عاملون بمكاتب التأهيل: 3080 جنيهًا وخصومات تأمين بلا تغطية واضحة

بعد إعادة هيكلة مكاتب التأهيل، يشكو عاملون من أجور متأخرة وخصومات تأمين وتكاليف عمل يدفعونها من جيوبهم، بينما تؤكد جهة الإشراف انتظام الصرف.
كولاج توضيحي لعاملين بمكاتب التأهيل الاجتماعي وملفات العمل
Picture of آية ياسر

آية ياسر

يعرض التقرير شهادات ومكاتبات جُمعت حتى أبريل 2026، في سياق إعادة هيكلة مكاتب التأهيل الاجتماعي.

في العام 2020 التحق علي عبدالسلام (اسم مستعار)، بالعمل كأخصائي اجتماعي في مكتب التأهيل الاجتماعي للأشخاص ذوي الإعاقة في أحد مراكز محافظة قنا، بعقد سنوي قابل للتجديد، نظير أجر أساسي يبلغ نحو 2500 جنيه، بالإضافة إلى الحوافز وبدل الانتقالات، ما جعله يقترب من 3200 جنيه.

وإثر قرار وزيرة التضامن الاجتماعي، الدكتورة مايا مرسي، بتشكيل لجان متابعة ميدانية لأعمال وشئون مكاتب التأهيل البالغ عددها، وقتئذٍ 232 مكتب تأهيل على مستوى الجمهورية، بجانب 150 هيئة تأهيلية، خلال جولات مقررة من أغسطس حتى الأول من أكتوبر 2024، وبحسب رواية علي، خضع هو وزملاؤه لاختبارات، وتم على إثرها اختيار الناجحين لتوقيع عقود جديدة في يناير 2025 يقول إنها نصّت على أجر وظيفي يتجاوز 4100 جنيه، مع وعود رسمية بتطبيق الحد الأدنى للأجور.

في ذلك الوقت كانت مكاتب التأهيل الاجتماعي لا تزال تُدار عبر الجمعيات الأهلية، والتي كانت تتلقى تمويلها، من صندوق الجمعيات، لكن في 13 يناير من العام 2025، تغيّرت الأوضاع بعد صدور قرار من الإدارة المركزية للأشخاص ذوي الإعاقة بوزارة التضامن الاجتماعي، بنقل مكاتب التأهيل الاجتماعي لدمجها داخل الإدارات الاجتماعية التابعة لها على مستوى الجمهورية، بدلًا من الجمعيات الأهلية.

وإثر إعادة الهيكلة انتقلت تبعية المكاتب إلى المؤسسة القومية لتنمية الأسرة والمجتمع، التي ترأس وزيرة التضامن الاجتماعي مجلس أمنائها. وهي مؤسسة أهلية مركزية مشهرة برقم 208 لسنة 1991، وليس هذا الرقم قانونًا لإنشائها. وبحسب تعريف مديرها التنفيذي بتاريخ المؤسسة، أُشهرت وفق قانون الجمعيات رقم 32 لسنة 1964، ثم عُدّل وضعها وفق قانون 84 لسنة 2002، ثم قانون تنظيم ممارسة العمل الأهلي رقم 149 لسنة 2019.

وسرعان ما صُدم علي بالواقع؛ فما يتقاضاه فعليًا لا يتجاوز 3080 جنيهًا، بعد خصومات تُدرج تحت بند “التأمينات”، ولكن حين حاول استخراج برنت تأمينات (بيان مدد الاشتراك)، اكتشف أن اسمه غير مسجل في منظومة التأمينات لدى الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي، وأن المستحقات لم تُسدّد، ليكتشف أن زملائه العاملين بمكاتب التأهيل يواجهون الأزمة نفسها، بحسب ما يروي لـ”زاوية ثالثة”.

بجانب ذلك يتحرك علي وزملاؤه ميدانيًا ضمن “اللجان المشتركة” مع القومسيون الطبي، لتقييم حالات الأشخاص ذوي الإعاقة، وتحديد استحقاقهم لكارت الخدمات المتكاملة، ويضطرون لزيارة حالات طريحة الفراش في منازلها، في قرى ومراكز متباعدة، على نفقتهم الخاصة بتكلفة قد تتجاوز 200 جنيه، دون صرف بدل انتقال، بحسب قوله.

