عصير القصب: أكادُ من فرط الغلاء أذوب

كوب عصير القصب الذي كان يُباع بـ3 جنيهات في الأحياء الشعبية عام 2016 وصل في 2026 إلى 22 جنيهًا في المناطق الشعبية و40 جنيهًا في الأحياء الراقية، وعدد الزبائن في بعض المحال انخفض من 20 في الساعة إلى 5، لكن صاحب المحل لا يرفع السعر من تلقاء نفسه بل ينقل تراكم الزيادات في كل حلقات الإنتاج
Picture of إبراهيم الهادي عيسى

إبراهيم الهادي عيسى

تختلط حرارة الظهيرة بصوت ماكينة عصر القصب مع ضجيج السيارات والمارة. فرغلي يقف خلف أكوام عيدان القصب المرصوصة بعناية، بينما يلتقط واحدًا تلو الآخر ويدفعه إلى قلب الماكينة التي لم تتوقف منذ عقود.

يملأ الكوب بلونه الأخضر الباهت ورغوته البيضاء، بينما يحيي المارة بالشارع في انسابية ومهارة عاليتين، قبل أن يقرر لـ”زاوية ثالثة”: “لم نرفع سعر العصير، ولكن كل عود أصبح حاملًا تكلفة أكبر من الماضي” يقول فرغلي الذي ورث مهنته عن عائلته منذ ستينيات القرن الماضي.

الآن يعاني كوب عصير القصب التضخم والغلاء المستمر لمدخلات تلك الصناعة القديمة، في ظل ارتفاع أسعار الوقود والنقل والعمالة والإيجار والكهرباء والمياه والخدمات العامة.

بينما يحظى هذا النوع من المشروبات الطبيعية في المجتمع بمكانة خاصة، إذ ترتبط به معتقدات شعبية حول دوره في الترطيب الصيفي وتحسين الهضم وتعزيز المناعة، حسبما ذكرت دراسة أنثروبولوجية.

الآن، تتراوح أسعار أكواب عصير القصب في المناطق الأقل من شعبية مثل بولاق الدكرور وأرض اللواء وناهيا، بين 14 و20 جنيهاً للكوب الواحد، فقد ظل نموذج البيع يعتمد على تحقيق حجم مبيعات كبير بهوامش ربح محدودة، فحينما بلغ متوسط سعر الكوب نحو 3 جنيهات في 2016، ارتفع إلى 5 جنيهات في 2020، ثم إلى 7.5 جنيه في 2024، قبل أن يستقر عند 11 جنيهًا في 2025، حسب عمليات حسابية أسفرت عنها جولة ميدانية قامت بها “زاوية ثالثة”.

وارتفع متوسط سعر الكوب من نحو 4 جنيهات في 2016 إلى 6.5 جنيه في 2020 في الأحياء الشعبية، مثل عابدين والعباسية وشبرا مصر، ثم تجاوز 10 جنيهات في 2024، قبل أن يصل إلى 15 جنيهًا في 2025، ويبلغ متوسطه نحو 22.5 جنيه خلال 2026، مع نطاق سعري يتراوح بين 19 و27 جنيهًا.

وتكشف البيانات أن متوسط سعر كوب عصير القصب بالمناطق المتوسطة مثل مصر الجديدة والمعادي وألماظة ومساكن شيراتون والمنيل، في 2016 بلغ نحو 4.5 جنيه، ثم ارتفع إلى 7.5 جنيه في 2020، ووصل المتوسط إلى 12 جنيهًا في 2024، قبل أن يقفز إلى 18.5 جنيه في 2025، ثم إلى نحو 28.5 جنيه خلال 2026، فيما تتراوح الأسعار الحالية بين 24 و34 جنيهًا وفقًا لموقع المحل ومستوى الخدمة.

