في 6 يوليو 2026، نقلت «العربية Business» عن مصدر بشركة الظاهرة الإماراتية أنها زادت توريد القمح المزروع في مصر للحكومة إلى 45 ألف طن خلال الموسم، بقيمة 750 مليون جنيه. وأعلنت استصلاح ألف فدان إضافية ضمن أراضيها في توشكى، في إطار نشاط أوسع للاستثمار الزراعي داخل البلاد. وتفتح هذه الأرقام نقاشًا يتجاوز حجم المحصول إلى شروط الانتفاع بالأرض والمياه، والعائد الذي تحصل عليه مصر مقابل إتاحة هذه الموارد.
وتقدم «الظاهرة» نفسها باعتبارها أحد أكبر موردي القمح من القطاع الخاص للحكومة المصرية. لكنها ظلت أيضًا طرفًا في جدل حول تخصيص الأراضي وتسعيرها، شمل دعاوى ومطالب بإبطال تعاقداتها في توشكى، التي تضمنت سعرًا يبلغ 50 جنيهًا للفدان. ثم أضيف إلى هذا التاريخ اتفاق تمويل لتوريد القمح والسلع الأساسية إلى مصر، أُعلن عام 2023 بسقف يصل إلى 500 مليون دولار على خمس سنوات. غير أن جمع هذه الوقائع في قصة واحدة يقتضي الفصل بين الإنتاج المحلي ونشاط الاستيراد.
وأثار حضور الشركة في التوريد تساؤلات لدى خبراء اقتصاد عن جدوى المشروع وشروطه، خصوصًا مع تداول تصور أن القمح المزروع على الأراضي المصرية يُباع للحكومة بالدولار. لكن المصادر التي راجعها التقرير لا تثبت أنها تستحوذ على أغلبية مشتريات الحكومة، ولا تسند تطبيق عملة اتفاق الاستيراد على إنتاج مزارعها المصرية. فهما نشاطان مختلفان، حتى عندما تؤدي الشركة دورًا في كليهما.
وأكد مصدر الشركة، في تقرير «العربية Business»، أن قمح مزارعها المصرية يورّد بالجنيه المصري وبالسعر الرسمي. ونشر الخبير الاقتصادي هاني توفيق كذلك توضيحًا على «فيسبوك» تحت عنوان «حق الرد»، يعرض رد الشركة بشأن استثماراتها وتشغيل المصريين وتوريد القمح بالسعر الرسمي. ويظل التفريق بين هذا الرد وبين تقييم شروط الاستثمار ضروريًا: تصحيح معلومة عملة التوريد لا يغلق النقاش حول الأرض والمياه والعائد العام.
أما الاتفاق الآخر، فأعلنه مكتب أبوظبي للصادرات «أدكس» في أغسطس 2023: تمويل دوار بقيمة 100 مليون دولار، مع تجديد سنوي مخطط له لخمس سنوات، بإجمالي يصل إلى 500 مليون دولار، لتيسير شراء القمح والسلع الأساسية عبر «الظاهرة». وفي 26 أغسطس 2026، أعلنت الشركة توقيع اتفاق التنفيذ مع «أدكس» والهيئة العامة للسلع التموينية، وحددت موضوعه بأنه توريد القمح المستورد. وتصف القيمة سقف البرنامج، لا مبلغًا ثبت صرفه بالكامل، ولا ثمن محصول الأراضي المصرية. ويظل السؤال المشروع هو شروط تمويل الاستيراد وعلاقته بسياسة زيادة الإنتاج المحلي.
البداية من توشكى.. 50 جنيهًا للفدان
ارتبط توسع الشركة الإماراتية في مصر بمشروع توشكى، حيث خُصصت لها 100 ألف فدان بسعر 50 جنيهًا للفدان، وفق الوقائع التي استند إليها الطعن القانوني المعلن عام 2011. وفي السنوات التالية، استمر الجدل بشأن إجراءات التخصيص وتسعير الأرض، قبل أن تتقلص المساحة التي تحتفظ بها الشركة في المشروع بعد سحب أكثر من 62 ألف فدان منها. ونقلت تقارير عن مصادر بالمشروع أن السحب ارتبط بعدم الالتزام بالجدول الزمني للاستصلاح والزراعة، وهي مسألة تختلف عن إثبات نتيجة الدعوى القضائية.
