعليم، الابتدائي والإعدادي والثانوي، ثم في الوظيفة الإشرافية، ولديّ خبرة عملية في الميدان. وشاركت سابقًا في خطة تطوير التعليم، وقدّمت مواد التعليم للدستور، فأنا أعرف ما يُنجح خطة التطوير وما يفيد البلد. لكن هذا لا يكون في سياق سؤال عن أداء الوزير، بل حين أقدّم خطة كاملة فيها الميزانية المطلوبة للتطوير.
في 2010، أيام الوزير الدكتور أحمد جمال الدين، وضعنا خطة لتطوير التعليم بدأت بالمرحلة الابتدائية، وطبّقتها في المطرية، وكانت خاصة بتحسين مهارات القراءة والكتابة. نجحت الخطة، بدليل أن الوزير طلب تعميمها وسألني عن تكلفتها، فقدّمت له رؤية كاملة لتطبيقها على مستوى الجمهورية. لكن الظروف لم تساعده، وأُقيل الدكتور أحمد جمال الدين، وجاء بعده الوزير جمال العربي بخطة أخرى بعد قيام الثورة، ولم يستمر أكثر من ستة أشهر، مثل الحكومة كلها في ذلك الوقت.
ومع الوزراء المتتالين يأتي كل وزير بخطة مختلفة. لذلك، كي أدلي بدلوي فيما يجري في الحقل التعليمي، يجب أن أكون حاضرًا في مؤتمر أو في خطة من خطط تطوير التعليم، أقدّم فيها خطة جاهزة بنيتها على خبرات سنوات طويلة من العمل والدراسة والبحث.
نقابة المهن التعليمية: حراسة ولجنة تسيير أعمال
هل تنوي الترشح لنقابة المعلمين؟ حدّثنا عن النقابة.
نقابة المهن التعليمية، المعروفة باسم نقابة المعلمين، قصة كبيرة. لها القانون رقم 79 لسنة 1969، ولم يتغير هذا القانون منذ ذلك الحين. سيطرت عليها لجنة تسيير أعمال من 2000 إلى 2011، حتى رفعت دعوى قضائية أُجريت بموجبها الانتخابات في 2011؛ أي إن النقابة بقيت أحد عشر عامًا تحت لجنة تسيير أعمال بلا أي صفة. شاركت في انتخابات 2011، وترشحت على اللجنة النقابية في المطرية وفزت برئاستها، وترشحت كذلك لمنصب النقيب العام.
في ذلك الوقت كان الإخوان يفوزون بكل المقاعد، لأن الناس أرادت التخلص من بقايا نظام مبارك، فأخذوا مجلسَي الشعب والشورى والحكومة والرئاسة، لأنهم كانوا منظمين. كانت الأصوات من خارج الإخوان قليلة، لكنني بهذا العدد البسيط حللت ثانيًا بعد النقيب الإخواني الدكتور أحمد الحلواني. ثم استبعد حكمٌ قضائي النقيبَ الإخواني ومجلس إدارة النقابة، وكان الطبيعي أن أتسلّم النقابة بوصفي الثاني في الأصوات. لكنني فوجئت بأنهم يريدون أن يفرضوا عليّ الأشخاص أنفسهم الذين أنهكوا النقابة ودمّروها وأهدروا أموالها، ولا أريد أن أقول سرقوها، مع أنهم سرقوها بالفعل ومعي مستندات بذلك من قبل ثورة يناير.
كانت النقابة كلها من الإخوان، وأنا الوحيد من خارجهم، فقلت لوزير التربية والتعليم وللأجهزة المعنية: لن أدخل النقابة إلا إذا أُجريت انتخابات على المجالس كلها، اللجان النقابية والنقابات الفرعية والنقابة العامة، حتى تكون لمن يعمل معي صفة مشروعة، بل سأترشح أنا أيضًا لمنصب النقيب العام، ومن يريد أن يترشح فليترشح. كانوا يريدون أن تمضي الأمور كما هي، ثم فوجئنا بأربعة من الزملاء، للأسف، يرفعون دعوى بفرض الحراسة على النقابة، وفُرضت الحراسة على نقابة المهن التعليمية في 31 مارس 2014.
