كشفت واقعتان متقاربتان زمنيًا عن هشاشة أوضاع العاملين في المطاعم. ففي الأولى، وجد عدد من العاملين في مطعم «عيش وملح» أنفسهم أمام قرار تسريح دون الحصول على مستحقاتهم المالية عن فترة عملهم، فيما امتنعت إدارة المطعم عن تسليمهم مسوغات التعيين الخاصة بهم دون أسباب واضحة. أما الثانية، فحدثت في أحد فروع «سزلر»، بعدما اتهمت إحدى الزائرات مدير الفرع بمنع صديقتها من أداء صلاة الظهر داخل المطعم، قبل أن تتسع الأزمة إلى موجة جدل واسعة على منصات التواصل، انتهت بإصدار إدارة المطعم بيان اعتذار رسمي والإعلان عن إنهاء عمل مدير الفرع.
تختلف تفاصيل الواقعتين، لكنهما تكشفان إشكالية واحدة؛ فبين قرارات الفصل المفاجئة وغياب المستحقات من جانب، وإنهاء العمل على خلفية أزمة مع أحد الزبائن من جانب آخر، يبرز السؤال حول مدى تمتع العاملين في هذا القطاع بحماية قانونية واجتماعية فعلية، وقدرتهم على حماية حقوقهم حين تنتهي علاقة العمل فجأةً أو تنشأ خلافات مع الإدارة.
نوصي للقراءة: تحت الألواح الشمسية ظل.. لا يصل إلى العمال

عمال «عيش وملح».. لا مستحقات ولا مسوغات تعيين
عن واقعة «عيش وملح»، يقول أحمد سامح عبد المجيد، 26 عامًا، أحد العمال الذين سُرِّحوا فجأةً ولم يتسلموا مسوغات تعيينهم، إنه التحق بالعمل في المطعم بناءً على اتفاق مع الشيف العمومي الذي سبق أن عمل معه، وكان يشغل وظيفة «ديبارتي» أو رئيس قسم في المطبخ، واتفق قبل بدء العمل على طبيعة وظيفته ومرتبه ومواعيد عمله. ويضيف في حديثه لـ«زاوية ثالثة» أن المطعم كان يمر بمرحلة إعادة ترتيب، وأن الشيف العمومي أحضر بعض الخامات على نفقته لإجراء اختبارات للأصناف الجديدة، قبل أن ينشأ خلاف بينه وبين صاحبة المطعم، دينا.أ.ج، انتهى بمغادرته المكان.
ويوضح أحمد أن صاحبة المطعم لم تكن تحضر بانتظام في الفترة الأولى، ثم عادت بعد مغادرة الشيف العمومي واجتمعت بالعاملين لمناقشة الخطة الجديدة، وأبلغته أنها تريد تعديل طبيعة وظيفته ليتولى أعمال النظافة بدلًا من مهامه في المطبخ. ويقول إنه اعترض موضحًا أنه التحق باعتباره رئيس قسم في المطبخ، وأن تغيير عمله بهذه الصورة لا يناسب الاتفاق، فردّت بأن هذا هو المتاح، وإن لم يناسبه فعليه أن يترك العمل.
وتقابل رواية أحمد نصًا مباشرًا في قانون العمل؛ فالمادة 91 تمنع صاحب العمل من تكليف العامل بعمل غير المتفق عليه، إلا بصورة مؤقتة عند وجود ضرورة لمنع حادث أو إصلاح آثاره أو في حالة القوة القاهرة، وتسمح بتكليفه بعمل آخر فقط إذا كان لا يختلف اختلافًا جوهريًا عن عمله الأصلي ومن دون المساس بحقوقه. ويعني ذلك أن قانونية نقل عامل من إعداد الطعام إلى النظافة لا تتوقف على سلطة المدير في توزيع المهام وحدها، بل على طبيعة الوظيفة المتفق عليها، وما إذا كان التكليف مؤقتًا وضروريًا، ومدى الاختلاف بين العملين؛ ويزداد أثر المسألة إذا أثبت العامل أن الإدارة استخدمت النقل للضغط عليه كي يترك العمل أو لمعاقبته دون تحقيق.
