32.9 مليون جنيه لـ«حماية» شاطئ اللوتس.. ومستندات تكشف تجريف رماله

تواجه قرية اللوتس السياحية بالساحل الشمالي على بعد 230 كيلومترًا من القاهرة، والممتدة على 150 فدانًا بشاطئ طوله 600 متر، أزمة متصاعدة بعد تسارع ظاهرة “نحر البحر” وتآكل أجزاء من شاطئها، ما أدى إلى اقتراب مياه البحر من بعض وحداتها السكنية
Picture of شيماء حمدي

شيماء حمدي

يواجه مُلاك قرية اللوتس بالساحل الشمالي، غرب مصر، مخاطر متصاعدة بسبب التجريف المستمر للشواطئ لصالح بعض المشروعات، ما تسبب في اقتراب المياه من الوحدات السكنية وتآكل الشواطئ بنسبة كبيرة، فيما يعرف علميًا باسم ظاهرة نحر البحر، ما دفعهم إلى تقديم عدة بلاغات وشكاوى للجهات القضائية ومجلس الوزراء، لكن دون جدوى حتى الآن.

تقع قرية اللوتس على بعد نحو 230 كيلومترًا من القاهرة، وتمتد على مساحة 150 فدانًا، وتضم ما يقرب من 200 وحدة سكنية متنوعة بين شاليهات وفلل واستوديوهات، إضافة إلى شاطئ رملي يمتد بطول نحو 600 متر، كان يمثل أحد أبرز مقوماتها السياحية.

ويشكو السكان الذين تحدثوا إلى “زاوية ثالثة” من تسارع ظاهرة نحر البحر وتآكل أجزاء من الشاطئ، الأمر الذي أدى إلى اقتراب مياه البحر من بعض الوحدات السكنية، في وقت يربطون فيه بين هذه التطورات وبين أعمال نُفذت ضمن مشروع لحماية الشاطئ، صاحبها فقدان كميات من الرمال الطبيعية.

وحصلت “زاوية ثالثة” على مستندات رسمية تضمنت محاضر ضبطية قضائية ومعاينات صادرة عن جهات مختصة مثل النيابة العامة وهيئة حماية الشواطئ ومديرية أمن مطروح ومحكمة مطروح الابتدائية، تكشف مخالفات تتعلق بتجريف ونقل كميات من الرمال من الشاطئ داخل نطاق القرية في مناطق تُصنّف ضمن حرم الشواطئ ومناطق الحظر البيئي، فضلًا عن شهادات من 10 مُلاك تحدثوا معنا حول تفاصيل الأزمة.

نوصي للقراءة: صيادو بحيرة ناصر يرفضون منح مستقبل مصر 40% من إنتاجهم دون مقابل

مخالفات هندسية تسببت في “نحر البحر”

بحسب الوثائق، أدت أعمال التجريف إلى تراجع في أجزاء من الشريط الرملي للشاطئ، مع زيادة اقتراب مياه البحر من اليابسة في بعض المواقع داخل القرية، وهو ما يربطه خبراء بظاهرة نحر البحر، التي تُعرف علميًا بأنها تآكل تدريجي لخط الساحل نتيجة فقدان التوازن بين الرواسب الطبيعية وحركة الأمواج والتيارات البحرية، سواء بفعل عوامل طبيعية أو تدخلات بشرية في النظام الساحلي.

وتفيد شهادات المُلاك، وكذلك ما ورد بالوثائق، بأن وقائع تجريف ونقل الرمال من الشاطئ جرت خلال تنفيذ مشروع الرؤوس الحجرية المستخدمة في الأساس بهدف “حماية الشواطئ”. وجرى تنفيذ المشروع من خلال شركة “السيسي جروب للمقاولات” بالتعاون مع رئيس اتحاد الملاك، وهي الشركة التي تُعرّف نفسها بأنها متخصصة في أعمال المقاولات، بما في ذلك الأعمال البحرية والنهرية والمعدنية، إلى جانب التصميم الداخلي.

وتوضح البيانات التعريفية للشركة على موقعها الرسمي أنها نفذت عددًا من المشروعات في مجالات حماية الشواطئ والإنشاءات البحرية والبنية التحتية لصالح جهات مختلفة، من بينها الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، والهيئة المصرية العامة لحماية الشواطئ، ووزارة الموارد المائية والري، وشركة الشرق الأوسط لتكرير البترول (ميدور)، وجهاز القرى السياحية مارينا العلمين، وشركة المقاولون العرب، وغيرها من الجهات.

