90 مليار جنيه للدواء.. لماذا لا تنتهي النواقص في مصر؟

بين مخصصات المستشفيات وخامات مستوردة ومديونيات يختلف حولها المتخصصون، لماذا لا تتحول زيادة الإنفاق إلى دواء متاح؟ خمس مقابلات ترصد أوجه أزمة الدواء في مصر.
كولاج توضيحي لشريط دواء شبه فارغ أمام مستشفى يرمز إلى نواقص الأدوية في مصر
Picture of آية ياسر

آية ياسر

في 2 سبتمبر 2026، أعلن رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي تخصيص نحو 90 مليار جنيه للأدوية والمستلزمات الطبية في المستشفيات ضمن موازنة العام المالي 2026/2027. جاء الإعلان خلال اجتماع لمتابعة توافر العلاج، بحضور وزراء الصحة والمالية والتعليم العالي ورئيسي هيئة الدواء وهيئة الشراء الموحد. وبين المخصصات المعلنة وما يجده المرضى في منافذ الصرف، تطرح شهادات برلمانيين ومتخصصين في القطاع سؤالًا عن التمويل والتسعير والإنتاج والتوزيع معًا.

وأثار الإعلان نقاشًا حول كفاية التمويل ومدى انعكاسه على توافر الأصناف. وتستخدم النائبة نيفين إسكندر، في حديثها لهذا التقرير، قسمة افتراضية على 120 مليون شخص لتقدير المبلغ بنحو 750 جنيهًا للفرد سنويًا. لكن هذه العملية الحسابية لا تمثل مخصصًا فرديًا أو تكلفة علاج مقررة لكل مواطن؛ فالرقم الحكومي يجمع الأدوية والمستلزمات الطبية في المستشفيات، ولا يمثل إجمالي إنفاق المصريين على الدواء.

وتشير بيانات هيئة الدواء المصرية إلى أن التصنيع المحلي يغطي نحو 91% من المستحضرات الدوائية، لكن إنتاج المستحضر النهائي داخل مصر لا يعني تصنيع جميع مدخلاته محليًا. ففي بيان مؤرخ في 15 يونيو 2026، أعلنت الهيئة استهداف توطين أكبر 50 مادة خام فعالة مستوردة، تمثل نحو 78% من واردات المواد الخام الفعالة المستخدمة في الأدوية البشرية؛ وهي نسبة تخص هذه الواردات، لا جميع الأدوية المتداولة.

وتوضح بيانات التجارة حجم الارتباط بالخارج. فبحسب الأرقام التي أوردتها «الأهرام بيزنس» عن قاعدة الأمم المتحدة للتجارة الدولية عبر منصة البنك الدولي WITS، بلغت واردات المنتجات الصيدلانية المصنفة تحت البند الجمركي HS30 نحو 3.605 مليار دولار في 2024، مقابل صادرات بنحو 448.7 مليون دولار؛ أي عجز يقارب 3.16 مليار دولار. ومن أبرز الموردين سويسرا وألمانيا والولايات المتحدة وفرنسا وإيطاليا. ويصف الرقم فجوة تجارية مالية، ولا يقيس عدد الأصناف الناقصة أو يشمل بالضرورة كل مادة خام تدخل الصناعة.

وفي 2025، بلغت واردات المنتجات الصيدلانية نحو 2.94 مليار دولار، وفق عرض Trading Economics لبيانات الأمم المتحدة. وفي سلسلة أخرى نقلتها «الشروق» عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بلغت صادرات الأدوية ومستحضرات الصيدلة 509.1 مليون دولار مقابل 449.4 مليونًا في 2024، بنمو منشور قدره 13.2%، بينما سجلت الواردات 2.97 مليار دولار مقابل 3.51 مليار. وتُعرض هذه الأرقام بوصفها سلاسل مختلفة المصادر والتصنيف، لا قيمًا يمكن دمجها لحساب عجز موحد.