أما في المناطق التي يصنفها البعض “مناطق راقية”، مثل الرحاب والتجمع الخامس والشيخ زايد، في 2016، بلغ متوسط سعر الكوب نحو 5.5 جنيه، قبل أن يرتفع إلى 9 جنيهات في 2020، ومع موجات التضخم تسارع إلى 15 جنيهًا في 2024، ثم 25 جنيهًا في 2025، ويستقر متوسط السعر خلال 2026 عند نحو 40 جنيهًا للكوب، بينما تتراوح الأسعار بين 34 و48 جنيهًا بحسب موقع المحل ومستوى الخدمة.

من وسيلة نقل إلى قاعة أفراح.. المونوريل يستجدي الركاب 

مشروب الغلابة مهدد 

يحتل عصير قصب السكر مكانة بارزة ضمن المشروبات التقليدية المصرية، ويُصنف من “العصائر الطازجة” ومن أكثر المشروبات استهلاكًا، خاصة خلال الصيف، باعتباره وسيلة للترطيب ومواجهة ارتفاع درجات الحرارة، وهو جزء من العادات الغذائية اليومية للمصريين وعنصر أصيل في ثقافتهم الاستهلاكية ضمن المشروبات الطبيعية ذات الأثر الصحي المفيد، وفق ما ذكرته دراسة أكاديمية.

وفي مقالها على حائط موقع “Connect the Cultures” المهتم بتسليط الضوء على ثقافات الشرق الأوسط، تحكي سابينا لور، عن اكتشافها لعصير القصب كجزء أصيل من الهوية المصرية منذ آلاف السنين.

شهدت تجارة القصب تغيرات كبيرة خلال السنوات الأخيرة، بعدما ارتفعت تكلفة شرائه ونقله بصورة متواصلة، حسبما يقول فرغلي فرغلي صاحب محل عصير قصب لـ”زاوية ثالثة”، ويوضح أن تكلفة ملء مخزن المحل كانت لا تتجاوز بضع مئات من الجنيهات قبل 10 سنوات، بينما يحتاج اليوم إلى ما يتراوح بين 13 و14 ألف جنيه، مرجعًا ذلك إلى زيادة أسعار القصب وتكاليف النقل.

يضيف “فرغلي” أن أسعار القصب ارتفعت تدريجيًا منذ 2016، موضحًا تضاعف تكلفة “الناولون” وهو نقل شحنات القصب من محافظات الصعيد بسبب أسعار الوقود، وهو ما انعكس مباشرة على تكلفة المنتج النهائي، مضيفًا أن الكمية التي كان يحصل عليها سابقًا بتكلفة إجمالية تبلغ نحو 1500 جنيه، أصبحت الآن بنحو 5 آلاف جنيه بعد احتساب سعر القصب والنقل.

 

من ناحيته، يقول نقيب الفلاحين حسين أبو صدام إن ارتفاع أسعار القصب المخصص لمحال العصائر لا يرتبط بتراجع المساحات المزروعة، موضحًا أن زراعة القصب في مصر تخضع لسياسة تنظيمية تمنع التوسع فيها خارج محافظات الصعيد بسبب استهلاكها المرتفع للمياه، ولذلك تظل المساحات، وفق “أبو صدام”، مستقرة عند نحو 370 ألف فدان دون زيادات أو تراجعات كبيرة.

ويوضح لـ”زاوية ثالثة” أن زراعة القصب تتركز في محافظات المنيا وأسيوط وسوهاج وقنا والأقصر وأسوان، بينما يُحظر التوسع في زراعته بالوجه البحري، في إطار سياسة تستهدف ترشيد استخدام الموارد المائية، في حين يجري التوسع في زراعة بنجر السكر باعتباره أقل استهلاكًا للمياه ويمكن زراعته في الأراضي الجديدة.

ويشير إلى أن محصول قصب السكر من الزراعات المستدامة، إذ يبقى في الأرض نحو 5 سنوات، بينما لا يستطيع المزارع استبداله بمحصول آخر بسهولة، لأن الجزء الأكبر من تكاليف الزراعة يتحملها خلال السنة الأولى.