وفي سياق مشروع الرؤوس الحجرية محل التحقيق، تشير المستندات والبلاغات المقدمة إلى وجود اتهامات تتعلق بمخالفات فنية في التنفيذ، من حيث الالتزام بالمواصفات الهندسية وكميات المواد المستخدمة وأسلوب التنفيذ داخل البحر، وهو ما يعتبره مقدمو الشكاوى جزءًا من سلسلة تجاوزات مرتبطة بأعمال الحماية الساحلية داخل القرية، والتي ما تزال قيد الفحص أمام الجهات القضائية والفنية المختصة.

وتُعرف الرؤوس الحجرية بأنها إحدى الوسائل المستخدمة لحماية الشواطئ، وتنفذ عادةً على شكل ألسنة تمتد عموديًا من خط الشاطئ إلى داخل البحر، وتُبنى من الصخور أو الكتل الخرسانية الثقيلة. ويجري تصميمها وفق دراسات وقياسات دقيقة لضبط حركة التيارات البحرية وتقليل تأثير الأمواج على الشواطئ الرملية. ويتمثل الهدف الأساسي من إنشاء هذه المنشآت في الحد من ظاهرة نحر البحر عبر إبطاء حركة المياه الموازية للشاطئ، بما يسمح بترسيب الرمال المنقولة طبيعيًا وتثبيت خط الساحل، وبالتالي الحفاظ على استقرار الشواطئ ومنع تراجعها التدريجي.

 

اتهامات رسمية

كشف محضر رسمي يحمل رقم (778 لسنة 2024) جنح مارينا، حرّره أحد مهندسي الضبطية القضائية بالهيئة المصرية العامة لحماية الشواطئ في 10 أكتوبر 2024 وحصلت “زاوية ثالثة” على نسخة منه، عن مخالفات فنية وبيئية في مشروع الرؤوس الحجرية داخل القرية، المخصص بالأساس لحماية الشاطئ من نحر البحر.

وبحسب الوثائق، طالت الاتهامات رئيس اتحاد شاغلي القرية محمد أبو شادي، والمقاول المنفذ عبد العزيز محمد السيسي رئيس مجلس إدارة شركة السيسي جروب للمقاولات، إذ نُسب إليهما تنفيذ الأعمال بالمخالفة للمواصفات الفنية وكراسة الشروط، بما أثر سلبًا على كفاءة المشروع وقدرته على أداء وظيفته في حماية الشاطئ.

كذلك تشير المستندات إلى وجود اختلاف بين التصميمات الهندسية المعتمدة والأعمال المنفذة على أرض الواقع، إذ تضمنت تقليص أطوال وأعماق الحواجز الحجرية داخل البحر، بما أدى إلى تقليل كميات الخامات المستخدمة من أحجار الدولوميت والرمال المخصصة لأعمال التغذية الشاطئية.

وذلك فضلًا عن استخدام مواد إنشائية مخالفة للمواصفات، من بينها استخدام أسمنت عادي بدلًا من الأسمنت المقاوم للأملاح والكبريتات المخصص للأعمال البحرية، إلى جانب تنفيذ الكتل الخرسانية بأوزان أقل من الوزن التصميمي، وهو ما اعتبره مقدمو البلاغات سببًا في ضعف مقاومتها للأمواج وتحرك بعضها من أماكنها. وتتضمن الأوراق كذلك اتهامات باستخدام رمال ذات كثافة منخفضة في أعمال تغذية الشاطئ بدلًا من الرمال البحرية البيضاء المنصوص عليها فنيًا، وهي مواد يُفترض أن تسهم في تثبيت خط الساحل والحد من التآكل.

في المقابل، أصدرت محكمة جنح مارينا في القضية رقم 3703 لسنة 2025 جنح مستأنف العلمين، حكمًا ببراءة المتهمين، قبل أن تستأنف النيابة العامة الحكم. كذلك أصدرت المحكمة قرارًا بندب خبير هندسي لمعاينة الموقع على الطبيعة، وتحديد ما إذا كانت أعمال الرؤوس الحجرية قد استلزمت تجريف الرمال، ومدى مطابقتها للأصول الفنية والبيئية، إلى جانب تحديد كميات الرمال التي تم نقلها وأوجه التصرف فيها، لتظل القضية منظورة أمام القضاء دون أن يُفصل فيها بحكم نهائي حتى الآن. فيما أُحيل ملف الدعوى إلى مكتب خبراء وزارة العدل بالإسكندرية لإعداد تقرير فني حول مدى مطابقة الأعمال المنفذة للمواصفات الهندسية.