منذ ذلك التاريخ تحرّكت قضائيًا لإنهاء الحراسة، فالحراسة على النقابات تعني إهدارها وتدميرها، وتوقف الخدمات عن الأعضاء، ولا نعرف أين تذهب الأموال. وحصلت في 2017 على حكم باستبعاد الحارس القضائي لأنه لم يودِع كشف حساب، فلم يعرف أحد شيئًا عن موارد النقابة وأراضيها، وحصلت من المحكمة على شهادة بأنه لم يودِع أي كشف حساب طوال أربع سنوات. ومن كانوا يعاونونه حينها هم أنفسهم الموجودون الآن بلا أي صفة. كان المفترض أن يُحاكَم الحارس القضائي ومن معه، لكنه رحل وبقوا هم في أماكنهم بلا محاكمات، واستمروا في النقابة بلا صفة، لا بحكم محكمة ولا بانتخابات.
ما صفتهم؟ لا شيء. يقولون: لجنة تسيير أعمال. لا يوجد في قانون نقابة المهن التعليمية شيء اسمه تسيير أعمال؛ إما أن يدير النقابة مجلس إدارة منتخب، وإما أن تكون تحت الحراسة القضائية بحكم محكمة. هل تتخيلين أن هناك أشخاصًا دخلوا بيتك وجلسوا فيه بلا أي صفة، يوقّعون شيكات بالملايين يوميًا، ويدّعي أحدهم أنه نقيب، والآخر أنه أمين عام النقابة، والثالث وكيلها، وغيرهم نقباء للنقابات الفرعية في المحافظات حتى أسوان؟ لدينا نقابات فرعية في كل المحافظات، وثلاثمئة لجنة نقابية، والنقابة العامة، وكل الموجودين فيها ليست لهم أي صفة على الإطلاق، والمفترض أن يُحاكَموا جنائيًا. شخص يوقّع شيكات بلا صفة، ويصرف ويحوّل، دون أي كشف حساب.
ورفعت دعوى أخرى صدر فيها حكم في 30 أكتوبر 2018 بإنهاء الحراسة. قلنا حينها: لننسَ الفترة من 31 مارس 2014 حتى 30 أكتوبر 2018، ونبدأ صفحة جديدة، وندعُ إلى انتخابات. لكن الموجودين رفضوا إجراء الانتخابات، فرفعنا قضية ثانية وثالثة، إلى أن صدر حكم في 25 نوفمبر 2025، أثناء انتخابات مجلس النواب، باستبعاد الموجودين وإلزامهم بالدعوة إلى انتخابات، فتصدّوا له ولم ينفّذوه. ولهذا يقول بعض الناس إن إصراري على تنفيذ الأحكام، وهي أحكام منذ 2018، كان سبب حبسي.
هذه من القراءات التي قيلت: بعضهم قال إن السبب ترشحي لمجلس النواب وقضية بطلان انتخابات المطرية، وآخرون قالوا إنه انتخابات النقابة وشعبيتي بين المعلمين. هذا جائز وذاك جائز، لكنني لا أعرف، ولا أملك معلومة أكيدة في هذا الخصوص.
الترشح لمنصب النقيب: «ضمانات من الدولة»
يُفترض أن تجري انتخابات النقابة وفق القانون القديم في فبراير 2027. وترشحي من عدمه مرهون بأن أجد المناخ مهيأً وأن تتوفر ضمانات. ضمانات من أين؟ من الدولة، بأن تجري الانتخابات تحت إشراف قضائي كامل. عندها سأترشح بالتأكيد.
العمل الخدمي أو النقابي يُفترض أن يكون تطوعيًا وبلا مقابل، وأنا حين أترك بيتي وأسرتي لأقدّم عملًا خدميًا أفعل ذلك بلا مقابل. لكن هل يقدّم الموجودون الآن عملًا خدميًا بلا مقابل؟ لا. فهناك مصايف، وأراضٍ تُباع، ومستشفيات وأندية تُؤجَّر في النقابات الفرعية واللجان النقابية والنقابة العامة، وقاعات تُؤجَّر للأفراح والمناسبات، ولجان نقابية تملك قرى سياحية، وملايين في نقابة المهن التعليمية. وأنا، محمد زهران، أدخل زاهدًا في المنصب وفي المال.
