في غضون أيام، وجدت القاهرة نفسها أمام تطورين متزامنين في الملف الليبي، يرتبط الأول بتصديق مجلس النواب في بنغازي على مذكرة التفاهم البحرية الموقعة بين تركيا وحكومة فايز السراج عام 2019، رغم اعتراض مصر، والثاني باتساع الاتصالات التركية مع معسكر شرق ليبيا، وصولًا إلى بحث ترتيبات لتوحيد المؤسسة العسكرية.
ويضع هذا التحول مصر أمام اختبار يتجاوز الخلاف على ترسيم الحدود البحرية، إلى مستقبل نفوذها لدى حليفها التقليدي في شرق ليبيا، في وقت تسعى فيه أنقرة إلى توسيع حضورها لدى طرفي الصراع، والاستفادة من علاقاتها المتنامية بهما في أي تسوية سياسية أو عسكرية مقبلة، ما تعتبره القاهرة تهديدًا لمصالحها وعمقها الاستراتيجي.
في 26 أكتوبر الجاري، التقى رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية، اللواء حسن رشاد، الفريق أول صدام حفتر، نائب القائد العام للقوات المسلحة التابعة لمعسكر الشرق، وبحسب وسائل إعلام مصرية، بحث الجانبان تطورات الأوضاع السياسية، وأكدا أهمية العلاقات الثنائية وتسريع العملية السياسية بما يضمن استقرار ليبيا وتوحيد مؤسساتها، لكن المعلومات المنشورة عن اللقاء لم تتضمن إعلانًا عن تفاهم بشأن المذكرة البحرية، أو إشارة صريحة إلى مطالبة القاهرة صدام حفتر بالتراجع عن التصديق عليها.
وجاء اللقاء بعد يومين من اتصال رشاد برئيس حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس، عبد الحميد الدبيبة، الذي أبدى، وفقًا لبيان نشره مكتبه الإعلامي، استعداد حكومته لمعالجة المخاوف المصرية المتعلقة بالحدود البحرية والمياه الاقتصادية، عبر الحوار والتنسيق المشترك، بما يصون الحقوق والمصالح البحرية المشروعة للبلدين الشقيقين.
ماذا حدث؟
في 20 أكتوبر، صوّت مجلس النواب الليبي المنعقد في بنغازي، بالإجماع على اعتماد مذكرة التفاهم البحرية الموقعة بين تركيا وحكومة الوفاق الوطني عام 2019، وألغى قراريه السابقين الصادرين عام 2020، بشأن رفض الاتفاقيات مع أنقرة وقطع العلاقات السياسية معها.
وجاء القرار بعد أسبوعين من انتخاب الصالحين عبد النبي العبيدي رئيسًا جديدًا للمجلس، خلفًا لعقيلة صالح، وكان العبيدي قد ترأس لجنة الصداقة البرلمانية الليبية التركية.
وتعود جذور الخلاف إلى 27 نوفمبر 2019، عندما وقعت تركيا وحكومة الوفاق الوطني مذكرة تفاهم لتحديد مجالات الصلاحية البحرية في المتوسط، في أثناء الحرب التي كانت تخوضها قوات خليفة حفتر للسيطرة على طرابلس، وكانت أنقرة تدعم حكومة الوفاق عسكريًا، بينما دعمت القاهرة معسكر الشرق وحافظت على قنوات تواصل مع جميع الأطراف.
وفي يناير 2020، رفض مجلس النواب الليبي المذكرة، وأصدر قرارًا بقطع العلاقات السياسية مع تركيا، لكن العلاقات بين أنقرة وقيادة الشرق أخذت تتغير تدريجيًا، مع تكثيف الاتصالات السياسية والعسكرية بين الطرفين، بالتوازي مع احتفاظ تركيا بعلاقاتها بحكومة طرابلس.
رفض إقليمي
في 21 أكتوبر، أعلنت وزارة الخارجية المصرية رفضها القاطع اعتماد مجلس النواب الليبي للمذكرة، واعتبرتها باطلة ولا ترتب آثارًا قانونية في مواجهة مصر، مؤكدة أنها تمس حقوقها السيادية في منطقتها الاقتصادية الخالصة وجرفها القاري، وتتعارض، مع قواعد القانون الدولي للبحار واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982.