وفي يوليو 2026، تحدث وزير الصحة خالد عبد الغفار تليفزيونيًا عن سوق بقيمة 422 مليار جنيه ونمو سنوي بنحو 25% وإنتاج يقارب أربعة مليارات عبوة سنويًا. أما بيان هيئة الدواء الصادر في يونيو، فحدد قيمة سوق 2025 عند 422 مليار جنيه، بنمو في القيمة قدره 37% مقارنة بعام 2024، ومعدل نمو سنوي مركب بنحو 15%. اختلاف نوع المؤشر والفترة مهم هنا، فلا تُقرأ هذه النسب باعتبارها قياسًا واحدًا أو زيادة مماثلة في عدد العبوات.

وسجلت مبيعات سوق الدواء في الربع الأول من 2026 نحو 106.6 مليار جنيه، بنمو 15.9% على أساس سنوي، وفق بيانات IQVIA التي نقلها «اليوم السابع» في مايو. وعزا المصدر نمو القيمة أساسًا إلى ارتفاع متوسط سعر بيع العبوة بعد تعديلات أسعار 2025؛ لذلك لا يثبت ارتفاع المبيعات المالية وحده تحسن الإتاحة أو زيادة الكميات التي يحصل عليها المرضى.

وفي مقابل شكاوى النقص وارتفاع الأسعار، قال مدبولي في اجتماع سبتمبر إن مخزون الأدوية والمستلزمات بالمستشفيات مطمئن، وإن هيئة الشراء الموحد تمتلك منظومة متكاملة للتخزين والتوزيع والإمداد. كما تناول الاجتماع تحديات علاج المرضى على نفقة الدولة والتأمين الصحي في المستشفيات الجامعية. هذه هي الرواية الحكومية المعلنة، بينما تناقش الشهادات التالية مدى وصول الإمدادات إلى المريض واستمرارها.

90 مليار جنيه.. ماذا يغطي الرقم؟

وفي هذا السياق ترى النائبة الدكتورة نيفين إسكندر، عضو مجلس النواب عن تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين، أن الإعلان عن تخصيص 90 مليار جنيه للأدوية والمستلزمات الطبية في موازنة العام المالي 2026/2027 قد يعطي انطباعًا أوليًا بوجود زيادة كبيرة يمكن أن تقود إلى انفراجة في أزمة الدواء، إلا أن تحليل الرقم في ضوء حجم السكان وسوق الدواء يكشف أن تأثيره المتوقع محدود.

وتقول إسكندر لـ«زاوية ثالثة» إن الأموال تتوزع على جهات متعددة وتشمل الأدوية والمستلزمات معًا، وترى أن الزيادة لا تكفي وحدها لتوقع انفراجة ملموسة، خصوصًا مع تغير الأسعار. وتستند في تقديرها إلى مثال الـ750 جنيهًا الناتج عن قسمة 90 مليارًا على 120 مليونًا؛ وهو تقدير توضيحي منها، وليس إحصاءً رسميًا لعدد المستفيدين أو لنصيب الفرد من العلاج.

وتشرح النائبة أن جزءًا كبيرًا من مدخلات صناعة الدواء يعتمد على الاستيراد، وتمثل تكلفة المادة الفعالة المستوردة، نسبة كبيرة من تكلفة المنتج الدوائي، وتصل فاتورة استهلاك واستيراد الدواء في مصر إلى مليارات الدولارات سنويًا، ويجعل حجم الإنفاق والاعتماد على العملة الأجنبية، قطاع الدواء شديد التأثر بتقلبات سعر الصرف.

وتؤكد أن أزمة الدواء لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد مسألة توفير مخصصات مالية، لأن الدواء يرتبط مباشرة بالأمن الصحي والقومي، خصوصًا بالنسبة لمرضى التأمين الصحي والأورام وأمراض الكلى والغسيل الكلوي والأمراض المزمنة التي تتطلب انتظامًا مستمرًا في توفير العلاج والمستلزمات.