ويتابع أحمد أنه عاد في اليوم التالي مطالبًا براتبه عن فترة عمله ومسوغات تعيينه وأوراقه، فأبلغته الإدارة أنه يستطيع الانتظار شهرين أو ثلاثة للحصول على مستحقاته، وهو ما دفعه إلى اللجوء إلى مكتب العمل. ويقول إن أحد موظفي المكتب اقترح حل الأمر وديًا قبل تقديم شكوى رسمية، فطلب رقم صاحبة المطعم واتصل بها وأبلغها بأن أحمد يريد أوراقه ومستحقاته وأنه مستعد للانتظار ماليًا، فطلبت مهلة عشرة أيام. لكنه يقول إنه حين اتصل بها بعد انقضاء المهلة فوجئ بأنها أنكرت معرفتها به وقالت إنها لا تعرف شخصًا بهذا الاسم ولم يسبق أن عملت معه، ثم توجه إلى المطعم وتحدث مع المحاسب الذي أبلغه بأنه لا يستطيع صرف أي أموال وأن الإدارة هي صاحبة القرار، لينتهي الأمر بأنه حتى الآن لم يحصل على أمواله ولا أوراقه.
وتضع المادة 108 من قانون العمل سقفًا زمنيًا واضحًا لهذا الوضع؛ إذ تنص على أن يحصل العامل المعيَّن بأجر شهري على أجره مرة واحدة على الأقل كل شهر، وإذا انتهت علاقة العمل لأي سبب يتعين على صاحب العمل سداد الأجر وجميع المستحقات خلال مدة لا تتجاوز سبعة أيام من تاريخ مطالبة العامل، وتحظر المادة احتجاز الأجر أو جزء منه دون سند قانوني. ولا تبرأ ذمة صاحب العمل من الأجر، وفق المادة 115، إلا إذا وقّع العامل على سجل أو كشف يفيد تسلمه أو حُوّل الأجر إلى حسابه البنكي، ما يعني أن إنكار صاحب العمل معرفة العامل لا يكفي، إذ يمكن مطالبته أمام مكتب العمل أو المحكمة بتقديم سجل الأجور أو كشوف التحويلات. ويعاقب القانون على مخالفة الالتزامات المتعلقة بالأجور والحد الأدنى، وفق المادة 287، بغرامة تتراوح بين ألفي جنيه و20 ألف جنيه، تتعدد بتعدد العمال الذين وقعت في شأنهم المخالفة وتتضاعف عند تكرارها.
كذلك فإن غياب العقد المكتوب لا يسقط حقوق العامل. فقد دخل قانون العمل رقم 14 لسنة 2025 حيز التنفيذ في سبتمبر 2025، وألزم صاحب العمل في المادة 89 بتحرير عقد باللغة العربية من أربع نسخ، يحتفظ بواحدة ويسلّم العامل أخرى ويودع النسختين الباقيتين لدى مكتب التأمينات الاجتماعية والجهة الإدارية المختصة، على أن يحدد العقد طبيعة العمل والأجر وموعد صرفه والمزايا المتفق عليها؛ لكنه أجاز للعامل وصاحب العمل إثبات علاقة العمل وحقوقها بجميع طرق الإثبات، بما يشمل تحويلات الأجور ورسائل «واتساب» وجداول الورديات وبطاقات الحضور وشهادات الزملاء وأي مراسلات صادرة عن الإدارة. كما تلزم المادة 92 صاحب العمل بإنشاء ملف لكل عامل يتضمن بيانات وظيفته وأجره وعقده وإجازاته والجزاءات الموقعة عليه، والاحتفاظ به مدة لا تقل عن خمس سنوات من انتهاء العلاقة؛ وتلزمه المادة 175 عند انتهائها برد الأوراق والشهادات وتسليم ما يفيد إخلاء الطرف فور طلبه، ومنح العامل خلال 15 يومًا شهادة تبيّن تاريخ التحاقه وانتهاء خدمته ونوع عمله ومزاياه.
وبحسب شهادات حصلت عليها «زاوية ثالثة»، لم تقتصر المشكلة على العاملين حديثي التعيين، بل امتدت إلى موظفين أمضوا سنوات في المطعم، من بينهم مدير المطعم وأحد المحاسبين وعاملون آخرون، يقول عدد منهم إنهم تعرضوا لإنهاء علاقة العمل وواجهوا صعوبات في الحصول على مستحقاتهم وأوراقهم بعد المغادرة.

