11 ألف توقيع ودعوى قضائية: أهالي الزمالك يقاومون تطوير حديقة الزهرية التراثية

نصيب الفرد من المساحات الخضراء في مصر 17 سنتيمترًا مقابل 9 أمتار عالميًا، والقاهرة فقدت 32 كيلومترًا من غطائها الأخضر خلال عشر سنوات، فيما تواجه حديقة الزهرية التراثية في الزمالك مشروع تطوير لم يُعلَن عنه رسميًا ولم تُجرَ له دراسة أثر بيئي، ما دفع أهالي الحي لجمع 11 ألف توقيع ورفع دعوى قضائية.
Picture of ياسمين علي

ياسمين علي

في 3 يونيو الماضي، استيقظ أهالي حي الزمالك بالقاهرة، على مشاهد دخول معدات وكرفانات لحديقة الزهرية التراثية، التي يرجع تاريخها لأكثر من 150عامًا، تمهيدًا لبدء أعمال تطوير كان قد بدأ الحديث عنها قبل عامين، وقوبلت بالرفض.

 وفي عام 2024، تقدمت عضو مجلس النواب سميرة الجزار، بطلب إحاطة لرئيس المجلس لتوجيهه إلى كل من رئيس الحكومة ووزراء البيئة والزراعة والتنمية الحضارية، بشأن إغلاق حديقة الزهرية التراثية، لتسليمها لـ”جهة سيادية” لبدء أعمال تطويرها.

 وأكدت النائبة، أن ما يجري ضد رغبة أهالي حي الزمالك، الذين يعتبرون الحديقة هي المتنفس المتبقي لهم، بعد ما وصفته بـ”العبث” بحديقة المسلة التراثية أيضًا، مشددة أن الحدائق ملكية عامة للمواطنين، لكن الحكومة مصممة على استمرار نفس النهج والعبث وتجريف المساحات الخضراء وقطع الأشجار.

 وفي هذا السياق، تقول إيناس توفيق، من سكان حي الزمالك، لـ”زاوية ثالثة”، إن قلق الأهالي تزايد مع ظهور تقارير تفيد بدخول كرفانات ومعدات إلى داخل الحديقة، الأمر الذي ينذر ببدء مشروع غامض لتطويرها، ما دفعهم لتدشين حملة “أنقذوا حديقة الزهرية” عبر صفحات التواصل الاجتماعي، للمطالبة بإيقاف أي أعمال من شأنها تحويل الحديقة العامة إلى منطقة تجارية.

 كذلك تقدم الأهالي بشكاوى جماعية على خط الشكاوى الموحدة التابع لمجلس الوزراء، مطالبين بالوقف الفوري للمشروع وعدم تجريف الحديقة، وإجراء دراسات الأثر البيئي، فيما قدموا عريضة مجتمعية سجلت حتى الآن أكثر من 11 ألف توقيع.

 ولأن كل ما يجري داخل حديقة الزهرية، يتم بشكل غامض، دون الإعلان عن أي تفاصيل تتعلق بالجهة التي تتبنى أعمال التطوير، والمساحة التي سيتم استقطاعها من الحديقة، ومدى توافقها مع الدستور والقانون، أعلنت المؤسسة المصرية للحقوق البيئية، في 7 يونيو، إقامة دعوى قضائية عاجلة أمام محكمة عابدين للأمور المستعجلة، قيدت برقم 475 لسنة 2026، وتحدد لنظرها جلسة الأحد 5 يوليو 2026. 

وتطالب المؤسسة، وهي مؤسسة مجتمع مدني متخصصة في القانون البيئي والمصلحة العامة أشهرت وفق قواعد القانون المصري، في الدعوى بندب خبير من خبراء وزارة العدل، تكون مهمته الانتقال الفوري لمعاينة الحديقة وإثبات حالتها حاليًا، إضافة إلى تحديد هوية الشركات التي وضعت الكرفانات والمواد البنائية داخل الحديقة، والوقوف على سندها القانوني في الأمر، والاطلاع على العقود التي أبرمتها تلك الشركات، وتحديد الموظف المسؤول والمكلف بمتابعة هذه الإجراءات داخل وزارة الزراعة، إضافة إلى الكشف عن الخطة المقترحة لتطوير الحديقة ومدى مراعاتها للاشتراطات البيئية، وأهمها إعداد دراسة لتقييم الأثر البيئي، ومدى مراعاة تلك المشاريع لدليل التنسيق الحضاري المتعلقة بالحفاظ على الحدائق التراثية. 