وترى النائبة أن هناك تضاربًا في التصريحات الرسمية بشأن المخزون الدوائي، إذ يتحدث وزير الصحة عن وجود أزمة في بعض الأصناف، وعلى رأسها الإنسولين، ورغم ذلك أعلن رئيس الحكومة أن المخزون الدوائي مطمئن، متساءلة: “أين هو المخزون؟ وأين يظهر في الصيدليات؟ ومن الذي تأثر؟، لاسيما أن الأسر التي لديها مرضى غسيل كلوي تواجه صعوبات في الحصول على احتياجاتهم، وكذلك مرضى السكر الذين يحتاجون إلى الإنسولين بصورة منتظمة”.

وتعبر هذه المقارنة عن اعتراض النائبة، لكن الحديث عن مخزون المستشفيات في موعد محدد يختلف عن قياس توافر صنف بعينه في الصيدليات أو انتظام توزيعه على كل المرضى؛ ويمكن أن يتزامن وجود مخزون إجمالي مع اختناقات محلية في الإمداد.

وتوضح أن الاطمئنان إلى مستوى المخزون في لحظة معينة لا يعني بالضرورة ضمان استمرار الإمدادات، خصوصًا في ظل الاضطرابات العالمية وتقلبات أسعار العملات وحركة التجارة والملاحة البحرية، التي يمكن أن تؤثر على وصول المواد الخام والمنتجات الدوائية إلى السوق.

وتضيف: “الأمن الدوائي يتطلب ضمان استمرارية سلاسل الإمداد وعدم تعرضها للاضطرابات، سواء بسبب تقلبات سعر الصرف أو الأزمات العالمية أو اضطرابات حركة التجارة والموانئ، وأي خلل في سلاسل الإمداد الدولية يمكن أن ينعكس سريعًا على قطاعات حيوية، وفي مقدمتها الغذاء والدواء”.

ولا تعتبر النائبة أن تدشين مصانع دوائية جديدة يكفي وحده لتحقيق الأمن الدوائي، ما لم يرتبط ذلك بخطة واضحة لزيادة القيمة المضافة المحلية، وتطوير البحث والتطوير، وتحسين جودة الصناعة، وضمان العائد الحقيقي على الاستثمار في القطاع الدوائي، مشددة على ضرورة وضع استراتيجية متكاملة تشمل تدريب الكوادر، وتطوير الصناعة، ونقل التكنولوجيا، وزيادة القدرة على إنتاج مكونات الدواء محليًا.

وتنتقد ما وصفته بالخلل في العلاقة بين هيئة الشراء الموحد وشركات القطاع الخاص، إذ تضخ الهيئة مليارات الجنيهات في عمليات شراء الأدوية والمستلزمات من الشركات، لكن آليات الشراء والتوريد الحالية تضر في بعض الأحيان بقطاع صناعة الدواء الخاص، الذي يمثل القاطرة الأساسية لصناعة الدواء في مصر، باعتباره طرفًا رئيسيًا في نقل التكنولوجيا وتشغيل العمالة وتغطية جزء كبير من الاحتياجات المحلية، يجب – في رأيها – أن تعمل السياسات الحكومية، على دعمه.

وتتابع: “هيئة الشراء الموحد تحتكر جزءًا كبيرًا من عمليات شراء الأدوية والمستلزمات، وتفرض أسعارًا منخفضة للغاية على الموردين، مع تأخر مستحقات بعض شركات القطاع الخاص، مما يخلق حالة من التضارب وعدم التنسيق بين القطاعين العام والخاص، كما تتجه إلى التوريد والتعاقدات الحصرية، خصوصًا لصالح المستشفيات الحكومية الجديدة، مما يضعف بعض التحالفات والشراكات في القطاع، ويخرج شركات ومجموعات من سوق التوريد نتيجة عدم قدرتها على تحمل الأعباء التمويلية والتصنيعية واللوجستية”.