معاش المعلم من النقابة، منذ تأسيس نقابة المهن التعليمية وحتى الآن، 120 جنيهًا، يحصل عليه المعلم كل ثلاثة أشهر 360 جنيهًا، بل لا تصله حتى الـ360 جنيهًا. أعتذر عن التعبير، لكن كيلو اللحم صار بأربعمئة وخمسين وخمسمئة جنيه، والمعاش لا يكفي لشراء كيلو لحم. وموارد النقابة كثيرة، وأنا أفهم كيف أجلب لها موارد؛ يمكنني أن أجعل في صندوقها مليارات، وأن أجعل معاش المعلم ألفًا أو ألفًا وخمسمئة جنيه كل شهر، لا كل ثلاثة أشهر، بدلًا من 120 جنيهًا لا تصل إليه.
وأستطيع أن أقدّم خدمات صحية للمعلمين. لدى النقابة مستشفيات على مستوى الجمهورية، ويكفي أن أتعاقد مع التأمين الصحي ليُعالَج المعلمون في مستشفيات المعلمين على نفقته، فالمعلم يدفع اشتراك التأمين الصحي طوال عمره، بدلًا من أن يتبهدل في مستشفيات التأمين الصحي. يدفع التأمين الصحي التكلفة، ويُعالَج المعلم في المكان الذي ينفق عليه وبناه بماله. لديّ آليات لزيادة موارد النقابة وخدماتها للمعلمين.
لكن هذا لن يتم إلا بضمانات كثيرة تتيح لي أن أخوض الانتخابات وأن تصنعني أصوات زملائي المعلمين. يعرف الجميع أن الزملاء يطالبونني دائمًا بالترشح للنقابة، لكنني اعتذرت، لأنني أرى المناخ غير مهيأ، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها. فكي أقدّم عملًا خدميًا لا بد أن تكون لي صلاحيات، وأشعر أن أي شخص سيتسلم النقابة بعد سنوات من تجريفها وتجريف أموالها لن يستطيع أن يعيدها إلى دورها، إلا إذا وُجدت ضمانات من الدولة ودعم منها، فالدولة تدعم النقابات لتقوم بدورها الخدمي للزملاء المعلمين.
منتدى مصر وزيادة رواتب المعلمين
ما رأيك في منتدى مصر الذي عُقد قبل أيام، خاصة في ملف التعليم؟
جرى الحوار في منتدى مصر بإشراف الدولة وبحضور متخصصين، لكن أحداثه وقعت وأنا في الحبس الاحتياطي، وحين خرجت كان المنتدى قد انتهى. رأيت أن السيد رئيس الجمهورية أصدر على هامشه قرارات بالاهتمام برواتب المعلمين، وسمعت وزير المالية يقول، ضمن نتائج المنتدى، إن رواتب المعلمين ستزيد ستة آلاف جنيه على سنتين: ثلاثة آلاف في يوليو 2027 وثلاثة آلاف في يوليو 2028، وذلك لدرجة كبير معلمين، أما المعلم المساعد فسيزيد راتبه خمسة آلاف جنيه، ألفين وخمسمئة في السنة الأولى وألفين وخمسمئة في الثانية. هذه بشارة طيبة من ناحية الزيادة المالية.
لكن أحب أن ألفت نظر السيد وزير المالية إلى أن الرئيس بنفسه قال زيدوا الناس، فيأتون ليقولوا إنهم سيزيدون من هم في الفصول، أما الأخصائيون فلن تزيد رواتبهم، أو سينظرون كيف يزيدونها. المادة 22 من الدستور نصّت على المعلمين ومعاونيهم، والمعاونون هم الأخصائيون. والقانون 155 لسنة 2007 والقانون 93 لسنة 2012 نصّا على أن الأخصائيين مثل المعلمين في الكادر المالي. لكن وزير المالية، للأسف، تحدث عن الذين يتعاملون مع الطالب مباشرة، وقال إنهم سيفكرون في زيادة الأخصائيين.