المشروع الذي أطلقته الدولة في جنوب الوادي خلال تسعينيات القرن الماضي، كان أحد أكبر مشروعات التوسع الزراعي والعمراني خارج الوادي والدلتا، واستهدف استصلاح مئات الآلاف من الأفدنة ونقل جزء من النشاط الزراعي إلى المناطق الصحراوية، وأنفقت الدولة استثمارات كبيرة على البنية الأساسية للمشروع، بما في ذلك محطات الرفع وشبكات المياه والقنوات والأعمال الصناعية، قبل إسناد مساحات واسعة منه إلى شركات استثمارية مصرية وخليجية.
ويعتمد المشروع على نقل المياه من بحيرة ناصر إلى الأراضي المستصلحة عبر شبكة من القنوات ومحطات الرفع، ومع إعادة إحياء المشروع وتوسع الاستثمار فيه، أصبحت أجزاء كبيرة من الأراضي موزعة بين شركات ومؤسسات مختلفة، من بينها شركات مرتبطة بالاستثمار الخليجي.
ونقلت شبكة «سيادة»، في تقرير منشور في فبراير 2020، عن تقرير للجهاز المركزي للمحاسبات صدر عام 2014، مقارنة بين سعر بيع بلغ 50 جنيهًا للفدان في بعض تعاقدات توشكى وتقدير سوقي بلغ 11 ألف جنيه. لم تتوافر للتقرير نسخة مستقلة من الوثيقة الرقابية الأصلية، ولذلك تُنسب المقارنة إلى هذا النقل الصحفي، ولا تُعرض كتقييم حالي للأرض. ويتصل بها سؤال توزيع الكلفة: البنية الرئيسية التي تمولها الدولة، مقابل الاستصلاح الداخلي وشبكات الري والصرف ومحطات الرفع التي يتحملها المستثمر داخل أرضه.
وفي أبريل 2011، أعلن المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية دعوى للطعن في العقد، مستندًا إلى فتوى صادرة عن الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع بمجلس الدولة في 9 فبراير من العام نفسه. وهذه فتوى وتحرك قضائي للطعن، وليسا في حد ذاتهما حكمًا نهائيًا ببطلان العقد أو دليلًا على استرداد كامل المساحة بموجب حكم. ولم يعثر التقرير ضمن مصادره على نسخة حكم نهائي تحسم مآل الدعوى.
وتركز اعتراض المركز على سعر الأرض وإجراءات التعاقد ومدى توافقها مع قانون المناقصات والمزايدات رقم 89 لسنة 1998، وحدود ملكية الأراضي الصحراوية وفق القانون 143 لسنة 1981. كما أعلن تقديم البلاغ 6525 لسنة 2011 بشأن شبهة إهدار المال العام وتسهيل الاستيلاء عليه. وتبقى هذه اتهامات أصحاب البلاغ، لا إدانة قضائية ثابتة للمسؤولين أو الشركة.
وفي يناير 2020، ذكرت جريدة «المال»، استنادًا إلى منشور رسمي قالت إنها حصلت عليه، أن الحكومة سحبت أواخر 2019 نحو 62.448 ألف فدان من المساحة المخصصة للشركة في توشكى، لتبقى نحو 37.552 ألف فدان. ونقلت عن مصادر بالمشروع ارتباط القرار بتأخر الاستصلاح. ويجب التمييز بين هذا الإجراء الإداري ومآل التقاضي السابق؛ كما أن تغيّر مساحة توشكى وحدها لا يحدد إجمالي أراضي الشركة في المناطق الأخرى.
رغم تقلص المساحة الأصلية في توشكى، واصلت الشركة نشاطها في مناطق أخرى. وفي بيان أصدرته في نوفمبر 2024، أعلنت أن محفظتها في مصر تبلغ نحو 67 ألف فدان، بينها أكثر من 40 ألف فدان مروية، موزعة على أربع مزارع في توشكى وشرق العوينات والصالحية. وهذه بيانات تعلنها الشركة في تاريخ محدد، وليست حصرًا مستقلًا لملكياتها أو المساحات المزروعة بالقمح في موسم 2026.