العمال يدفعون ثمن ضعف الرقابة لا غياب القواعد
وضعت المفوضية المصرية للحقوق والحريات واقعة «عيش وملح» إلى جانب ما حدث في «سزلر»، ورأت أن الواقعتين، رغم اختلاف ملابساتهما، تكشفان إشكالية واحدة تتعلق بضعف حضور القانون في تنظيم العلاقة بين العامل وصاحب العمل؛ ففي إحدى الحالتين تحركت الإدارة سريعًا تحت ضغط الرأي العام، بينما لم تُفضِ الآليات الرسمية لتسوية النزاع في الأخرى إلى نتيجة لصالح العاملين. وحذّرت من أن ضعف إنفاذ قانون العمل قد يدفع حماية الحقوق إلى مسارات غير مؤسسية مثل ضغط الجمهور ومنصات التواصل، بدلًا من أن تكون الإجراءات القانونية هي المسار الطبيعي لحسم النزاعات، مؤكدةً أن فاعلية الحماية لا تُقاس بالنصوص التي تجرّم الفصل التعسفي وحدها، بل بقدرة العامل على الوصول إليها في الوقت المناسب عبر آليات رقابية وقضائية سريعة تمنع تحول الحق إلى نزاع طويل لا يملك العامل موارده لخوضه.
ويقول رضا مرعي، المحامي بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، لـ«زاوية ثالثة»، إن عددًا من عمال «عيش وملح» تواصلوا مع المبادرة، وحضر أربعة منهم إلى مكتبها، وكانوا في الشهور الأولى للعمل ولم يحصلوا على أجور الفترة التي قضوها، كما امتنعت الإدارة عن تسليمهم مستنداتهم الأصلية. ويضيف أنهم حاولوا الحصول على مستنداتهم ومستحقاتهم فواجهوا اتهامات بالتهجم على المطعم واستدعاءً للشرطة عند توجههم إليه. ويؤكد أن امتناع صاحب العمل عن صرف الأجر عن مدة العمل أو عن تسليم المستندات لا يمثل إجراءً طبيعيًا قانونًا، وأن من حق العامل المطالبة بأجره واسترداد مسوغات تعيينه والتعويض عن الأضرار متى توافرت شروطه، وأن هذه الحقوق قائمة بموجب قانون العمل الجديد والتشريعات السابقة. ولا يرى مرعي أن ما يواجهه عمال المطاعم يرتبط بغياب القواعد بقدر ما يرتبط بضعف الرقابة على تطبيقها، ويقول إن مشكلات الفصل وعدم صرف المستحقات تتكرر في قطاع السياحة والمطاعم خاصة في فترات الأزمات، مستشهدًا بما جرى خلال جائحة كورونا حين لجأت منشآت إلى تقليص العمالة.
ولا يمنح قانون العمل صاحب العمل سلطة مطلقة في الفصل. فالمادة 141 تحظر توقيع جزاء تأديبي قبل إبلاغ العامل كتابةً بما نُسب إليه وسماع أقواله والتحقيق في دفاعه وإثبات ذلك في محضر يودع بملفه، على أن يكون قرار الجزاء مسببًا، بينما تختص المحكمة العمالية وفق المادة 148 بتوقيع جزاء الفصل من الخدمة. ولا يجوز إنهاء العقد غير محدد المدة، وفق المادة 157، إلا استنادًا إلى مبرر مشروع وكافٍ؛ وإذا أنهاه صاحب العمل لسبب غير مشروع منحت المادة 165 العامل تعويضًا عن الضرر لا يقل عن أجر شهرين عن كل سنة خدمة، وعدّت تقديم العامل شكوى أو دعوى ضد صاحب العمل من الأسباب غير المشروعة للفصل. ويحتاج تطبيق هذه النصوص إلى تحديد طبيعة العقد وتاريخ بداية العمل وانتهائه وسبب الإبعاد، وما إذا تلقى العامل إخطارًا مكتوبًا أو خضع لتحقيق، وما إذا قدّم صاحب العمل طلب الفصل إلى المحكمة العمالية؛ ومن دون هذه المستندات يتحول وصف الواقعة بأنها «فصل تعسفي» إلى استنتاج سابق على التحقق القانوني.
