لم يكن قرار وزير النقل بحظر تقديم المعينين الجدد طلبات الاستقالة والإجازة لمدة عشر سنوات صادمًا لـ«وليد» (اسم مستعار)، خريج كلية الهندسة شعبة ميكانيكا؛ فقد مرّ بمثله قبل سبع سنوات، حين ترك وظيفته كمسؤول لوجيستيك في توكيل معروف بميناء بورسعيد، وتقدّم إلى مسابقة التعيين التي أعلنت عنها هيئة السكة الحديد عام 2019، برفقة ثلاثة من أصدقائه. وبعدما أنهى عدة اختبارات «تكنيكال» في جهات مختلفة، وقبل صدور قرار التعيين، فوجئ بإلزامه بالتوقيع على منع طلب الاستقالة أو الإجازة لمدة خمس سنوات؛ فتحوّل حماسه إلى قلق وتردد من قيود كهذه، لكنه بعد اعتراض قصير لم يجد مفرًا من الإمضاء، خصوصًا بعدما تخلى عن وظيفته الأخرى.
يقول وليد لـ«زاوية ثالثة» إن التوقيع على العمل لمدة خمس سنوات دون طلب إجازة أو تقديم استقالة كان شرطًا إلزاميًا للقبول في الوظيفة، رغم أن أحدًا لم يخطره به في شروط التقديم أو أثناء تحضير الأوراق المطلوبة؛ إذ فوجئ، أثناء وجوده في الكلية الحربية لبدء التدريبات من تمرينات لياقة بدنية وفروسية ومحاضرات، بموظف يدخل بورقة وقلم ويطلب منه التوقيع على العقد، بعد أن سحب هاتفه حتى لا يلتقط صورًا له. وحين سأله، أجابه الموظف بأنه إجراء لاستيفاء أوراق القبول فقط، ورفض أن يمنحه نسخة منه.
الخمس سنوات صارت عشرًا، بعدما أصدر الفريق مهندس كامل الوزير، وزير النقل، بداية يوليو، تعليمات إدارية جديدة تلزم الهيئات والشركات والجهات التابعة لوزارة النقل بحظر تقديم المعينين الجدد طلبات الاستقالة أو النقل أو الإعارة أو الندب أو الإجازات الممتدة، لمدة عشر سنوات عمل فعلية تبدأ من تاريخ استلامهم العمل عقب انتهاء الدورات التدريبية (الفنية والتكنولوجية)؛ كما ألزمت الوزارة المعيَّن الجديد وولي أمره أو ضامنه بالتوقيع على إقرار يتضمن التعهد بسداد ثلاثة أضعاف تكاليف الاختبارات والتدريب التأهيلي، إلى جانب المستحقات المنصرفة خلال فترة التدريب، في حال عدم استكمال مدة العشر سنوات.
وتبرر الوزارة هذه التعليمات، في المنشور، بأنها تستهدف الحفاظ على العمالة الفنية الموجودة، بعدما رصدت ممارسات توظيف غير منظمة داخل قطاع النقل أسهمت، بحسب المنشور، في تسرب عمالة هندسية وفنية وإدارية مدربة إلى جهات وشركات أخرى، نتيجة عروض مالية مرتفعة، ما انعكس سلبًا على استقرار بيئة العمل.
إلا أن الوزارة لم توضح عدد العاملين الذين تركوا جهات العمل لديها، ولا الأسباب التي دفعتهم إلى مغادرة وظائفهم، ولا طبيعة العروض المالية المرتفعة؛ واكتفت بفرض عقوبات مقابل طلب الإجازات أو تقديم الاستقالة، ظنًا أنها بذلك تحفظ العمالة الفنية.