وقالت الشركة إنها استثمرت أكثر من 250 مليون دولار في مصر منذ بدء نشاطها، في مشروعات لاستصلاح الأراضي وتطوير الزراعة الحديثة، كما أنشأت محطة للطاقة الشمسية بقدرة 20 ميجاوات.
الإمارات تزرع لنا
وفي فبراير 2022، نقلت صحيفة «البيان» عن وزير الزراعة المصري آنذاك السيد القصير أن الاستثمارات الإماراتية في الإنتاج الزراعي بمصر تتجاوز 7 مليارات دولار. وهو تصريح يعود إلى ذلك التاريخ، وليس إحصاءً جديدًا لعام 2026؛ كما لا يكشف الرقم الإجمالي وحده توزيع الأموال بين شراء أصول قائمة واستصلاح أراضٍ جديدة أو تجهيزها أو تمويل التجارة.
ولا تتوافر في المصادر التي راجعها التقرير قاعدة رسمية حديثة جامعة لمساحات الشركات الخليجية. ونقل موقع «مصر 360»، في أغسطس 2026، تقديرات مستقلة بنحو 450 ألف فدان للشركات الخليجية، منها 306 آلاف فدان لشركات إماراتية، مع حضور سعودي في المساحات المتبقية. لكن هذه الأرقام لا يصحبها في المصدر كشف تفصيلي موحّد يميز التملك من الإيجار والتخصيص أو يحدد تاريخ كل مساحة؛ ولذلك لا تصلح وحدها لحساب حصة راهنة مؤكدة من الأراضي الزراعية المصرية.
وتزرع «الظاهرة» القمح والذرة وبنجر السكر والأعلاف ومحاصيل أخرى. وفي بيان نوفمبر 2024، وصفت نفسها بأنها أكبر منتج خاص للقمح في مصر خلال السنوات الثلاث السابقة، وقالت إنها وردت 450 ألف طن من القمح إلى الصوامع الحكومية منذ بدء نشاطها، وقدّرت أثر ذلك في فاتورة الاستيراد بأكثر من 250 مليون دولار. كما أعلنت إنتاج أكثر من 300 ألف طن من الذرة وبنجر السكر. وفي منشور آخر، تحدثت عن توريد أكثر من 470 ألف طن من بنجر السكر والذرة خلال خمس سنوات. وهذه إفصاحات للشركة ذات نطاقات زمنية ومحاصيل مختلفة، فلا تُجمع كحصيلة موسم واحد، ولا يُستبدل بنجر السكر بالسكر المصنّع عند وصف الإنتاج.
وتشمل الاستثمارات الإماراتية أيضًا «إن آر تي سي فود القابضة»، التي استحوذت على مزارع الهاشمية بوادي النطرون. ويحدد موقع الشركة مساحة المجمع بنحو 10 آلاف أكر، مع زراعة نحو 70% منها. ووحدة «الأكر» الواردة في المصدر ليست الفدان المصري، ولذلك لا تُنقل المساحة باعتبارها 10 آلاف فدان من دون تحويل معلن. كما أن نسبة المساحة المزروعة لا تعني أن الباقي متاح فورًا لمحصول بعينه، ولا تحدد وحدها معدل استغلال المياه.
وتذكر الشركة أن المجمع يضم أكثر من مليوني شجرة مثمرة، وأن طاقته الإنتاجية تصل إلى 70 ألف طن سنويًا. وتشمل المحاصيل المعلنة الموالح والمانجو والعنب والزيتون والتمور والقمح وبنجر السكر، مع نظم ري محوري وطاقة شمسية. لذلك لا يصح القول إن المحفظة تخلو من القمح، ولا اعتبار الطاقة القصوى إنتاجًا فعليًا تحقق كل عام. وتوضح هذه المحفظة تنوع أغراض الاستثمار بين الفاكهة ومحاصيل أخرى، بدل اختزاله في توريد الحبوب.
وتبرز «جنان» مثالًا آخر على تغير خيارات المستثمر الزراعي. ففي تصريحات منشورة في نوفمبر وديسمبر 2013، تحدثت الشركة عن التحول من أعلاف الماشية إلى القمح في مصر، بعد خسائر نشاط الأعلاف وبتوجيه من أبوظبي. وتشير تقارير أحدث إلى أنشطتها في الزيتون والتمور والأعلاف في المنيا وشرق العوينات، لكن التقرير لم يتحقق من حصر حديث مستقل لمحاصيلها ومساحاتها. ويبين المثال التاريخي أن قرار المحصول قد يتغير بحسب الربحية والتوجيه الاستثماري، وأن إعلان تحول في سنة لا يثبت استمراره بالكيفية نفسها حتى اليوم.