في 26 أكتوبر، أصدرت اليونان والاتحاد الأوروبي وقبرص ومصر والبحرين والإمارات إعلانًا مشتركًا في الأمم المتحدة رفضت فيه المذكرة البحرية، محذرة من تداعياتها على الأمن والاستقرار الإقليميين وحقوق الدول الساحلية الأخرى، أما إسرائيل، فأعلنت رفضها بصورة منفصلة.
وفي المقابل، أعلن وزير الدفاع التركي يشار غولر، في 24 أكتوبر، استعداد بلاده لتوقيع اتفاق مع مصر بشأن ترسيم الحدود البحرية في شرق المتوسط، قائلًا إن المقترح التركي قد يمنح القاهرة مساحة إضافية تقدر بنحو 15 ألف كيلومتر مربع مقارنة باتفاق محتمل مع اليونان.
وفي تحرك إقليمي لاحتواء تداعيات الأزمة الليبية، استضافت الجزائر، في 25 أكتوبر الجاري، اجتماعًا لوزراء خارجية مصر والجزائر وتونس، ضمن آلية دول الجوار الثلاثية المعنية بليبيا، لبحث تطورات الأزمة وسبل دفع التسوية السياسية.
وشدد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيراه الجزائري أحمد عطاف والتونسي محمد علي النفطي على ضرورة التوصل إلى حل سياسي بقيادة ليبية، بعيدًا عن التدخلات والإملاءات الخارجية، مع دعم جهود الأمم المتحدة لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة وفق إطار دستوري وقانوني توافقي، وإنهاء المراحل الانتقالية المتعاقبة التي عمّقت الانقسام المؤسسي، كذلك دعوا إلى الانسحاب الفوري لجميع القوات الأجنبية والمرتزقة والمقاتلين الأجانب من الأراضي الليبية، وتوحيد المؤسسات العسكرية والأمنية، والحفاظ على وحدة ليبيا وسيادتها وسلامة أراضيها ومواردها.
لماذا تعترض القاهرة؟
يرى الكاتب المختص بالشأن الليبي رضا شعبان أن جوهر الاعتراض المصري على تصديق مجلس النواب الليبي على المذكرة، لا يقتصر على التداعيات الاقتصادية، بل يمتد إلى ما قد تفرضه من تحولات في موازين القوى داخل ليبيا، في ظل ما تمنحه لأنقرة من امتيازات أمنية وعسكرية، وما يمكن أن يترتب على ذلك من تهديد للمصالح الاستراتيجية المصرية.
ويقول شعبان، لـ«زاوية ثالثة»، إن «مصر تعترض على اتخاذ شرق ليبيا إجراءات من شأنها تغيير موازين القوى داخل البلاد، من دون تنسيق مسبق مع دول الجوار التي قد تتضرر من هذه الخطوات». ويضيف أن تداعيات الاتفاقية لا تنحصر في الجانب الاقتصادي، إذ ترتبط المذكرة البحرية باتفاقيات تعاون عسكري تشمل التدريب وتأمين الحدود وغيرها من أوجه التعاون، بما يتيح لتركيا توسيع حضورها الأمني والعسكري في ليبيا.
ويعتبر شعبان أن هذا المسار يمس العمق الاستراتيجي لمصر وأمنها القومي، في ظل رفض القاهرة وجود مظاهر عسكرية لدول أجنبية في شرق ليبيا، خشية أن يتجاوز هذا الحضور حدود التعاون الثنائي ويتحول إلى عامل ضغط على الدولة الليبية ومحيطها الإقليمي، مشددًا على ضرورة التشاور بين دول الجوار بشأن الخطوات التي قد تُحدث تغييرات في موازين القوى، مع احترام سيادة ليبيا وعدم المساس بها.
وعن تأثير الاتفاقية على المصالح المصرية، يوضح شعبان أن المخاوف الأمنية والسياسية تتقدم على التداعيات الاقتصادية، من دون أن يعني ذلك غياب الأضرار المحتملة على المصالح المصرية في شرق المتوسط.