وتعتقد النائبة أن معالجة الأزمة تتطلب إصلاح بيئة تصنيع وتوريد الأدوية، وعدم الاعتماد على جهة واحدة في إدارة جانب كبير من السوق، مع ضمان تمويل القطاع الخاص ودعم قدرته على الاستمرار، لأن أي أزمة مالية أو إنتاجية تصيب الشركات يمكن أن تنعكس في النهاية على توافر الدواء للمواطنين.

وتشرح أن 91% من احتياجات سوق الدواء، لا تعكس حجم التصنيع المحلي الحقيقي، وإنما تعبر بدرجة أكبر عن عمليات التعبئة أو التجميع المحلي لمنتجات تعتمد على مدخلات مستوردة، إذ لا تزال البلاد تعاني ضعفًا في البحث والتطوير المرتبط بصناعة الأدوية، بجانب محدودية القدرة على تصنيع المواد الخام بصورة مستمرة وفعالة، وهو ما يجعلها مضطرة للاعتماد على الاستيراد ودفع مليارات الدولارات سنويًا لتأمين احتياجاتها.

ولا تعني الاستعانة بخامات مستوردة أن الصناعة المحلية مجرد تعبئة في كل الحالات؛ فتصنيع المستحضرات النهائية والتعبئة وإنتاج المادة الفعالة مراحل مختلفة، وتحتاج قراءة نسبة التوطين إلى تحديد المرحلة التي تقيسها.

نواقص الأدوية وخامات مستوردة

تعاني أسواق الدواء المصرية نقصًا ملحوظًا في أدوية المستشفيات والتأمين الصحي، لاسيما أدوية الأنسولين والأورام والروماتويد وأدوية أمراض البحر المتوسط، إلى جانب أصناف أخرى ذات معدلات استهلاك مرتفعة، بحسب محمود فؤاد، رئيس جمعية الحق في الدواء، الذي يكشف أن التأمين الصحي قام بسداد الأموال المطلوبة منه إلى الهيئة إلا أن الأدوية المطلوبة لم تصل في المقابل، ما أدى إلى تفاقم أزمة النقص.

ويُبيّن أن الأزمة لا تقتصر على نواقص الأدوية داخل صيدليات المستشفيات، وإنما امتدت إلى السوق الحرة والصيدليات، موضحًا أن هناك مئات الأصناف الدوائية غير متاحة، وليس فقط الأدوية المستوردة؛ إذ وصل النقص إلى أدوية محلية الصنع لعلاج البرد والنزلات الشعبية، والربو، والقولون، والروماتويد، العلاج الكيماوي والأنسولين.

ويعزو جانبًا من الأزمة إلى صعوبات استيراد المواد الفعالة، إلى جانب ارتفاع تكاليف الإنتاج داخل المصانع بعد زيادة تكلفة الكهرباء والبنزين والغاز وتأثيرات تحرير سعر صرف الجنيه، لافتًا إلى أن بعض شركات الأدوية، في ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج، تسعى إلى الضغط لتحريك أسعار مستحضراتها، عبر تقليل خطوط الإنتاج أو عدم استيراد بعض الأصناف.

ويقول فؤاد لـ«زاوية ثالثة»، في المقابلة التي أُجريت لإعداد المادة في سبتمبر، إن هيئة الدواء تتجه إلى تغيير هيكل التسعير نحو آلية أكثر مرونة قد تسمح بمراجعات متكررة للأسعار، ويشير إلى القرار 499 المنظم للتسعير المرجعي. وللدقة، صدر القرار رقم 499 لسنة 2012 في عهد وزير الصحة فؤاد النواوي. وتظل توقعات فؤاد بشأن استبداله وصفًا لرؤيته وقت المقابلة، ولا تكفي وحدها لإثبات صدور قرار جديد أو تحديد موعد تطبيقه.

