لم يكن مينا صلاح يتوقع أن تتحوّل رحلة البحث عن مسكن إلى معركة طويلة مع مقاولين، أحدهم يشغل مقعدًا برلمانيًا وعضوية بلجنة الإسكان. بعد أن دفع مقدمًا لوحدة سكنية عبر وسيط خاص، يقول إنه اكتشف أن العقار مسجّل باسم شخص وصفه بأنه واجهة وهمية يُعرف في السوق باسم “كُحيل”، وأن عملية التسليم تماطل بلا نهاية. “بدأوا يطلبون أموالًا إضافية، ثم تحولت الضغوط إلى تهديدات غير مباشرة”، يقول في حديثه إلى زاوية ثالثة، مشيرًا إلى أنه اضطر في النهاية لبيع الشقة بخسارة.
من تلك التجربة، توجّه مينا نحو مشروعات الإسكان الاجتماعي التي تُعلن عنها الدولة باعتبارها بديلاً أكثر أمانًا. دفع 300 جنيه لشراء كراسة شروط ضمن مشروع “سكن لكل المصريين 3″، ثم سدد 22 ألف جنيه كمقدم حجز، وشرع في استكمال المستندات المطلوبة. لكن بعد شهرين من الانتظار، تلقّى رسالة تُخبره أنه خارج قائمة الأولوية. “كانت صدمة جديدة”، يعلّق، “لكنني قررت الانتظار للإعلان التالي.”
ويضيف مينا: “انتظرت حتى أعلن صندوق الإسكان الاجتماعي عن مشروع (سكن لكل المصريين 5)، فبدأت من جديد رحلة الأوراق. جمّدت مبلغ 30 ألف جنيه في قطعة ذهب كنت أحتفظ بها، ثم قمت ببيعها وسددت مبلغ جدية الحجز، إلى جانب كلفة كراسة الشروط. انتظرت نحو خمسة أشهر حتى وصلتني رسالة تفيد بانطباق الشروط عليّ مبدئيًا، شعرت وقتها بالارتياح. لكن بعد شهر إضافي، تلقيت رسالة جديدة تخبرني أنني خارج الأولوية، وأن عليّ انتظار الطرح المقبل، وشراء كراسة جديدة، مع استكمال مبلغ جدية الحجز الذي ارتفع في الإعلان الجديد إلى 50 ألف جنيه.” ويتساءل: “لماذا لا تؤجل وزارة الإسكان تحصيل قيمة الكراسات وجدّية الحجز إلى ما بعد إعلان المقبولين؟ ماذا تفعل بكل هذه الأموال التي تُحصّل مقدمًا؟”
على مدى العقد الأخير، برزت مشروعات الإسكان كأحد المحاور الأساسية في خطاب الدولة المصريّة، لا سيما مشروعات الإسكان الاجتماعي والمتوسّط التي تشرف عليها وزارة الإسكان وهيئة المجتمعات العمرانية، بهدف توفير مساكن بأسعار مدعومة للفئات الأقل دخلًا. غير أن تجارب متكررة لمواطنين مثل مينا تكشف عن صورة موازية خلف المشهد الرسمي: تأخيرات مزمنة في التسليم، غياب الشفافية بشأن مصير المدفوعات، وتضخم متكرر في مبالغ الجدية دون ضمانات واضحة. هذه المعطيات تثير تساؤلات حول آليات إدارة تلك الأموال، ومدى التزام الجهات الرسمية بمعايير الحوكمة والمسؤولية المالية تجاه المواطنين.

أين تذهب أموال الحاجزين؟
تتقاطع شهادات العديد من المواطنين الذين تحدثوا إلى زاوية ثالثة حول مشروعات الإسكان الاجتماعي، في وصف تجربة تتكرر بتفاصيلها: تأخر في مواعيد التسليم، ومصاريف إدارية غير قابلة للاسترداد، وكراسات شروط بلغت كلفتها في آخر إعلان 700 جنيه، رغم محدودية الوحدات المطروحة مقارنة بمئات الآلاف من المتقدمين في كل مرة. هذا الواقع يدفع كثيرين للتساؤل عن جدوى الإجراءات، وشفافية التعامل مع أموال المواطنين.