ويشير إلى أن القاهرة ترى أن أجزاءً من القطاعات البحرية التي تشملها المذكرة تتداخل مع امتداد منطقتها الاقتصادية الخالصة، بما قد يثير نزاعًا بشأن حقوقها السيادية في استكشاف النفط والغاز الطبيعي والتنقيب عنهما في مناطق واعدة بشرق المتوسط.
كذلك يربط شعبان بين الاتفاقية وخطط مصر لترسيخ موقعها مركزًا إقليميًا لتداول الغاز وتسييله وتصديره، موضحًا أن تثبيت الترتيبات البحرية بين أنقرة والسلطات الليبية قد يضيف تعقيدات إلى مشروعات الطاقة ومسارات نقل الغاز المحتملة إلى أوروبا، إذا تقاطعت تلك المسارات مع المناطق البحرية محل النزاع. ومن ثم، فإن تداعيات الاتفاقية، وفق قراءته، لا تقتصر على ترسيم الحدود، بل تمتد إلى حسابات الطاقة والنفوذ الاقتصادي في شرق المتوسط.
ويرفض شعبان توصيف الموقف المصري باعتباره تحولًا من دعم شرق ليبيا إلى الخصومة معه، موضحًا أن القاهرة، منذ اندلاع الأزمة الليبية، أعلنت دعمها وحدة البلاد وسلامة أراضيها، والدفع نحو إجراء انتخابات يختار الليبيون من خلالها من يحكمهم، بما يمهد لبناء دولة مستقرة وموحدة.
ويقول إن هذا التصور قد يصطدم، بحسب تقديره، بطموحات عائلة حفتر في الوصول إلى السلطة، أو بطرح ترتيبات قد تقود إلى تقسيم ليبيا وإقامة كيان منفصل في شرقها، ويضيف أن القاهرة لن تعترف، وفق قراءته، بأي كيان ينتج عن تقسيم البلاد، معتبرًا أن انفتاح قيادة الشرق على أطراف إقليمية أخرى قد يكون محاولة لتغيير حسابات القاهرة أو ممارسة ضغوط عليها، وإن كان تحديد دوافع هذه التحركات يظل مرتبطًا بمسار الأحداث ومواقف الأطراف المعنية.
كيف تتحرك ليبيا؟ وما حدود التباين؟
من جانبه يعتبر المحلل العسكري الليبي محمد الترهوني أن الاختلاف بين مصر وليبيا في بعض الملفات، وفي مقدمتها اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع تركيا، لا يعني نشوب خلاف استراتيجي بين البلدين، وإنما يعكس تباينًا في تقدير المصالح بين دولتين تربطهما علاقات تاريخية واستراتيجية وثيقة.
ويقول الترهوني، لـ«زاوية ثالثة»، إن القاهرة تسعى إلى حماية مصالحها في ملف الاتفاقية البحرية، في حين تضع القيادة العامة للجيش الليبي، وعلى رأسها نائب القائد العام الفريق صدام حفتر، المصالح الليبية والاستقلالية في اتخاذ القرار ضمن أولوياتها، مشددًا على أن هذا التباين لا ينبغي تضخيمه أو اعتباره مؤشرًا على أزمة وشيكة في العلاقات بين الطرفين.
ويستشهد الترهوني بزيارة حفتر الأخيرة إلى مصر، وما حظيت به من استقبال، معتبرًا أنها تعكس استمرار التواصل بين الجانبين، إلى جانب التصريحات التي أعقبت الزيارة، والتي رأى أنها تؤكد أن ما يجري لا يتجاوز اختلافًا في وجهات النظر بشأن بعض الملفات، وليس خلافًا جوهريًا يمس طبيعة العلاقة بينهما.
ويضيف أن الروابط المصرية الليبية لا تقتصر على التنسيق السياسي والعسكري، بل تمتد إلى المصالح الاقتصادية والاجتماعية، مشيرًا إلى وجود أعداد كبيرة من العمال المصريين في ليبيا، تُقدّر بأكثر من مليوني عامل، فضلًا عن عمل شركات مصرية في السوق الليبية، معتبرًا أن هذه المصالح تمثل أحد أوجه الشراكة القائمة بين القاهرة والقيادة العامة، وتعزز الحاجة إلى الحفاظ على استقرار العلاقات وتطويرها.