ورغم أن شهادات وليد وعددٍ من العاملين بالهيئة القومية للسكة الحديد، ممن تحدثت إليهم «زاوية ثالثة»، تفيد بأنهم وقّعوا على تعهد بالالتزام بالخدمة لمدة خمس سنوات منذ أعوام، فإن الهيئة القومية لسكك حديد مصر لم تعلن ذلك إلا العام الماضي، في قرار برقم 6545 لسنة 2025، تنص مواده على إلزام من يُعيَّن بالهيئة بالعمل لمدة لا تقل عن خمس سنوات تبدأ عقب انتهاء التدريبات المقررة، دون السماح له بطلب إجازات خاصة أو إعارات؛ وفي حال ترك العمل أو تقديم الاستقالة أو الفصل من الخدمة، يتعين على الموظف أو ضامنه رد ثلاثة أضعاف النفقات التي صُرفت عليه أثناء اجتياز الاختبارات، إضافة إلى الأجور التي تقاضاها عن الدورات التدريبية التأهيلية، وتُحسب وفقًا لفترة الخدمة التي قضاها بالهيئة.
وللتحقق من هذه الشهادات، تواصلت «زاوية ثالثة» مع عضو نقابي بهيئة السكك الحديدية، أكّد أن بعض الشركات التابعة للهيئة القومية لسكك حديد مصر، العاملة في نقل البضائع والحاويات، تشترط على المعينين الجدد ممن اجتازوا مسابقاتها التوقيع على عقود تتضمن التزامًا بالاستمرار في العمل لمدة خمس سنوات. وأرجع هذا الشرط إلى تكلفة تأهيل العاملين الجدد، موضحًا أن «تكلفة إعداد الكوادر الفنية قد تصل إلى نحو 300 ألف جنيه، تشمل الاختبارات والبرامج التدريبية، إلى جانب الإقامة الكاملة بمعهد وردان للسكة الحديد على نفقة جهة العمل، فضلًا عن الدورات التدريبية التي يتلقاها المعينون قبل مباشرة مهامهم».
وإذا احتُسبت قيمة التعويض وفقًا لمنشور الوزارة في حال ترك العمل، بواقع ثلاثة أضعاف النفقات، فقد تصل إلى نحو مليون جنيه بناءً على المبلغ الذي ذكره العضو النقابي؛ وهو ما يطرح تساؤلًا حول أسباب لجوء وزارة النقل إلى آليات صادمة مثل فرض عقوبات مالية ضخمة لا يقدر العاملون على سدادها إذا غادروا العمل أو تقدّموا باستقالاتهم، وهم في الأساس تقدّموا للحصول على وظائف توفّر لهم حياة مستقرة آمنة.
وتواصلت «زاوية ثالثة» مع المستشار الإعلامي لوزارة النقل لتوضيح أسباب صدور قرار حظر الاستقالات والإجازات عشر سنوات للمعينين الجدد، وإلزامهم عند عدم الاستكمال بدفع ثلاثة أضعاف تكاليف التدريب، دون أن يردّ حتى نشر التقرير.
وشأنه شأن كثيرين، سارع وليد إلى التقديم في مسابقة هيئة السكة الحديد عام 2019 لاختيار 150 مهندسًا في تخصصات الميكانيكا والكهرباء والاتصالات والمدني والإلكترونيات والعمارة، لتشغيلهم بمناطق الهيئة المختلفة في القاهرة والمحافظات بالدرجة الثالثة، شريطة أن يكون المتقدم حاصلًا على بكالوريوس الهندسة في أحد الأقسام المذكورة؛ ظنًا منه أنه سيحظى بامتيازات عديدة إذا عُيّن في وظيفة حكومية دائمة، لكن ما قابله كان أشبه بعقد احتكار دائم.

مخالفة لشروط الإعلان
تشترط هيئة السكك الحديدية في مسابقة 2019 أن يكون المتقدم من المقيمين إقامة دائمة بالمناطق المتقدَّم إليها، وأن تكون المنطقة مسجلة ببطاقته؛ إلا أنها تخالف هذا الشرط، إذ تُعيّن المقيم في منطقته ثم تنقله إلى أخرى، وفقًا لرواية وليد لـ«زاوية ثالثة». يقول إنه في عام 2020، بعد استلامه العمل، فوجئ بتعيينه مهندس حركة في شرق الدلتا (الزقازيق) بدلًا من بورسعيد محل إقامته، رغم تقدّمه للعمل في منطقته تنفيذًا لشرط الإعلان. اعترض مرارًا على قرار نقله مطالبًا بوقف تنفيذه، لِما يفرضه من أعباء مادية وجسدية؛ إذ وجد نفسه سيقضي نحو خمس ساعات في الطريق بين بورسعيد والزقازيق ذهابًا وعودة، إلى جانب ساعات العمل الطويلة، ما يحرمه من قسط كافٍ من الراحة قبل نوبته التالية. لكن اعتراضاته لم تلق استجابة، وقيل له «مكانك في شرق الدلتا، تابع توزيعك هناك». وقضى عامًا كاملًا يتنقل من مكان لآخر، يعمل حينًا ويتلقى تدريبات إضافية حينًا، في أكثر من منطقة، للتأكد من صلاحيته للعمل بالهيئة، مؤكدًا أنه خلال هذا العام لم يتقاضَ راتبًا ولو مرة واحدة، في وقت كان مسؤولًا فيه عن زوجة وطفلين.