ويذكر أن الارتفاع الحالي في أسعار القصب الذي يصل إلى محال العصائر يرتبط بطبيعة الموسم، موضحًا أن عمليات كسر القصب تبدأ بكميات محدودة قبل اكتمال الموسم، ما يجعل الكميات المتاحة قليلة وأسعارها أعلى، خاصة أن أصحاب محال العصائر يشترون احتياجاتهم من السوق الحرة بكميات محدودة، على عكس مصانع السكر التي تتعاقد على كميات كبيرة خلال موسم التوريد.

لا يعد قصب السكر مشروبًا صيفيًا فحسب، ولكنه غني بمضادات الأكسدة التي تساعد في حماية الخلايا وتقليل الالتهابات، كما يدعم وظائف الكبد والكلى والجهاز البولي، ويسهم في ترطيب الجسم وتعويضه بالطاقة بفضل احتوائه على السكريات الطبيعية والمعادن، ويرتبط بتعزيز المناعة وتحسين صحة الجلد والأسنان، وقد تساعد بعض مركباته في خفض الكوليسترول الضار ودعم صحة القلب والأوعية الدموية، وامتلاكه خصائص وقائية ضد بعض أنواع السرطان، مع إمكانية تناوله لبعض مرضى السكري بعد استشارة الطبيب، وفق ما ذكرته دراسة أكاديمية.

 

ظل عصير القصب لعقود أحد أكثر المشروبات ارتباطًا بالصيف في مصر، حسبما يقول العامل بمحل عصير قصب بشارع مجلس الأمة محمد حسني، لكنه يرى أن الإقبال عليه يرتبط في النهاية بتفضيلات المستهلكين، لافتًا إلى أن القصب يعد من المشروبات الطبيعية التي يفضلها كثيرون، حتى إن بعض مرضى السكري يطلبون كميات صغيرة منه بعد استشارة أطبائهم.

ويوضح “حسني” لـ”زاوية ثالثة” أن جودة القصب ومذاقه تختلف باختلاف الموسم الزراعي، إذ ترتفع نسبة السكر فيه خلال بعض أشهر العام بينما تقل في أشهر أخرى، مشيرًا إلى أن زيادة الطلب من مصانع السكر ومحال العصائر تدفع التجار أحيانًا إلى طرح قصب غير مكتمل النضج، وهو ما ينعكس على الطعم ويثير شكاوى بعض المستهلكين الذين يتوقعون مذاقًا أكثر حلاوة.

ويذكر أن القصب لا يحتوي على سكريات مضافة بطبيعته، بخلاف بعض العصائر الأخرى التي قد يفضلها المستهلكون لمذاقها الأكثر حلاوة، معتبرًا أن اختلاف الإقبال يرتبط في النهاية بالذوق الشخصي لكل زبون.

 

حين أدخل الغلاء الطبقة المتوسطة المصرية إلى سوق البالة

عصير القصب والتيتانيوم

مؤخرًا، أُثير جدل حول استخدام بعض محال عصير القصب مادة ثاني أكسيد التيتانيوم لتببيض العصير، بعد إعلان الأجهزة الرقابية بمحافظة القليوبية ضبط كميات من المادة التي وُصفت بالمسرطنة، وتكرار الأمر في محافظة أسيوط إثر ضبطها داخل أحد محال عصير القصب.

يقول “فرغلي فرغلي” إنها مادة مسموح باستخدامها في الصناعات الغذائية فضلًا عن عدم منعها؛ إذ تُباع لدى جميع العطارين، ذاكرًا أن استخدامها آمن إذا تم بالنسب المقررة، مشيرًا إلى أن سعر الكيلوجرام من تلك المادة يتجاوز 600 جنيهًا، مبينًا أن سعرها سيكون عبئًا على أصحاب محلات عصير القصب إذا قرروا استخدامها فوق أعبائهم الحالية.

في حين يضيف “محمد حسني” أن تلك الشائعات على محال عصير القصب أثّرت مباشرة على حركة البيع، موضحًا أن كثيرًا من الزبائن أصبحوا يترددون قبل الشراء، رغم أن أصحاب المحال، حسب قوله، يحرصون على طمأنتهم وشرح طبيعة المنتج، مضيفًا أن تكلفة بعض المواد التي أثير الجدل حولها مرتفعة أصلًا ولا تمثل خيارًا اقتصاديًا لأصحاب المحال الصغيرة.

