مثل الصحفي محمد أشرف أبو عميرة أمام نيابة أمن الدولة العليا في العاشرة من مساء السبت 3 أكتوبر، بعد ستة أيام من اختفائه، في أول ظهور لأحد صحفيي منصة «متصدقش» الستة أمام جهة تحقيق، فقررت النيابة حبسه 15 يومًا على ذمة التحقيقات، بينما لا يزال زملاؤه الخمسة مختفين.
وقال إسلام سلامة، محامي صحفيي المنصة بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، لزاوية ثالثة صباح الأحد، إنه تمكّن من حضور التحقيق بناءً على الطلب الذي كان قد قدمه إلى النيابة لحضور التحقيقات مع فريق «متصدقش»، وإن النيابة حققت مع أبو عميرة وحده، ووجهت إليه ثلاث تهم: الانضمام إلى جماعة إرهابية، ونشر وإذاعة أخبار وبيانات كاذبة، واستخدام حساب على أحد مواقع التواصل الاجتماعي، وذلك في القضية رقم 8083 لسنة 2026 حصر أمن دولة عليا. واستمر التحقيق نحو عشر ساعات متواصلة، من مساء السبت حتى صباح الأحد، وانتهى بقرار الحبس. وقالت المبادرة المصرية في بيانها إن النيابة حبست أبو عميرة بعد خمسة أيام من إخفائه، وإن أسئلتها دارت حول عدد من التغطيات المنشورة على المنصة وآلية اختيار موضوعاتها والغرض من نشرها، وإن هيئة الدفاع طلبت عرضه على المستشفى لمعاناته من أمراض مزمنة، فسمحت له النيابة بالحصول على أدويته، بحسب ما قاله حسام بهجت لمدى مصر. ويضيف سلامة أن هيئة الدفاع تتابع مواعيد التحقيق مع الصحفيين الخمسة الباقين، عبد الله قدري وإسلام بركات وعمر هلال ومحمد محمود ومحمد عادل، لحضورها فور تحديدها. غير أن المتابعة لا تعني أن أحدًا أبلغ الدفاع بموعد أو مكان: فحتى ظهر الأحد، لم يُحدد للخمسة موعد تحقيق، ولم يعرف ذووهم ولا محاموهم مكان احتجازهم، ولم تعترف أي جهة بوجودهم لديها، فظل خمسة من الستة في حكم المختفين قسريًا، وإن كان مثول زميلهم يرجح أن يُعرضوا على النيابة ذاتها تباعًا.
يأتي هذا التطور بعد ثلاثة أيام من خبر نشره موقع «المصري اليوم» مؤرخًا بليلة الخميس 1 أكتوبر، قال فيه إن نيابة أمن الدولة العليا قررت حبس «6 متهمين من القائمين على صفحة متصدقش» 15 يومًا على ذمة التحقيقات، وإنها تواصل التحقيق معهم، وأضاف أن تحريات الأمن الوطني أفادت بضبط أحد المتهمين ثلاث مرات من قبل. وكان الخبر قد خلا من رقم قضية ولائحة اتهام، وقد نفى حسام بهجت، مدير المبادرة المصرية، صحته عقب اتصاله المباشر برئيس نيابة أمن الدولة العليا، قائلًا إن الزملاء لم يمثلوا أصلًا أمام النيابة حتى ذلك التاريخ. ثم قالت إيمان عوف، عضو مجلس نقابة الصحفيين ومقررة لجنة الحريات، يوم السبت إن النيابة نفت لوفد النقابة إجراء أي تحقيق مع الستة. فما نُشر الخميس عن ستة صحفيين صار، بعد ثلاثة أيام، قرارًا يخص صحفيًا واحدًا، بتهم لم يكن قد وُجّه بها أحد يوم نشره، بينما الخمسة الآخرون خارج أي قرار معلن.
في حكم المختفين قسريًا
كان سلامة قد قال لزاوية ثالثة، قبل ساعات من مثول أبو عميرة، إنه لا يوجد أي مسار قانوني معلن بشأن الزملاء الستة منذ لحظة توقيفهم، وإنهم «في حُكم المختفين قسريًا» في ظل انقطاع كامل للمعلومات عن أماكن احتجازهم، ووصف ما نشرته «المصري اليوم» بأنه «غير صحيح تمامًا»، موضحًا: «لم يُعرض الزملاء على النيابة حتى الآن، ولم يخضعوا لأي تحقيقات، ولا توجد قضية مقيدة برقم أو محضر رسمي أُخطرنا به». ويقول إنه تقدم بطلب رسمي إلى النائب العام ورئيس نيابة أمن الدولة العليا، استند فيه إلى بيان وزارة الداخلية نفسه الذي أقر بتوقيف الصحفيين، للتحقيق في تجاوز احتجازهم المدد القانونية المحددة للضبط من دون إحالتهم إلى سلطات التحقيق، ويشدد على أنه «حتى في فرضية ضبطهم استنادًا إلى قانون مكافحة الإرهاب، فإن القانون يُلزم السلطات بإخطار العائلات والمحامين بمقار الاحتجاز، وتمكين الدفاع من التظلم رسميًا على قرارات التوقيف»، وإن هيئة الدفاع لم تتلقَّ أي رد رسمي على طلباتها، في حين أبلغتها النيابة شفهيًا بأنها ستُمكّن المحامين من حضور التحقيق فور مثول الصحفيين، وهو ما جرى ليلة السبت مع أبو عميرة وحده.