من جانبه، يقول أحمد الصعيدي، المحامي البيئي ورئيس مجلس أمناء المؤسسة، إن الدعوى المقامة حتى الآن هدفها إثبات الحالة والكشف عن الجهات المسؤولة عن التطوير ومخطط التطوير نفسه، لأن هناك حالة من الغموض تكتنف الموقف، ولا يوجد أي موظف يدلي بمعلومة مفيدة إجابة على تساؤلات الأهالي.

ويضيف الصعيدي لـ”زاوية ثالثة”، أن المادة 19 من قانون البيئة تلزم أي مشروع تنفذه جهة حكومية أو هيئة خاصة، بإجراء دراسات لتقييم الأثر البيئي، وجزء أساسي من هذه الدراسات عقد جلستي استماع عام يُدعى إليها الأطراف المحتمل تأثرهم من هذا المشروع، وهذا ما لم يتم سواء مع الجمعيات المعنية بحقوق البيئة أو أهالي حي الزمالك.

 وفي سبتمبر الماضي، نشرت صفحة “زمالك جاردنز” مخطط للمشروع المزعوم، يتضمن إقامة فندق وملاعب ومحال تجارية ومسرح وصالة ألعاب رياضية، مشيرة إلى أن المخطط المتداول سيتم بناؤه على مساحة 17% من الحديقة.

 ويقول أحمد الصعيدي إن هناك أكثر من نموذج تطوير متداول، لكن جميعهم لم يتم إعلان الأهالي عنهم رسميًا، موضحًا أنه وفقًا لدليل التنسيق الحضاري للتعامل مع منطقة الزمالك وحدائقها، لا يجوز البناء على أكثر من 2% من الحديقة، وحال تجاوز المخطط هذه النسبة سيتم إهدار مساحات خضراء كبيرة.

ويلفت المحامي البيئي إلى أن هناك مخاوف كبيرة لدى الأهالي أن يجري لحديقة الزهرية كما حدث لحديقة المسلة بذات الحي، إذ بدأت الأعمال داخلها بداعي التطوير ضمن مشروع تطوير القاهرة الخديوية، وانتهى الأمر بتجريف للمساحات الخضراء، والأشجار أصبحت ديكور بين المحال التجارية.

 ووفقًا للدليل الإرشادي لأسس ومعايير التنسيق الحضاري للمباني والمناطق التراثية، الصادر عن الجهاز القومي للتنسيق الحضاري التابع لوزارة الثقافة، تقع حديقة الزهرية ضمن النطاق “أ” بجزيرة الزمالك، وهو نطاق حماية بيئية يتحتم حمايتها عن طريق تقليل مسطحات إشغال المباني، بحيث يكون البناء على مساحة لا تتجاوز 2% فقط. 

وخلال العامين الماضيين، شهدت حديقة المسلة المدرجة ضمن سجلات المباني والمنشآت ذات الطراز المعماري المتميز لمحافظة القاهرة، تنفيذ مشروع استثماري لتكون منطقة مطاعم ومحلات تجارية وملاعب، مع تجريف للتربة وإزالة لبعض الأشجار وتغيير ملامحها الأثرية، بحسب ما نشرته جمعية تنمية الزمالك عام 2025 وهي مؤسسة مجتمع مدني مشهرة تهدف للحفاظ على تراث حي الزمالك التاريخي.

وفي أكتوبر 2025، افتتحت وزيرة التنمية المحلية الدكتورة منال عوض، الحديقة، مشيرة إلى أن ما شهدته الحديقة تطويرًا شمل الحفاظ على جميع الأشجار والنباتات النادرة والتراثية داخل الحديقة، مع زراعة أكثر من 1600 شجرة جديدة من الأنواع الملائمة للبيئة المصرية، دون إشارة أو نفي لتجريف التربة أو إقامة مشروعات تجارية.