من بين هؤلاء، أحمد سالم، موظف حسابات في شركة خاصة بالجيزة، يروي تجربته قائلاً: “حين قررت التقديم في مشروع الإسكان الاجتماعي بمدينة السادس من أكتوبر عام 2020، كنت آمل أن أتخلّص من الإيجار المتكرر، خاصة بعد الارتفاع الكبير في الأسعار. سددت المقدم المطلوب، والتزمت بالأقساط الشهرية كما طُلب، وكان الوعد الرسمي واضحًا: تسليم الوحدة خلال 36 شهرًا كحد أقصى.”
لكن الموعد مرّ دون أي إشعار، ليدخل سالم في سلسلة استفسارات لم تُجدِ نفعًا. “ذهبت مرارًا إلى جهاز مدينة حدائق أكتوبر، وكل ما تلقيته كان عبارات فضفاضة: (جارٍ التنفيذ، المشروع في مراحله النهائية، التسليم قريبًا)، ولا شيء ملموس حتى الآن”، يضيف.
واليوم، ومع اقتراب منتصف عام 2025، لا يزال سالم بلا وحدة سكنية، ويعيش تحت وطأة التكاليف المزدوجة. “أدفع إيجارًا شهريًا مرتفعًا، وفي الوقت نفسه أواصل سداد قسط بنكي لشقة لم أتسلّمها، ولا أملك جدولًا زمنيًا واضحًا يشرح متى تنتهي هذه المعاناة”، يقول بغضب. ويتابع متسائلًا: “هل توظّف الوزارة أموالنا في مشروعات أخرى؟ ولماذا لا تُصدر بيانًا ماليًا واضحًا يشرح مصير المليارات التي جُمعت؟ نحن لا نطلب أكثر من التزام بالمواعيد، أو على الأقل تفسير صريح لهذا التأخير.”
في عام 2022، حصلت منى عبد الجليل، 44 عامًا، وهي موظفة بإحدى شركات القطاع الخاص في المنصورة، على رقم حجز لوحدة سكنية ضمن مشروع “سكن مصر” بمدينة المنصورة الجديدة، على أمل مغادرة شقتها المؤجرة والاستقرار في سكن مملوك يوفر لها الأمان الاجتماعي والاقتصادي. لكن منذ ذلك الحين، لم تتلقَّ أي إشعار واضح بشأن التسليم. تقول في حديثها إلى زاوية ثالثة: “تواصلت مرارًا مع الجهات المختصة عبر الخط الساخن والبريد الإلكتروني، وكان الرد دائمًا واحدًا: (جارٍ تنفيذ المشروع).”
وتضيف: “ما يثير قلقي أن التحصيل المالي يتم بدقة صارمة، في حين لا نجد ذات الدقة في الإنجاز أو احترام المواعيد. أتنقل كثيرًا بسبب طبيعة عملي، وكان من المفترض أن يمنحني السكن الجديد قدرًا من الاستقرار، لكنه تحول إلى مصدر ضغط نفسي دائم.” وتتساءل: “إذا كانت الجهات المنفذة تعلم منذ البداية أن التمويل غير مكتمل، أو أن الجدول الزمني غير واقعي، فلماذا طُرح المشروع؟ أين ذهبت أموالنا؟ وإذا لم تكن هناك نية للتربح، فهل تُستخدم هذه الأموال في مشاريع أخرى دون علمنا؟ هذا الغموض يثير الشكوك.”
من الإسكندرية، يروي خالد فتحي، 40 عامًا، موظف بالقطاع العام، قصة مشابهة. يقول: “منذ عام 2020 وأنا أسدد أقساط وحدة سكنية بمشروع الإسكان الاجتماعي في مدينة برج العرب الجديدة. المشروع قُدّم بوصفه منارة حضارية، لكن على الأرض، لا تزال المنطقة غير مأهولة، والمرافق الأساسية كالكهرباء والمياه والطرق لم تكتمل، رغم أن الآلاف قد دفعوا كامل مستحقاتهم.”