وفي تطور لاحق للمقابلة، نشر «مصراوي» في 6 أكتوبر 2026 عرضًا لتحليل BMI عن إطار التسعير الجديد، رأى فيه أن ربط المراجعات بتكاليف الإنتاج قد يقلل مخاطر النقص، مع بقاء الاعتماد على الخامات المستوردة مصدرًا للمخاطر. ويُنسب هذا التقييم إلى المؤسسة البحثية، ولا يثبت بمجرده انتهاء النواقص أو تحسن قدرة المرضى على شراء العلاج.

ولا يعتقد رئيس جمعية الحق في الدواء أن الأزمة تتعلق فقط بحجم المخصصات المعلنة لشراء الأدوية والمستلزمات الطبية، وإنما بتقصير في أداء هيئة الشراء الموحد، في توريد الأدوية، الذي أدى لنقص حاد في أدوية المستشفيات الجامعية والعامة والمركزية، والسبب برأيه هي مديونيات هيئة الشراء الموحد، المستحقة لشركات الأدوية، والبالغة نحو 42 مليار جنيه، والتي لم تسدد الهيئة سوى ربعها أو ثلثها، بينما تصر الشركات على الحصول على مستحقاتها المالية قبل مواصلة التوريد بصورة طبيعية.

الأرقام المتعلقة بالمستحقات وتقدير ما سُدد منها منسوبة إلى فؤاد؛ ولم تتوافر ضمن مستندات المادة كشوف مالية تسمح بالتحقق المستقل منها. كما أن وصفه لأسباب النقص وممارسات الشركات يمثل تقييمه، لا نتيجة فحص لكل شركة أو مستشفى. في المقابل، تؤكد الحكومة كفاءة منظومة الشراء والتخزين والتوزيع، وهو خلاف يحتاج إلى بيانات تفصيلية عن الأصناف والتعاقدات ومواعيد التسليم.

تمويل الاحتياج وإصلاح سلاسل الإمداد

ورغم زيادة حجم المخصصات المالية الموجهة لشراء الأدوية، إلا أن استمرار النقص في بعض الأصناف يشير إلى وجود خلل في تقدير حجم الاحتياجات الفعلية أو في آليات توفيرها؛ إذ أن زيادة التمويل لا تعني بالضرورة حل أزمة النواقص، طالما أن المواطنين لا يزالون يواجهون صعوبة في الحصول على بعض الأدوية، سواء من خلال التأمين الصحي أو خارجه، بحسب الدكتور باسل عادل، رئيس حزب الوعي وعضو مجلس الشيوخ.

ويرى النائب أن أحد أسباب نواقص الأدوية أو اختفاء أصناف دوائية من السوق يرجع لصعوبة استيراد بعض المواد الفعالة، نتيجة عدم توافر المواد الخام اللازمة لإنتاجها، دون وجود بدائل علاجية مناسبة لها في بعض الحالات، مشددًا على ضرورة تحديد قائمة بالمواد الفعالة الأساسية التي يجب ضمان توافرها بصورة مستمرة.

يقول لـ”زاوية ثالثة”: “يجب إجراء دراسة دقيقة للاحتياجات الدوائية، تعتمد على متوسط الاستهلاك الفعلي لمدة لا تقل عن ثلاث سنوات، بما يسمح بتحديد الأصناف ذات الطلب المرتفع وتوجيه التمويل إليها، بدلًا من زيادة الكميات المخصصة لأدوية لا تمثل أولوية للمستهلكين”.

ويضيف: “مصر لم تحقق بعد أمنًا دوائيًا كاملًا، طالما أن جزءًا أساسيًا من المواد الخام التي تقوم عليها الصناعة المحلية لا يزال مستوردًا من الخارج، واستمرار الاعتماد على استيراد المواد الفعالة يجعل صناعة الدواء المصرية عرضة للاضطرابات في أي وقت، سواء بسبب نقص المواد الخام أو تغيرات أسعار العملات أو تغير أولويات الشركات والدول الموردة”.