 

 نوصي للقراءة: كيلو سمك واحد يكلّف البحر عشرة: حسابات الصيد الجائر في البحر الأحمر

حديقة الزهرية.. أم النباتات المصرية

بينما كان الخديوي إسماعيل يبني القاهرة الخديوية، ويطور جزيرة الزمالك من خلال بناء قصر الجزيرة والعديد من الحدائق الممتدة حوله، لاستقبال ملوك وأمراء العالم في حفل افتتاح قناة السويس عام 1869، كانت حديقة الزهرية في قلب حدائق الجزيرة.

 وبحسب فيلم وثائقي أنتجته مكتبة الإسكندرية للتعريف بالتراث الثقافي والطبيعي المصري، فإن الخديوي إسماعيل كلف جون بيير ديشامب، كبير بستاني غابات بولونيا وفرنسا، للإشراف على حدائق قصر الجزيرة، ومعه مساعده جوستاف ديلشافاليري، الذي أصبح فيما بعد ناظر الحدائق الخديوية والحكومية، لتتحول الجزيرة فيما بعد لحديقة أقلمة كبيرة، وأول محطة لزراعة النباتات الجديدة وأقلمتها على مناخ مصر، في تجربة كانت الأولى من نوعها.

 وكانت حديقة الزهرية التراثية، هي مركز تجارب الأقلمة، إذ تتضمن صوبًا زجاجية مبنية من هيكل حديد وعليها ألواح زجاجية تحمي النباتات الواردة من المناطق الاستوائية من صقيع الليل في الشتاء ورياح الخماسين في الربيع وارتفاع درجة الحرارة في الصيف، وجرى تجميل الجزيرة بأكثر من مليون نبتة، حتى أصبحت معظم أشجار القاهرة من أحفاد الأشجار التي أحضرها الخديوي إسماعيل من كل أنحاء العالم منذ أكثر من 150 عامًا.

 وفي مايو 2025، رفعت جمعية تنمية الزمالك، استغاثة لرئيس الجمهورية، تضمنت بدء إخلاء صوب أثرية من عصر الخديوي إسماعيل، تمهيدًا لإقامة مشروع استثماري يتضمن مناطق مقاهي ومطاعم، مطالبة بوقف المشروع وإلغاء أي تراخيص استثمار في الحديقة والحفاظ عليها كمساحة خضراء عامة، مع تشجيع رعاية القطاع الخاص للحدائق دون استغلالها تجاريًا، عبررعاية فعاليات ثقافية أو بيئية شهرية، وتطوير المشاتل وبيع النباتات واستغلال الحدائق في الجولات السياحية التراثية، والتأكيد على إشراك المجتمع المدني والخبراء في إدارة هذه الحدائق والحفاظ على الأشجار والنباتات النادرة.

ومن أشهر أشجار حديقة الزهرية، شجرة التين البنغالي، التي يتجاوز عمرها 100 عام، وهي أشهر شجرة في جزيرة الزمالك وفي مصر أيضًا، وكانت تتوسط حديقة الزهرية، قبل شق شارع البرج وتقسيم الحديقة لقسمين.

ومع بناء برج القاهرة وكلية التربية الرياضية على جزء من مساحة حديقة الزهرية، صارت مساحتها 8 فدان، واستمرت حتى اليوم كجزء من الإرث والتنوع النباتي المصري.

واعتبر الدليل الإرشادي لأسس ومعايير التنسيق الحضاري، منطقة الزمالك بأكملها كمنطقة تراثية. وبالنسبة لحديقة الزهرية فسجل الدليل أنه تم إنشائها عام 1871 في عهد الخديوي إسماعيل، وتقع على مساحة 50 ألف متر مربع، متضمنة مليون نبتة مزروعة، تمثل 2000 صنفًا، وهي حديقة مباحة للمتنزهين. ويصل سعر تذكرة دخول حديقة الزهرية حاليًا 10 جنيهات، وهو أمر يقلق الأهالي من تغييره بعد أعمال التطوير.

