أمام ورشة ميكانيكي مجاورة للمسجد الذي اعتاد الصلاة فيه، رأى محمود، 70 عامًا، رجلًا يخلع ضرس زبون ويركّب له بديلًا، وقد وضع أدوات الخلع على الطاولة نفسها التي يضع عليها الميكانيكي عدّته. ولم يشغل محمود، الذي فقد عددًا من أسنانه وكان ضرس يؤلمه إلى حد يمنعه من النوم، سوى سؤال واحد: كم سيتكلف العلاج؟
وحين سأل الميكانيكي عن سعر الرجل، جاءته إجابة بددت تردده: «أرخص كثيرًا من أطباء الأسنان». فاتفق مع رجل يدعى «عماد»، يقدّم نفسه طبيبَ أسنان هنديًا، على خلع الضرس وتركيب طقم مقابل 7 آلاف جنيه (نحو 145 دولارًا).
بدأت العملية أمام الورشة بخلع الضرس، على أن يعود «عماد» بعد أيام لتركيب الطقم. لكنه في المرة الثانية جاء إلى منزل محمود، وجلس الاثنان على الأرض، بلا كرسي أسنان ولا وحدة تعقيم ولا أي إجراء يمنع انتقال العدوى، يعاونه شاب مصري في مناولة الأدوات، وإلى جوارهما كوب ماء تُبلَّل فيه قطعة قطن تُمسح بها الأسنان أكثر من مرة، من دون تعقيم للأدوات أو تغيير لما يلامس فم المريض.
ولم يأتِ الطقم كما توقّع محمود؛ إذ جاء أقرب إلى كتلة بيضاء تشبه الجبس مثبتة على أسنانه، بشكل يصفه بأنه غير مرضٍ. ودفع المبلغ كاملًا، ثم غادر الرجل من دون أن يترك دواءً أو تعليمات علاجية أو ما يقي من العدوى والمضاعفات.
وحين سألته «زاوية ثالثة» لماذا قبل الإجراء بهذه الطريقة، لم يتحدث عن ثقة في الرجل ولا عن جودة الطقم، بل عن المال وحده؛ فهو لا يقدر على تكلفة الأطباء، وما دفعه كان في حدود قدرته. يقول: «أنا مضطر؛ فأسعار أطباء الأسنان مرتفعة جدًا ولا أقدر على دفعها، والأمراض تصيبنا على أي حال، فماذا عساه يحدث من خلال الأسنان؟».
لم يتعامل محمود مع الأمر بوصفه مغامرة طبية، بل بوصفه الخيار المتاح، من دون أن يعرف من عالجه أو أين يعمل أو كيف تُعقَّم أدواته أو ما قد يصيبه بعد مغادرة «المعالج». وتفتح حالته الباب على ظاهرة لم تُوثَّق في مصر بعد: أشخاص ينتحلون صفة أطباء الأسنان ويمارسون الخلع والتركيب في الشوارع والمقاهي والمنازل، ويقدّم بعضهم نفسه هنديًا أو من جنسيات أخرى من دون تحقق من هويته. وهي ممارسة قديمة متجذرة في الهند نفسها، تنتشر هناك علنًا منذ عقود، وسبق لوسائل إعلام دولية أن تناولتها، ومن بينها تقرير منسوب إلى «سكاي نيوز» بعنوان «خلع الضرس بدولار». أما في مصر، فيمرّ مقدّم الخدمة على زبائن المقاهي والمحال عارضًا خلع الأسنان أو تهذيبها أو تركيب طقم كامل بأسعار تقل كثيرًا عن عيادات يعجز عنها مرضى مثل محمود.

الظاهرة موثقة عالميًا ولا دراسة مصرية عنها
لا توجد حتى الآن دراسة مصرية موثقة ترصد حجم انتحال مهنة طب الأسنان في الشوارع، ما يجعل هذا التحقيق، بشهاداته الميدانية، محاولة لتوثيقها محليًا. لكن الظاهرة نفسها موثقة عالميًا، خاصة في الدول التي تتسع فيها الفجوة بين تكلفة الرعاية الصحية المتخصصة وقدرة المواطن على تحمّلها.
فقد حذّر تقرير حديث صادر عن الاتحاد العالمي لطب الأسنان (FDI) من أن الممارسة غير الشرعية لطب الأسنان تحوّلت إلى خطر صحي عالمي متنامٍ، وأشار إلى أن أكثر من نصف الجمعيات الطبية المشاركة في استطلاعه رصدت حالات ضرر فعلي لحق بمرضى نتيجة هذه الممارسات.