ويشدد الترهوني على أن المرحلة المقبلة تستدعي توسيع التعاون بين الجانبين، لا سيما في ظل اتساع نطاق التحديات الأمنية والمهام الملقاة على عاتقهما، مقارنة بالمراحل السابقة، التي شهدت تعاونًا في مكافحة الإرهاب وتأمين الحدود المشتركة. معتبرًا أن هذا الواقع يفرض مزيدًا من التنسيق والتفاهم، بما يتيح معالجة الملفات الخلافية من خلال الحوار، والوصول إلى صيغ تحقق مصالح الطرفين من دون تغليب مصالح دولة على حساب الأخرى.
ويؤكد المحلل العسكري الليبي أن العلاقات بين مصر وليبيا تستند إلى اعتبارات جغرافية وديموغرافية واستراتيجية، إلى جانب المصالح السياسية والاقتصادية والأمنية المشتركة، معربًا عن اعتقاده بأن هذه الروابط ستدفع الطرفين إلى احتواء أي تباينات وتسوية الملفات العالقة، بما يحافظ على الشراكة بينهما.
المبادرة الأمريكية ومستقبل السلطة
يتقاطع الخلاف البحري مع تحركات أمريكية لدفع الأطراف الليبية نحو توحيد المؤسسات وإنهاء الانقسام، وفي أبريل 2026، وقعت المؤسسات الليبية اتفاقًا على ميزانية موحدة، للمرة الأولى منذ عام 2013، بعد أشهر من التيسير الأمريكي.
وتحدثت تقارير صحفية عن تصور أمريكي لتقاسم السلطة، يتضمن احتمال تولي صدام حفتر الرئاسة وبقاء الدبيبة رئيسًا للحكومة، لكن هذه الصيغة لم تُعلن بوصفها اتفاقًا نهائيًا، كما واجهت اعتراضات سياسية داخل ليبيا، وفي سبتمبر، دافع مسعد بولس عن المبادرة باعتبارها مسارًا للشراكة وتوحيد المؤسسات تمهيدًا للانتخابات، لا ترتيبًا نهائيًا لتسليم السلطة لشخص بعينه.
وفي هذا السياق، قد يمنح التقارب التركي مع صدام حفتر أنقرة دورًا أكبر في أي ترتيبات سياسية مقبلة، ويربط محللون هذا التحول بمساعي تركيا لتوسيع نفوذها، وبطموحات صدام حفتر السياسية.
وتعززت العلاقات التركية مع قيادة الشرق عبر سلسلة من الاتصالات والزيارات، ففي أغسطس 2026، التقى وزير الخارجية التركي هاكان فيدان خليفة حفتر وصدام حفتر في بنغازي، بعد لقاءات سابقة بين المسؤولين العسكريين من الجانبين.
وفي 20 أكتوبر الجاري، التقى رئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم قالن الدبيبة في طرابلس، لبحث توحيد المؤسسات والإدارات والقوات العسكرية، فيما استضافت أنقرة في 23 أكتوبر محادثات بين صدام حفتر وعبد السلام الزوبي، ممثل وزارة الدفاع في حكومة الوحدة الوطنية، بشأن ترتيبات محتملة لتوحيد المؤسسة العسكرية.
دوافع التحرك التركي
يربط المحلل السياسي المتخصص في شؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والعلاقات الدولية فادي عيد تصديق مجلس النواب الليبي على مذكرة التفاهم البحرية الموقعة، بتحولات أوسع في موازين القوى الإقليمية، معتبرًا أن أنقرة تستغل انشغال الولايات المتحدة الأمريكية بأزمات المنطقة، وتراجع رغبتها في الانخراط المباشر في الشرق الأوسط، لتوسيع نفوذها البحري والسياسي.
ويقول عيد، لـ«زاوية ثالثة»، إن توقيت التحرك التركي يرتبط بثلاثة اعتبارات رئيسية: انشغال القوى الدولية بالتطورات المحيطة بمضيق هرمز وإيران، وما يراه دعمًا أمريكيًا متزايدًا للدور التركي، إلى جانب حاجة أنقرة إلى تحقيق مكسب إقليمي يعوض ما يعتبره انتكاسة في علاقتها بأذربيجان، ويعيد تقديم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان داخليًا بوصفه قائدًا قادرًا على تحقيق انتصارات استراتيجية.