ويضيف: “ما يدعو للاستغراب أن هيئة المجتمعات العمرانية أعلنت تحقيق فوائض بمليارات الجنيهات من هذه المشروعات، فكيف لا ينعكس ذلك على معدلات التنفيذ؟ هل هناك فجوة بين ما يُحصّل وما يُنفّذ؟ أم تُستخدم هذه الأموال مؤقتًا لسد عجز مشروعات أخرى؟”
ويختتم حديثه قائلًا: “بعض الأصدقاء يعتقدون أن التأخير سببه ضعف الإدارة، لكنني أرى أن المشكلة أعمق، وتتعلق بغياب الرقابة والمحاسبة. نحن لا نطلب أكثر من شفافية في إدارة أموالنا، وجدول زمني واضح، وتعويض عند التأخير. من حقنا أن نعرف: هل تتربح الدولة من أموال حاجزي الإسكان؟ وإذا لم يكن ربحًا مباشرًا، فهل تُوجّه هذه الأموال لجهات أخرى على حساب المستفيدين الفعليين؟”

في المقابل، أرجعت وزارة الإسكان أسباب تأخر تسليم وحدات الإسكان الاجتماعي والمتوسط إلى عوامل خارجية، في مقدمتها الأزمات الاقتصادية العالمية التي أثرت على سلاسل التوريد ورفعت أسعار مواد البناء، مما أدى إلى تباطؤ واضح في معدلات التنفيذ. وفي تصريحات صحفية، أكد الدكتور عاصم الجزار، وزير الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية السابق، أن بعض التأخيرات كانت “خارج إرادة الوزارة”، مشددًا على أن الجهود مستمرة لتسليم الوحدات المتأخرة ضمن الجداول الزمنية المُعلنة.
وفي سياق تاريخي سابق، قال مصطفى مدبولي في أغسطس 2017، حين كان وزيرًا للإسكان، إن تحرير سعر الصرف وارتفاع تكلفة مواد البناء دفعا بعض المقاولين إلى التوقف، وإن الحكومة أصدرت قانونًا للتعويضات ومنحت مهلة نحو تسعة أشهر. ولا تخص هذه التصريحات تأخيرات عام 2025 مباشرة.
أما مي عبد الحميد، الرئيس التنفيذي لصندوق الإسكان الاجتماعي ودعم التمويل العقاري، فقد صرّحت في أكتوبر 2024 أن الصندوق بدأ فعليًا تسليم الوحدات المتأخرة بوتيرة تتراوح بين 8 إلى 10 آلاف وحدة شهريًا، متوقعة الانتهاء من تسليم كافة الوحدات المتأخرة خلال عام 2025.
وفيما يتعلق بالمشروعات المتعثرة في مدينة العلمين الجديدة، أقر المهندس شريف الشربيني، وزير الإسكان والمجتمعات العمرانية، بوجود تأخيرات في تسليم بعض الوحدات، مشيرًا إلى عقد اجتماعات مكثفة مع الشركات المنفذة والمكاتب الاستشارية بهدف تسريع معدلات الإنجاز، مع خطة للتسليم التدريجي تبدأ من منتصف أغسطس 2024 وتمتد حتى منتصف العام الجاري.
ولتحفيز الأداء في المدن الجديدة، أصدر الشربيني حزمة من 11 تكليفًا لقيادات أجهزة المدن، تضمّنت مضاعفة وتيرة العمل، ووضع جداول زمنية دقيقة لاستكمال وحدات المبادرة الرئاسية “سكن لكل المصريين”، مع التشديد على المتابعة المستمرة لتنفيذ القرارات والتوصيات الصادرة عن الاجتماعات الدورية لضمان الالتزام بالمواعيد المقررة.

جيب المواطن كحل لأزمة الحكومة
يرى الدكتور كريم العمدة، أستاذ الاقتصاد السياسي، أن الدولة باتت تعتمد بشكل متزايد على المواطنين كوسيلة مباشرة لامتصاص الأزمات الاقتصادية، مؤكدًا أن “جيب المواطن البسيط أصبح الخيار الأول، وربما الأوحد، لمعالجة الاختلالات المالية، سواء لدى الحكومة أو الهيئات الاقتصادية المختلفة.”
وفي سياق تعليقه على أزمة تأخر تسليم وحدات الإسكان الاجتماعي والمتوسط، يشير العمدة إلى تحوّل دور الدولة من جهة داعمة للإسكان الاقتصادي إلى منافس فعلي للقطاع الخاص، من خلال إطلاق مشروعات سكنية متوسطة وفاخرة مثل “سكن مصر” و”دار مصر” و”جنة”، والتي تُقدم كمشروعات كاملة التشطيب بمواصفات مرتفعة، أقرب إلى نموذج المطور العقاري التجاري منها إلى المبادرات الحكومية الداعمة للفئات محدودة ومتوسطة الدخل.