وفي ذلك، يقول استشاري المشروعات الإنتاجية الصغيرة والمتوسطة الدكتور محمود إبراهيم السمان، إن تغير لون عصير القصب بعد عصره مباشرة يُعد ظاهرة طبيعية ناتجة عن تفاعل إنزيمات ومركبات فينولية مع الأكسجين، ولا يُعد دليلًا على فساد العصير أو تراجع جودته.

ويضيف لـ”زاوية ثالثة” أن “التيتانيوم” تُستخدم كمضاف غذائي وملون في بعض الصناعات الغذائية والدوائية، إلا أنها أصبحت محل مراجعة علمية خلال السنوات الأخيرة، ما دفع الاتحاد الأوروبي إلى حظر استخدامها كمضاف غذائي منذ 2022، بينما لا تزال إدارة الغذاء والدواء الأمريكية تسمح باستخدامها وفق ضوابط محددة.

ويذكر أن الحكم على احتواء عصير القصب على هذه المادة لا يمكن أن يتم من خلال اللون، إذ يتأثر لون العصير بعوامل عديدة، منها جودة القصب ودرجة الحرارة ومدة التخزين، مشيرًا إلى أن إثبات وجود أي مادة مضافة يتطلب تحاليل معملية متخصصة، وأن سلامة الغذاء ترتبط بالالتزام بالمعايير الرقابية وعدم الانسياق وراء الشائعات غير المدعومة بأدلة علمية.

معاناة الزبون والبائع والفلاح

أصحاب محال عصير القصب لا يرفعون الأسعار من تلقاء أنفسهم وإنما ينقلون جزءًا من الزيادات التي يتحملونها، بعد ارتفاع تكلفة حلقات سلسلة التوريد بداية من المزارع والتاجر وحتى النقل والعمالة، حسبما يقول العامل بمحل عصير قصب بمنطقة المطبعة “بيشوي مجدي”، مضيفًا: “كلما ارتفعت أسعار الوقود ترتفع تكلفة النقل، وبالتالي ترتفع أسعار العصائر، لأن هامش الربح أصبح محدودًا للغاية”.

ويضيف لـ”زاوية ثالثة” أن أصحاب محال العصائر يواجهون كذلك ارتفاعًا كبيرًا في تكاليف التشغيل، خاصة فواتير الكهرباء والمياه التجارية وأجور العمال، مشيرًا إلى أن بعض المحال بالكاد تغطي مصروفاتها، بينما تتحول أشهر الشتاء إلى عبء مالي يدفع بعض أصحابها إلى الاقتراض لتجاوز فترة انخفاض المبيعات.

وتختلف تعريفة الكهرباء للمحال التجارية وفقًا لحجم الاستهلاك الشهري، إذ يبلغ سعر الكيلوواط/ساعة 162 قرشًا للشريحة التي لا يتجاوز استهلاكها 100 كيلوواط/ساعة شهريًا، في حين تصل التعريفة إلى 279 قرشاً لكل كيلوواط/ساعة للمحال التي يتجاوز استهلاكها 1000 كيلوواط/ساعة شهريًا.

بينما يرى أحد الزبائن ممن تحدثت إليهم “زاوية ثالثة”، أن عصير القصب لم يعد المشروب الشعبي منخفض التكلفة كما كان في السابق، إذ أصبح الخروج مع الأسرة لتناول العصائر يمثل عبئًا على كثير من الأسر في ظل تراجع القدرة الشرائية وارتفاع أسعار السلع الأساسية.

بينما يوضح أن الأولوية لدى أغلب المواطنين، حاليًا، أصبحت لتوفير الاحتياجات الضرورية، فيما تراجعت النفقات المخصصة للترفيه أو تناول المشروبات خارج المنزل.