يعتقد عيد أن تركيا كانت من أوائل دول المنطقة التي استوعبت اتجاه الولايات المتحدة الأمريكية إلى تقليص انخراطها المباشر في الشرق الأوسط، وسعت إلى استثمار هذا التحول لتوسيع دورها الإقليمي، ويضع في قلب هذه المعادلة توم باراك، السفير الأمريكي لدى تركيا، الذي يرى أنه يدفع باتجاه منح أنقرة مساحة أوسع للتحرك، ويتمتع بتأثير في توجهات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
ويشير عيد إلى وجود تباينات داخل الإدارة الأمريكية بشأن حدود الدور التركي، لافتًا إلى ما يراه اختلافًا بين مقاربة باراك ومواقف وزير الخارجية ماركو روبيو ونائب الرئيس جيه دي فانس، في ظل التباين حول دور الإسلام السياسي ومستقبل الترتيبات الإقليمية.
ويذهب عيد إلى أن التصور الذي يطرحه باراك يقوم على التعامل مع تركيا باعتبارها قوة إقليمية قادرة على إدارة ملفات متعددة، بما يخفف العبء عن واشنطن ويحد من حاجتها إلى التعامل المباشر مع عدد كبير من دول المنطقة. ويرى أن هذا التصور ينسجم مع رغبة أنقرة في توسيع نفوذها، لكنه يثير تساؤلات بشأن طبيعة القوى السياسية التي قد تستفيد من إعادة ترتيب الإقليم على هذا النحو.
ويستشهد عيد بمواقف روبيو تجاه اليونان، معتبرًا أن زيارته وتصريحاته بشأن مكانة الحضارة اليونانية تعكسان، في قراءته، أن واشنطن ليست كتلة واحدة في موقفها من التنافس التركي اليوناني، وأن منح أنقرة هامشًا أوسع للحركة لا يعني بالضرورة تخلي الولايات المتحدة الأمريكية عن حلفائها الأوروبيين أو قبولها بكل خطوات تركيا.
إلى جانب الحسابات الأمريكية، يربط عيد التحرك التركي في ليبيا بالتطورات الأخيرة في علاقة أنقرة بباكو، معتبرًا أن مواقف الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف العلنية تجاه أردوغان ومستشاريه ألحقت ضررًا بصورة القيادة التركية، وأثارت صدى داخل الشارع التركي.
ويشير عيد إلى الخلاف الذي أحاط بأوكتاي سارال، أحد مستشاري أردوغان، وما تلاه من مغادرته منصبه، معتبرًا أن سرعة الاستجابة للموقف الأذربيجاني، وفق روايته، عكست حجم الضغط الذي تعرضت له القيادة التركية. ويرى أن هذه التطورات أوجدت حاجة لدى أنقرة إلى إظهار قدرتها على تحقيق مكاسب في ساحة أخرى، وتقديم تحركها في ليبيا باعتباره إنجازًا استراتيجيًا جديدًا.
ويقول عيد إن الاتفاق البحري مع ليبيا ليس، في هذا السياق، مجرد تفاهم بشأن الحدود البحرية، بل خطوة يمكن توظيفها سياسيًا لإظهار أن تركيا لا تزال قادرة على توسيع نفوذها، حتى في ظل ما يصفه بتراجع قدرتها على فرض إرادتها على بعض حلفائها السابقين.
«الوطن الأزرق».. ما وراء الاتفاق البحري
يعتبر عيد أن مذكرة التفاهم البحرية مع ليبيا تمثل خطوة مهمة في مشروع «الوطن الأزرق»، الذي يصفه بأنه أحد أبرز المشروعات الاستراتيجية التركية للقرن المقبل. ويقول إن المشروع تبلور عبر سنوات من العمل داخل المؤسسة العسكرية التركية، خصوصًا لدى قيادات البحرية، ويستهدف توسيع نطاق الحضور البحري التركي وتعزيز مطالب أنقرة في المناطق المحيطة بها.