وفي صباح السبت، بعد مرور أربعة أيام على الاختفاء، تقدم محامو المبادرة المصرية ببلاغ يطلب التحقيق في وقائع القبض على الصحفيين الستة، بعد رفض قوات الأمن إطلاع أسرهم على الإذن القضائي الصادر بالضبط والإحضار، وكانت أسر الستة قد أرسلت 17 بلاغًا عبر التلغراف إلى النائب العام والمحامي العام الأول لنيابات أمن الدولة العليا ووزير الداخلية من دون رد، فصار البلاغ الثامن عشر هو الذي سبق أول ظهور.
اعتصام
جاء مثول أبو عميرة في الليلة نفسها التي شهدت فيها نقابة الصحفيين اعتصامًا مفتوحًا بمشاركة عشرات الصحفيين، احتجاجًا على القبض على زملائهم وعدم الكشف عن أماكن احتجازهم أو عرضهم على جهات التحقيق. ووسط حضور أمني مكثف حول مبنى النقابة بالزيين المدني والميري وسيارات الشرطة وميكروباصات الداخلية، عقد الصحفيون اعتصامًا رمزيًا كانت قد دعت إليه صفحة «متصدقش» على فيسبوك أول أمس الخميس، على خلفية اعتقال الصحفيين الستة الذين يشكلون كامل فريق المنصة المتخصصة في التحقق من المحتوى المصري والعربي.
ودعا مجلس النقابة إلى اجتماع طارئ الاثنين المقبل لمناقشة تداعيات القبض على الستة وبحث الإجراءات والتحركات اللازمة للتعامل مع الأزمة، بحضور نقيب الصحفيين خالد البلشي وثمانية من أعضاء المجلس، خلال الاعتصام الذي استمر أكثر من ساعتين.
ويقول البلشي لزاوية ثالثة إن النقابة تتفاوض مع «الجهات المعنية» بشأن صحفيي «متصدقش»، متحفظًا على الإفصاح عن تفاصيل التحركات الجارية، ومشيرًا إلى أن ما لديه من معلومات وتحركات يقتصر على ما يجري في إطار المذكرات القانونية والتفاوض، من دون الكشف عن طبيعة هذه المفاوضات. ويضيف أن أماكن احتجاز الستة ما زالت غير معلومة رغم إعلان وزارة الداخلية القبض عليهم الخميس، وأن محامي النقابة تواصل مع النيابة العامة واطلع على سجلات بياناتها فلم يتبين عرض أي منهم عليها حتى ذلك الحين، وهو ما تغير بعد منتصف الليل بمثول أبو عميرة.
وكانت النقابة قد تقدمت صباح السبت بطلبين إلى النائب العام ونيابة أمن الدولة العليا لاستيضاح حقيقة ما نشره موقع «المصري اليوم» عن صدور قرار بحبس الستة 15 يومًا من دون إخطارها، مع الإشارة إلى ضرورة إخطارها بموعد التحقيقات تنفيذًا للضمانات الواردة في قانون النقابة، والكشف عن مكان الاحتجاز. وروى الطلبان أن وفدًا يضم عضوي المجلس محمود كامل وإيمان عوف وأربعة محامين من الإدارة القانونية توجه إلى مقر النيابة في التجمع الخامس صباح الخميس عقب بيان الداخلية، وقدم طلبات رسمية لحضور التحقيقات، وبقي هناك طوال اليوم من دون أن يبلغه أحد بإجراء تحقيق أو تحرير محضر أو تحديد رقم قضية أو لائحة اتهامات.
ويوضح البلشي أن المذكرة القانونية تستند إلى مبدأ مسؤولية الصحفي عن المواد التي ينشرها لا عن الكيان أو المنصة التي يعمل من خلالها، فضلًا عن الضمانات التي يقررها قانون النقابة لتنظيم التعامل مع الصحفيين. ويشير إلى أن النقابة تتمسك بتوسيع نطاق الحماية النقابية ليشمل الصحفيين غير المقيدين بجدولها، وأنها سبق أن تدخلت في قضايا مماثلة للدفاع عن صحفيين غير أعضاء، وأن المادة 35 من قانون النقابة تتضمن أحكامًا تتصل بإتاحة التدريب والنشر قبل القيد. وينص قانون إنشاء نقابة الصحفيين رقم 76 لسنة 1970 على وجوب إخطار مجلس النقابة أو مجلس النقابة الفرعية بأي شكوى ضد أي صحفي تتصل بعمله الصحفي قبل الشروع في التحقيق معه بوقت مناسب، وعلى حق النقيب أو رئيس النقابة الفرعية في حضور التحقيق بنفسه أو بمن ينيبه.