وفي الهند، حيث تنتشر الظاهرة منذ عقود تحت مسمى «طب الأسنان الشارعي»، وثّقت دراسة نُشرت في المجلة الهندية لأبحاث طب الأسنان أساليب هؤلاء الممارسين: خلع الأسنان من دون تعقيم، واستخدام مواد أكريليك غير طبية في الحشو والتركيب، بل وإعادة استخدام أسنان مخلوعة من مريض سابق وتثبيتها لآخر بمادة لاصقة، في نمط يتقاطع في غياب التعقيم مع ما جرى لمحمود. وتشير الأدبيات الطبية إلى أن هذه الممارسات قد تؤدي إلى فقدان العظم الداعم للأسنان والتهابات موضعية وتسمم في الدم في الحالات المتقدمة، وصولًا في أسوأ السيناريوهات إلى الوفاة.
كما وجدت دراسة سريرية أُجريت في أحد المستشفيات العسكرية في باكستان على 240 مريضًا أن التعرض لأدوات غير معقمة، لدى الحلاقين أو الممارسين غير المؤهلين في طب الأسنان، يمثل أحد أهم مسارات انتقال فيروسي التهاب الكبد B وC. وترصد هذه الدراسات، رغم إجرائها خارج مصر، نمطًا يتكرر أينما وُجدت الفجوة نفسها: مريض لا يقدر على تكلفة العلاج الآمن، وممارس غير مرخص يملأ الفجوة بأدوات لا تفي بأبسط معايير السلامة.
تعديلات قانون التأمين الصحي الشامل تثير مخاوف من تكرار أزمة الاستيلاء على أموال التأمينات

«600 جنيه للتركيب»: مكالمة مع أحد مقدمي الخدمة
لم تكن واقعة محمود منفردة، وبدا الوصول إلى مقدمي هذه الخدمات أسهل مما يُتخيَّل. فللتحقق من طبيعة ما يقدمونه، اتصلت معدّة التحقيق برجل قال إنه من سوريا، بعدما حصلت على رقمه من سيدة سبق أن تعاملت معه وقالت إنه هندي الجنسية. وتضارب الروايتين عن جنسيته ليس تفصيلًا هامشيًا؛ فالمريض لا يعرف من عالجه أصلًا: لا اسمه ولا جنسيته ولا مكان إقامته الثابت، وهو ما يجعل الإبلاغ أو التتبع أكثر تعقيدًا.
بدأت المكالمة بسؤال عن التعامل مع ضرس عقل «مقلوب»، ثم عن سن مكسور ومسوس وإمكانية خلعه وتركيب بديل له. وكشف الرجل عن نشاط يمارسه بالفعل؛ إذ قال إن تكلفة تركيب الضرس 600 جنيه (نحو 12 دولارًا)، وهو السعر نفسه لتركيب «الطربوش». لكنه لم يبدِ حماسًا للخلع، وقال: «إذا كان له حل من دون خلع، فلا نخلع إن شاء الله»، مبررًا تحفظه: «قد يكون المريض مصابًا بالسكري أو بمرض في القلب، وأنا أخشى على نفسي لا عليكِ». وكرر أكثر من مرة أن عمله يتركز في التركيبات، وحين سألته معدّة التحقيق عن الحشوات أو التنظيف أجاب بأن عمله يقتصر على التركيبات فقط.
ولم يرتبط عمله بعيادة محددة؛ فحين سُئل عن مكان الحضور قال إنه يأتي إلى المكان الذي يحدده الزبون، واستفسر عن محل الإقامة، وحين ذكرت معدّة التحقيق شبرا استكمل الاستفسار عن التفاصيل، وطلب إرسال صور الأسنان عبر «واتساب» لتحديد ما يمكن فعله. وهكذا كشفت مكالمة لم تستغرق سوى دقائق آلية الوصول إلى هذه الخدمات: رقم هاتف ينتقل بين الناس، وتواصل مباشر مع الزبون، وتحديد للسعر، وانتقال إلى مكانه بدلًا من منشأة طبية معلومة. وبدا الرجل خلال الحديث مرتبكًا، يكرر السؤال عمّن أعطاه الرقم قبل أن يفصح عن عمله، وحين تحفظت معدّة التحقيق على كشف مصدرها استعجل إنهاء المكالمة، في ما بدا توجّسًا من أن يكون المتصل من الشرطة أو الصحافة.