وحاول موقع “زاوية ثالثة” التواصل مع المهندس محمد أبو سعده، رئيس الجهاز القومى للتنسيق الحضاري، لمعرفة أي تفاصيل عن مشروع تطوير حديقة الزهرية ومدى اتفاقه مع قواعد دليل التنسيق الحضاري، لكن دون جدوى.

طلب إحاطة جديد ومطالب للأهالي

في الثامن من يونيو الماضي، وبعد دخول الكرفانات ومعدات البناء لحديقة الزهرية، تقدمت النائبة داليا السعدني، عضو مجلس النواب، ببيان جديد لرئيس المجلس، موجهًا إلى رئيس مجلس الوزراء ووزراء التنمية المحلية والثقافة والآثار والزراعة والبيئة، مطالبة الحكومة بتوضيح طبيعة المشروع الجاري تنفيذه داخل الحديقة والجهات المالكة والمنفذة والمشرفة عليه، ومدى الحصول على الموافقات اللازمة من الجهات المختصة بحماية التراث والحدائق التاريخية، إلى جانب الكشف عن عدد الأشجار التي تم قطعها أو نقلها أو إزالتها منذ بدء الأعمال، وما إذا كانت قد أجريت دراسات تقييم أثر بيئي وتراثي قبل التنفيذ.

كذلك طالبت النائبة بالوقف الفوري لأي أعمال إزالة أو قطع للأشجار لحين عرض المشروع بالكامل على الرأي العام والجهات المختصة، مع تشكيل لجنة مشتركة تضم ممثلين عن وزارات الثقافة والزراعة والبيئة والسياحة والآثار والجهاز القومي للتنسيق الحضاري لمراجعة المشروع وتقييم آثاره

وأكدت على ضرورة نشر تقرير رسمي يتضمن حصرًا كاملًا للأشجار التاريخية والنادرة داخل الحديقة وحالتها الراهنة، مشيرة إلى أن التطوير يجب أن يستهدف رفع كفاءة الحديقة والحفاظ على هويتها التاريخية ومساحاتها الخضراء لا تغيير طابعها أو الانتقاص من قيمتها التراثية.

 تقول إيناس توفيق إن أهالي الزمالك يعتزون بحيهم الذي كان موطنًا للأدباء والمفكرين أمثال أم كلثوم وعبد الوهاب وإدوارد سعيد ويوسف شاهين، والآن تتحول لـ”فود كورت” كبير، في حين أنه وفق آخر حصر فإن حي الزمالك يضم 209 مطعم ومقهى، وبالتالي فهو ليس في حاجة إلى المزيد، السكان يريدون شجر يتنفسون منه.

 وتضيف لـ”زاوية ثالثة”، أن حديقة الزهرية جزء من ذاكرة حي الزمالك، وركن أساسي في تخطيطه قبل 158 عامًا، وتغييرها يعني مسح هوية الحي وإلغاء رئة مهمة فيه، مشيرة إلى أنه لا يجب التعامل مع الحديقة كأرض فضاء، فهي تراث بيئي يتضمن أشجار معمرة وسلالات نباتية نادرة، ومن حق الأجيال القادمة أن تظل “الزهرية” حديقة عامة لكل المصريين.

وتؤكد أن مطالب أهل الزمالك أن تراعي أي مخططات للتطوير مبادئ التنمية المستدامة وتحترم احتياجات السكان وتحمي البيئة وتحافظ على التراث.

 

نوصي للقراءة: مياه الخصوص: لون داكن ورائحة صرف صحي ومسؤولون لا يعلمون بالمشكلة منذ 10 سنوات

الاقتصاد أم البيئة؟ 

من جهته، يقول الدكتور عادل معتمد، أستاذ الجغرافيا البيئية بجامعة أسيوط، وجامعة الملك خالد بالمملكة العربية السعودية، والمهتم بإجراء الدراسات في مجال تقييم الأثر البيئى والبصمة البيئية والتغيرات المناخية، إن هناك نقاشًا قديمًا بين المدرسة الاقتصادية والمدرسة البيئية، فأصحاب المدرسة الاقتصادية يرون أن المشروعات التنموية لا بد أن تنال الدعم وألا نعير انتباهًا للتأثيرات البيئية أو غيرها للمكان طالما هناك عائد ومردود مالي واقتصادي.