ووفق قراءة عيد، لا يقتصر المشروع على البحر المتوسط، بل يشمل البحر الأسود ومناطق بحرية أخرى ترتبط بالمصالح التركية في البحر الأحمر والقرن الأفريقي وبحر العرب. ويهدف، بحسب طرحه، إلى تعزيز موقع تركيا في طرق التجارة والطاقة والنقل البحري، وتوسيع قدرتها على التأثير في خطوط إمداد النفط والغاز بين الشرق والغرب.
ويضع عيد هذا المشروع في سياق تصورات أوسع لربط البحار والممرات التجارية، مستحضرًا مشروع «تشبيك البحار الخمسة» الذي ارتبط بسوريا خلال حكم بشار الأسد، والقائم على توظيف الموقع الجغرافي السوري لربط الخليج العربي وبحر العرب والبحر الأحمر والبحر المتوسط وبحر قزوين في شبكات التجارة والطاقة. ويرى أن التصور التركي يعيد صياغة فكرة توظيف الجغرافيا البحرية لخدمة النفوذ الاقتصادي والسياسي، وإن اختلفت الجغرافيا والأهداف بين المشروعين.
ويشرح عيد أن الخلاف التركي اليوناني بشأن ترسيم الحدود البحرية يمثل عقبة أساسية أمام طموحات أنقرة. فالجزر اليونانية القريبة من السواحل التركية تمنح أثينا أساسًا للمطالبة بمناطق بحرية واسعة، في حين ترى تركيا أن تطبيق هذه المطالب على نحو يحرمها من امتداد بحري أوسع لا يراعي موقعها الجغرافي وطول سواحلها.
ويستشهد عيد بجزيرة كاستيلوريزو، التي يسميها الأتراك «ميس»، مشيرًا إلى قربها الشديد من الساحل التركي، مقابل بعدها عن البر الرئيسي اليوناني. ويعتبر أن هذا التداخل الجغرافي يمثل أحد أسباب اعتراض أنقرة على الترتيبات البحرية القائمة، ويشرح جانبًا من دوافعها إلى البحث عن تفاهمات مع أطراف أخرى، وفي مقدمتها ليبيا.
ويضيف أن مذكرة التفاهم مع ليبيا تمنح تركيا، من وجهة نظرها، فرصة لتوسيع نطاق مطالبها البحرية إلى مناطق أبعد من سواحلها، وتغيير المعادلة التي تسعى اليونان إلى تثبيتها في شرق المتوسط. لكنه يميز بين الهدف الاستراتيجي التركي وبين إمكانية فرضه فعليًا، مؤكدًا أن الخطوة لا تعني أن المطالب البحرية لأنقرة أصبحت معترفًا بها دوليًا، أو أن الخلافات القانونية والسياسية بشأنها قد حُسمت.
ويقول عيد إن الأهمية الأساسية للاتفاق تكمن في أنه يكشف كيف تفكر تركيا في إعادة تشكيل المجال البحري المحيط بها، وكيف تسعى إلى تحويل تفاهماتها مع الأطراف الإقليمية إلى أدوات لترسيخ مشروع «الوطن الأزرق». وبحسب قراءته، فإن أنقرة تتعامل مع المذكرة باعتبارها مدخلًا لتوسيع نفوذها البحري، حتى إذا ظل تنفيذ هذا التصور محل اعتراض من دول أخرى.
مكسب تركي قد يفتح جبهة أخطر
على الرغم من اعتباره الاتفاق مكسبًا استراتيجيًا لتركيا على مستوى تثبيت مطالبها البحرية، يرى عيد أن أنقرة ربما لم تحسب بدقة كلفة ردود الفعل الإقليمية. ويشير إلى اعتراض مصر واليونان وقبرص، وإلى مواقف أوروبية وإقليمية متحفظة، معتبرًا أن الخطوة قد تدفع هذه الأطراف إلى تعزيز التنسيق فيما بينها في مواجهة التحركات التركية.