في البداية، كان هو وزملاؤه يعتمدون على جهودهم الذاتية، أملاً في تنفيذ الوعود الحكومية، لكن مع مرور الوقت وزيادات الأسعار ومعدلات التضخم، بدأ العبء يتجاوز قدرتهم على الاحتمال، لذا اضطروا للتغيب عن المشاركة في اللجان المشتركة، خلال الأشهر الأخيرة، وبعضهم توقف فعليًا عن الحضور، نتيجة الضغط المالي، يحكي.

يقول: “العاملون يؤدون مهامهم داخل مقرات حكومية، ويوقعون في دفاتر رسمية، ويخضعون لإشراف إداري مباشر من الإدارة المركزية لشؤون الأشخاص ذوي الإعاقة، لكنهم لا يحصلون على حقوق الموظفين الحكوميين، ولا تنطبق عليهم قواعد القطاع الخاص أيضًا”.

ويضيف: ” ما نريده هو تطبيق الحد الأدنى للأجور، حتى لو لم نحصل على بدلات أو مستحقات متأخرة، نريد فقط أجرًا يتيح لنا الاستمرار”.

ورغم ذلك، يدرك علي حساسية عمله كأخصائي اجتماعي، الذي لا يقتصر على التقييم الفني، بل يمتد إلى الدعم النفسي للأشخاص ذوي الإعاقة، والذي يتطلب أن يكون متوازنًا نفسيًا لكن متطلبات الوظيفة تتناقض مع الضغوط التي يعيشها وهو عاجز عن تلبية احتياجات أسرته، شأنه شأن مئات العاملين في مكاتب التأهيل، منذ سنوات، الذين ينتظرون تصحيح أوضاعهم.

حين يدفع العامل تكلفة الخدمة

الأوضاع نفسها تعيشها هدى محمد التي تعمل أخصائية اجتماعية، منذ سبع سنوات في مكتب التأهيل الاجتماعي في إحدى قرى محافظة أسوان، ضمن فريق تقلّص عدده من 7 إلى 4 موظفين إثر عملية التقييم في 2024، وبعد خصم الاستقطاعات التأمينية يتقاضى جميعهم أجرًا لا يتجاوز 3080 جنيهًا، غالبًا ما يتأخر صرفه لنحو ثلاثة أسابيع، مما يجعلهم غارقين في دوامة الديون.

تتذكر هدى، وهي أم لثلاثة أطفال، أنه حين كانت مكاتب التأهيل تابعة للجمعيات الأهلية، كان صرف الرواتب أكثر انتظامًا، بجانب صرف بدل الانتقالات، وكانت احتياجات العمل الأساسية متوفرة، من أوراق وأدوات، وحتى متعلقات النظافة والبوفيه، التي بات الموظفون يشترونها على نفقتهم الخاصة، بعد نقل التبعية إلى المؤسسة القومية لتنمية الأسرة والمجتمع.

وبالتزامن تزايدت أعباء العمل الميداني؛ إذ لم يعد الأشخاص ذوو الإعاقات الشديدة يأتون إلى المكتب لتقييم حالاتهم، بل تذهب هدى وزملاؤها إلى منازلهم ضمن اللجان المشتركة مع القومسيون الطبي، وفي كل مرة، تتكبد نحو 200 جنيه تكلفة انتقالات، وتتكرر تلك الزيارات خمس أو ست مرات شهريًا، بحسب ما تؤكد لـ”زاوية ثالثة”.

تتلقى هدى راتبها دون موعد ثابت، قد يتأخر لأسابيع، كما حدث حين صُرف راتب مارس 2025 في 21 أبريل، ولا توجد حوافز، ولا مكافآت موسمية، ولا زيادات سنوية، ورغم خصم مبلغ ألف جنيه شهريًا تحت بند التأمينات، تؤكد أنها وزملاءها لم يحصلوا وقت حديثها على تغطية تأمينية صحية واجتماعية.