يرى الباحث الاقتصادي محمد رمضان أن تقييم دور شركة “الظاهرة” في قطاع القمح المصري يحتاج إلى النظر إلى حجم إنتاجها مقارنة بإجمالي احتياجات الدولة، موضحًا أن الكميات التي تعلن الشركة توريدها للحكومة تظل محدودة مقارنة بحجم الاستهلاك المحلي.
ويوضح رمضان لـ«زاوية ثالثة» أن إنتاج شركة واحدة، حتى إن كانت من أكبر الموردين المحليين، لا يحسم معادلة الاكتفاء الذاتي. ولتحديد حجم الاحتياجات، ينبغي التمييز بين إجمالي الاستهلاك والواردات واحتياجات الخبز المدعوم؛ فهذه ليست أرقامًا بديلة للمؤشر نفسه. وقدّر تقرير وزارة الزراعة الأميركية الصادر في مارس 2026 الاستهلاك المصري بنحو 20.3 مليون طن في الموسم التسويقي 2026/2027، وهو أوسع كثيرًا من احتياجات منظومة الخبز المدعوم وحدها.
ويضيف أن وجود شركات استثمارية أجنبية تزرع القمح في مصر يمكن أن يكون أمرًا إيجابيًا من الناحية الاقتصادية، إذا كان النشاط موجّهًا بالفعل إلى إنتاج محصول استراتيجي تحتاج إليه الدولة، لكن القضية الأهم، في رأيه، تتعلق بكيفية استخدام الموارد المائية المحدودة، وما المحاصيل التي تُزرع بهذه المياه.
ويقول “رمضان” إن مصر تواجه أزمة متزايدة في الموارد المائية، في ظل انخفاض نصيب الفرد من المياه إلى ما دون خط الفقر المائي، بالتزامن مع النمو السكاني وثبات الموارد المائية المتاحة تقريبًا، وهو ما يجعل تحديد أولويات استخدام المياه في الزراعة مسألة اقتصادية واستراتيجية بالغة الأهمية.
ويشير إلى أن تقييم الاستثمارات الزراعية لا ينبغي أن يقتصر على مساحة الأراضي التي تسيطر عليها الشركات أو حجم الإنتاج، وإنما يجب أن يشمل طبيعة المحاصيل المزروعة واستهلاكها للمياه والعائد الاقتصادي والاجتماعي الناتج عنها.
ويلفت رمضان إلى اتساع المساحات التابعة لـ«الظاهرة» في مناطق مثل توشكى، ويطرح سؤالًا عن المحاصيل المزروعة في بقية الأراضي إلى جانب القمح، وما يستهلكه كل منها من مياه. لكن لا يمكن استنتاج إنتاجية القمح بقسمة كمياته على جميع الأراضي المعلنة للشركة؛ فالمحفظة تضم محاصيل ومناطق مختلفة، وقد تشمل أرضًا غير مزروعة أو دورات زراعية متعددة. وتحتاج الإجابة إلى بيانات مساحة القمح نفسه، وموسمه وإنتاجه واستهلاكه للمياه.
ويضيف أن الأمر لا يقتصر على “الظاهرة”، وإنما يمتد إلى عدد من الاستثمارات الزراعية الخليجية الأخرى، مشيرًا إلى أن جزءًا من هذه الأراضي قد يُستخدم في زراعة محاصيل موجهة للتصدير مثل البرسيم الذي يستهلك كميات كبيرة من المياه، وهو أمر يرتبط، في تقديره، بحسابات الربحية الاقتصادية للمستثمر.
ويوضح أن القمح ليس من المحاصيل ذات الجاذبية الكبيرة للمستثمر عندما يكون الهدف هو التصدير، مقارنة بمحاصيل أخرى تحقق عائدًا أعلى في الأسواق الخارجية، وهو ما قد يفسر توجه بعض الاستثمارات الزراعية نحو محاصيل تصديرية بدلًا من المحاصيل الاستراتيجية.