وتقول إيمان عوف لزاوية ثالثة إن النقابة بدأت تحركاتها للتفاوض مع الجهات المعنية للإفراج عن الصحفيين منذ اللحظة الأولى لإبلاغها بالواقعة من خلال أسر الزملاء، وإن النقيب تواصل فور علمه بالأمر مع مختلف الجهات المعنية للعمل على إنهاء الأزمة. وتضيف أن جميع الخيارات ما زالت مطروحة للنقاش أمام مجلس النقابة والجمعية العمومية، في مسارات التفاوض وخطوات التصعيد المحتملة على السواء، وأن أحدًا لن يتخذ قرارًا فرديًا، وأن النقابة ومجلسها والجمعية العمومية في حالة انعقاد دائم لمتابعة تطورات الموقف. وتوضح أن النقابة تقدمت ببلاغين صباح السبت، أحدهما إلى النائب العام والآخر إلى مكتب حقوق الإنسان بوزارة الداخلية، إلى جانب استمرار التواصل مع الجهات المعنية، وأن الوحدة القانونية تتابع سير التحقيق المرتقب مع استعدادها لحضوره فور إخطارها. وعن التصعيد تقول إن النقابة تنتظر ما ستسفر عنه التطورات، ولا يمكن تحديد طبيعة الخطوات التصعيدية قبل اتضاح الموقف القانوني للصحفيين، وإنها ستعيد تقييم خياراتها إذا جرى عرضهم على النيابة وصدرت قرارات بحبسهم، وهو ما بدأ يتحقق بعد ساعات مع أول قرار حبس.
مطالب بمحاسبة المحرضين وتصعيد التحركات
شهد الاجتماع مطالبات من الصحفيين بمناقشة ما وصفوه بحملات التحريض والإساءة التي تعرض لها أعضاء فريق «متصدقش» منذ القبض عليهم، سواء عبر منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي أو مواد صحفية، وتساءل بعضهم عن دور النقابة في اتخاذ إجراءات تأديبية ضد الأعضاء المخالفين لميثاق الشرف الصحفي بنشر أخبار مغلوطة مثل خبر «المصري اليوم».
وتساءلت إحدى الصحفيات عن غياب عدد من أعضاء مجلس النقابة عن الاجتماع، معتبرة أن القضية تتجاوز الصحفيين الستة وتمس حرية الصحافة وعموم الجماعة الصحفية. ورد البلشي بأن بعض الأعضاء لديهم ظروفهم الخاصة، وأن النقابة لم توجه دعوات رسمية للأعضاء، وإنما «المشاركة مفتوحة» بحسب وصفه، وأن الحضور جزء من الحيز النقابي.
وطالبت بعض الصحفيات المشاركات بتحديد خطوات تصعيدية للضغط من أجل الكشف عن مصير الزملاء والإفراج عنهم، خاصة مع مرور أربعة أيام على القبض عليهم من دون معرفة أماكن احتجازهم، وطرحن مقترحات لتنظيم وقفة احتجاجية أو اعتصام داخل مقر النقابة. وانتهى النقاش إلى التوافق على تنظيم اعتصام داخل النقابة حتى انعقاد الاجتماع الطارئ للمجلس الاثنين، مع ترك تنظيم مواعيد الحضور ومدته للمشاركين. وأجمع الحاضرون على أن الجمعية العمومية تحتفظ بحقها في اتخاذ ما تراه من قرارات إذا لم تلبِّ قرارات المجلس مطالبها، بما في ذلك تنظيم وقفات احتجاجية على سلم النقابة، مع استمرار التحركات النقابية لحين اتضاح الموقف القانوني للستة والكشف عن أماكن احتجازهم.
رفع المعتصمون لافتات كُتب عليها «متصدقش صحافة السامسونج» و«تسقط صحافة التعليمات» و«عاش كفاح الصحفيين» و«الصحافة مش جريمة» و«متصدقش» و«الحرية للصحفيين»، ورددوا داخل النقابة هتافات تطالب بالإفراج الفوري عن الصحفيين المختفين، منها «هاتوا الستة من الزنازين.. الحرية لكل سجين».