تقول: “رواتبنا تنفق على أجرة المواصلات، وتوفير مستلزمات العمل، ومصروفات تشغيل وخدمات نظافة المكتب الذي بات قائمًا على مساهماتنا نحن العاملين، بدلًا من مساهمات الجمعيات الأهلية والأهالي، وأحيانًا، نقترض لتغطية تكاليف العمل”.

وتقول هدى إن هذه الأوضاع تستمر رغم الإشراف الحكومي على العمل والتزام الموظفين بالقواعد الرسمية؛ فلا يحصلون، وفق شهادتها، على مزايا الموظفين الحكوميين في الأجور والتأمينات والاستقرار الوظيفي. وتطالب ببدل انتقال وتأمين صحي واجتماعي وتطبيق الحد الأدنى للأجور. وفي أبريل 2026 كانت الحكومة قد أعلنت رفع الحد الأدنى للعاملين بالدولة من 7000 إلى 8000 جنيه اعتبارًا من يوليو المقبل. لكن هذه الزيادة الحكومية لا تنطبق تلقائيًا على العاملين لدى مؤسسة أهلية؛ إذ قرر المجلس القومي للأجور حدًا أدنى للقطاع الخاص قدره 7000 جنيه اعتبارًا من مارس 2025، وفق قواعد احتساب الأجر في القرار.

وللمقارنة الدقيقة، فإن 3080 جنيهًا في شهادتي العاملين هو صافي ما يقولان إنهما يتقاضيانه بعد الخصومات، بينما يَرِد الحد الأدنى في القرار وفق تعريف قانوني للأجر. لذلك لا يجوز تقديم طرح الرقمين حسابيًا بوصفه قيمة مستحقات قضائية ثابتة، دون فحص مفردات الأجر والاشتراكات والعقود. وتظل الشكوى الأساسية هي انخفاض ما يصل إلى العاملين، وغياب الوضوح بشأن الخصومات والتغطية التأمينية.

ويقول العاملون الذين تحدثوا إلى «زاوية ثالثة» إن تدني الأجور وتأخرها وغياب البدلات والتغطية التأمينية ضاعف أعباءهم منذ أكثر من عام. ويقدّر التقرير عدد العاملين في هذه المكاتب بنحو 900 إلى ألف عامل، دون توافر حصر اسمي مستقل. أما عدد المكاتب، الذي ورد في إعلان الوزارة عام 2024 بواقع 232 مكتبًا، فيقدّره المصدر المسؤول الذي تحدث إلى التقرير بنحو 225 مكتبًا وقت إجراء المقابلة. وهي أعداد من مصادر وفترات مختلفة، ولا تكفي وحدها لتحديد مصير كل مكتب أو موظف.

وتنص شكوى تقدم بها عدد من العاملين بمكاتب التأهيل الاجتماعي للأشخاص ذوي الإعاقة، إلى وزير العمل المصري، حسن رداد، وفق النسخة التي حصلت عليها «زاوية ثالثة»، على أنهم يتقاضون بعد خصم التأمينات الاجتماعية 3080 جنيهًا، تصرف بصورة غير منتظمة، دون موعد محدد، ولم يطبق عليهم الحد الأدنى للأجور، بجانب إلزامهم بالمشاركة في اللجان المشتركة ولجان التظلمات دون صرف بدلات.

وتدّعي الشكوى أنه لم يتم تسديد التأمينات الاجتماعية الخاصة بهم، من قبل المؤسسة القومية لتنمية الأسرة والمجتمع، حتى تراكمت مديونياتهم للتأمينات، لتبلغ أكثر من 5 ملايين جنيه، وترتب على ذلك عدم استكمال إجراءات الاشتراك في التأمين الصحي، وذلك رغم خصم التأمينات شهريًا من جميع العاملين. وهذا مبلغ وارد في شكوى العاملين، وليس نتيجة مراجعة مستقلة لحسابات المؤسسة أو حكم قضائي بثبوت المديونية.