 أما أصحاب المدرسة البيئية فيرون أن البيئة جزء أصيل من حياة الإنسان وهي سبب استمراره حيًا من خلال ما تقدمه من موارد، وبالتالي لا يمكن النظر للمشروعات التنموية دون مراعاة الجوانب البيئية.

 ويوضح أستاذ الجغرافيا البيئية لـ”زاوية ثالثة”، أنه للخروج من المأزق، توصل علماء البيئة لآلية مهمة مكنتهم من تحقيق التوازن بين الأهداف البيئية وفي نفس الوقت عدم معاداة المشروعات التنموية بشكل مطلق، وذلك من خلال دراسات تقييم الأثر البيئي، والتي تقوم على إجراء دراسة استباقية لأي مشروع تنموي، يشمل كل عناصر ومكونات البيئة الطبيعية الحية وغير الحية، والتأثيرات التي تعود على هذه المكونات بعد تشغيل المشروع، وفي النهاية يتم الخروج بقرارات وتوصيات بهدف تعظيم الآثار الإيجابية وتقليص الآثار السلبية.

وبالنسبة لحديقة الزهرية، يرى “معتمد”، أنها تقع في منطقة هي الأوفر حظًا على مستوى الجمهورية من حيث المساحات الخضراء، موضحًا أن مصر فقدت خلال الـ10 سنوات الأخيرة حوالي 5 مليون متر مربع (50 ألف كيلو متر) من تلك المساحات، والقاهرة وحدها فقدت 32 كيلو مترًا من المساحة الخضراء. أما حي الزمالك بالتحديد، ففقد خلال السنوات الأخيرة، حوالي 25% من مساحاته الخضراء، وكان هذا الفقد على مستوى حدائقها.

ويلفت إلى أن حي الزمالك كان الوحيد بالقاهرة الذي يحقق المعدل العالمي لنصيب الفرد من المساحات الخضراء، إذ يصل المعدل العالمي لـ9 أمتار للفرد، وكانت الزمالك توفر لسكانها 10 أمتار، أي تتجاوز المعدل العالمي، قبل عمليات التراجع، ولو استمر الاتجاه التنموي في استغلال أو تحويل جزء من المساحات الخضراء لاستخدامات او أنشطة أخرى فيمكن أن يؤثر ذلك سلبًا على الحياة النباتية، ويتراجع المؤشر، وسنفقد منطقة بإمكاننا تسميتها رئة طبيعية خضراء.

 ووفقًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، يبلغ نصيب الفرد من المساحات الخضراء في مصر 17 سم فقط حتى عام 2020، في حين أن المعدل العالمي 9 أمتار، وذلك لعدة عوامل من بينها قطع الأشجار، وتجريف المساحات الخضراء، والزحف العمراني غير المنظم.

 ويتابع أستاذ الجغرافيا البيئية أن حديقة الزهرية تضم أنواع نباتية مهمة للغاية، وبها عدد كبير من الأشجار مثل التين البنغالي والتمر الهندي، والنباتات مثل البنفسج والأوركيد الاستوائي، موضحًا أن عمليات تراجع المساحات الخضراء بسبب المشروعات التنموية قد يحدث ما يعرف بـContamination، ويقصد به التلويث المتعمد نتيجة للنشاط البشري، البيئة بمكوناتها من تربة ومياه وما يترتب على ذلك من فقدان جزء من التنوع البيولوجي.