ولم تنته المعاناة عند هذا الحد؛ إذ يضيف أنه بعد انتهاء فترة التدريبات صُدم بتكليفه بالعمل في محافظتي بورسعيد والسويس معًا، وهو ما وصفه بالقرار الثقيل على مهندس حديث التعيين لا يعرف طبيعة العمل، ليتحمل أعباء وظيفية في الموقعين. ويوضح أن قرارات التكليف يُفترض أن تندرج ضمن هيكل وظيفي معتاد يضم رئيس قسم ومهندسًا ورئيس حركة وعمال مناورة، لكن العجز في أعداد العاملين دفع الهيئة إلى تكليفه بتغطية العمل في المحافظتين، والمسافة بينهما بعيدة، فوجد نفسه أمام أمر واقع لا يملك رفضه. وعلى هذا الحال امتدت معاناته طوال الخمس سنوات، دون أن يحصل على إجازة ولو مرة واحدة، أو في المناسبات.
ورغم أن مجلس الوزراء أصدر قرارًا بمنح مدد الإعارات والإجازات الخاصة بدون أجر للعمل بالخارج، بعد حصول الموظف على موافقة السلطة المختصة في مدة لا تجاوز خمسة عشر يومًا، وأصدر وزير النقل قرارًا بالموافقة على منح الإجازات بدون مرتب للعاملين بقطاع النقل، بعد منعها عام 2021، فإن الهيئة رفضت طلب وليد إجازةً للعمل بالخارج العام الماضي، بعدما ظن أنها فرصة تفتح له بابًا خارج المنظومة التي أثقلت كاهله، لينتقل إلى عمل براتب أعلى، وكان قد مرّت خمس سنوات على توقيعه قرار حظر الاستقالات والإجازات، بما يتيح له التقدّم بطلب إجازة لمدة سنة.
يذكر وليد لـ«زاوية ثالثة» أنه بعدما حصل على إمضاءات الموافقة على طلب إجازته من جميع الإدارات المختصة، من مدير الإدارة وصولًا إلى رئيس الإدارة المركزية، تعطّل طلبه، هو وزميل آخر تقدّم بطلب إجازة للعمل بالخارج أيضًا، دون أن يعرفا السبب؛ وبدلًا من أن يستلم قرار الموافقة، فوجئ بقرار نقله إلى العمل بقطاع البنية الأساسية.
يوضح وليد أن الخبر وقع عليه كالصاعقة؛ فمن جهة فقد فرصة العمل بالخارج بعدما بنى آمالًا على راتب أعلى بكثير مما يتقاضاه في الهيئة، الذي لا يصل إلى عشرة آلاف جنيه ويُقتطع منه جزء كبير لصالح التأمين الصحي الشامل، إضافة إلى نحو ثلثه للضرائب، بحسب قوله. ومن جهة أخرى، غيّر قطاع البنية الأساسية طبيعة عمله بالكامل، إذ انتقل من تخصصه في لوجستيات نقل البضائع والحاويات إلى متابعة خطوط السكك الحديدية والتأكد من جاهزية التحويلات والبلوكات ومراقبة الأعطال التي قد تؤثر على حركة القطارات، ما أعاده إلى نقطة الصفر واستدعى تأهيله وتدريبه في مجال آخر من البداية. كما اضطر إلى سداد ثمن العقد الذي بلغ 100 ألف جنيه؛ وبعدما أنهى الخمس سنوات وطلب إجازة فقوبل بالرفض، قرر في اللحظة نفسها ألا يعود إلى هيئة السكة الحديد أبدًا.