ولا ينتهي طريق الشكوى عند مكتب العمل. فوفق المادة 149، يجوز للعامل أو صاحب العمل خلال عشرة أيام من نشوء النزاع طلب تسويته وديًا أمام لجنة يرأسها مدير مديرية العمل وتضم الطرفين، على أن تنهي أعمالها خلال 21 يومًا؛ فإذا نجحت التسوية أثبتها رئيس اللجنة في محضر يحال إلى قاضي الأمور الوقتية ليصبح قابلًا للتنفيذ، وإذا فشلت أحالت المادة 150 النزاع، بناءً على طلب أحد الطرفين، إلى المحكمة العمالية التي يتعين تحديد جلسة خلال 20 يومًا. وإذا تعلق النزاع بالفصل، تفصل المحكمة فيه مستعجلًا خلال ثلاثة أشهر من أول جلسة، ويمكنها إن رأت من ظاهر الأوراق صحة طلب العامل إلزام صاحب العمل بأداء ما يعادل أجره من تاريخ الفصل بحد أقصى ستة أشهر لحين الفصل في الحقوق. وبناءً على ذلك، لا يكفي القول إن العامل «ذهب إلى مكتب العمل»، إذ يلزم تحديد رقم الشكوى وتاريخها، وهل شُكّلت لجنة التسوية، وحضر صاحب العمل، وهل حُرّر محضر بفشلها، وهل طلب العامل إحالة النزاع إلى المحكمة؛ وهي تواريخ تمثل الفارق بين شكوى إدارية لم تكتمل ودعوى عمالية دخلت مسار التقاضي.
نوصي للقراءة: حين أدخل الغلاء الطبقة المتوسطة المصرية إلى سوق البالة

قطاع يضم أكثر من 180 ألف منشأة
تُظهر النتائج النهائية للتعداد الاقتصادي 2022/2023، وهي أحدث بيانات تفصيلية نشرها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، أن مصر تضم 180 ألفًا و585 منشأة تعمل في «أنشطة خدمات الغذاء والمشروبات» تشمل المطاعم والمقاهي والمنشآت المشابهة، يعمل بها نحو 709 آلاف و967 شخصًا، أي نحو 4.7% من إجمالي 3.858 مليون منشأة شملها التعداد، ونحو 4.7% أيضًا من إجمالي 15.234 مليون مشتغل داخل المنشآت الاقتصادية. وصنّف التعداد 486 ألفًا و798 شخصًا داخل هذه الأنشطة باعتبارهم مشتغلين بأجر، مقابل 223 ألفًا و169 من دون أجر، وهي فئة لا تعني بالضرورة عملًا قسريًا، إذ تشمل أصحاب المنشآت والشركاء وأفراد الأسرة، لكنها تكشف اتساع نمط المنشآت العائلية والفردية التي لا تقوم دائمًا على علاقات عمل مكتوبة. ويعمل الرجال بأغلبية واضحة؛ إذ رصد التعداد 674 ألفًا و122 من الذكور مقابل 35 ألفًا و845 من الإناث، أي إن النساء مثّلن نحو 5% فقط من المشتغلين في القطاع خلال سنة التعداد.
أما التقدير المتداول عن وجود 3.5 مليون عامل في قطاع المطاعم والسياحة، فلا يستند إلى التعداد الاقتصادي الأخير، بل يمكن تتبعه إلى تصريح أدلى به رئيس شعبة المطاعم والفنادق والمنشآت السياحية بغرفة الجيزة في يونيو 2020، قال فيه إن إعادة فتح النشاط بعد الإغلاق المرتبط بجائحة كورونا ستخدم أكثر من 3.5 مليون شخص توقفوا عن العمل. ولم يوضح التصريح منهج احتساب الرقم أو نطاقه، وما إذا كان يشمل غير المباشرين والموردين وخدمات السياحة والفنادق، ولذلك يُستخدم بوصفه تقديرًا صادرًا عن ممثل للغرفة خلال أزمة كورونا، لا رقمًا رسميًا حديثًا لعمال المطاعم، بينما يوفّر التعداد رقمًا أدق: نحو 710 آلاف مشتغل داخل 180 ألفًا و585 منشأة.