ويبقى بعد هذه الخدمة منخفضة التكلفة سؤال قانوني وطبي: من يحق له في مصر أن يخلع الأسنان ويركّب الأطقم، وما ضمانات المريض حين تُجرى هذه الإجراءات خارج عيادة مرخصة وعلى يد شخص مجهول المؤهلات؟
فائض خريجين أم فشل تخطيط؟ تقليص التكليف يفتح أزمة جديدة في المنظومة الصحية

نقيب أطباء الأسنان: الخطر في غياب مكافحة العدوى
يقول وليد حسن، نقيب أطباء الأسنان في القاهرة، لـ«زاوية ثالثة» إن ما جرى مع محمود وما كشفته المكالمة ليس استثناءً، بل امتداد لظاهرة يعرفها منذ سنوات؛ فممارسة طب الأسنان بعيدًا عن العيادات «ليست جديدة»، ولا تتوقف عند الخلع بل تمتد أحيانًا إلى التركيب في الشارع.
ويحدد النقيب مصدر الخطورة في غياب أبسط قواعد مكافحة العدوى؛ فبينما تنفق العيادات والمستشفيات مبالغ وجهودًا كبيرة على التعقيم وسلامة المريض، لا يمكن توفير ذلك «بأي شكل من الأشكال» في الشارع أو على المقاهي. ويوضح أن العدوى المحتملة لا تقتصر على مرض واحد، بل تشمل أنواعًا من البكتيريا والفيروسات تنتقل عبر الدم واللعاب، متسائلًا: «لو كان في يد الشخص دم، وكان مصابًا لا قدّر الله بمرض معدٍ، فماذا يمكن أن يحدث؟ هناك أمراض وفيروسات تنتقل عبر الدم، وأخرى عبر اللعاب، ومنها الدرن»، ويصف المشهد المتكرر في الشوارع: «يمسك سيجارة وكوب شاي، ويده غير نظيفة، ويتعامل مع مريض لا يعرف أصلًا حالته الصحية».
ويروي واقعة يراها تلخص المشكلة: مواطن خضع لخلع سن داخل مستشفى بأدوات معقمة، لكنه بعد خروجه توجّه إلى أحد المقاهي، وبينما كان موضع الخلع مفتوحًا التقى شخصًا يتجول بحقيبة يعرض تركيب أسنان فوافق، وفي اليوم التالي تدهورت حالته وتورّم وجهه، فعاد إلى المستشفى نفسها يتهمها بأنها «هي التي تسببت في المشكلة»، رغم أن المضاعفات نتجت عن إجراء لاحق خارجها على يد غير متخصص. ويعلق: «أنت خلعت سنك أو أجريت إجراءً في أسنانك للتو، فلماذا تسمح لشخص آخر بأن يتدخل في أسنانك مرة أخرى وأنت خارج من المستشفى؟».
ولا يُرجع النقيب المشكلة إلى الفقر وغياب البدائل وحدهما، بل إلى اعتقاد خاطئ يراه منتشرًا بأن التعامل مع غير المتخصصين «لمجرد أنهم من جنسيات أخرى» أو خارج الإطار الطبي أكثر أمانًا، ويعدّه نتيجة «خطاب مضلل»؛ فالمواطن نفسه «يذهب إلى العيادة فيسأل أين القفازات؟ وأين التعقيم؟»، ثم «يسمح لشخص بأن يتعامل مع أسنانه وهو جالس على مقهى». وعلى الصعيد القانوني، يوضح أن من يمارس المهنة من دون تخصص يخضع للمساءلة بوصفه «مدّعيًا لمهنة الطب»، وأن هذه جريمة بالفعل، لكن المعضلة في آلية الإبلاغ حين تقع الواقعة في الشارع بعيدًا عن أي منشأة يمكن تتبعها، ولذلك يضع مسؤولية جزئية على المواطن في التصوير والتوثيق والإبلاغ.
ويستدعي خبرته السابقة رئيسًا للإدارة المركزية لطب الأسنان في وزارة الصحة، حين قادت الوزارة، بحسب قوله، حملة توعية استمرت نحو عامين ونصف العام ووصلت إلى نحو 7.5 مليون مواطن عبر ندوات داخل الوحدات الصحية والمستشفيات، ويطالب بتكرار التجربة قوميًا: «لا بد من توعية للمواطنين، ولا بد أن تكون حملة قومية ومبادرة تدخل في نطاق المبادرات الرئاسية، وأن تتضمن توعية في كل وسائل الإعلام».