ويقول “رمضان” إن هذه المسألة تكشف عن إشكالية أوسع في نموذج الاستثمار الزراعي في مصر، تتمثل في التوفيق بين هدف جذب الاستثمار وتحقيق أهداف الأمن الغذائي، مضيفًا أن الدولة تحتاج إلى وضع سياسات أكثر وضوحًا بشأن نوعية المحاصيل التي تستهدف زراعتها في الأراضي الجديدة، خصوصًا في ظل ندرة المياه.
أين تعهدات الاكتفاء الذاتي؟
تُعد مصر من أكبر مستوردي القمح عالميًا، لكن تقدير فاتورة الاستيراد يتطلب تحديد السنة والكميات والأسعار ونطاق البيانات، ولا يمكن تثبيت نطاق دولاري باعتباره فاتورة سنوية دائمة. وفي 5 مايو 2026، قال وزير الزراعة علاء فاروق لرويترز إن الحكومة تستهدف الاكتفاء من القمح المستخدم في إنتاج الخبز المدعوم بحلول 2028. وذكر التقرير أن مشروع موازنة 2026/2027 يقدّر احتياجات هذه المنظومة بنحو 8.6 ملايين طن. هذا الهدف يخص الخبز المدعوم، ولا يعني إنهاء استيراد كل القمح المستخدم في مصر.
وبحسب رويترز، يأتي موعد 2028 بعد هدف سابق لعام 2027 أعلنه رئيس جهاز مستقبل مصر بهاء الغنام في مايو 2025. ويخص تأجيل الموعد المقارنة بين التصريحين وتاريخهما، فلا يصح إسقاطه على خبر أقدم بوصفه كان يعرف مسبقًا الإعلان الأحدث. كذلك ينبغي الحفاظ على نطاق الهدف، أي قمح منظومة الخبز المدعوم، عند الحديث عن أي من الموعدين.
وشهدت منظومة شراء الحبوب تغيرًا في أواخر 2024، مع انتقال دور رئيسي في الاستيراد الحكومي إلى جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة. لكن ذلك لا يعني أن كل واردات البلاد أصبحت حكومية، ولا أن الهيئة العامة للسلع التموينية اختفت من التعاقدات. فإعلان «الظاهرة» في أغسطس 2026 ما زال يسمي الهيئة طرفًا مشتريًا في اتفاق القمح المستورد، بما يقتضي التمييز بين إدارة الشراء والجهة المتعاقدة والقطاع الخاص.
وتختلف أرقام الواردات باختلاف تاريخ التقدير والفترة المرجعية. فقد أوردت «العربية Business» في 30 ديسمبر 2025 نحو 13.2 مليون طن لذلك العام، مقارنة بنحو 14.2 مليون طن في 2024. وفي المقابل، تستخدم تقارير وزارة الزراعة الأميركية مواسم تسويقية تمتد عبر سنتين؛ وفي تحديث 28 سبتمبر 2026، قدّرت واردات موسم 2026/2027 بنحو 12 مليون طن. ولا يجوز التعامل مع رقم سنة ميلادية ورقم موسم تسويقي كأنهما سلسلة متجانسة، أو وصف التوقع الموسمي بأنه نتيجة نهائية مكتملة.
وفي حديث سابق نشرته «زاوية ثالثة» في 4 فبراير 2026، قال الدكتور نادر نور الدين، المستشار السابق لوزير التموين، إن جهاز مستقبل مصر يشرف على استيراد القمح المخصص لمنظومة التموين والخبز المدعوم، مقدرًا هذه الحصة بنحو خمسة ملايين طن سنويًا، مقابل أكثر من 7.5 مليون طن يغطيها القطاع الخاص لاحتياجات السوق. وتُنقل هذه التقديرات في سياقها الزمني، ولا تُقدّم بوصفها حصيلة جمركية جديدة أو حصرًا لكل تعاقد قائم.
وكان تقرير «زاوية ثالثة» السابق قد تناول جهاز مستقبل مصر بوصفه كيانًا حكوميًا أنشئ بالقرار الجمهوري 591 لسنة 2022، برئاسة بهاء الغنام، ودوره في استصلاح الأراضي واستيراد السلع والإنتاج الغذائي ومشروعات أخرى. ويتصل النقاش هنا باتساع دوره وآليات الشراء والتوريد وشفافية البيانات، وليس بافتراض أن شركة خاصة أو جهة حكومية واحدة تتحكم في كل القمح المستهلك في البلاد.