منشآت صغيرة يصعب تنظيمها
يكشف توزيع المنشآت وفق حجم العمالة أن القطاع يتكون أساسًا من وحدات صغيرة؛ إذ يعمل في 137 ألفًا و716 منشأة ما بين عامل وأربعة عمال، وفي 34 ألفًا و700 منشأة ما بين خمسة وتسعة عمال. ويعني ذلك، بحساب «زاوية ثالثة» استنادًا إلى أرقام التعداد، أن نحو 95.5% من منشآت خدمات الغذاء والمشروبات يعمل بها أقل من عشرة أشخاص، وترتفع النسبة إلى نحو 98.9% بإضافة المنشآت التي يتراوح عمالها بين عشرة و19 عاملًا، بينما يبلغ متوسط عدد المشتغلين نحو 3.9 أشخاص لكل منشأة. ويساعد هذا التفتت على تفسير صعوبة وصول التنظيم النقابي والتفتيش العمالي إلى القطاع؛ إذ لا يتركز العمال في شركات كبيرة يسهل حصرها، بل يتوزعون بين عشرات الآلاف من المطاعم والمقاهي الصغيرة، وكثير منها بلا إدارة موارد بشرية أو لائحة عمل أو نظام منتظم لتسجيل الحضور والأجور.
ويتقاطع هذا مع ما رصده المركز المصري للدراسات الاقتصادية عن القطاع، إذ قدّر عدد المشتغلين فيه بنحو 700 ألف عامل وفق التعداد المتاح وقت إعداد الدراسة، وهو رقم يقترب من حصيلة التعداد الأحدث، وقدّر أن العمالة الفنية وعمال التشغيل تصل إلى نحو 70% من المشتغلين. وسلّط المركز في ورقة له الضوء على أن هشاشة العمالة لا ترتبط بظروف المنشأة الفردية وحدها بل بهيكل القطاع نفسه، إذ تعمل نسبة كبيرة في إطار غير رسمي أو بعقود مؤقتة، وأوصى بتشجيع المنشآت على التأمين على العمالة المؤقتة وإخضاع العاملين لقانون التأمينات، وبإنشاء قاعدة بيانات دقيقة للمطاعم والكافيهات. وظهرت هذه الهشاشة خلال أزمة كورونا، حين تراجعت أعداد عمال المطبخ والصالة في مطاعم الوجبات السريعة بنسب تراوحت بين 20% و40%، بينما ظل كثير من عمال التوصيل يعملون بعقود مؤقتة.

أجور منخفضة وأطول أسبوع عمل
بلغ إجمالي الأجور النقدية التي سجلتها منشآت خدمات الغذاء والمشروبات في التعداد الاقتصادي نحو 20.017 مليار جنيه خلال عام 2022/2023، موزعة على 486 ألفًا و798 مشتغلًا بأجر. وبقسمة إجمالي الأجور على عدد العاملين ثم على 12 شهرًا، يصل المتوسط الحسابي، بحساب «زاوية ثالثة»، إلى نحو 3427 جنيهًا شهريًا للعامل خلال سنة التعداد؛ وهو لا يمثل متوسطًا حاليًا لأجور 2026، لكنه يكشف أن القطاع كان يقوم على كتلة كبيرة من العمالة منخفضة الأجر حتى قبل موجات التضخم والزيادات اللاحقة. وسجّل التعداد نفسه مساهمات للمنشآت في التأمينات الاجتماعية بنحو 591.8 مليون جنيه، تعادل نحو 3% فقط من إجمالي الأجور النقدية، وهي نسبة تطرح سؤالًا عن حجم العمالة المؤمَّن عليها فعليًا مقارنةً بالأجور التي سجلها أصحاب العمل لدى هيئة التأمينات.