صورة شكوى تقدم بها عدد من العاملين بمكاتب التأهيل الاجتماعي إلى وزير العمل
صورة شكوى تقدم بها عدد من العاملين بمكاتب التأهيل الاجتماعي إلى وزير العمل

نقل التبعية والحرمان من التأمينات

وتذكر نسخة خطاب موجّه من عاملين بمكاتب التأهيل إلى وزيرة التضامن الاجتماعي مايا مرسي، حصلت عليها «زاوية ثالثة»، أن المكاتب كانت تتبع جمعيات أهلية ماليًا، وتخضع إداريًا لإشراف التأهيل الاجتماعي بالوزارة حتى يناير 2025، وأن معظم العاملين كانوا مؤمنًا عليهم. ويقول أصحاب الخطاب إنهم فوجئوا بحل الجمعيات وفصلهم من التأمينات رغم استمرارهم في العمل. ويظل وصف «حل الجمعيات» واردًا في شكواهم؛ أما خطاب إعادة الهيكلة المرفق فيتحدث تحديدًا عن سحب إسناد المكاتب من الجمعيات وإعادة إسنادها إلى المؤسسة، وهو إجراء لا يثبت بمفرده حل كل جمعية قانونًا.

وأضاف الخطاب أن موظفي مكاتب التأهيل لم يطبق عليهم الحد الأدنى للأجور ويتقاضون مكافآت شهرية قدرها 3 آلاف جنيه، تصرف لهم بشكل غير منتظم، مطالبًا بعودة التأمينات للعاملين وتطبيق الحد الأدنى للأجور، وتطبيق قانون العمل عليهم، ونقل تبعية مكاتبهم المالية والإدارية، للإدارة العامة لتأهيل ذوي الإعاقة بوزارة التضامن الاجتماعي.

صورة من خطاب رسمي، موجّه للدكتورة مايا مرسي، وزيرة التضامن الاجتماعي، من عدد من العاملين في مكاتب التأهيل الاجتماعي
صورة من خطاب رسمي، موجّه للدكتورة مايا مرسي، وزيرة التضامن الاجتماعي، من عدد من العاملين في مكاتب التأهيل الاجتماعي

وتشير مكاتبة متابعة صادرة عن الإدارة المركزية لشؤون الأشخاص ذوي الإعاقة بوزارة التضامن الاجتماعي إلى خطاب سابق مؤرخ في 13 يناير 2025، بشأن إعادة هيكلة مكاتب التأهيل ودمجها داخل الإدارات الاجتماعية التابعة للمديريات. وتعلل المكاتبة الخطة بتعزيز الحوكمة ورفع كفاءة الخدمات للأشخاص ذوي الإعاقة. والمستند المرفق يتضمن تفاصيل التنفيذ ومتابعة النقل، وليس دليلًا على سداد الاشتراكات أو صرف مستحقات العاملين.

وتضمن خطاب المتابعة مجموعة من الإجراءات التنفيذية، أبرزها: تحديد مقار جديدة مناسبة داخل الإدارات الاجتماعية (غرفتين بالدور الأرضي)، وإجراء زيارات ميدانية لتقييم جاهزيتها، على أن يتم نقل المكاتب إليها خلال مدة لا تتجاوز 15 يومًا، مع استثناء بعض المقار المملوكة للمديريات أو التابعة لمراكز التأهيل الشامل.

كما نص الخطاب على تشكيل لجان بالمديريات لاختيار فرق العمل بكل مكتب، بحد أقصى أربعة موظفين يتمتعون بالكفاءة والخبرة، وتضم مراجعًا وأخصائيًا اجتماعيًا أو نفسيًا وأخصائيًا مهنيًا وسكرتيرًا، وفق البدائل الواردة بالخطاب، مع إتاحة بدائل في حال نقص بعض التخصصات، على أن يتولى مدير الإدارة الاجتماعية الإشراف المباشر على المكتب.

وشمل الخطاب أيضًا سحب تبعية المكاتب من الجمعيات الأهلية وإعادة إسنادها إلى المؤسسة القومية لتنمية الأسرة والمجتمع، تمهيدًا للتعاقد مع العاملين المختارين، على أن تلتزم الوزارة بمتابعة عملية النقل فنيًا وإداريًا، إلى جانب تنظيم دورات تدريبية لرفع كفاءة العاملين وضمان جودة الأداء.