مشكلات مناخية وبيئية ونفسية

 ويؤكد أستاذ الجغرافيا البيئية، أن المساحات الخضراء تقدم للإنسان جانبًا نفسيًا يتمثل في توفير نوع من الأريحية والتراضي بينه وبين المكان الذي يعيش فيه، وهذا الجانب غالبا ما يتغافل عنه أصحاب المشروعات التنموية، كما أن هذه المساحات تعود على الإنسان بفوائد اجتماعية واقتصادية أيضًا.

 وعلى مستوى البيئة، فيترتب على إزالة المساحات الخضراء مشكلات مناخية وبيئية، لأن وجود شجرة في أي مكان يعني امتصاص غاز ثاني أكسيد الكربون وإنتاج الأكسجين، والحد من قسوة الاحتباس الحراري، وإزالتها يعطي فرصة أكبر لإطلاق الغازات وحدوث اضطرابات في درجات الحرارة وتغيرات في قيمها، ويقلل البخر وبالتالي فرص تساقط الأمطار.

 ويؤكد “معتمد” أن الشجرة ليست مجرد خشب وأوراق خضراء، لكنها نظام بيئي خاص جدًا يعيش فيه الكثير من الكائنات الحية التي لا ترى بالعين المجردة، والطيور والحشرات والقوارض، فهي تعد جزءًا أصيلًا من المكان، تضيف للتربة وتحميها من الانجراف، وتعود على السكان العديد من الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والنفسية التي تؤثر على حياتهم.

 ويضيف أن الغطاء النباتي في مصر بالفعل قليل، لكن هناك مناطق بعينها ينشط فيها التنوع البيولوجي ومنها حي الزمالك، الذي يشهد درجات حرارة منخفضة مقارنة بالمناطق التي حرمت من الغطاء النباتي، وبقائه مهم بالنسبة لمدينة تصنف من المدن الأكثر تلوثًا مثل القاهرة، حيث يوفر نمطًا حياتيًا أكثر ثراءً بالنسبة لسكانه من حيث جودة التربة والهواء والمياه.

 وتصنف مدينة القاهرة ضمن أكثر 10 مدن تلوثًا، وفق منصة IQAir العالمية، بسبب تركيز الجسيمات الدقيقة في الهواء، حيث تتجاوز المعدلات الآمنة بأضعاف.

ويشير “معتمد” إلى أن الحرمان من الغطاء النباتي يترتب عليه ارتفاع درجات الحرارة وانخفاض قيم الرطوبة وتراجع التنوع البيولوجي ونشاط العواصف الترابية وغيرها من التأثيرات السلبية، وبالتالي فإنه مهما كانت العوائد المادية من المشروع الاقتصادي كبيرة، فالجانب السلبي سيكون أكثر وضوحًا.

ويتعارض كل ما يروى حول مشروع التطوير، مع ما ورد بالدستور المصري بالمواد في المادة 45 والتي تكفل حماية وتنمية المساحات الخضراء في الحضر، والحفاظ على الثروة النباتية والحيوانية والسمكية، وحماية المعرض منها للانقراض أو الخطر، المادة 50 التي تنص على أن تراث مصر الحضاري والثقافي، المادي والمعنوي، بجميع تنوعاتها، ثروة قومية وإنسانية تلتزم الدولة بالحفاظ عليه وصيانته.

 وبينما تؤكد الحكومة في مشروعات مماثلة أن هدفها هو التطوير دون المساس بالتراث أو الأشجار، يرى الأهالي والخبراء أن غياب المعلومات الرسمية، وعدم إعلان المخطط أو نتائج دراسات تقييم الأثر البيئي، يزيد من المخاوف بشأن مستقبل حديقة تمثل جزءًا من تاريخ القاهرة وهويتها العمرانية.

ومع اقتراب نظر الدعوى القضائية، يبقى مصير “الزهرية” معلقًا بين اعتبارات الاستثمار ومتطلبات حماية التراث والبيئة، في اختبار جديد لقدرة الدولة على تحقيق معادلة التنمية دون التفريط في ما تبقى من مساحاتها الخضراء التاريخية.

ياسمين علي
صحفية مصرية، متخصصة في ملفي التعليم والاقتصاد، عملت في مواقع محلية وإقليمية ودولية.

Search