ولم يمر يوم على الاعتصام حتى وصلت أول رسالة إلى من شاركوا فيه. فقد كتبت الصحفية رشا عزب، صباح الأحد، أن استدعاءً رسميًا وصل إلى منزل عائلتها أمس للمثول أمام نيابة أمن الدولة العليا غدًا الاثنين 5 أكتوبر للتحقيق في القضية رقم 8025 لسنة 2026، وهي قضية مختلفة الرقم عن قضية أبو عميرة، وعلقت: «الرسالة واضحة، وردي واضح»، ثم كررت الهتافات التي رُفعت في البهو قبل ساعات: عاش نضال الصحفيين، تسقط صحافة التعليمات الأمنية، الحرية للمعتقلين. وكانت عزب من المشاركين في اعتصام السبت، وتقول لزاوية ثالثة إن «متصدقش» صحافة حقيقية هدفها المواطن لا التعليمات الأمنية، وإن نقابة الصحفيين تواجه هجمة واسعة، وإن ما يجري هو اعتقال غرفة أخبار منصة كاملة، وهو أمر غير مسبوق حتى في أسوأ ديكتاتوريات الدولة المصرية من الستينيات حتى الآن.
وبقي الطوق الأمني في الخارج طوال الاعتصام، إذ أغلقت الشرطة الطرق المؤدية إلى مقر النقابة في شارع عبد الخالق ثروت، وأقامت حواجز لتفتيش المارة وطالبت بعضهم بإبراز بطاقات الهوية، وطلب مسؤولو النقابة من الوافدين ألا يخرجوا إلى الشارع ولا يقفوا على السلالم التي اعتادوا الوقوف عليها، وأن يكتفوا بالتجمع في البهو الرئيسي تجنبًا لأي احتكاك مع القوات المنتشرة حول المبنى.
وأثناء الاجتماع تساءل الحاضرون عن تصرف وزير الدولة للإعلام ضياء رشوان في مصير الصحفيين الستة، ولم يعلق النقيب أو أحد من أعضاء المجلس. وكان رشوان قد وجه في 20 أغسطس رسالة «فضفضة» إلى الصحفيين والإعلاميين طرح فيها رؤى ومقترحات للنهوض بالصحافة لبناء الوعي والتعبير عن قضايا المجتمع، ودعا إلى فتح المجال أمام حوار الإعلام الموضوعي ليشمل الرأي والرأي الآخر، وإلى اجتماع في 3 ديسمبر 2026 لمناقشة التحديات والفرص والخروج بتوصيات عملية لتطوير الإعلام.
نقابة الصحفيين تبحث أزمة الحماية النقابية
بعد مناقشة خطة الاعتصام، عقدت النقابة جلسة أخرى، كانت مقررة قبل الحملة بأيام، لمناقشة مقترحات مد مظلة الحماية النقابية إلى الصحافة الإلكترونية وشمول العاملين بالمهنة بعضوية النقابة. وقال البلشي إن النقابة توفر الحماية للصحفيين غير الأعضاء، لكنه طرح تساؤلات عن كيفية توفير تمويلات تضمن حصولهم على الحماية والدعم اللازمين في أثناء عملهم.

وفي مداخلة لصحفي مشارك، أشار إلى سياق المشهد الراهن وما يمر به الصحفيون من انعدام الأمن، معتبرًا أن النقابة أمام اختبار لمدى استقلاليتها وقدرتها على التعامل مع الأزمة، وأن النقاش لا يتعلق بآليات استيعاب الصحفيين وانضمامهم إلى النقابة بقدر ما يتعلق بغياب التفسيرات لتقنين أوضاعهم. واقترح الصحفي جمال فهمي إدخال مشروع تعديل لائحة القيد في صلب قضية الصحفيين الإلكترونيين، بما يتيح معالجة أوضاع من تحول ضوابط القيد الحالية دون انضمامهم. وقال صحفي آخر إن من الضروري تشكيل لجنة تضم أعضاء من مجلس النقابة وعددًا من الصحفيين النقابيين لدراسة القانون الحالي ولائحته التنفيذية وبحث ما يمكن تعديله أو تطويره، بما يمنع تكرار المشكلات نفسها ويساعد المجلس في وضع تصور يُعرض على الجمعية العمومية.
وتضع هذه الجلسة إصبعها على الثغرة التي نفذت منها الحملة: فمن الصحفيين الستة، واحد فقط مقيد بالنقابة، وخمسة متدربون أو غير مقيدين، وهو ما استعمله بيان وزارة الداخلية نفسه حين قال إن «أحدهم مقيد بنقابة الصحفيين والباقي غير مقيدين»، كأن القيد هو ما يجعل الصحافة صحافة، في حين تدافع النقابة بموجب المادتين 5 و53 من قانونها عن كل ممارس فعلي للمهنة مقيدًا كان أو متدربًا، وكانت زاوية ثالثة قد طرحت السؤال قبل المداهمات بيوم واحد في مقال عن الصفة التي تُكتب في محاضر الشرطة ضد جيل كامل يصنع الصحافة المصرية من خارج جداول النقابة.