ويضيف: “استمرار احتجاز أموال المواطنين لفترات طويلة قبل تسليم الوحدات، دون مقابل أو عائد، يمثل ممارسة غير عادلة من منظور اقتصادي. عندما تسدد مواطنة ثمن وحدة كاملة وتظل سنوات في الانتظار، فإن الدولة تكون قد حصلت عمليًا على تمويل مجاني، دون التزام بتقديم عائد أو حتى احترام الجدول الزمني.”
وينبّه العمدة إلى أن هذه الظاهرة تتسع في سياق ارتفاع أسعار الفائدة، التي تجاوزت 27% في مصر خلال العام الماضي، ما يجعل الاحتفاظ بالسيولة أمرًا جذابًا للجهات الحكومية المنفذة، بينما يتحمل المواطن وحده كلفة التجميد المالي والخسائر الناتجة عن التأخير.
ويرى العمدة أن تأخر التسليم ينقل كلفة التمويل والانتظار إلى المواطن، ويطرح احتمال استخدام المدفوعات لتغطية فجوات مالية مؤقتة. وهذا تفسير اقتصادي يقدمه المتحدث، وليس نتيجة فحص حسابات يثبت تحويل أموال مشروع بعينه. كما أن التضخم يُضعف القوة الشرائية للأموال المجمدة أو المستردة، ولا يعني في حد ذاته انخفاض القيمة السوقية للشقة.

ينتقد المحامي المتخصص في الحقوق والحريات ياسر سعد آليات التحصيل وتأخر التسليم وغياب الإفصاح، ويعتبر بعض الممارسات محل شبهة نصب. وفي حديثه إلى زاوية ثالثة، يطالب بإعلان عدد الوحدات وشروط الاختيار وجداول التنفيذ قبل جمع الأموال، وبمساءلة الجهات التي لا تلتزم بتعهداتها، ويرى أن إعادة المال بعد سنوات دون مراعاة تآكل قيمته لا تجبر الضرر الواقع على المواطن.
ويتعلق هذا التوصيف برأي المحامي، وليس بحكم قضائي يثبت وقوع جريمة في الحالات الواردة بالتقرير. فالمادة 336 من قانون العقوبات تشترط الاستيلاء على المال بطريق من طرق الاحتيال التي حددتها؛ ولا يكفي مجرد تأخر التسليم أو رد المال دون تعويض للحكم بتوافر أركان النصب. كما تختلف القواعد المنظمة لتخصيص الوحدات عن قواعد تعاقد الجهات العامة، ويجب تحديد العقد والقانون الواجب التطبيق في كل حالة.

من يمول مشروعات الإسكان؟
تتعدد قنوات تمويل الإسكان بين المخصصات والدعم العام ومدفوعات المشترين وبيع الوحدات والتمويل العقاري والقروض. وتورد قاعدة سياسات التنمية المستدامة مبلغ 390 مليار جنيه مخصصًا للبرنامج، دون أن تحدده كمخصص سنوي لعام 2020. واستُبعد من المقارنة المتوسط السنوي السابق البالغ 8.3 مليار جنيه وتقسيم التمويل بنسب 40% و24% و17% و19%، إذ لم يتوافر لهما أساس زمني وحسابي موثق في المصدر المحال إليه. وتشير الغرفة الأمريكية بالقاهرة إلى تخصيص البنك المركزي 20 مليار جنيه للتمويل العقاري في 2014 ومبلغ إضافي مماثل في 2019.
ومن الخارج، وافق البنك الدولي على قرض أصلي بقيمة 500 مليون دولار في 5 مايو 2015 لبرنامج التمويل العقاري الشامل القائم على النتائج، ثم وافق في 20 مارس 2020 على 500 مليون دولار إضافية، ليبلغ إجمالي القرضين مليار دولار. وتشمل أهداف البرنامج دعم حصول الأسر منخفضة الدخل على السكن وتعزيز أداء الصندوق، مع توسيع دور القطاع الخاص ومكونات الإسكان الأخضر.