وبحسب محاضر الضبطية القضائية ومعاينات النيابة العامة، فإن الأعمال شملت الواجهة الغربية للقرية بطول يقارب 600 متر وعرض يصل إلى نحو 80 مترًا، مع إزالة طبقة من الرمال بعمق يتراوح بين 40 و45 سنتيمترًا في بعض المواقع. وقدرت المحاضر كمية الرمال المتأثرة بنحو 21,600 متر مكعب من الرمال البيضاء الشاطئية، بقيمة تقديرية بلغت نحو 10.8 مليون جنيه.

كذلك تكشف المستندات أن اتحاد شاغلي قرية اللوتس أسند تنفيذ مشروع إنشاء أربعة رؤوس حجرية إلى شركة “السيسي جروب للمقاولات”، مع أعمال التغذية بالرمال، في موقع القرية، إذ صدر أمر الإسناد بتاريخ 6 مارس 2024 بقيمة إجمالية بلغت نحو 32.9 مليون جنيه مصري. وهو المشروع الذي أكد محضر ضبطية حماية الشواطئ مخالفته للمعايير، إذ وقع الطرفان إقرارًا يتضمن التزامًا برفع الكتل الخرسانية وإعادة الشاطئ إلى حالته الطبيعية، وهو ما لم يحدث حتى الآن وفقًا لشهادات الملاك.

وفي هذا السياق يوضح باسم السيد، أحد المُلاك، أن المناقصة الخاصة بالرؤوس الحجرية، التي كان يشرف عليها رئيس اتحاد الملاك، رست على أحد المقاولين بقيمة تقارب 33 مليون جنيه، إلا أن الأعمال المنفذة لم تلتزم بالمواصفات الفنية الواردة في كراسة الشروط، سواء من حيث الأطوال أو الأعماق أو نوعية المواد المستخدمة.

ويضيف أن التصميم كان يقضي بتنفيذ الرؤوس الحجرية بأبعاد محددة داخل البحر، غير أن التنفيذ شهد تقليصًا في هذه الأبعاد، بما انعكس على كميات الرمال والدولوميت (معدن طبيعي صخري يتكوّن أساسًا من كربونات الكالسيوم والمغنيسيوم) المستخدمة، وخفّض من التكلفة الفعلية للمشروع مقارنة بما هو وارد في التعاقد. كذلك يشير إلى وجود اختلافات بين المواصفات الفنية المعتمدة وما جرى تنفيذه على أرض الواقع، مدعيًا أن القيمة الفعلية للأعمال المنفذة لا تتناسب مع حجم المبالغ التي تم صرفها.

ويشير المالك إلى وجود عجز في أعداد الكتل الخرسانية المستخدمة في حماية الشاطئ مقارنة بالكميات التعاقدية، إلى جانب استخدام رمال “صفراء” تختلف في مواصفاتها عن تلك المقررة لأعمال تغذية الشاطئ، الأمر الذي يرى أنه أدى إلى تآكلها سريعًا بفعل حركة الأمواج.

وتقدم الملاك بشكاوى إلى مجلس الوزراء، كان آخرها شكوى قُدّمت في 20 أبريل الماضي، إلى جانب تقديم بلاغات وتحرير محاضر وصل بعضها إلى النيابة العامة، تفيد بارتباط تنفيذ المشروع بعمليات تجريف ونقل رمال من نطاق يُصنف ضمن مناطق الحظر الشاطئية داخل القرية، إلى جانب اتهامات بعدم مطابقة الأعمال المنفذة للمواصفات الفنية.

ويقول باسم السيد إن مجالس الإدارة السابقة للقرية منذ عام 1989 لم تكن مثالية، لكنها كانت تعمل في حدود الإمكانات المتاحة دون تحميل الملاك أعباء مالية إضافية.

وبسؤاله عن “أعمال حماية الشاطئ”، يوضح أنه شاهد أثناء تنفيذ مشروع الرؤوس الحجرية عمليات إزالة لكميات كبيرة من الرمال من الشاطئ، فيما استُخدم جزء من هذه الرمال في أعمال ردم داخل البحر، بينما اختفت كميات أخرى في ظروف يصفها بأنها “غير واضحة”.