صفحتا خطاب متابعة إعادة هيكلة مكاتب التأهيل، بالإشارة إلى المكاتبة السابقة المؤرخة في 13 يناير 2025.
صفحتا خطاب متابعة إعادة هيكلة مكاتب التأهيل، بالإشارة إلى المكاتبة السابقة المؤرخة في 13 يناير 2025.
صفحتا خطاب متابعة إعادة هيكلة مكاتب التأهيل، بالإشارة إلى المكاتبة السابقة المؤرخة في 13 يناير 2025.
صفحتا خطاب متابعة إعادة هيكلة مكاتب التأهيل، بالإشارة إلى المكاتبة السابقة المؤرخة في 13 يناير 2025.

وكان خليل محمد خليل، رئيس الإدارة المركزية لشؤون الأشخاص ذوي الإعاقة بوزارة التضامن الاجتماعي، قد صرّح خلال الحلقة الأولى من بودكاست «هنا التضامن»، في يناير 2025، بأن الوزارة تعمل على إعادة هيكلة شاملة لمكاتب التأهيل، بعد إنهاء تبعية المكاتب للجمعيات الأهلية، موضحًا أنه اعتبارًا من يناير 2025 سيتم إسنادها إلى جهة مؤسسية تضمن انتظام صرف الرواتب للعاملين والالتزام بالحد الأدنى للأجور.

علاقات عمل ينظمها القانون

في تعليقه على الأزمة يشرح الدكتور عادل عامر، خبير القانون العام ومدير مركز المصريين للدراسات السياسية والقانونية والاجتماعية، أن العاملين بمكاتب التأهيل الاجتماعي للأشخاص ذوي الإعاقة لا يُعدّون من الموظفين التابعين للجهاز الإداري للدولة، بل يخضعون في وضعهم القانوني لمنظمات المجتمع المدني، باعتبارها كيانات تعمل في إطار القانون الخاص، وتسري عليهم أحكام قانون العمل رقم 14 لسنة 2025، وليس قانون الخدمة المدنية رقم 81 لسنة 2016 أو قانون نظام العاملين المدنيين بالدولة رقم 47 لسنة 1978، الذي أُلغي بقانون الخدمة المدنية، أو قانون شركات قطاع الأعمال العام رقم 203 لسنة 1991 وتعديلاته بالقانون رقم 185 لسنة 2020، لافتًا إلى أن مكاتب التأهيل نشأت في الأصل بصيغة تطوعية، قبل أن تتحول إلى عمل دائم بأجر.

وفيما يتعلق بشكاوى العاملين بشأن خصم اشتراكات تأمينية دون توريدها، يؤكد الخبير القانوني لـ”زاوية ثالثة”، ضرورة اتخاذ مسارين قانونيين متوازيين؛ أولهما التقدم بشكوى إلى مكتب التأمينات المختص، بما يتيح لمفتش التأمينات إجراء فحص ميداني للملفات استنادًا إلى سلطاته القانونية، للتحقق من مدى توريد الاشتراكات، أما المسار الثاني، فيتمثل في اللجوء إلى مكتب العمل المختص، لتقديم شكوى رسمية بشأن عدم تطبيق الحد الأدنى للأجور المنصوص عليه قانونًا.

ويتفق معه خالد الجمال، المحامي بالمركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، حول كون العاملين بمكاتب التأهيل يندرجون تحت مظلة قانون العمل رقم 14 لسنة 2025، باعتبار أن الجمعيات والمؤسسات الأهلية تُعامل ككيانات من القطاع الخاص، حتى وإن كانت تعمل بالتنسيق مع جهات حكومية، موضحًا أن صفة الموظف العام لا تنطبق عليهم، إذ ترتبط هذه الصفة بالخضوع لقانون الخدمة المدنية والعمل داخل وحدات الجهاز الإداري للدولة.

يقول لـ”زاوية ثالثة”: “خضوع العاملين لقانون العمل يترتب عليه حقهم في المطالبة بتطبيق الحد الأدنى للأجور، وفق القرارات المنظمة في القطاع الخاص، ومن حقهم اللجوء إلى القضاء والمطالبة بالفروق المالية حال عدم الالتزام بتطبيق الحد الأدنى عليهم”.