أشرف رضوان: أين الضبطية القضائية؟
إذا كان وليد حسن يركز على البعد الصحي والتوعوي، فإن أشرف رضوان، أحد القيادات السابقة في منظومة الرعاية الصحية، يذهب مباشرة إلى سؤال المسؤول عن ضبط هذه الممارسات على أرض الواقع. ويقول لـ«زاوية ثالثة» إن الظاهرة، التي ظهرت في بعض الدول قبل أن تنتقل إلى مصر، «تستغل احتياجات المواطنين وفقرهم» وتعرّضهم لمخاطر صحية وقانونية بالغة، ولا يكتفي بالتوعية بل يسأل عن غياب أدوات الضبط: «لا بد أن يكون للنقابة دور، والدور التوعوي مهم، لكن أين دور الانضباط؟ وأين الضبط والإحضار؟ وأين الضبطية القضائية؟ وهل يملك أحد في النقابة سلطة الضبطية القضائية تجاه هؤلاء؟»، ويقترح فريق عمل متخصصًا يرافق الجهات الأمنية لتقييم الحالات فنيًا «حتى يستطيع أن يحدد ما إذا كان ذلك مخالفًا أم لا».
ويستدعي واقعة من عيادته تشبه ما جرى لمحمود: مريض جاءه بعد أن ركّب تركيبة أسنان عند «شخص سوري كان يمرّ حاملًا حقيبة»، ويعلق: «ما هذا؟ وأين نحن من هذه القصة؟». ولا يحصر الظاهرة في جنسية بعينها، بل يسأل: «أين دور إدارة مكافحة العدوى مما يجري في الشارع، من الهنود وغيرهم؟»؛ فالمشترك بين ممارسي هذا النشاط، على تعدد خلفياتهم، هو غياب الترخيص والإشراف. ويختصر المخاطر في جملة: «ما يجري في الشارع مصدر للعدوى، وهذه من البدهيات»، مذكّرًا بأن وزارة الصحة تمتلك إدارتين لهذا الغرض تحديدًا، مكافحة العدوى والجودة، ومتسائلًا عن غيابهما، ومحذرًا من أن الخطر لا يقتصر على فيروس «سي»: «ليس فيروس سي وحده؛ فهناك أمور كثيرة قد تحدث، وأمراض تنتقل عبر أدوات لا نعرف ما فيها. هذه ليست عيادات».
ولا يرى أن انخفاض التكلفة يبرر تعريض الصحة للخطر، لكنه لا يكتفي بإدانة من يلجأون إليها بل ينتقد غياب البدائل، مستشهدًا بتجربته حين كان يدير أحد مراكز الأسنان في شارع الميرغني بمصر الجديدة وأبرم تعاقدات مع جهات مثل نقابة الصحفيين واللجنة النقابية في الأهرام لتقديم علاج بأسعار مخفضة: «من يعجز ماديًا عن العلاج يمكنه أن يقصد عيادة لائقة ومحترمة». ويدعو رجال الأعمال والمجتمع المدني إلى المشاركة في توفير بدائل آمنة لمحدودي الدخل، مستشهدًا بتطوير مركز رعاية طفل العباسية بتبرعات من بنوك وشركات، ويربط الظاهرة بمعيار أوسع لتقدم الدولة: «لو حدث هذا في دولة متقدمة، فهل كانوا سيسمحون به؟ حتى في دولة مثل الإمارات أو السعودية، هل يجرؤ أحد على فعل ذلك؟ بالطبع لا»، ويرى أن المواجهة تحتاج تكاملًا بين الحكومة والنقابات ورجال الأعمال والمجتمع المدني والإعلام، لا تحميل جهة واحدة كامل المسؤولية.
ولم تصدر وزارة الصحة تعليقًا على غياب إدارتي مكافحة العدوى والجودة عن مواجهة هذه الممارسات وآليات ضبطها حتى لحظة إعداد التقرير.
تعود الخيوط كلها إلى السؤال الذي بدأ به محمود: كم سيتكلف العلاج؟ فحين يتجاوز سعر العيادة المرخصة قدرة شريحة من المصريين، يتحول الشارع والمقهى والمنزل إلى بديل، ويصبح حامل حقيبة الأدوات «طبيبًا» بصرف النظر عن جنسيته أو مؤهلاته أو التزامه بأبسط قواعد التعقيم. وكما يرى وليد حسن وأشرف رضوان، لا تقوم المواجهة على ركيزة واحدة؛ فالتوعية وحدها لا تكفي من دون ضبط فعلي وآليات إبلاغ واضحة، والضبط وحده لا يجدي إذا ظل محدود الدخل بلا بديل آمن ومتاح.
أما محمود، فالطقم الذي دفع فيه 7 آلاف جنيه لا يزال في فمه، وسؤاله معلّق: «الأمراض تصيبنا على أي حال، فماذا عساه يحدث من خلال الأسنان؟»، بينما تجيب عنه الدراسات والشهادات السابقة بما لم يخطر له حين جلس على الأرض أول مرة أمام رجل يحمل حقيبة أدوات.