 

خلال الصيف الحالي، تراجع حجم الإقبال على محال عصير القصب بصورة ملحوظة مقارنة بالسنوات السابقة، حسبما يقول العامل بمحل عصير قصب بدرب الأتراك سلامة عوض، موضحًا أنه إذا كان المحل فيما مضى يستقبل نحو 20 زبونًا في الساعة خلال فترات الذروة، فإن العدد انخفض حاليًا إلى نحو 5 زبائن فقط، بينما يعتمد الجزء الأكبر من المبيعات على الزبائن الدائمين الذين يعرفون المحل ويثقون فيه.

ويضيف لـ”زاوية ثالثة” أن اختلاف أسعار العصائر بين المناطق لا يعود إلى اختلاف المنتج بقدر ما يرتبط بتكاليف التشغيل، وعلى رأسها قيمة الإيجارات. 

ويوضح أن المحال الواقعة في المناطق الشعبية تضطر إلى الحفاظ على أسعار منخفضة تناسب القدرة الشرائية للسكان، بينما ترتفع الأسعار في المناطق الأعلى تكلفة مثل مصر الجديدة والتجمع الخامس بسبب ارتفاع الإيجارات والمصروفات التشغيلية، ذاكرًا أن سعر الكوب الواحد قد يتضاعف بين منطقة وأخرى وفقًا لهذه الاعتبارات الاقتصادية، وليس لاختلاف جودة المنتج.

 

ما فعله التضخم بمصيف المصريين

مشكلات تحوم حول قصب السكر

يقول المهندس الزراعي عمر عزب إن ارتفاع تكلفة إنتاج قصب السكر لا يرتبط باستهلاك المياه كما يعتقد البعض، وإنما يعود بالأساس إلى زيادة أسعار مستلزمات الإنتاج، وفي مقدمتها الأسمدة التي لم تعد الجمعيات الزراعية توفرها بالكميات المطلوبة، ما يضطر المزارعين إلى شرائها من الشركات الخاصة بأسعار أعلى بكثير.

ويوضح لـ”زاوية ثالثة” أن متوسط إنتاجية فدان القصب يتراوح بين 40 و50 طنًا، بينما يتراوح سعر الطن بين 2500 و3 آلاف جنيه وفقًا للجودة والمنطقة، مشيرًا إلى أن قصب الصعيد يحظى بقيمة أعلى بسبب جودة المحصول وارتفاع نسبة السكر به الناتجة عن طبيعة المناخ.

ويذكر أن الجمعيات الزراعية لا توفر احتياجات المزارعين من الأسمدة الأزوتية والنيتروجينية بصورة كافية، لافتًا إلى أن المزارع كان يحصل في السابق على معظم احتياجاته من الجمعية، بينما يضطر حاليًا إلى شراء الأسمدة التجارية التي قد يصل سعر الشيكارة منها إلى 5 أضعاف سعر الشيكارة المدعومة، وهو ما يرفع تكلفة الإنتاج بصورة كبيرة.

ويضيف أن أسمدة البوتاسيوم، وهي عنصر أساسي لزيادة حجم عيدان القصب ورفع نسبة السكر بالمحصول، لا تصرفها الجمعيات الزراعية من الأساس، ويضطر المزارعون إلى شرائها من السوق، بينما تتراوح تكلفة الدفعة الواحدة للفدان بين 3 و4 آلاف جنيه للمنتجات المحلية، وقد تصل إلى نحو 6 آلاف جنيه للأنواع الأعلى جودة، مع الحاجة إلى تكرار الإضافة على عدة دفعات خلال الموسم.

ويرى أن السعر الحالي (2500 للطن) لتوريد القصب يكون مجزيًا للمزارع إذا حصل على مستلزمات الإنتاج المدعومة، لكنه يصبح أقل ربحية مع اضطراره لشراء الأسمدة والمدخلات من السوق الحرة، وهو ما يقلص هامش الربح بصورة ملحوظة.

ويشير إلى أن الزيادة الكبيرة في أسعار عصير القصب لا يتحملها المزارع وحده، موضحًا أن جزءًا معتبرًا من الفارق السعري ينتج عن حلقات التداول والنقل والتوزيع وهوامش الربح حتى يصل المنتج إلى محال العصائر.