ويقترح النائب الاستفادة من الأدوية غير المستخدمة لدى المواطنين، عبر إنشاء آلية منظمة لإعادة توزيع الأدوية الصالحة للاستخدام، على غرار تجارب موجودة في بعض الدول، بحيث يمكن جمع الأدوية التي لم تعد هناك حاجة إليها وإتاحتها للمرضى بأسعارًا منخفضة أو مجانًا، وفق ضوابط تضمن سلامتها وصلاحيتها، مما يمكن أن يسهم في سد جزء من الفجوة بين الاحتياجات وما هو متاح في السوق إلى حين معالجة أسباب النقص.

ويطرح عادل ذلك باعتباره مقترحًا يحتاج إلى تنظيم ورقابة، وليس برنامجًا قائمًا ثبت اعتماده في مصر. وتظل سلامة التخزين وسلامة العبوة وإمكان تتبع المنتج والفحص المختص شروطًا أساسية لأي آلية كهذه، فلا تكفي صلاحية التاريخ وحدها للحكم على سلامة دواء خرج من سلسلة التوزيع المنضبطة.

ويؤكد حاجة مصر إلى تبني رؤية استراتيجية تتجاوز فكرة كونها مستوردًا للمواد الخام، لتتجه إلى الاستثمار في شركات ومصانع الدواء الكبرى الموجودة في الخارج، من خلال امتلاك حصص أو أسهم فيها، بما يضمن لمصر قدرًا من المشاركة والتأثير في سلاسل إنتاج المواد الفعالة الأساسية، عندما لا تكون قادرة على تصنيع المادة بالكامل محليًا، بما يوفر قدرًا من الأمان لمصر ويوفر احتياجاتها من المواد الفعالة.

ويُعني استمرار اعتماد صناعة الدواء على مواد خام مستوردة، وعلى الدولار، وقرارات وأولويات المنتج الأجنبي، – في رأيه -، بقاء مصر في دائرة التهديد الدوائي، وهو ما يستدعي خلق مسارات متوازية تشمل البحث العلمي، وتصنيع المواد الفعالة محليًا، والاستثمار الخارجي في الشركات المنتجة للمواد الخام.

ويدعو النائب إلى تطوير صناعة الدواء في مصر عبر تقوية البحث العلمي، والاستفادة من الموارد الزراعية والنباتية، لتوفير بعض الخامات المستخدمة في صناعة الأدوية، والتوسع في إنشاء المدن والمجمعات الدوائية المتخصصة، مشيرًا إلى أن الدولة بدأت بالفعل في اتخاذ خطوات بهذا الاتجاه، لكن استكمال هذه المشروعات يحتاج إلى وقت حتى تصل إلى طاقات إنتاجية قادرة على تقليص فجوة التجارة الدوائية.

ويشدد على أن امتلاك تركيبات دوائية وبراءات ومعرفة علمية محلية يمكن أن يمنح مصر قدرة أكبر على إنتاج مستحضرات خاصة بها وفتح أسواق تصديرية جديدة، معتبرًا أن معالجة أزمة الدواء وتقليص فجوة الاستيراد والتصدير تتطلب حزمة متكاملة من السياسات الصناعية والعلمية والاستثمارية، وليس مجرد زيادة المخصصات المالية.

التوطين بين المستحضر النهائي والمادة الفعالة

ويقول علي عبد الله، مدير المركز المصري للدراسات الدوائية والإحصاء ومكافحة الإدمان، إن أزمة النواقص لا تختزل في حجم المخصصات الحكومية. ويميّز بين التمويل الذي تتحمل الدولة من خلاله تكلفة العلاج، بما يشمل مرضى التأمين الصحي والعلاج على نفقة الدولة، وبين إتاحة الأصناف في السوق الخاصة التي تتابعها هيئة الدواء. ويشمل الإعلان الحكومي أيضًا المستلزمات الطبية والمستشفيات، وليس الدواء وحده.