ويقول لـ”زاوية ثالثة”: “لم أسمع عن الموضوع من أحد، وإنما رأيته بعيني، كميات ضخمة من الرمال أُزيلت من الشاطئ، ثم بدأت شاحنات نقل ثقيل (قلابات) تتحرك داخل القرية في أوقات متأخرة من الليل أو بعد صلاة المغرب، واستمر ذلك خلال بداية موسم الصيف”.

ويضيف أن تحرك الشاحنات تزامن مع اختفاء جزء من الرمال التي كانت مكدسة داخل موقع المشروع، وهو ما أثار شكوك عدد من الملاك بشأن مصير هذه الكميات، وما إذا كانت قد نُقلت أو استُخدمت خارج الإطار المعلن لأعمال المشروع.

كذلك يشير إلى وقائع غرق تشهدها القرية، من بينها واقعة خلال الصيف الماضي، موضحًا أن طفلًا يبلغ من العمر 13 عامًا جرفته الأمواج بالقرب من الشاطئ، قبل أن يتمكن أحد رجال الإنقاذ من انتشاله، بينما أُصيب المنقذ نفسه خلال عملية الإنقاذ ونُقل لتلقي العلاج. ويرى السيد أن وسائل الحماية المفترض توفيرها حول هذه المنشآت غير مكتملة، كما يشير إلى أن بعض الكتل الخرسانية تتحرك مع شدة الأمواج نتيجة عدم تثبيتها وفق الأسس الفنية المطلوبة.

في السياق، يُعرب أحد ملاك قرية اللوتس، فضّل عدم ذكر اسمه، عن قلقه من تدهور حالة الشاطئ داخل القرية، مشيرًا إلى المشكلات المرتبطة بحاجز الأمواج وتأثيره على استقرار الرمال وسلامة الاستخدام.

ويقول في حديثه لـ”زاوية ثالثة” إن حاجز الأمواج الذي أُنشئ قبل نحو عامين لم يكتمل بالشكل المطلوب، مضيفًا أن هناك إجراءات قانونية متداولة تتعلق بما وصفه بـ”فقدان أو اختفاء الرمال”. كما يشير إلى أن الشاطئ يشهد، خلال فترات الصيف وارتفاع الأمواج، تجمعات مائية في منتصفه تتحول إلى برك تعيق الاستخدام الطبيعي للمكان، إلى جانب استمرار تآكل الرمال رغم محاولات إعادة ردمها برمال صفراء (وهي رمال مختلفة عن رمال البحر البيضاء)، حيث تعود الأمواج لسحبها مجددًا.

ويضيف أن تغيّر طبيعة التيارات البحرية في المنطقة أدى إلى ظهور دوامات مائية، لافتًا إلى تسجيل عدد من حالات الإنقاذ خلال العام الماضي، مقارنة بعدد أقل في سنوات سابقة، وهو ما اعتبره مؤشرًا على زيادة المخاطر داخل الشاطئ. كما يوضح في حديثه أن بعض الرؤوس الحجرية التي وضعت في إطار مشروع حماية الشواطئ غير مستقرة وتحركت داخل المياه، مقارنة بمشروعات مماثلة في قرى أخرى نُفذت من قبل الجهة نفسها وتبدو أكثر ثباتًا وتنظيمًا، وهو ما اعتبره خللًا في تصميم أو تنفيذ الحاجز يستدعي المراجعة الفنية.

ويختتم المالك حديثه بالتأكيد على أن الملاك دفعوا مبالغ كبيرة مقابل المشروع، إلا أن النتائج الحالية لا تعكس مستوى الخدمة المتوقع، داعيًا إلى تدخل فني عاجل لتقييم الوضع ومعالجة أوجه القصور.

من جهتها تؤكد الدكتورة جيهان النمراسي، إحدى ملاك قرية اللوتس بالساحل الشمالي، ما ردّده الملاك بشأن تدهور حالة الشاطئ داخل القرية، سواء فيما يتعلق بوضع الرؤوس الحجرية، أو تآكل الرمال، أو مستوى مياه البحر، مشيرة إلى أن هذه الأمور أثرت بشكل كبير على جودة الشاطئ وسلامته.