ويضيف نقيب الفلاحين أن مصر تنتج سنويًا نحو مليون طن من السكر من القصب، في مقابل احتياجات محلية تبلغ نحو 3.2 مليون طن، بينما يأتي الجزء الأكبر من الفجوة عبر إنتاج بنجر السكر والاستيراد، لافتًا إلى أن توجه الدولة حاليًا يقوم على زيادة إنتاج السكر من البنجر لتحقيق قدر أكبر من الاكتفاء الذاتي وتقليل الضغط على الموارد المائية.

وعن تكلفة الإنتاج، يشير “أبو صدام” إلى أن الحكومة خفضت خلال الموسم الحالي حصة الأسمدة المدعومة المخصصة لفدان القصب من 11 شيكارة إلى 5 فقط، وهو ما اضطر المزارعين إلى شراء الكميات المتبقية من السوق الحرة بأسعار أعلى.

ويوضح أن سعر شيكارة السماد في الجمعيات الزراعية يبلغ نحو 290 جنيهًا، بينما قد يصل سعرها في السوق إلى نحو 1200 جنيه، وهو ما يرفع تكلفة الإنتاج ويضغط على هامش ربح المزارع.

ويؤكد أن هذا الارتفاع في تكاليف مستلزمات الإنتاج دفع نقابة الفلاحين إلى المطالبة برفع سعر توريد طن القصب إلى 3 آلاف جنيه في الموسم المقبل، مقابل 2500 جنيه خلال الموسم الحالي، موضحًا أن الحكومة تشتري المحصول بالطن، بينما يتراوح متوسط إنتاجية الفدان بين 35 و50 طنًا حسب جودة الأرض ومستوى الخدمة الزراعية.

يبلغ متوسط إنتاجية الهكتار (نحو 2.5 فدان) المزروع بقصب السكر في صعيد مصر نحو 125 طن، ويتم توجيه جزء من هذا الإنتاج الضخم لمحلات العصير، حسبما قالت دراسة مختصة.

ويذكر نقيب الفلاحين أن القصب يُحصد مرة واحدة سنويًا بعد بقائه نحو 12 شهرًا في الأرض، مشيرًا إلى أنه محصول مرتفع الاحتياج للمياه، إذ قد يستهلك الفدان نحو 12 ألف متر مكعب من المياه سنويًا، وهو ما يفسر استمرار القيود المفروضة على التوسع في زراعته خارج محافظات الصعيد، حسب “أبو صدام”.

وقد تراجعت زراعة قصب السكر بمصر، إذ بلغ متوسط المساحة المزروعة في 2006 نحو 326.5 ألف فدان، وانخفضت إلى نحو 303 آلاف فدان في 2024، كما تراجعت إنتاجية الفدان إلى 43.5 طنًا في 2024 بينما كانت في 2006 نحو 51 طنًا، لينخفض الإنتاج الكلي من نحو 17 مليون طن في 2007 إلى 13.2 مليون طن في 2024، بالتزامن مع تراجع مساهمة سكر القصب في إجمالي إنتاج السكر المحلي من 68% إلى 29%، حسبما ذكرت دراسة مصرية.

يستهلك الفدان المزروع بقصب السكر سنويًا 15-23 ألف متر مكعب من المياه، في ظل درجات حرارة 27-37 درجة مئوية، بينما يبلغ متوسط إنتاجية الفدان نحو 48 طنًا، وتتمثل أبرز مشكلاته في ارتفاع أسعار الأسمدة والإيجارات وأجور العمالة بجانب نقص العمالة، حسبما ذكرته دراسة مصرية.

بينما ينفي المهندس الزراعي عمر عزب أن يكون القصب من أكثر المحاصيل استهلاكًا للمياه كما هو شائع، موضحًا أن احتياجاته المائية ترتبط بمرحلة النمو، إذ يجرى تقليل الري تدريجيًا في نهاية الموسم لرفع نسبة السكر داخل العيدان، بينما يؤدي الإفراط في الري خلال هذه المرحلة إلى انخفاض تركيز السكر بالمحصول.