ولا تقتصر الهشاشة على قيمة الأجر. فبحسب بيان الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عن أوضاع العاملين خلال 2025، بلغ متوسط ساعات العمل الأسبوعية للعاملين بأجر في نشاط خدمات الغذاء والإقامة 50 ساعة، وهو أعلى متوسط بين الأنشطة الاقتصادية، متقدمًا على التعدين واستغلال المحاجر (49 ساعة) والنقل والتخزين (48.2 ساعة). ويتجاوز هذا المتوسط العام للعاملين بأجر البالغ 44.9 ساعة، ومتوسط القطاع الخاص داخل المنشآت البالغ 48.2 ساعة؛ وتجمع البيانات المطاعم وخدمات الإقامة في فئة واحدة، فلا تسمح باستخراج متوسط خاص بعمال المطاعم وحدهم، لكنها تضع شهادات العمال عن الورديات الطويلة في سياق إحصائي أوسع. وفي المقابل، لم تتجاوز نسبة المشتركين في التأمينات الاجتماعية 37.7% من إجمالي العاملين بأجر في مصر خلال 2025، وانخفضت إلى 29.1% بين العاملين بأجر داخل منشآت القطاع الخاص؛ ولا يُنشر رقم منفصل لعمال المطاعم، ما يستدعي الحصول من هيئة التأمينات على عدد المسجلين تحت كود النشاط الاقتصادي رقم 56 الخاص بخدمات الغذاء والمشروبات.
ويضع القانون سقفًا لهذه الساعات؛ إذ يحدد الحد الأقصى للعمل الفعلي بثماني ساعات يوميًا أو 48 ساعة أسبوعيًا دون احتساب فترات الطعام والراحة، ويوجب فترات راحة لا يقل مجموعها عن ساعة، وألا يعمل العامل أكثر من خمس ساعات متصلة، وألا تتجاوز الفترة بين بداية العمل ونهايته عشر ساعات، على ألا يتجاوز وجوده داخل المنشأة 12 ساعة. ويستحق العامل راحة أسبوعية مدفوعة لا تقل عن 24 ساعة بعد ستة أيام عمل متصلة على الأكثر، وإذا شُغِّل ساعات إضافية استحق عن الساعة النهارية أجره مضافًا إليه 35% على الأقل، وعن الليلية 70%، وإذا عمل في يوم راحته استحق مثل أجره ويومًا بديلًا. ويلزم القانون صاحب العمل بوضع جدول ظاهر يبين ساعات العمل وفترات الراحة ويوم الراحة الأسبوعية وإخطار الجهة الإدارية به، فتصبح جداول الورديات وسجلات الحضور وثائق أساسية للتحقق من الساعات الفعلية ومن مقابل العمل الإضافي.
أما التأمين فواجب خلال أسبوعين من التعيين. فقانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات رقم 148 لسنة 2019 يلزم صاحب العمل بفتح ملف تأميني للمنشأة، وتوضح الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي أن عليه تقديم طلب بدء النشاط خلال أسبوعين، وتحرير نموذج اشتراك لكل عامل خلال أسبوعين من التحاقه. ومنذ يناير 2026، ارتفع الحد الأدنى لأجر الاشتراك التأميني إلى 2700 جنيه والحد الأقصى إلى 16 ألفًا و700 جنيه، مع تأكيد الهيئة أن القانون يلزم بالتأمين على الأجر الفعلي لا على أجر صوري يقل عما يتقاضاه العامل، وهي حدود أعلنتها الهيئة في نوفمبر 2025. وتسمح هذه القواعد باختبار ثلاثة مستويات من المخالفة: عدم التأمين أصلًا، أو التأمين بعد مرور مدة من بدء العمل، أو التسجيل بأجر تأميني يقل عن الأجر الفعلي؛ ويمكن للعامل إثبات تاريخ بدء العمل بالعقد أو المراسلات أو التحويلات أو سجلات الحضور، ثم مقارنته بتاريخ تسجيله لدى التأمينات.