ويقول إن دائرة الاعتراض لا تقتصر على الدول المتشاطئة في شرق المتوسط، بل تمتد إلى أطراف أخرى ترى أن توسيع النفوذ التركي قد يغير موازين القوى الإقليمية، ويشير، في هذا السياق، إلى تحفظات إسبانية وأوروبية، فضلًا عن موقف الجزائر وتونس، اللتين يرى أن لديهما أسبابًا للقلق من تداعيات التمدد التركي في شمال أفريقيا.
كما يلفت عيد إلى احتمال أن يؤدي التصعيد التركي إلى زيادة دعم الإمارات لليونان، بما يضيف بعدًا جديدًا إلى التنافس في شرق المتوسط. ويرى أن أنقرة قد تجد نفسها أمام مفارقة استراتيجية: تحقق مكسبًا على الورق في الملف الليبي، لكنها تدفع أطرافًا متعددة إلى التقارب مع اليونان، وتزيد من تعقيد علاقاتها مع دول كانت لديها دوافع لتوسيع التعاون معها.
ويعتبر عيد أن التوقيت يثير تساؤلات إضافية، خصوصًا في ظل ما يصفه بتحسن التعاون العسكري بين القاهرة وأنقرة خلال الفترة الأخيرة، ويقول إن إعادة إثارة الخلاف حول الاتفاق البحري قد تعيد التوتر إلى العلاقات المصرية التركية، وتثير مخاوف لدى الجزائر وتونس، حتى إذا لم تكن لديهما خلافات مباشرة مع الحكومة التركية.
ويضيف أن الخطوة قد تزيد أيضًا من حدة التباينات داخل الإدارة الأمريكية بشأن الدور التركي، وتمنح الأطراف المتحفظة على سياسات أنقرة مبررات إضافية للضغط باتجاه تقييد تحركاتها.
وبناءً على ذلك، يصف عيد القرار التركي بأنه مخاطرة سياسية، إذ قد يحقق لأنقرة مكسبًا في ملف ترسيم الحدود، لكنه يوسع في المقابل دائرة الأطراف التي ترى في تحركاتها مصدرًا للقلق. ويشدد على أن الإعلان عن مكسب استراتيجي لا يساوي بالضرورة القدرة على تحويله إلى واقع قانوني أو سياسي مستقر.
خيارات القاهرة مرهونة بحجم التهديد
بشأن السيناريوهات المقبلة، يقول رضا شعبان إن تحديد مسارات التحرك يظل من اختصاص المسؤولين المصريين، لكنه يرى أن الخيارات المتاحة أمام القاهرة تتدرج من تكثيف الاتصالات مع الأطراف الليبية المعنية، ومراجعة المواقف، والتأكيد على ضرورة التشاور مع دول الجوار قبل اتخاذ خطوات تمس موازين القوى الإقليمية، وصولًا إلى اتخاذ إجراءات لمواجهة الأضرار المحتملة على الأمن القومي المصري.
ويوضح أن طبيعة التحرك المصري ستظل مرتبطة بحجم التهديد وشكله، وبما قد يترتب على الاتفاقية من تداعيات فعلية، مشددًا على أن الروابط التاريخية والجغرافية بين مصر وليبيا تفرض، في تقديره، تنسيقًا يحول دون تحوّل الخلافات حول الترتيبات البحرية والأمنية إلى مصدر أوسع لعدم الاستقرار.
وفيما يتعلق بإمكانية لجوء مصر إلى القانون الدولي إذا لم تتراجع السلطات الليبية عن التصديق، يقول شعبان إن قواعد القانون الدولي تكفل للدول حماية حقوقها ومصالحها السيادية، مع مراعاة حقوق الدول الأخرى وعدم الإضرار بها، لكنه يلفت إلى أن المسار القانوني المتصل بالحدود البحرية والحقوق الاقتصادية يختلف عن المخاوف الأمنية والسياسية التي تثيرها الاتفاقية، والتي تتطلب، إلى جانب التحركات القانونية الممكنة، معالجة سياسية وأمنية.
القاهرة والجزائر.. مراجعة التحالفات في ليبيا
من جانبه يرى فادي عيد أن القاهرة بحاجة إلى مراجعة مقاربتها للتعامل مع القوى الليبية، وعدم ربط مصالحها بطرف واحد مهما بلغت درجة التعاون معه في مراحل سابقة. ويقول إن التجربة تفرض، من وجهة نظره، التعامل مع الأطراف الليبية في الشرق والغرب بمسافة واحدة، على أساس المصالح المصرية ووحدة الدولة الليبية، بدلًا من التعويل على طرف بعينه باعتباره الضامن الوحيد لهذه المصالح.