وقصة وليد مرآة تعكس واقع العمل داخل هيئات قطاع النقل؛ إذ يذكر أن دفعته كلها واجهت هذا النمط المتكرر من القيود، حتى إن بعضهم لم يجد سبيلًا سوى ترك العمل، بعد أن رأوا عددًا منهم يُحال إلى النيابة العسكرية بسبب أخطاء عمل عادية، حتى إنه هو نفسه أُحيل إلى النيابة بتهمة اختلاس عشرة جنيهات. ورغم ما يترتب على ترك العمل من أعباء مالية، يروي أن أحد زملائه اضطر إلى دفع أكثر من 40 ألف جنيه للحصول على إخلاء طرف وإنهاء خدمته بعد ثلاث سنوات. ويرى وليد أن اشتراط قضاء خمس سنوات مقابل فترة التدريب لا يمثل مبررًا كافيًا لتقييد حق العامل في ترك العمل، قائلًا: «بيقولوا التمرينات دي بفلوس، طب احنا مالنا، حد قالكم دربونا، دي حاجة الجهة هي اللي اشترطتها، فإزاي يتحاسب العامل عليها؟».

شرط جزائي
بعدما علم كيرلس (اسم مستعار) بإلزام من لا يكمل الخدمة بدفع 130 ألف جنيه شرطًا جزائيًا، من مكتب إدارة التوظيف بالهيئة، لم يتمكن من تقديم استقالته وقبول عرض عمل براتب أعلى بكثير مما يتقاضاه حاليًا في هيئة السكة الحديد، إذ يحصل على ستة آلاف جنيه يُقتطع منها 1500 جنيه للمواصلات وحدها.
تخرّج كيرلس من المعهد العالي لتكنولوجيا النقل (معهد وردان الخاص بالسكة الحديد)، ويقول لـ«زاوية ثالثة» إنه قبل الدراسة بالمعهد وقّع على مجموعة شروط أبرزها الموافقة على العمل لمدة خمس سنوات في السكة الحديد أو الشركات التابعة لها، دون طلب إجازة أو تقديم استقالة خلال هذه الفترة، موضحًا أن العمل المتواصل دون انقطاع كان شرطًا أساسيًا للدراسة بالمعهد، وأنه إذا خالفه أعاد خطوات التقديم من البداية.
وبعد إنهاء فترة المعهد وتعيينه بإحدى الشركات التابعة للهيئة، عقب اجتياز عدد من الاختبارات، أشار إلى أن طبيعة العمل بالشركة تختلف عن العمل داخل الهيئة، موضحًا أن رواتب العاملين بالشركة تُصرف في مواعيد متأخرة مقارنة بالهيئة، فضلًا عن خصم جزء من الراتب للضرائب، ما سبّب له عبئًا ماديًا. وأوضح أن أكبر مشكلاته أنه إذا أراد إنهاء خدمته قبل انتهاء مدة عقده، فلن تُقبل استقالته إلا بعد سداد الشرط الجزائي، الذي يصفه بأنه غير محدد، إذ تتحدد قيمته وفقًا لكل حالة.
كما أوضح أن رواتب العاملين تستقر حاليًا بين ستة آلاف و6500 جنيه شاملة الحوافز، بما لا يواكب الارتفاع المستمر في الأسعار ومعدلات التضخم، أما العلاوات والبدلات فتُضاف وفق النظام المطبق. وتدعم بيانات الأسعار هذه الشكوى؛ إذ ارتفع معدل التضخم السنوي في المدن المصرية إلى 14.9% في يوليو 2026، وسجّلت أسعار النقل والمواصلات وحدها زيادة سنوية بلغت 21.1%، بينما تراوح رواتب العاملين الذين قابلتهم «زاوية ثالثة» بين ستة آلاف وعشرة آلاف جنيه. ويرى كيرلس أن النقص المستمر في أعداد العاملين، نتيجة خروج أعداد إلى المعاش، قد يكون أحد دوافع الهيئة للإبقاء على أكبر عدد من الموظفين، لكنه يؤكد أن التعيين يُفترض أن يكون فرصة للعمل، لا التزامًا يصعب التراجع عنه.