لماذا لا نزرع قمحنا؟
يقول الدكتور خالد عياد، الأستاذ بمركز البحوث الزراعية، لـ”زاوية ثالثة”، إن زراعة القمح في مصر قادرة من الناحية الفنية على تحقيق مستويات مرتفعة من الإنتاج المحلي، مشيرًا إلى أن التوسع في زراعة المحاصيل الاستراتيجية، وفي مقدمتها القمح، ينبغي أن يكون جزءًا أساسيًا من سياسة الدولة الزراعية والغذائية.
ويوضح أن الاستثمارات الأجنبية في القطاع الزراعي يمكن أن تكون مفيدة إذا ارتبطت بشروط واضحة تضمن توجيه الأراضي الزراعية نحو المحاصيل التي تحتاج إليها الدولة، معتبرًا أن إسناد مساحات من الأراضي إلى شركات استثمارية لا يمثل مشكلة في حد ذاته، ما دام هناك التزام واضح بتوريد الإنتاج المحلي إلى الدولة وتلبية جانب من احتياجات السوق المصرية.
ويشير إلى أن هناك سوابق لاستثمارات أجنبية في القطاع الزراعي المصري حققت نتائج إيجابية، خصوصًا في مجال زراعة الموالح والمحاصيل المخصصة للتصدير، وساهمت في رفع جودة الإنتاج المصري وتعزيز قدرته على المنافسة في الأسواق العالمية. لكنه شدد على ضرورة أن تتضمن عقود استغلال الأراضي اشتراطات مرتبطة بالأمن الغذائي، بحيث لا يقتصر دور المستثمر على الإنتاج التصديري، بينما تظل الدولة معتمدة على استيراد المحاصيل الاستراتيجية التي يمكن إنتاجها محليًا.
ويلفت عياد إلى تجارب مصر في رفع إنتاج القمح، ويرى أن الوصول إلى مستويات أعلى من الاكتفاء ممكن، وأن العائق ليس فنيًا أو زراعيًا فقط، بل يرتبط بسياسات السوق والاستيراد والتوريد. وتضمن حديثه تقديرًا بأن مصر اقتربت سابقًا من الاكتفاء الذاتي، لكن من دون تحديد سنة أو سلسلة إحصائية تسمح بتثبيت هذه المقارنة؛ ولذلك يُعرض بوصفه تقييمه للإمكانات والتجربة، لا حقيقة تاريخية محسومة عن إجمالي استهلاك البلاد.
ويوضح أن الدولة تمتلك إمكانات زراعية تسمح بالتوسع في إنتاج القمح، فضلًا عن وجود أصناف يمكنها تحمل درجات مرتفعة من الملوحة، وهو ما يفتح المجال أمام استغلال مساحات جديدة من الأراضي، مؤكدًا أن تعميم هذه التجارب وتوسيع نطاق زراعة الأصناف الملائمة للظروف المصرية يمكن أن يدعم هدف الاكتفاء الذاتي.
وتبقى جدوى التوسع مرتبطة بكميات المياه المتاحة وكلفة الطاقة والاستصلاح والتخزين، وبإنتاجية الأصناف في الظروف الفعلية لكل منطقة. فإمكان زراعة صنف متحمل للملوحة لا يعني إلغاء قيود الموارد، كما أن رفع الإنتاج لا يضمن تلقائيًا شراء الدولة للمحصول بالسعر والكمية المطلوبين طوال العام.
وفيما يتعلق بالمشروعات الزراعية الكبرى، ومنها مشروع توشكى، يرى أستاذ البحوث الزراعية أن الاستثمارات التي تحصل على أراضٍ مجهزة بالبنية الأساسية التي أنفقت الدولة عليها مليارات الجنيهات ينبغي أن ترتبط بعائد مباشر على الأمن الغذائي المصري، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بمحصول استراتيجي مثل القمح.
ويضيف: “إذا منحت الدولة المستثمر الأرض على أساس زراعة القمح، فمن المنطقي أن يكون الهدف الأساسي هو المساهمة في تغطية احتياجات السوق المحلية، ثم توجيه الفائض إلى التصدير، وليس أن تستمر الدولة في استيراد القمح في الوقت نفسه”.