وعلى صعيد الحد الأدنى للأجر، حدّد المجلس القومي للأجور الحد الأدنى للعاملين في القطاع الخاص عند سبعة آلاف جنيه شهريًا بدءًا من الأول من مارس 2025، كما حدّد لأول مرة حدًا أدنى لأجر العامل بنظام الدوام الجزئي يبلغ 28 جنيهًا عن الساعة، وعلاوة دورية سنوية لا تقل عن 3% من أجر الاشتراك التأميني وبحد أدنى 250 جنيهًا. أما رفع الحد الأدنى إلى ثمانية آلاف جنيه، الذي بدأ تطبيقه في يوليو 2026، فيخص العاملين لدى أجهزة الدولة والهيئات العامة وارتبط بمخصصات أجور العاملين بالدولة في موازنة 2026/2027، ولم يصدر بوصفه قرارًا ملزمًا لمنشآت القطاع الخاص، ولذلك يظل مبلغ سبعة آلاف جنيه هو آخر حد أدنى منشور وملزم للقطاع الخاص ما لم يصدر المجلس القومي للأجور قرارًا جديدًا.
ويرى أحمد سعد، المنسق الإعلامي لدار الخدمات النقابية والعمالية، في حديثه لـ«زاوية ثالثة»، أن أوضاع عمال المطاعم تحتاج إلى مزيد من الرقابة، باعتبارهم من الأكثر عرضة للانتهاكات خصوصًا في المنشآت الصغيرة والمتوسطة، وأن المشكلة لا تتعلق بمستوى الأجور وحده بل بطبيعة علاقة العمل، إذ يعمل بعضهم دون عقود مكتوبة أو تأمينات منتظمة، وقد لا تكون ساعات العمل والإجازات محددة بوضوح، ما يجعل العامل عرضة للفصل المفاجئ أو عدم الحصول على مستحقاته. ويوضح أن هشاشة العاملين لا تعني افتقارهم إلى الكفاءة، وإنما ترتبط بضعف قدرتهم على التفاوض في ظل اعتمادهم على الوظيفة مصدرًا أساسيًا للدخل، مؤكدًا أنهم لا يحتاجون بالضرورة إلى تشريعات جديدة بقدر حاجتهم إلى تطبيق القوانين القائمة وتشديد الرقابة وتطوير آليات استقبال الشكاوى وحماية مقدميها من الفصل انتقامًا. ويشير إلى شكوى تلقاها بشأن عاملين في أحد الفنادق الكبرى فوجئوا بإنهاء خدمتهم دون أسباب واضحة، وأدى اعتراضهم إلى إدراج أسمائهم في ما وصفه بـ«قائمة سوداء» حالت دون حصولهم على عمل لدى منشآت أخرى تابعة للمجموعة نفسها، ويؤكد أن هذه الواقعة، إن ثبتت، تكشف خطرًا يتجاوز فقدان الوظيفة إلى التأثير في قدرة العامل على الوصول إلى عمل آخر.
أين تذهب رسوم الخدمة؟
يعتبر قانون العمل «الوهبة» التي يدفعها الزبائن متى جرى العرف بمنحها، و«مقابل الخدمة» الذي يدفعه العملاء في المنشآت السياحية والفندقية وغيرها، جزءًا من عناصر الأجر المتغير، ونص على صدور قرار من وزير العمل بالتنسيق مع الجهات المعنية وممثلي العمال وأصحاب الأعمال لتحديد كيفية توزيعه. وسبق أن نظّم قرار وزير القوى العاملة رقم 125 لسنة 2003 توزيع رسوم الخدمة في المنشآت الفندقية والسياحية، فخصص 80% من الحصيلة للعاملين و20% للمنشأة مقابل الكسر والفقد، وقسّم نصيب العاملين إلى 60% للمتصلين مباشرة بالعملاء و15% لغير المتصلين و5% حوافز. وفي عام 2013، وقّعت وزارتا السياحة والقوى العاملة وممثلو الغرف والنقابات اتفاقية جماعية لإعادة توزيع رسوم الخدمة البالغة 12%، تضمنت في إحدى مراحلها تخصيص 15% للهالك والكسر، واستخدام 20% بحد أقصى في أجور العاملين المتصلين بالخدمة، وتوزيع 65% بين المتصلين وغير المتصلين؛ ولا ينبغي عرض هذه النسب بوصفها القاعدة الحالية لكل المطاعم دون التحقق من استمرار الاتفاقية أو صدور قرار تنفيذي جديد وفق قانون 2025.