وتضيف في حديثها لـ”زاوية ثالثة” أن هذا الوضع لا يمكن فصله عمّا وصفته بحالة تدهور عامة تشهدها القرية خلال الفترة الأخيرة، موضحة أن ذلك يظهر في انقطاع المياه بحجة إنشاء محطة على الشاطئ، مع مطالبة السكان بدفع مبالغ إضافية، إلى جانب تراجع مستوى الأمن وتكرار حوادث السرقة، دون وجود حلول فعالة رغم تحرير العديد من المحاضر وتقديم الشكاوى.

كما تشير إلى وجود تغييرات عمرانية غير منضبطة داخل القرية، تمثلت في تعديل بعض الوحدات السكنية وزيادة طوابق بشكل مخالف، دون رقابة أو محاسبة واضحة، بحسب قولها.

في السياق، تقدم الملاك بشكوى رسمية إلى إدارة مكافحة التهرب الضريبي بالإسكندرية (قُيدت برقم وارد 4805 في 23 سبتمبر 2025) تضمنت مستندات إسناد عملية إنشائية بقيمة تتجاوز 32 مليون جنيه، كاشفين عن تواطؤ رئيس الاتحاد في تهريب المقاول من المنظومة الضريبية عبر صرف مستخلصات مالية دون فواتير إلكترونية، فضلًا عن المطالبة بمحاسبته ضريبيًا على واقعة تجريف وسرقة رمال الشاطئ التي قُدّرت قيمتها بـ 10,800,000 جنيه. وعلى نحو موازٍ في الشق التأميني، تقدم الملاك بشكاوى جماعية بتاريخ 16 يوليو 2025 إلى الهيئة القومية للتأمينات الاجتماعية وجهات سيادية أخرى، تفيد بتعمد إدارة الاتحاد تهريب المقاول من سداد التأمينات الاجتماعية المقررة عن العملية والاشتراك بها، وهي الشكاوى التي أسفرت عن تحرك الهيئة بقوة القانون وإلزام الشركة بسداد مستحقات مهدورة بلغت 1,350,000 جنيه مصري.

نوصي للقراءة: 1.4 مليون حالة عقر سنويًا.. والحكومة عاجزة عن حل أزمة الكلاب الضالة

هل يجدي إعادة الرمال؟

في السياق، يرى المحامي أحمد الصعيدي المتخصص في القضايا البيئية أن التعامل مع أزمة نحر البحر وردم الشاطئ لا ينبغي أن يقتصر على إجراءات هيئة حماية الشواطئ، وإنما يتطلب تدخل جميع الجهات المختصة، وعلى رأسها جهاز شؤون البيئة، باعتباره المسؤول عن حماية البيئة البحرية ومكوناتها.

وفي حديثه لـ”زاوية ثالثة”، شكك الصعيدي في جدوى الاكتفاء بإعادة الرمال إلى موقعها، متسائلًا عن طبيعة الأعمال التي نُفذت وما إذا كانت أعادت الوضع البيئي إلى ما كان عليه بالفعل، قائلًا: “إذا كانوا يقولون إنهم أعادوا الأمر كما كان، فما حجم الأضرار التي وقعت؟ وهل تم أخذ رأي جهاز شؤون البيئة باعتباره الجهة المختصة بالبيئة البحرية؟”.

ويوضح “الصعيدي” أن حماية الشواطئ في مصر تخضع لاختصاصات متداخلة بين أكثر من جهة حكومية، فبينما تتولى هيئة حماية الشواطئ ووزارة الموارد المائية والري الجوانب المتعلقة بخط الساحل، يختص جهاز شؤون البيئة بحماية البيئة البحرية والكائنات الحية المرتبطة بها، في حين تتولى وزارة الصحة متابعة جودة المياه من الناحية الصحية. ويرى أن غياب التنسيق بين هذه الجهات يضعف منظومة الرقابة ويترك المجال أمام ممارسات قد تؤثر سلبًا على الشاطئ والبيئة البحرية.

وفيما يتعلق بالإجراءات القضائية، يشير إلى أن المحكمة أحالت النزاع إلى لجنة خبراء لإجراء المعاينة الفنية وإعداد تقرير بشأن الوقائع محل الدعوى، معتبرًا أن مشاركة جهاز شؤون البيئة في هذه المرحلة تمثل ضرورة فنية وقانونية لضمان تقييم الآثار البيئية بصورة شاملة.