ستة أيام: من المداهمة إلى البيان
بدأت الوقائع في وقت متأخر من مساء الاثنين 28 سبتمبر، حين اقتحمت قوات أمنية منزلي أبو عميرة وقدري وصادرت أجهزتهما الإلكترونية واقتادتهما إلى جهة مجهولة، ثم اتسعت الدائرة خلال فجر الثلاثاء 29 سبتمبر ونهاره لتشمل مداهمات متزامنة في ثلاث محافظات: بركات في الغربية، وهلال في بورسعيد، ومحمود وعادل من أحد شوارع القاهرة. وبحلول مساء الثلاثاء كان كامل فريق المنصة الموجود داخل مصر قيد الاحتجاز، محرومًا من التواصل مع ذويه أو محاميه، وسط مصادرة طالت حواسيب وهواتف شملت مقتنيات أفراد من عائلاتهم، بحسب توثيق المبادرة المصرية التي قالت إن الأسر ترددت على مقار الاحتجاز الرسمية خلال اليومين التاليين من دون اعتراف رسمي بوجود أبنائها فيها، وهو ما جعل المنظمات الحقوقية تضع الساعات الأولى من التوقيف تحت توصيف الإخفاء القسري.
وفي الأربعاء 30 سبتمبر طالب البلشي ومجلس النقابة، في بلاغ إلى النائب العام وشكوى إلى وزير الداخلية، بالكشف الفوري عن أماكن الاحتجاز وتمكين الستة من التمثيل القانوني والإفراج عنهم بضمان النقابة مع تعهدها بمثولهم أمام أي تحقيق، مشيرين إلى أن أحدهم على الأقل مقيد بجدولها وإلى مخالفة القبض للمادة 54 من الدستور. وما إن صدر بيان الوزارة صباح الخميس 1 أكتوبر حتى انفجر خلاف حول الإجراءات: فالوزارة قالت إنها أخطرت النقيب «في حينه» بضبط الصحفي المقيد، بينما قالت مصادر نقابية لموقع «المنصة» إن النقابة لم تتلقَّ أي إخطار مسبق أو متزامن، وإنما علمت بالواقعة من بلاغات الاستغاثة الواردة من الأسر ومحامي المبادرة.
ووصف بيان الوزارة المنصة بأنها صفحة «غير مرخصة وتدار من الخارج» تبث أخبارًا مغلوطة وتحرف الحقائق، وبأنها «ضمن اللجان الإعلامية لجماعة الإخوان الإرهابية ويديرها الإخواني الهارب بالخارج» عبد الرحمن شكري منصور، الذي يعاونه عناصر في الداخل تعد المواد مقابل تمويل من الخارج، وقال إنه «أمكن تقنين الإجراءات» وضبط ستة من أعضاء هذه اللجنة. ولم يقدم البيان وثائق محاسبية أو أدلة على تهمة التمويل، ولم يفصّل الوقائع المنسوبة إلى كل صحفي، ولم يذكر مكان الاحتجاز ولا الجهة التي تحقق.
وردت المنصة في اليوم نفسه ببيان من خمس نقاط عنوانه «لسنا إخوان بشهادة الأجهزة الأمنية»، قالت فيه إنها مستقلة عن أي تنظيم سياسي في الداخل أو الخارج، وإن سجلها الممتد ثماني سنوات يضم مئات التصحيحات لتصريحات وأخبار روجتها جهات وشخصيات محسوبة على الإخوان ومعارضون في الخارج، وإن جميع أعضاء فريقها مصريون يقيمون داخل مصر، وإن منصور غادر البلاد بصورة قانونية قبل سنوات وليس مطلوبًا في أي قضية واستخرج من وزارة الداخلية نفسها صحيفة حالة جنائية خالية من الأحكام، وإن ثلاثة من الستة خضعوا قبل نحو ثلاث سنوات لفحص انتهى بإبلاغ المنصة بعدم ثبوت أي صلة لهم بجماعة سياسية أو تمويل، وإن العاملين يتقاضون رواتبهم بعقود صحفية ومعاملات بنكية قانونية عبر النظام المصرفي المصري. وكان آخر ما نشرته المنصة قبل المداهمة بيوم تصحيحًا لمعلومات مغلوطة عن القرار الجمهوري رقم 395 لسنة 2026 بتفويض وزير الدفاع في بعض اختصاصات رئيس الجمهورية، ومن بين أحدث منشوراتها، بحسب قناة الجزيرة، تدقيق في تصريحات وزير الخارجية عن أعداد اللاجئين في مصر، ومادة عن المحسوبية في حركة تعيينات النيابة العامة.