ويضيف أن مصر مطالبة بإعادة تقييم تجربتها مع عائلة حفتر، معتبرًا أن الرهان عليها بوصفها شريكًا ثابتًا قد يجعل المصالح المصرية عرضة لتبدل حساباتها وتحالفاتها الخارجية. ويرى أن التحرك التركي الأخير يستدعي استخلاص دروس من ملفات إقليمية أخرى، بينها السودان والصومال، حيث يعتبر أن أنقرة نجحت في توسيع نفوذها على حساب هامش الحركة المصري.
ويطرح عيد الجزائر بوصفها طرفًا يمكن أن تعزز القاهرة التنسيق معه بشأن ليبيا. ويقول إن الجزائر قرأت، منذ بداية الأزمة، طبيعة الدور الذي يؤديه خليفة حفتر من زاوية المخاطر الأمنية، وتعاملت معه باعتباره قائدًا عسكريًا لطرف في الصراع، لا شريكًا يمكن الاطمئنان إلى ثبات حساباته.
ويشير إلى أن المقاربة الجزائرية ركزت على تأمين الحدود والمصالح الوطنية، بما في ذلك التعامل مع القوى الموجودة في غرب ليبيا، وتجنب الصدام المباشر مع تركيا، مع رسم حدود لحركة الأطراف في الشرق. ويرى أن القاهرة يمكن أن تستفيد من هذه المقاربة في صياغة سياسة أكثر توازنًا، تأخذ في الاعتبار تعدد مراكز القوة داخل ليبيا وتشابك مصالح القوى الإقليمية.
ويشدد عيد على أن التنسيق المصري الجزائري ينبغي ألا يتحول إلى اصطفاف ضد طرف ليبي بعينه، بل يجب أن يستهدف حماية المصالح المشتركة ومنع فرض ترتيبات جديدة من دون مراعاة دول الجوار. كما يدعو إلى التعامل وفق معايير واحدة مع القوى الليبية المختلفة، معتبرًا أن حساباتها تحكمها اعتبارات براغماتية ومصالح متغيرة، سواء في الشرق أو الغرب.
ويربط عيد هذه المراجعة بضرورة أن تستوعب القاهرة دروس التجربتين السودانية والصومالية، وألا تسمح بتكرار ما يراه تراجعًا في دورها الإقليمي نتيجة تمدد النفوذ التركي. ويعتبر أن بناء سياسة أكثر توازنًا في ليبيا يتطلب تنويع قنوات الاتصال والتحالف، بدلًا من وضع المصالح المصرية في سلة طرف واحد.
ويشدد على أن القاهرة لا تزال أمام خيارات متعددة، تبدأ بتكثيف الاتصالات السياسية وإعادة ضبط العلاقات مع القوى الليبية، ولا تستبعد إظهار موقف أكثر حزمًا إذا تطلبت حماية المصالح المصرية ذلك. لكنه يشدد على أن تحديد طبيعة التحرك وحجمه يجب أن يرتبط بتقييم دقيق للتهديد، وبما يحافظ على الأمن القومي المصري ووحدة ليبيا، ويحول دون اتساع دائرة التوتر في شرق المتوسط وشمال أفريقيا.
في ضوء هذه التطورات، لا يقتصر التحدي أمام القاهرة على الاعتراض على مذكرة التفاهم البحرية الليبية التركية، أو احتواء تداعياتها القانونية والاستراتيجية، بل يمتد إلى مراجعة أدوات إدارة الملف الليبي في ظل تغير حسابات القوى المحلية وتنامي الحضور التركي لدى طرفي الصراع. وبينما تواصل مصر تحركاتها السياسية والأمنية للحفاظ على مصالحها، يبقى مدى قدرتها على تنويع قنوات التواصل مع الأطراف الليبية، وتعزيز التنسيق مع الجزائر ودول الجوار، عاملًا مؤثرًا في تحديد موقعها داخل المعادلة المقبلة.