تتولى وزارة الإسكان الإشراف على صندوق الإسكان الاجتماعي ودعم التمويل العقاري، الذي يجمع منذ قانون 93 لسنة 2018 اختصاصات صندوقي الإسكان الاجتماعي ودعم التمويل العقاري السابقين. وتشارك في التنفيذ هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة والجهاز المركزي للتعمير ومديريات الإسكان بالمحافظات، بينما تتولى البنوك وشركات التمويل العقاري تمويل شراء الوحدات وفق المبادرات وشروط الاستحقاق.

فجوة بين العرض والتنفيذ
تتبعت زاوية ثالثة تصريحات وبيانات عن الطلب على الإسكان وما نُفذ منه. ويجب التمييز بين المتقدمين والوحدات المبنية والمخصص لها والمستفيدين، وربط كل رقم بتاريخه. لذلك لا تصح مقارنة تقدير ثلاثة ملايين متقدم على امتداد فترة طويلة بنحو نصف مليون أسرة في خبر يعود إلى مايو 2022، أو اعتبار الفارق دليلًا على عدد الطلبات المرفوضة أو الوحدات المتأخرة.
أُطلق البرنامج في 2011، واستهدف بناء مليون وحدة. ووفق تحليل مرصد العمران المنشور في مارس 2025 لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بُنيت 594,571 وحدة ضمن الإسكان الاجتماعي وسكن لكل المصريين خلال السنوات المالية من 2013/2014 إلى 2022/2023. ويعادل ذلك نحو 60% من مستهدف المليون، مع ضرورة التمييز بين البناء والتخصيص والتسليم.
وخلال طرح للإسكان الاجتماعي (63 ألف وحدة)، عام 2014 تقدّم نحو 144 ألف مواطن للحجز، وتم استبعاد حوالي 60% منهم لأسباب تتعلق بالأوراق والشروط (أي نحو 57.6 ألف مؤهلين للتخصيص حينها). وشهد عام 2016 زيادة هائلة في الطلب؛ حيث سجل أحد الإعلانات رقماً قياسيًا بنحو 500 ألف متقدم. وحتى نهاية 2020 أفادت وزارة الإسكان أن ما يزيد على 1.5 مليون مواطن محدودي الدخل تقدّموا بحجز وحدات إسكان اجتماعي عبر 14 إعلانًا منذ 2014 وحتى ديسمبر 2020، وتم تخصيص أكثر من 380 ألف وحدة سكنية لتلك الطلبات (تعادل نحو 380 ألف أسرة، حوالي 1.9 مليون نسمة).
وبحسب بيانات الصندوق المنشورة في سبتمبر 2024، تقدم نحو 1.6 مليون مواطن عبر 17 إعلانًا منذ 2014، ونُفذت نحو 690 ألف وحدة، واستفاد بالبرنامج نحو 575 ألف عميل. وهذه مؤشرات مختلفة لا تمثل تتبعًا موحدًا لنفس مجموعة الطلبات، ولا يساوي عدد المستفيدين بالضرورة عدد محاضر تسليم الوحدات.
ويرى يحيى شوكت، – باحث ومحلل لسياسات الإسكان والعمران ومؤسس مرصد العمران- أن “شراء السكن يعتمد على الثروة، مما يضع المتقدمين الأقل دخلًا في تنافس مع الأعلى دخلًا، حتى ضمن حدود الدخل التي يضعها صندوق الإسكان، بالإضافة إلى ذلك، يُشترط وجود حد أدنى للدخل لضمان تسديد قسط التمويل العقاري، الشرطان معًا يُغلقان الباب أمام قطاع من الفقراء والأكثر فقرًا.
ويقول في حديثه معنا: “الأفضل، في حالة الإسكان الاجتماعي، هو توفير برامج قائمة على الإيجار، لأنه يعتمد على الدخل وليس الثروة، يمكن إما طرح وحدات بنظام الإيجار، أو توفير دعم نقدي يستخدمه المنتفع في سداد إيجار وحدة في السوق. ومن خلال ميزانية دعم وحدات الإسكان الاجتماعي الحالية، يمكن تغطية عدد أكبر من الأسر المحتاجة إلى السكن عبر نظام دعم الإيجار، وبطريقة أسرع إن لم تكن فورية.” مشيرًا إلى أن “منظومة بناء الإسكان الاجتماعي بغرض البيع تُسمى ‘منظومة العرض’. أي أنه يتم بناء أو التخطيط لبناء عدد معين من الوحدات في أماكن معينة، وفقًا لتوافر قطع أراضٍ بسعر منخفض أو بدون مقابل أولًا.