ويدعو المهندس الزراعي إلى التوسع في استخدام نظم الري الحديثة، مثل الري المحوري (البيفوت) والري بالتنقيط، مؤكدًا أنها قادرة على خفض استهلاك المياه والأسمدة بنسب كبيرة، فضلًا عن تقليل الإصابة ببعض الآفات وأعفان الجذور، وهو ما ينعكس في النهاية على خفض تكلفة الإنتاج وتحسين جودة المحصول، رغم ارتفاع تكلفة تركيب هذه الأنظمة في البداية.

يبلغ متوسط صافي عائد فدان قصب السكر نحو 30 ألف جنيه خلال 2020-2024، بإيرادات نحو 61 ألف جنيه وتكاليف نحو 31 ألف جنيه، إذ يحتاج فدان القصب متوسط نحو 10.3 ألف متر مكعب من المياه، بينما يحقق “الري بالتنقيط” أعلى كفاءة مائية بإنتاج يصل إلى 7.57 كيلوجرام لكل متر مكعب من المياه، مقارنة بـ4.43 كيلوجرام فقط في الري بالغمر، وفق دراسة مصرية.

ويحذر أستاذ المياه والأراضي بجامعة القاهرة نادر نور الدين من من استمرار تراجع زراعة قصب السكر في محافظات الصعيد، بعدما انخفضت المساحة المزروعة، حسب تقديره، من نحو 330 ألف فدان إلى نحو 170 ألف فدان، نتيجة التحديات التي تواجه المزارعين. 

ويذكر “نور الدين” في منشور على حائط صفحته الشخصية في “فيسبوك” أن القصب يُعد المحصول الأكثر ملاءمة لظروف الصعيد المناخية، خاصة مع ارتفاع درجات الحرارة، وأن تراجعه قد يحد من استغلال الأراضي زراعياً على مدار العام، فضلاً عن تأثيره على استدامة مصانع سكر القصب والعمالة المرتبطة بها.

“زاوية ثالثة” حاولت التواصل مع “نور الدين”، إلا أن جميع المحاولات لم تفلح. بينما يرى الأستاذ الجامعي في منشوره أن فدان قصب السكر يستهلك نحو 10 إلى 12 ألف متر مكعب من المياه سنويًا، مقابل نحو 8 آلاف متر مكعب لفدان بنجر السكر خلال دورة زراعية أقصر، في حين ينتج فدان القصب نحو ضعفي ونصف إنتاج السكر مقارنة بفدان البنجر، فضلًا عن تميزه في الجودة والطعم. 

كما يشير إلى أن القصب لا ينافس المحاصيل الإستراتيجية في الدلتا، ويوفر سلسلة من المنتجات الثانوية، من بينها العسل الأسود والإيثانول والأسيتون والخل والسكر البني والباجاس الذي يُستخدم كوقود وسماد عضوي.

ويضيف أن تقليص المخصصات السمادية لفدان القصب من 13 إلى 5 جوالات من السماد النيتروجيني سنويًا، يزيد الضغوط على المزارعين ويهدد استمرار زراعة المحصول، مطالبًا بأن تستند السياسات الزراعية إلى دراسات علمية ورؤى الخبراء المتخصصين، بما يحقق التوازن بين إدارة الموارد المائية والحفاظ على أحد أهم المحاصيل الإستراتيجية بالصعيد.

يدفع “فرغلي” عود قصب آخر في الماكينة، ثم يملأ كوبًا جديدًا لزبون دخل هاربًا من حرارة يوليو. لم يتغير طعم العصير كثيرًا، لكن ثمن الوصول إلى هذا الكوب تغيّر بالكامل، وبين عود القصب الخارج من حقول الصعيد وماكينة العصر في قلب القاهرة، تمتد رحلة طويلة من الزيادات والتكاليف، تنتهي بكوبٍ لا يزال يطفئ عطش البسطاء، لكنه لم يعد بالبساطة التي عرفوها لسنوات طويلة.

إبراهيم الهادي عيسى
صحفي مهتم بالقضايا الاقتصادية وتقاطعاتها مع العدالة الاجتماعية والقصص الإنسانية

Search