وكان الفريق كامل الوزير قد قال، في مداخلة هاتفية ببرنامج «الحكاية» في مارس الماضي، إن عدد العاملين في السكة الحديد يبلغ اليوم 34 ألفًا، مقارنة بنحو 40 ألفًا في الماضي و52 ألفًا في عامي 2012 و2013، وإن الأجور تضاعفت ثلاث مرات، وإن متوسط الأجور بالهيئة وصل إلى عشرة آلاف جنيه، مشيرًا إلى أن فاتورة الأجور السنوية تصل إلى نحو 4.8 مليار جنيه.

تسرب العاملين خلل إداري وتهديد لقطاع النقل
أرجع الدكتور محمد علي، العميد الأسبق لكلية النقل الدولي واللوجستيات، صدور قرار وزارة النقل بحظر الاستقالات والإجازات لفترة تصل إلى عشر سنوات إلى تراكم أزمات إدارية وهيكلية داخل القطاع، وقال إن حظر التعيينات في الجهاز الحكومي لأكثر من 15 عامًا أدى إلى خروج أعداد كبيرة من العاملين إلى التقاعد دون تعويضهم بتعيينات جديدة، ما تسبب في نقص ملحوظ في الكفاءات الفنية المؤهلة لإدارة وتشغيل مرافق النقل.
وأضاف في تصريحات لـ«زاوية ثالثة» أن استمرار ارتفاع معدل التضخم، في مقابل عدم مواكبة هيكل الأجور لزيادات الأسعار، أسهم أيضًا في تسرب جانب من العمالة الفنية إلى قطاعات أخرى داخل مصر أو إلى فرص عمل خارج البلاد، وحذّر من أن استمرار هذا الوضع سيفاقم أزمة نقص الكوادر المؤهلة، بما يهدد قدرة قطاع النقل على إدارة مرافقه بكفاءة مع تناقص أعداد العاملين، ليبقى فيه، على حد قوله، «من لا يجد فرصة أفضل خارج العمل الحكومي».
ويرى علي أن الحلول القائمة على قرارات تدعم العمل القسري لمنع العاملين من قبول عروض مغرية من شركات أخرى لن تنجح في معالجة الأزمة، بل ستفاقمها، محذرًا من أن استمرار هذه السياسات قد يسرّع تسرب الكفاءات من قطاعات حكومية مختلفة مثل الجمارك والضرائب والقطاعات الفنية بالوزارات، بما ينعكس سلبًا على كفاءة المرافق العامة وجودة خدماتها.
ويشير إلى ضرورة وجود تصور بديل لمعالجة الأزمة، عبر دراسة دقيقة لاحتياجات العمالة الفنية، وتطوير نظام الحوافز بما يحسّن الدخول ويحد من الاستقالات، إلى جانب إعادة النظر في غلق فرص التعيين، واستقطاب الكفاءات المتميزة، ونقل الخبرات للأجيال الجديدة، وإعادة تأهيل العاملين الحاليين وتدريبهم، بما يضمن استدامة الكفاءات وقدرة المرافق العامة على أداء مهامها بكفاءة.

شرط إذعان
تقول عزيزة الطويل، المحامية بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، إن قرار حظر الاستقالات والإجازات لعشر سنوات أمر غير قانوني لا يجوز فرضه على العاملين، موضحةً أن الدستور نظّم الحق في العمل، بإحالة قوانين القطاع العام إلى قانون الخدمة المدنية، والقطاع الخاص والأعمال إلى قانون العمل. وأضافت أن في قانون العمل ثوابت لا يجوز التنازل عنها، وأن قانون العمل يَعُدّ التنازل عن حق العامل مخالفة قانونية، وأن القانون أقرّ بكل أشكال الإجازات، من العادية والعارضة إلى إجازات الوضع ورعاية الطفل والإجازة المرضية أو للسفر أو لأداء الحج؛ وتُعدّ فكرة إلغاء الإجازات، في القطاعين العام والخاص، غير مشروعة وتندرج تحت العمل القسري.