ويتابع: “المشكلة هنا أن الوحدات تُطرح على المتقدمين، ويحدث أن تكون هناك مواقع تشهد طلبًا كبيرًا، بينما يكون الطلب ضعيفًا في مواقع أخرى، أو أقل من عدد الوحدات المطروحة. من ناحية، نجد أن مواقع بعض المشروعات لا تلبي الاحتياج، فيظل عدد من السكان محرومين من الإسكان الاجتماعي ويُضطرون إلى الانتظار للإعلان الذي يليه، ومن ناحية أخرى، تظل بعض الوحدات غير مباعة، رغم إنفاق المال العام عليها من الميزانية الاجتماعية دون الاستفادة منها، تُطرح لاحقًا في إعلانات أخرى، أو تُعرض لفئات دخل أعلى من محدودي الدخل (مثل متوسطي الدخل)، وهذه تعتبر محاولات لإصلاح الخطأ.”

ويقول الخبير المختص بالعمران: “بما أننا بلد فيه فائض من الوحدات المغلقة، فمن الأفضل الاعتماد على برامج دعم الإيجار المبنية على الطلب. أي دراسة الاحتياج في كل مدينة وقرية، وتوفير ميزانية على المستوى المحلي لتغطية هذا الطلب.” مؤكدًا أن مشروعات الإسكان الاجتماعي كان لها نفع على عدد كبير من الأسر الذين يسكنون بها اليوم، ولكن من الضروري أن نحسب نسبة هذه الأسر من إجمالي عدد الأسر الفقيرة المحتاجة إلى السكن كل سنة.” ويضرب مثالًا على ذلك أن هناك حوالي 800 ألف زيجة جديدة كل سنة. ولو حسبنا أن 30% من هذه الأسر الجديدة، وفقًا لآخر معدل فقر رسمي، تعيش تحت خط الفقر وتحتاج إلى سكن مدعوم، فسنجد أن هناك 240 ألف أسرة محتاجة كل سنة.
وهذا مثال حسابي يطرحه الباحث، وليس حصرًا إحصائيًا للأسر الجديدة المحتاجة إلى السكن.
ويضيف: “ليس من الضروري أن تظل هذه الأسر محتاجة إلى الأبد. ولهذا، فإن البرامج المبنية على الإيجار أكثر مرونة؛ لأنها تتغير وتتطور مع تغير وتطور أحوال الأسر: فهناك من يزيد دخله بعد فترة ويخرج عن الاحتياج إلى الدعم، وهناك من تكون حالته المادية ميسورة ثم ينخفض دخله ويحتاج إلى الدعم، وهناك من يسافرون أو يهاجرون، وغيرها من الحالات.”
لم تعد أزمة الإسكان الاجتماعي في مصر مجرد تأخر في تسليم وحدات أو خلل في الإجراءات، بل باتت مرآة لمشكلة أعمق تتعلق بفجوة الثقة بين الدولة والمواطن. فحين يدفع المواطن ما يملك، على أمل امتلاك شقة، ولا يحصل على ما وُعِد به بعد سنوات من الانتظار، فإن ذلك لا يهدد استقراره المعيشي فحسب، بل يزعزع أيضًا ثقته في قدرة الدولة على إدارة الملفات الحيوية بعدالة وكفاءة. ومع غياب الإفصاح المالي الواضح، وتصاعد شكاوى المواطنين، يصبح من الضروري أن تتحرك الجهات المعنية بسرعة ليس فقط لتسليم ما تأخر من وحدات، بل أيضًا لإصلاح السياسات الحالية، وإرساء آليات شفافة تضمن حقوق المواطنين.
توضيح تحريري: صُححت قيمة قرض البنك الدولي وتواريخ بعض البيانات، وفُصلت مؤشرات البناء والاستفادة عن التسليم، واستُبعدت نسب تمويل غير موثقة. أرقام التقرير وشهاداته تخص الفترة حتى 17 يونيو 2025.