لا يوجد أخصائي دوره أقل. الأخصائي الاجتماعي وجوده ضروري في المدرسة، وكذلك الأخصائي النفسي، وأخصائي الصحافة والإعلام التربوي، وأخصائي الوسائل التعليمية، وأخصائي المسرح، وأخصائي المكتبات، وأمناء المعامل. وللإداريين والعمال في المدرسة مهامهم أيضًا. المدرسة منظومة متكاملة، ولا يصح أن نعطي واحدًا ونترك الآخر، كما حدث حين وضعوا حافز تطوير وحافز تدريس للمعلمين الذين في الفصول ولم يضعوه للأخصائيين. العدالة والقانون والدستور تقول «المعلمون ومعاونوهم»، والمعاون هو كل من يشترك في العملية التعليمية، بمن فيهم الموجّهون في الإدارات ورؤساء الأقسام.
وإلا فلنعدّل القانون ونقل إننا لا نريد الأخصائي الاجتماعي والنفسي وأخصائي النشاط والصحافة في العملية التعليمية. بدونهم تتحول العملية التعليمية إلى تلقين فقط، والتلقين يصلح له السنتر التعليمي، فلا نحتاج إلى فصول ولا مدارس. المدارس لم تُنشأ من أجل التلقين، فالتلقين يمكن أن يكون في البيوت والسناتر والدروس الخصوصية. العملية التعليمية منظومة لكل فرد فيها دور، العامل والحارس الليلي وأمين المعمل، والأخصائيون جميعًا لهم أدوار في التوصيف الوظيفي مثل المعلم بالضبط، ولا نستطيع أن نقصيهم من أي زيادة خاصة بالمعلمين.
ثم إن الرئيس لم يقل هؤلاء يأخذون وهؤلاء لا يأخذون؛ السيد الرئيس وجّه بزيادة العاملين في حقل التعليم. واحترامًا للدستور، الذي تقول مادته 22 «المعلمون ومعاونوهم»، لا يُستثنى أحد من هذه الزيادة.
كلمة أخيرة
كلمة أخيرة قبل أن نختم حوارنا.
أرى أن البيانات والتصريحات التي نسمعها يوميًا من المسؤولين ومن القيادة السياسية في الفترة الحالية تؤكد أن هناك أملًا، وأن البلد يسير في طريق جيد، وأن الرئيس يهتم بجميع الملفات. ملف التعليم من أصعب الملفات، وقد أولاه الرئيس اهتمامًا في منتدى مصر بتصريحات واضحة وزيادة في رواتب المعلمين، والمعلم رأس العملية التعليمية، فما دام الرئيس يهتم بالمعلم فهو مهتم بملف التعليم.
وصلاح التعليم صلاح للدولة: إذا أردنا اقتصادًا أو زراعة أو سياسة خارجية فلا بد من تعليم، لأن المعلم والمدرسة والمؤسسة التعليمية هي التي تخرّج القاضي والسفير والوزير والمحامي والطبيب. إذا صلحت منظومة التعليم صلح حال بقية المنظومات: الصحة والاقتصاد والعلاقات الخارجية والقضاء.
أقول هذا الكلام، وأنتِ تعرفين والناس تعرف، ليست لي مصلحة فيه، بل هو شعور حقيقي. رغم الآلام التي حدثتك عنها، هذه الدولة دولتي ومصر بلدي، فإذا لم أمد يدي للدولة وللقائمين عليها في هذا التوقيت الصعب، فمن يفعل؟ ليس لنا بلد غيرها. حين تقع مشكلة في أي دولة يأتي أهلها إلى مصر، فإذا وقعت مشكلة في مصر، لا قدّر الله، فإلى أين نذهب؟ لن يستقبلنا أحد. لكل دولة مشكلاتها وأعباؤها، لكن مصر، إن شاء الله، آمنة إلى يوم الدين.