وتنص المادة 12 من الدستور على أن العمل «حق، وواجب، وشرف تكفله الدولة»، وأنه «لا يجوز إلزام أي مواطن بالعمل جبرًا، إلا بمقتضى قانون، ولأداء خدمة عامة، لمدة محددة، وبمقابل عادل»، فيما تُلزم المادة 13 الدولة بالحفاظ على حقوق العمال، وتحظر فصلهم تعسفيًا. وعلى المستوى الدولي، تُعد اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 29 لسنة 1930 بشأن العمل الجبري من الاتفاقيات الأساسية التي تلتزم بها مصر بوصفها عضوًا في المنظمة.
وفيما يخص حظر الاستقالات، أوضحت أن من حق العامل التقدّم بطلب استقالة وقتما شاء وفق القانون، لكن بضوابط، إذ اشترط القانون أن يخطر المؤسسة قبل استقالته حتى لا يتسبب غيابه في خلل بالعمل، مؤكدة أن القانون لم يضع قيودًا على تقديم الاستقالة. وأشارت إلى أن هذه البنود ليست حديثة، بل موجودة منذ سنوات على مستوى العالم، ونُقلت عن دول عديدة لتُدرج في قانون العمل وقانون الخدمة المدنية، سواء في عدد ساعات العمل أو الإجازات المسموح بها.
وتلفت إلى أن التعليمات الجديدة في قطاع النقل غير مشروعة ولا تتفق مع القانون، مشددة على أنها ستضر بآلاف الموظفين وتضيف أعباء ليست في مقدورهم؛ فمن يرغب في إجازة بدون مرتب أو في تقديم استقالته لن يتمكن من ذلك بسبب هذه التعليمات، لِما تفرضه من قيود مثل دفع كامل التكاليف إذا لم يُكمل مدة العشر سنوات، وبالتبعية سداد ثلاثة أضعاف تكاليف التدريب إضافة إلى مصروفات التدريب بالمعهد، واصفةً إياها بعلاقة قسرية تسلب حقوق الموظف وتضرب الحقوق الدستورية عرض الحائط.
وتضيف أن من حق الموظف اللجوء إلى القضاء استنادًا إلى قانون العمل وقانون الخدمة المدنية، مؤكدة أن المحكمة ستنصفه لأنها تعليمات مخالفة للدستور والقانون، وأن فرض التوقيع عليها شرط إذعان، وأن الإمضاء عليه لا يعني ارتضاء الموظف بشروطه.
ورغم إتاحة قانون الخدمة المدنية كل أشكال الإجازات، فإن المادة 56 منه تحظر على الموظف أن يؤدي عملًا للغير بأجر أو بدون أجر خلال مدة الإجازة بغير ترخيص من السلطة المختصة، وإلا حُرم من أجره عن مدة الإجازة.
في النهاية، ترك وليد العمل في الهيئة بلا عودة، بعدما رُفض طلبه الحصول على إجازة إعارة رغم إتمامه الخمس سنوات التي ألزمته بها جهة العمل؛ أما كيرلس، فاستسلم للبقاء خوفًا من أن يجد نفسه مطالبًا بالشرط الجزائي الذي أبلغته به إدارة التوظيف، وربما بمبلغ يفوقه.
وبين هذا وذاك، تنتظر العشر سنوات الجديدة دفعةً لم توقّع بعد، لتعيد مأساة وليد مضاعفة، في ظل غياب إجابة واضحة عن مصير الدفعات السابقة التي خضعت لهذه القيود؛ فهل تقدّم أيٌّ من المتضررين بدعاوى للطعن على هذه القرارات، وإن لم يفعلوا فهل كان الخوف من الغرامات والالتزامات المالية سبب إحجامهم؟ ويبقى السؤال الأوسع: هل تمثّل العقوبات المالية وقيود الإجازات والاستقالة السبيل الوحيد للحفاظ على العمالة الفنية، أم أن ثمة بدائل تضمن للهيئة الاحتفاظ بكوادرها دون أن تجعل كلفة مغادرة الوظيفة باهظة إلى حدّ يحول دون ممارسة العامل حقوقه؟