ويشدد الجمال على أن عدم توريد الاشتراكات التأمينية، رغم خصمها من أجور العاملين، إذا ثبت، يمثل مخالفة جسيمة قد ترتب مسؤولية قانونية وجنائية على الجهة المسؤولة، خاصة إذا استمر الوضع لفترة زمنية ممتدة ونتجت عنه مديونيات كبيرة، مشيرًا إلى أن عدم سداد الاشتراكات يؤثر مباشرة على المدد التأمينية للعاملين، بما يهدد حقوقهم المستقبلية في المعاش والتأمينات الاجتماعية.

ويلفت المحامي الحقوقي إلى أن غياب التأمينات حتى الآن يثير تساؤلات حول الوضع القانوني الحقيقي لهؤلاء العاملين، ويعكس خللًا أو غموضًا في الإطار التعاقدي، يتطلب الاطلاع على العقود الجديدة المبرمة بعد نقل التبعية، لتحديد الطبيعة القانونية للعلاقة بدقة والإطار القانوني الذي يحكمها.

ويوضح أن تحديد الجهة الملزمة بسداد التأمينات وتطبيق الحد الأدنى للأجور يرتبط مباشرة بطبيعة التعاقد. أما غياب العقود أو عدم تسليمها للعاملين، كما يقول الموظفون الذين تحدثوا إلى «زاوية ثالثة»، فيصعّب التوثيق واتخاذ الإجراءات وتسوية الأوضاع، بحسب رأيه، لكنه لا يُسقط حق العامل في إثبات علاقة العمل بطرق الإثبات المقررة قانونًا.

وينص قانون العمل على تحرير العقد وتسليم نسخة للعامل، ويتيح عند غياب العقد المكتوب إثبات علاقة العمل ومدتها والحقوق الناشئة عنها بطرق الإثبات المختلفة. وقد بدأ العمل بالقانون رقم 14 لسنة 2025 في سبتمبر 2025؛ أما الفترات السابقة فتُراجع وفق التشريعات والقرارات التي كانت نافذة خلالها. وهذا التفريق الزمني مهم عند المطالبة بفروق أجور أو اشتراكات عن سنوات مختلفة.

عقود محددة المدة

كشف مصدر مسؤول بالإدارة المركزية لشؤون الأشخاص ذوي الإعاقة بوزارة التضامن الاجتماعي، لـ”زاوية ثالثة”، عن كون مكاتب التأهيل لا تتبع الجهاز الإداري للدولة بشكل مباشر، وإنما تُدار من خلال منظومة العمل الأهلي، حيث تُسند إدارتها إلى المؤسسة القومية لتنمية الأسرة والمجتمع، باعتبارها الجهة المنوط بها الإشراف على تشغيل تلك المكاتب بالتعاون مع الجمعيات الأهلية.

ويوضح المصدر الذي رفض ذكر اسمه، أن العاملين بمكاتب التأهيل يرتبطون بعقود محددة المدة، تحكمها شروط واضحة يتضمنها التعاقد، وعلى رأسها الأجر، نافيًا أن يكون جرى تثبيتهم لكون هذا المصطلح يقتصر على التعيين داخل الجهاز الإداري للدولة وفق ضوابط معقدة تتعلق بالدرجات الوظيفية والموازنة العامة.

يقول: “الإطار القانوني الحاكم لهؤلاء العاملين هو قانون تنظيم ممارسة العمل الأهلي رقم 149 لسنة 2019، مع الاستعانة ببعض أحكام قانون العمل رقم 14 لسنة 2025 في المسائل الإجرائية مثل الإجازات والجزاءات”.

ويضع قانون تنظيم ممارسة العمل الأهلي رقم 149 لسنة 2019 ولائحته التنفيذية إطار إدارة الجمعيات والمؤسسات، بما فيه تنظيم مواردها وعمل مجالس إدارتها والعاملين لديها. وتَرِد فيه ضوابط للجمع بين عضوية مجلس الإدارة والعمل بأجر، واستثناءات وشروط لا يصح تعميمها بوصفها ترخيصًا مفتوحًا للجمع بين الوظائف. كما أن سلطة الجهة الأهلية في تحديد أجور العاملين وإدارة ميزانيتها لا تعني إعفاءها تلقائيًا من الالتزامات المقررة في تشريعات العمل والتأمينات؛ ويقتضي حسم النزاع تحديد صاحب العمل والعقد والعمل المؤدى فعليًا.