ورغم أن مصر تتجه حاليًا إلى توطين صناعة الدواء، وهو ما يعني تقليل الاعتماد على المنتجات المستوردة بالكامل، والانتقال تدريجيًا إلى التصنيع أو التعبئة المحلية، إلا أنه يوضح أن هذا التحول قد يصاحبه ظهور بعض النواقص خلال الفترة الانتقالية، لكن وجود عدد كبير من المثائل المحلية يمكن أن يساعد في سد جزء كبير من الفجوة.

يقول لـ”زاوية ثالثة”: “الدواء الواحد قد يكون له نحو 12 مثيلًا، بعضها مستورد بالكامل وبعضها الآخر مصنع محليًا، والأصناف المستوردة تكون في أحيان كثيرة الأكثر شهرة لدى الأطباء والمرضى، خصوصًا إذا كانت تابعة لشركات متعددة الجنسيات، وهو ما يجعل التحول إلى المثائل المحلية مرتبطًا أيضًا بتغيير ثقافة التعامل مع الدواء”.

ويُفرّق مدير المركز المصري للدراسات الدوائية بين «المثيل» و«البديل» الدوائي، فالمثيل هو دواء يحتوي على المادة الفعالة نفسها، لكنه من إنتاج شركة أخرى، بينما البديل يحتوي على مادة فعالة مختلفة تؤدي الغرض العلاجي نفسه.

ولا يكفي تشابه الاسم أو المادة وحده لاتخاذ قرار استبدال؛ فالشكل والتركيز وطريقة الاستخدام ومتطلبات التكافؤ والتسجيل تدخل في التقييم، ويعود تحديد الملاءمة للحالة إلى الطبيب والصيدلي المختص.

وينتقد عبد الله القيود التي تواجه توزيع الأدوية بين الصيدليات. ويقول إن بعض الصيدليات لا تستطيع طلب أصناف مباشرة من الشركات لعدم وجود تعاملات منتظمة معها أو لوضعها على ما يصفه بـ«قائمة سوداء»، فتلجأ إلى الحصول عليها من صيدليات أخرى. ويرى أن هذه الحركة قد تعرضها لمخالفات تنظيمية، ويطالب بمراجعة القواعد بما يضمن توافر الدواء ومسار تداوله المأمون. هذا توصيفه للمشكلة، ولا يعني أن جميع صور نقل الدواء بين المؤسسات تخضع لحكم قانوني واحد.

ويلفت إلى توقف مخازن وشركات حكومية عن توفير المستلزمات والمواد المرتبطة بصناعة الدواء بسبب الجرد السنوي مما يتسبب في نقص بعض أصناف الأدوية، معتبرًا أن معالجة أزمة النواقص لا تتطلب التركيز فقط على الصناعة المحلية والمواد الخام، وإنما تستلزم أيضًا مراجعة آليات التوزيع، والقواعد المنظمة لنقل الأدوية بين الصيدليات، وطريقة عمل مخازن وشركات التوزيع، فضلًا عن آليات تشغيل الشركات الحكومية المرتبطة بسلاسل إمداد الدواء.

جودة الدواء وثقة المريض

ويؤكد وليد شوقي، رئيس مؤسسة الدواء للجميع، التمييز نفسه بين الإنفاق الذي تتحمله الدولة، ومنه العلاج على نفقتها والتأمين الصحي، وبين مشتريات القطاع الخاص. ويرى أن تخصيص 90 مليار جنيه للمستشفيات لا يحل تلقائيًا نقص الأصناف في الصيدليات الخاصة، لأن اختلاف جهات التمويل والشراء والتوزيع يؤثر في موضع ظهور النقص وكيفية معالجته.