ويكشف تتبع مسار المنصة أن ذريعة «العمل دون ترخيص» سبقتها محاولة ترخيص لم تجد من يرد عليها: ففي أعقاب استهداف عام 2023، سعت «متصدقش» إلى تقنين أوضاعها رسميًا وتأسيس مقر معلن يجمع محرريها داخل مصر أسوة بالمؤسسات الصحفية، فقوبل العرض بتجاهل تام من الأجهزة الأمنية، بحسب ما قاله مصدر صحفي مطلع لموقع «مدى مصر». وقال مصدر نقابي مطلع على كواليس التفاوض للموقع نفسه إن عروض التقنين، ومقترحات أكثر مرونة، طُرحت مجددًا على طاولة الوساطات الجارية منذ الاعتقال من دون تجاوب، وإن المفاوضات كشفت عن تلويح الأجهزة بتهمة «الانتماء للإخوان» بوصفها ورقة ضغط لكسر مسار الوساطة، وهو التلويح الذي تُرجم فورًا في بيان الداخلية. وعلى الحجة ذاتها رد البلشي، بحسب ما قال لمدى مصر، حين قيل له إن المنصة صفحة لم تطلب ترخيصًا: «بس أنا قلتلك: ما تتعاملش معاه، مش تقبض عليه».
أذرع التشهير
لم يتوقف استهداف المنصة عند الإجراءات الأمنية، بل واكبه استنفار للأذرع الإعلامية المحسوبة على السلطة. فكتب محمد الباز، رئيس تحرير جريدة «الدستور» التابعة للشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، منشورًا وصف فيه المنصة بأنها «خلية إخوانية»، وقال إن ما تنتجه ليس تدقيقًا بل محتوى تشكيكي يساهم في صناعة الشائعات لضرب استقرار الدولة. وتعمقت الحملة تلفزيونيًا مساء الجمعة في برنامج «الحكاية» على «إم بي سي مصر»، حين استضاف عمرو أديب الكاتب عبد الرحيم علي الذي عرض تسجيلات صوتية مجهولة المصدر ومنزوعة السياق قال إنها لمنصور وتثبت ارتباطه بالجماعة، وقال إنه يملك نحو خمسمئة مكالمة له. وحين تساءل أديب عن مغزى إثارة الملف أمنيًا بعد ثماني سنوات من عمل المنصة العلني، واصل علي خطابه واصفًا تدقيق البيانات بأنه إضرار بالبلاد، وعدم مواجهة المنصة بأنه خيانة عظمى، وقال: «لما البلد تتهد.. اللي هيتحاسب الجهات الأمنية». وتكامل المشهد بنشر وكالة أنباء الشرق الأوسط الرسمية وبوابة «الأهرام» صورًا شخصية لمنصور مع استدعاء خلفيته الأسرية والقول إن والده قُبض عليه عام 2008، ثم وصل التسرع بالبوابة القومية إلى أن كتبت في مادة أخرى أن الأجهزة ضبطت ستة من القائمين على الصفحة «من بينهم عبد الرحمن منصور، مقيد بنقابة الصحفيين»، فجعلت الرجل الذي يصفه بيان الداخلية بالهارب في الخارج واحدًا من المقبوض عليهم في الداخل.
وطالب صحفيون في اعتصام السبت بأن تحاسب النقابة أعضاءها الذين شاركوا في هذه الحملة، وبأن تحيل خبر «المصري اليوم» إلى لجنة التحقيق لمخالفته ميثاق الشرف، وهو الخبر الذي حاولت زاوية ثالثة سؤال مدير تحرير الموقع عن مصدره وتاريخه فلم يرد، ولم يحذفه الموقع رغم نفي الدفاع والنقابة والنيابة.
من الكونغرس إلى البرلمان الأوروبي
تخطت القضية حدودها المحلية خلال أيام. فمن واشنطن دعا النائبان دون باير وسوزان ديلبيني، رئيسا تكتل حقوق الإنسان في مصر بالكونغرس، إلى الإفراج الفوري وغير المشروط عن صحفيي «متصدقش»، وإلى وضع حد لحملة القمع المتصاعدة ضد ما تبقى من وسائل الإعلام المستقلة، وحظي الموقف بتأييد أعضاء في مجلس الشيوخ. وفي بروكسل أعرب نواب في البرلمان الأوروبي عن بالغ قلقهم إزاء وتيرة التوقيف وظروف الاحتجاز الانعزالي، محذرين من حرمان المحتجزين من حقهم في التواصل غير المشروط مع عائلاتهم وممثليهم القانونيين، وداعين القضاء المصري إلى الامتثال للمعايير القانونية وإحاطة الدفاع والذوي بمسار القضية بصورة شفافة وفورية.