ويرى “الصعيدي” أن استخدام الشواطئ يجب أن يتم بما لا يخل بالتوازن البيئي، مشيرًا إلى أن أي تدخل في خط الساحل أو البيئة البحرية ينبغي أن يلتزم بالاشتراطات المنصوص عليها في قانون البيئة وقانون الموارد المائية والري، وأن مخالفة هذه الضوابط قد تؤدي إلى آثار طويلة الأمد يصعب تداركها.

ويعتبر أن الأضرار البيئية الناتجة عن التدخلات غير المدروسة في الشواطئ قد تمتد آثارها إلى أجيال قادمة، مستشهدًا بحالات شهدت تغيرات كبيرة في طبيعة السواحل نتيجة مشروعات لم تُنفذ وفق الدراسات البيئية اللازمة، وهو ما يؤكد أهمية الالتزام بتقييم الأثر البيئي قبل تنفيذ أي أعمال على الشريط الساحلي.

في السياق، يستنكر “الصعيدي” تجاهل دراسات تقييم الأثر البيئي قبل إقامة أي مشروعات بالقرب من الشاطئ، وعدم الالتزام بإعدادها أو اعتمادها من الجهات المختصة وفقًا للاشتراطات القانونية المنظمة، مشددًا على أن تجاهل هذا التقييم كما حدث في قرية اللوتس قد يشكل مخالفة للتشريعات البيئية المنظمة لحماية السواحل، وفي مقدمتها القانون رقم 102 لسنة 1983 في شأن المحميات الطبيعية وحماية المناطق الساحلية، وقانون البيئة رقم 4 لسنة 1994 وتعديلاته، الذي يُجرّم الإضرار بالبيئة البحرية أو تغيير خصائصها الطبيعية دون الحصول على التراخيص البيئية اللازمة أو إجراء دراسات تقييم الأثر البيئي.

ويضيف المحامي المختص في قضايا البيئة أنه وفق ما ورد في الشكاوى، تمتد الشبهات إلى مخالفة قانون تنظيم أعمال حماية الشواطئ التابع لوزارة الموارد المائية والري، الذي يضع اشتراطات صارمة لأي أعمال ردم أو إنشاء حواجز أو تعديل في خط الشاطئ، بما يشمل الحصول على موافقات فنية مسبقة من الجهات المختصة، مشددًا على أن تعدد القوانين الفنية قد يجعل الاعتماد على تقارير الخبراء عنصرًا أساسيًا في تكوين قناعة المحكمة بشأن الوقائع الفنية المعروضة عليها.

ويؤكد أن احترام الاشتراطات البيئية ليس مجرد إجراء شكلي، وإنما يمثل ضمانة أساسية للحفاظ على الشواطئ والثروات الطبيعية، ولمنع تفاقم ظواهر مثل نحر البحر والتدهور البيئي، التي قد تستغرق معالجتها سنوات طويلة وتكلفة مالية كبيرة.

تغيير خط الساحل وراء تفاقم نحر الشواطئ في البحر المتوسط

تشير دراسات علمية حديثة إلى أن الشواطئ الرملية حول العالم تواجه تراجعًا متسارعًا نتيجة تداخل عوامل التغير المناخي مع التدخل البشري في النظم الساحلية، إذ توضح أن عمليات التآكل قد تؤدي إلى فقدان عشرات الآلاف من الكيلومترات من الخطوط الساحلية خلال العقود المقبلة، مع تقديرات تشير إلى إمكانية تراجع واسع في الشواطئ يصل إلى نسب كبيرة بحلول نهاية القرن.

وتُحذّر الدراسة من أن هذا النوع من التآكل لا يقتصر على فقدان الرمال، بل يمتد أثره إلى تهديد النظم البيئية الساحلية، وإضعاف المناطق العازلة التي تحمي التجمعات العمرانية المطلة على البحر من الفيضانات والعواصف، فضلًا عن انعكاساته الاقتصادية على المناطق المعتمدة على السياحة الساحلية. كما تشير إلى أن التدخلات الهندسية غير المدروسة، مثل بناء الحواجز البحرية أو تغيير خطوط الشاطئ، قد تؤدي في بعض الحالات إلى تفاقم ظاهرة النحر بدل الحد منها، عبر تغيير حركة التيارات البحرية ومنع إعادة توزيع الرواسب بشكل طبيعي، وهو ما يجعل إدارة السواحل في ظل التغيرات المناخية تحديًا معقدًا يتطلب حلولًا طويلة المدى تقوم على التوازن بين الحماية البيئية والتنمية الساحلية.