وفيما يتعلق بالأجور، يقول المصدر إن صرف الرواتب يتم بانتظام شهريًا دون تأخير، خلال الفترة من منتصف الشهر وحتى يوم 20، لافتًا إلى أن أي تأخيرات قد تطرأ في بعض الحالات تكون مرتبطة بإجراءات داخل الجمعيات وليس بوزارة التضامن، مشيرًا إلى أن جهة الصرف واحدة، والعاملين يتقاضون مستحقاتهم بشكل دوري.

وبشأن شكاوى تحمل نفقات الانتقالات خلال اللجان المشتركة والعمل الميداني، أوضح أن هذه المسائل تندرج ضمن إجراءات تنظيمية داخلية، ويتم التعامل معها إداريًا، مؤكدًا أنه لا يتم تكليف أي عامل بمهام دون توفير مستحقاته المالية، معتبرًا أن أي إشكالات في هذا السياق تكون مؤقتة ومرتبطة بآليات الصرف أو مراجعة المستندات، خاصة في ظل التعامل مع بيانات واردة من مختلف المحافظات.

ويؤكد المصدر أن عدد مكاتب التأهيل على مستوى الجمهورية يبلغ نحو 225 مكتبًا، معتبرًا أن أي مطالبات أو اعتراضات من العاملين بها يجب أن تُطرح في إطار العلاقة التعاقدية، بما يضمن بحثها وفق الإمكانيات المتاحة، مع احتفاظ العامل بحق الاستمرار أو إنهاء التعاقد حال عدم التوافق مع شروط العمل.

بدورها تؤكد الدكتورة إيمان كريم، المشرفة العامة على المجلس القومي للأشخاص ذوي الإعاقة، أن مكاتب التأهيل الاجتماعي للأشخاص ذوي الإعاقة تتبع وزارة التضامن الاجتماعي، ولا تدخل ضمن الاختصاص المباشر للمجلس، وأن الملفات المرتبطة بأوضاع العاملين أو الجوانب الإدارية والمالية، بما في ذلك الأجور والتأمينات، تندرج تحت مسؤولية الجهات التنفيذية المعنية داخل الوزارة والهيئات التابعة لها.

وتوضح لـ”زاوية ثالثة” أن دور المجلس يتركز في تلقي الشكاوى الفردية وفحصها، ثم إحالتها إلى الجهات المختصة ومتابعة الردود عليها، وفي حال ورود شكاوى تتعلق بالتأمينات أو الاستحقاقات المالية، يتم التنسيق مع الجهات المختصة التي تتولى فحص كل حالة على حدة، والرد سواء بإثبات الاستحقاق أو نفيه وفقًا للإجراءات القانونية.

وفيما يتعلق بإمكانية تأثر جودة الخدمات المقدمة للأشخاص ذوي الإعاقة بأوضاع العاملين، ترى المشرفة العامة أن القطاع قد يشهد تحديات في بعض الحالات، لكنها تختلف من حالة إلى أخرى، ولا يمكن تعميمها دون توفر بيانات دقيقة أو رصد مؤسسي موثق.

وتكشف الشهادات والشكاوى التي جُمعت لهذا التقرير، في مقابل رد المصدر المسؤول، عن خلاف حول انتظام الأجور وسداد التأمينات وتحمّل تكاليف العمل بعد إعادة الهيكلة. ولا يكفي العمل داخل مقر حكومي لحسم الصفة الوظيفية، كما لا تكفي تسمية المقابل «مكافأة» أو إسناد الإدارة إلى مؤسسة أهلية لإغلاق السؤال عن الحقوق. وبين نقل التبعية وتعدد مستويات الإشراف، يقول العاملون إن غياب الاستقرار المالي والتأميني يهدد قدرتهم على مواصلة خدمات يعتمد عليها أشخاص ذوو إعاقة وأسرهم.

وبينما تتواصل الشكاوى وتُحال بين الجهات، يظل حل الأزمة مرهونًا بحسم الإطار القانوني للعاملين، وضمان شفافية التعاقدات، وتطبيق القوانين المنظمة للأجور والتأمينات.

آية ياسر
صحافية وكاتبة وروائية مصرية حاصلة على بكالوريوس الإعلام- جامعة القاهرة.

Search