وتلاقى هذا الحراك النيابي مع جبهة تضامن مدنية واسعة؛ إذ وقّعت أكثر من خمسين منظمة حقوقية وصحفية مصرية وإقليمية ودولية في 30 سبتمبر نداءً مشتركًا اعتبر استهداف «متصدقش» فصلًا جديدًا من فصول تصفية المجال العام، وطالب بوقف كل أشكال الملاحقة ضد طاقمها وإطلاق سراح جميع الصحفيين المحتجزين على خلفية عملهم في مصر، وارتفع عدد الموقعين على البيان لاحقًا إلى أكثر من ثمانين، بينها منظمات مصرية وقّعت من الداخل: المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، ومؤسسة حرية الفكر والتعبير، والجبهة المصرية لحقوق الإنسان، والمنبر المصري لحقوق الإنسان، ومركز النديم، والمفوضية المصرية للحقوق والحريات. وجاء ذلك بالتزامن مع إدانات متتالية: طالبت هيومن رايتس ووتش بالإفراج عن الستة ووصفت احتجازهم بمعزل عن العالم بأنه قد يرقى إلى الإخفاء القسري، وقالت منظمة العفو الدولية إن الصحفيين تعرضوا للاختفاء القسري وإن ما جرى ضربة قاسية لحرية التعبير، ودعت لجنة حماية الصحفيين إلى الإفراج الفوري عنهم وإسقاط أي اتهام ناجم حصرًا عن عملهم، وطالبت مراسلون بلا حدود التي وصفت الواقعة بأنها الأولى في مصر التي تضع غرفة أخبار كاملة خلف القضبان، والاتحاد الدولي للصحفيين، بالكشف عن أماكن الاحتجاز والإفراج الفوري. وفي الدائرة العربية وقّع اتحاد الصحفيين والصحفيات في لبنان والنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين ورابطة الصحفيين السوريين ونقابة الصحفيين الفلسطينيين ونقابة الصحفيين السودانيين بيانًا أعلنوا فيه تضامنهم مع النقابة المصرية وتحركاتها، وقالوا إن استهداف الصحفيين لا يمس العاملين في القطاع وحدهم بل يطال حق المجتمع في المعرفة.
وفي الداخل، سبق بيان الداخلية بساعات بيان وقّعه عشرات الصحفيين يطالب بالإفراج عن الزملاء الستة وضمان سلامتهم والكشف عن أماكنهم، ووصف بعضهم اتهام الإرهاب بأنه «التهمة المعلبة» التي تُلصق بكل من يعمل في صحافة مستقلة بعيدة عن التدخل الأمني، وقال عضو مجلس النقابة محمود كامل لوكالة فرانس برس إن الجريمة الوحيدة التي ارتكبها الموقوفون هي أداء عملهم بالبحث والتحليل وكشف الحقائق. وأصدر حزب الدستور بيانًا قال فيه إن حرية الصحافة ليست امتيازًا تمنحه السلطة بل حق دستوري أصيل وضمانة لحق المجتمع في المعرفة والمساءلة، وأعربت الحركة المدنية الديمقراطية في بيان عن قلقها البالغ من تصعيد غير مسبوق أدى إلى احتجاز فريق التحرير بأكمله، وأعلنت تضامنها مع موقف النقابة وبلاغ نقيبها وبيان المنصة.
وقالت لجنة حماية الصحفيين إن مصر تحتجز 25 صحفيًا، وهي ضمن الدول صاحبة الأعداد المرتفعة من الصحفيين المحتجزين في الشرق الأوسط، وتحتل المركز الثاني في ادعاءات التعذيب والضرب للصحفيين في السجون منذ 1992 بعد إيران وإسرائيل، بينما قدّرت المبادرة المصرية عدد الصحفيين المحتجزين على خلفية عملهم في مصر بستة وعشرين بعد هذه الحملة.
استهداف نوعي لا رد فعل
يقول المحامي الحقوقي حليم حنيش لزاوية ثالثة إن الهجمة الأمنية على صحفيي «متصدقش» الستة لم تكن رد فعل ظرفيًا أو وليدة انزعاج السلطة من مادة استقصائية بعينها، بل استهدافًا نوعيًا متعمدًا ومخططًا له يرمي إلى «تعطيل ماكينة العمل برمتها، وشلّ دورة الإنتاج، وتصفية صالة التحرير بالكامل، وليس مجرد ملاحقة فردية لصحفي غطى ملفًا ما». ويرى أن قراءته لخلفيات المداهمات تشير إلى أنها «ترجمة أمنية فورية وتلبية مباشرة لمضامين الخطاب الأخير لرئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي، الذي ركّز فيه على ما وصفه بمحاربة الشائعات والتشكيك في إنجازات الدولة»، وأن الإجراءات الأخيرة «إعلان حرب صريح على صحافة تدقيق المعلومات عمومًا في مصر».
ويضيف حنيش: «سعت الأجهزة الأمنية، التي لا يزال التعتيم يحيط بهوية أيٍّ منها تولى الضبط الفعلي وقرار الاحتجاز، إلى صناعة نموذج ردعي للمجال الإعلامي بأكمله؛ فقبضت على كامل طاقم المنصة الموجود داخل مصر خلال نحو 48 ساعة فقط، وأبقتهم رهن الإخفاء دون إفصاح عن مقار احتجازهم أو عرضهم على جهات التحقيق حتى بعد صدور بيان وزارة الداخلية». وعن لائحة الاتهامات والحملة الموازية، يقول إن لجوء الوزارة إلى سلاح «الاتهام بالانتماء لجماعة الإخوان المسلمين» وشنّ حملة تشهير ضد منصور «يعكس إفلاسًا دعائيًا مكررًا لم يعد ينطلي على أحد»، ويتابع: «القاصي والداني يعلم يقينًا أن عبد الرحمن منصور وصحفيي المنصة أبعد ما يكونون عن جماعة الإخوان. لقد غدت هذه التهمة السلاح الوحيد والمستهلك الذي تشهره السلطة لتجريد أي عمل صحفي مستقل أو تدقيقي من مشروعيته وشيطنته أمام الرأي العام».