في هذا الإطار، يقول الدكتور محمود حنفي، أستاذ علوم البحار، إن ظاهرة نحر الشواطئ في البحر المتوسط ترتبط بعدة عوامل طبيعية وبشرية متداخلة، موضحًا أن أحد أهم الأسباب التاريخية يتمثل في توقف الرواسب التي كان يحملها نهر النيل إلى البحر.

ويوضح في حديثه لـ”زاوية ثالثة” أن النيل كان ينقل خلال فترات الفيضان ما يتراوح بين 120 و140 ألف طن من الرمال والطمي سنويًا إلى البحر المتوسط، وهو ما كان يسهم في ترسيب كميات كبيرة من المواد على الشواطئ، وبالتالي دعم استقرارها الطبيعي وبناء خط الساحل.

ويضيف أن بناء السد العالي وتوقف هذه التدفقات الرسوبية أدى إلى اختلال التوازن الطبيعي بين ما يصل إلى الشواطئ من رواسب وما تفقده بفعل الأمواج والتيارات البحرية، الأمر الذي ساهم في زيادة معدلات نحر الشواطئ، خاصة في مناطق شمال مصر مثل رشيد ودمياط.

ويشير إلى أن الدولة تلجأ إلى استثمارات كبيرة في مشروعات حماية الشواطئ، مثل إنشاء الحواجز الصخرية والكتل الخرسانية، للحد من تأثير الأمواج ومنع تآكل خط الساحل، موضحًا أن من أبرز العوامل المؤثرة أيضًا تغيير خط الشاطئ نتيجة إنشاء الموانئ والمراسي والألسنة البحرية الممتدة داخل البحر، وهي مشروعات تهدف إلى حماية مناطق معينة، لكنها قد تؤدي إلى نتائج عكسية على مناطق مجاورة بسبب تغيير حركة التيارات البحرية.

ويقول أستاذ علوم البحار إن نقل الرمال من شاطئ إلى آخر أو إقامة منشآت بحرية دون دراسة كافية لتأثيرها على حركة المياه يُعد من العوامل التي تُحدث اضطرابًا في النظام الساحلي، حيث يؤدي ذلك إلى تركز النحر في مناطق محددة مقابل ترسيب في مناطق أخرى، محذرًا من أن هذه التغيرات تصبح أكثر تعقيدًا مع التغيرات المناخية وازدياد شدة العواصف وارتفاع منسوب سطح البحر، وهو ما يزيد الضغط على الشريط الساحلي في البحر المتوسط، خاصة في المناطق الشمالية الغربية من مصر.

ويؤكد أن التوسع العمراني والتنمية على الساحل الشمالي يجب أن يراعي هذه المتغيرات، محذرًا من أن الإخلال بالتوازن البيئي الساحلي قد يؤدي إلى آثار طويلة المدى على المنشآت والبنية التحتية، بما في ذلك مخاطر التملح وتأثيره على التربة والأساسات، مشددًا على أن الحلول التقليدية مثل تغذية الشواطئ بالرمال قد لا تكون كافية على المدى الطويل إذا لم تُنفذ ضمن رؤية شاملة لإدارة الساحل، ومشيرًا إلى أن الحفاظ على خط الساحل الطبيعي دون تدخلات غير مدروسة يمثل التحدي الأكبر في الوقت الراهن.

لا تزال القضية محل نظر أمام القضاء ولم يتم الفصل فيها بشكل نهائي حتى الآن، فيما تبقى قرية اللوتس مثالًا على هشاشة الخط الفاصل بين مشروعات الحماية الساحلية ومخاطر الإضرار بالبيئة البحرية إذا لم تُنفذ وفق ضوابط علمية وقانونية. كما أن إقامة المشروعات العملاقة على الشواطئ دون ضوابط دقيقة قد يؤدي إلى نتائج تمتد آثارها إلى استقرار خط الساحل ذاته، بما يفاقم ظواهر التآكل ونحر البحر بدلًا من الحد منها، ويجعل تكلفة المعالجة لاحقًا (إن تمكنّا من ذلك) أعلى وأكثر تعقيدًا من الوقاية.

شيماء حمدي
صحفية مصرية، تغطي الملفات السياسية والحقوقية، وتهتم بقضايا المرأة. باحثة في حرية الصحافة والإعلام والحريات الرقمية.

Search