ولا تخضع جميع المطاعم لنظام ترخيص واحد؛ إذ ينظم قانون المنشآت الفندقية والسياحية رقم 8 لسنة 2022 المنشآت التي ترخصها وزارة السياحة، بينما تخضع المطاعم والمقاهي العادية لقانون المحال العامة رقم 154 لسنة 2019. وأوضحت مصلحة الضرائب المصرية أن المطاعم السياحية تخضع لضريبة القيمة المضافة، كما تخضع مطاعم غير سياحية وفق شروط تشمل وجودها داخل المراكز التجارية والمطارات والمناطق السياحية، أو تبعيتها لسلاسل وعلامات تجارية، أو تقديم خدماتها إلكترونيًا، أو فرضها رسوم خدمة. ويجعل هذا التداخل من رسوم الخدمة محورًا مستقلًا للتحقيق: هل تفرض المنشأة رسومًا على الفاتورة؟ وكم تبلغ حصيلتها الشهرية؟ وهل تظهر في كشوف العاملين؟ وما النسبة التي يحصل عليها عمال الصالة والمطبخ والنظافة والتوصيل؟ وهل تستخدم المنشأة جزءًا منها لاستكمال الأجر الثابت بدلًا من اعتباره عنصرًا متغيرًا مستقلًا؟

تفتيش واسع بلا بيانات قطاعية
أعلن وزير العمل أن الإدارة العامة للتفتيش نفذت، بين الأول من مايو 2025 ونهاية أبريل 2026، نحو 15 ألفًا و716 حملة، شملت التفتيش على 251 ألفًا و639 منشأة ووصلت إلى مليونين و670 ألفًا و635 عاملًا، مستهدفةً متابعة تطبيق قانون العمل والحد الأدنى للأجور واشتراطات السلامة والصحة المهنية، وهي أرقام نشرتها الهيئة العامة للاستعلامات في مايو 2026. ويعادل عدد المنشآت التي قالت الوزارة إنها فتشتها نحو 6.5% من إجمالي 3.858 مليون منشأة أحصاها التعداد الاقتصادي، بحساب «زاوية ثالثة»، لكنها مقارنة تقريبية لا تصلح وحدها لقياس تغطية التفتيش، لأن الوزارة لم توضح ما إذا كان الرقم يخص منشآت فريدة أم يتضمن زيارات متكررة، ولم تنشر توزيع الحملات بحسب النشاط أو المحافظة. كما لا تكشف بياناتها عدد المطاعم التي خضعت للتفتيش، أو عدد المخالفات المتعلقة بغياب العقود والتأمينات أو عدم تطبيق الحد الأدنى أو تجاوز ساعات العمل أو احتجاز أوراق العاملين أو الفصل دون إجراءات، ولا عدد شكاوى عمال المطاعم ونسبة ما انتهى منها بالتسوية وما أحيل إلى المحاكم؛ ومن دون هذا التفصيل لا يمكن قياس مدى وصول أجهزة التفتيش إلى 180 ألف منشأة تعمل في خدمات الغذاء والمشروبات.
بين أحمد الذي لم يحصل حتى الآن على أجره ولا أوراقه، وعمالٍ انتهت خدمتهم بعد أزمة تحولت إلى قضية رأي عام، يقف قطاعٌ يضم أكثر من 180 ألف منشأة ونحو 710 آلاف مشتغل، تتفتت وحداته إلى آلاف المطاعم الصغيرة التي يعمل في أغلبها أقل من عشرة أشخاص، ويطول فيه أسبوع العمل حتى 50 ساعة، بينما لا يتجاوز اشتراك التأمينات نسبة ضئيلة من الأجور المسجلة. والنصوص التي تلزم صاحب العمل بالعقد والأجر في مواعيده والتأمين على الأجر الفعلي، وتمنع نقل العامل تعسفيًا أو فصله شفهيًا، وتضع للشكوى مسارًا زمنيًا محددًا، موجودة بالفعل في قانون 2025؛ لكن ما تكشفه الوقائع والشهادات وأرقام التعداد والتفتيش أن وجود القاعدة القانونية وحده لا يحمي العامل ما لم تصاحبه رقابة قادرة على الوصول إلى المنشآت، وآليات لتلقّي الشكاوى وحماية مقدميها، وتسوية سريعة تمنع تحول الحق إلى نزاعٍ طويل يخسره صاحبه قبل أن يبدأ.