ويلفت حنيش إلى أن خطورة ما حدث تكمن في أنه «لا يستهدف منصة واحدة لتنتهي القضية عندها، بل يستهدف مجتمع صحافة التحقق والمشتغلين به ككل في مصر، في مسعى لمنع أي فحص مستقل للبيانات والروايات الرسمية»، ويرى في الحراك الضاغط الذي شهدته الأيام الأخيرة ضرورة قصوى «لتوجيه رسالة لا لبس فيها للنظام وأجهزته، مفادها أن هذا المجتمع الصحفي والحقوقي له ظهير حقيقي ولن يترك وحيدًا، وأن لمثل هذه الانتهاكات كلفة وتبعات سياسية وحقوقية واضحة». ويشيد بالهبة النقابية الداعمة للزملاء، قائلًا إنه «لم يشهد تضامنًا بهذا الزخم والتنسيق بين الصحفيين منذ أربع سنوات على الأقل»، ويحث على استمرار هذا المسار وتصعيده بوصفه «الرافعة التي قد تُخفف وطأة المحنة عن الصحفيين المحتجزين، وحائط الصد والدرع الحامي لباقي مدققي الحقائق والصحفيين المستقلين الذين ما زالوا يمارسون عملهم خارج السجون تحت خطر الاستهداف والاعتقال».
من طائرة زامبيا إلى غرفة الأخبار كلها
تأسست «متصدقش» في أبريل 2018 منصةً لتدقيق الحقائق ومكافحة التضليل بتقنيات المصادر المفتوحة، وساهم في وضع لبناتها الأولى الصحفي الاستقصائي الراحل محمد أبو الغيط إلى جانب عبد الرحمن منصور، أحد مديري صفحة «كلنا خالد سعيد» إبان ثورة 25 يناير 2011، ويتابع صفحتها على فيسبوك أكثر من مليون شخص بينما يُحجب موقعها داخل مصر.
ولم تكن هذه المواجهة الأولى مع السلطة؛ ففي 19 أغسطس 2023 داهمت أجهزة الأمن منزل الزميل كريم أسعد في مدينة الشروق واحتجزته ثمانيًا وأربعين ساعة، بعد إجباره على مسح تحقيقات للمنصة كشفت تفاصيل شبكة التهريب والشخصيات المتورطة في قضية «طائرة زامبيا» الخاصة التي انطلقت من مطار القاهرة وضُبطت في لوساكا محملة بأموال وسبائك ومعدات أمنية، وأُخلي سبيله إثر ضغط من النقابة ومنظمات المجتمع المدني. وبعد تلك الواقعة، كما سبق، عرضت المنصة التقنين ولم تجد من يجيب.
يشير الانتقال من محاولة إسكات تغطية بعينها، كما جرى مع أسعد، إلى تفكيك صالة التحرير بأكملها واحتجاز طاقمها كاملًا، بحسب تقديرات حقوقية وصحفية، إلى انتقال الأجهزة الأمنية إلى مرحلة الحظر الكامل لمفهوم «تدقيق الحقائق» وفرض احتكار شامل للرواية الرسمية عبر تجريم المعلومة والتعامل مع التحقق المهني المستقل بوصفه تهديدًا للأمن القومي. وأول ورقة رسمية في القضية، التي وُلدت ليلة السبت باسم أبو عميرة ورقم 8083، تؤكد هذا الاتجاه بتهمتها الثانية: «نشر وإذاعة أخبار وبيانات كاذبة»، موجهة إلى صحفي كانت وظيفته اليومية تدقيق الأخبار الكاذبة. أما الخمسة الباقون فما زالوا حيث كانوا منذ ستة أيام: في مكان لا يعرفه محاموهم ولا نقابتهم ولا أسرهم، لم يُحدد لهم موعد تحقيق ولم تعترف جهة بوجودهم لديها، وكل ما تغير في وضعهم أن زميلهم خرج من الظلمة نفسها إلى قضية برقم، فصار المجهول الذي ينتظرونه معلوم الشكل: تهم ثلاث وحبس خمسة عشر يومًا. وتتابع هيئة الدفاع مواعيدهم ساعة بساعة، فيما يبحث مجلس النقابة في اجتماعه الطارئ بعد غد ما إذا كانت الوقفة تبقى في البهو أم تخرج إلى السلم.