ويوضح أن ملف توفير الأدوية في القطاع الخاص ونواقص الأصناف يقع بصورة أساسية ضمن اختصاص هيئة الدواء المصرية، باعتبارها الجهة المعنية بضمان توافر الأدوية ومتابعة النواقص في السوق، مشيرًا إلى أن مصر تعمل حاليًا على توطين صناعة الدواء، عبر الانتقال تدريجيًا من الاعتماد على المنتجات المستوردة بالكامل إلى التصنيع أو التعبئة المحلية، بما يتيح تشغيل المصانع المصرية وزيادة قدرتها الإنتاجية.

يقول لـ”زاوية ثالثة”: “عبوة الدواء والنشرة وغيرها من مكونات التغليف يتم تصنيعها محليًا إلى حد كبير، بينما يظل جزء من المواد الداخلة في تصنيع الأقراص والكبسولات مستوردًا، لكن تصنيع القرص الدوائي لا يعتمد على المادة الفعالة وحدها، وإنما يحتاج أيضًا إلى مواد مساعدة تعرف باسم «Excipients»، ومصر لا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على استيراد المواد الخام اللازمة لصناعة الدواء، وإن كانت بدأت بالفعل في إنشاء مصانع لإنتاج بعضها”.

ويعتقد أن أحد التحديات يتمثل في ثقافة المستهلك المصري تجاه الدواء المحلي والمستورد، إذ يميل بعض المرضى والأطباء إلى الأدوية المستوردة أو العلامات التجارية الأشهر، رغم خضوع الأدوية المحلية لرقابة دوائية، مؤكدًا أن الدواء المحلي لا ينبغي التعامل معه باعتباره نسخة أقل جودة من المستورد، لأن عملية التصنيع والتداول تخضع لرقابة دوائية تبدأ قبل دخول الدواء إلى السوق وتمتد حتى وصوله إلى المريض.

ويشدد على أن توطين صناعة الدواء في مصر عملية طويلة الأجل تعتمد على التدرج وزيادة التصنيع المحلي لمكونات الإنتاج، معتبرًا أن البلاد قطعت بالفعل خطوات واسعة في هذا الاتجاه، لكن تحقيق الاكتفاء الذاتي الكامل يتطلب استمرار العمل بصورة تدريجية.

وتكشف أزمة نواقص الدواء عن أن زيادة المخصصات المالية لشراء الأدوية والمستلزمات الطبية، لا تكفي وحدها لضمان وصول العلاج إلى المرضى؛ فبينما تخصص الدولة 90 مليار جنيه للأدوية والمستلزمات الطبية، تستمر نواقص بعض الأصناف في المستشفيات والصيدليات، في وقت تعتمد فيه الصناعة المحلية بدرجة كبيرة على استيراد المواد الفعالة ومدخلات الإنتاج، ما يجعل توافر الدواء مرتبطًا بتقلبات سعر الصرف وحركة التجارة العالمية وقدرة الشركات على تمويل عمليات الإنتاج والتوريد.

وبينما تمثل نسبة الإنتاج المحلي المرتفعة خطوة في اتجاه تقليل الاعتماد على الخارج، فإن الوصول إلى أمن دوائي مستدام يتطلب تجاوز مرحلة التعبئة والتصنيع النهائي إلى إنتاج المواد الفعالة ومستلزمات الصناعة، بالتوازي مع تطوير البحث العلمي ونقل التكنولوجيا وامتلاك المعرفة والتركيبات الدوائية، إلى جانب إصلاح آليات التسعير والشراء والتوريد والتوزيع وسد فجوات التوريد، حتى لا تتحول زيادة الإنفاق إلى أرقام في الموازنة لا يشعر بأثرها المريض داخل الصيدلية أو المستشفى.

أضف زاوية ثالثة إلى مصادرك المفضلة على جوجل

آية ياسر
صحافية وكاتبة وروائية مصرية حاصلة على بكالوريوس الإعلام- جامعة القاهرة.

Search