ويؤكد الباحث الاقتصادي محمد رمضان أن النقاش حول الاكتفاء الذاتي من القمح أكثر تعقيدًا من اختزاله في سؤال ما إذا كانت شركة بعينها تزرع القمح وتورده للحكومة أم لا، مشيرًا إلى أن القمح “سلعة تتجاوز الاقتصاد إلى السياسة”، نظرًا لارتباطه بالأمن الغذائي واستقرار الأسواق وقدرة الدولة على توفير الخبز.
ويوضح أن مشكلة القمح ترتبط كذلك بالنمط الاقتصادي والزراعي السائد، وبكيفية تعامل السياسات الحكومية مع صغار المزارعين، مشيرًا إلى أن جزءًا كبيرًا من إنتاج القمح المصري لا يدخل إلى منظومة التوريد الحكومية، وإنما يحتفظ به المزارعون للاستهلاك المنزلي أو التخزين، في إطار ما وصفه بـ”زراعة الكفاف” أو إنتاج الاحتياجات الأسرية.
ويشير رمضان إلى أن المزارع الصغير قد يجد نفسه أمام مفاضلة بين زراعة القمح للاستهلاك المحلي وبين زراعة محاصيل أخرى، خصوصًا المحاصيل التصديرية، لافتًا إلى أن ارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج، ومن بينها الأسمدة، يزيد من تعقيد هذه المعادلة.
ويضيف أن الدولة لا يمكنها التعامل مع أزمة القمح بمعزل عن هذه العوامل، معتبرًا أن الوصول إلى مستويات أعلى من الاكتفاء الذاتي يتطلب إعادة النظر في مجموعة واسعة من السياسات الزراعية والاقتصادية، وليس فقط زيادة المساحات التي تزرعها الشركات الاستثمارية الكبرى.
هل القمح المستورد آمن؟
يحذر الدكتور خالد عياد من أن استمرار الاعتماد على استيراد القمح رغم إمكانية زيادة الإنتاج المحلي يفرض أعباء إضافية على فاتورة الواردات، خصوصًا مع شراء القمح بالعملة الأجنبية، مشيرًا إلى أن تحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح من شأنه تخفيف الضغط على الموارد الدولارية للدولة.
وفيما يتعلق بجودة القمح المستورد، يشدد عياد على أهمية تعزيز قدرات أجهزة الرقابة والمعامل المتخصصة في فحص الشحنات المستوردة، مؤكدًا أن الكشف عن بعض الآفات والفطريات والسموم الفطرية لا يمكن أن يعتمد على الفحص الظاهري وحده، وإنما يحتاج إلى معامل مجهزة وكوادر متخصصة قادرة على إجراء الاختبارات اللازمة.
ويوضح أن وجود منظومة رقابية فعالة ومستقلة يمثل عنصرًا أساسيًا لحماية السوق المحلية، خصوصًا عند التعامل مع شحنات كبيرة من القمح المستورد، مشيرًا إلى أن الدولة تحتاج إلى امتلاك القدرة الفنية والمؤسسية على رفض أي شحنة لا تستوفي المعايير الصحية والمواصفات المطلوبة، بصرف النظر عن مصدرها.
وهذه دعوة لتعزيز الرقابة، وليست إثباتًا لعدم سلامة القمح المستورد عمومًا أو شحنة بعينها. ولا يقدم التقرير نتائج تحليل لشحنة محددة تبرر الحكم عليها؛ فالحكم على المطابقة يحتاج إلى عينات واختبارات ومواصفات معلنة، لا إلى بلد المنشأ أو الانطباع عن الاستيراد وحده.
ويؤكد عياد أن تحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح لا ينبغي النظر إليه باعتباره هدفًا زراعيًا فقط، وإنما باعتباره قرارًا مرتبطًا بالأمن الغذائي والاقتصادي للدولة، مضيفًا أن مصر تمتلك، من حيث الموارد والخبرات الزراعية، إمكانات تسمح لها بزيادة إنتاجها من المحاصيل الأساسية.
ويشير إلى أن المشكلة تكمن في ضرورة تحقيق التوازن بين جذب الاستثمارات الأجنبية وحماية المصالح الاقتصادية والغذائية للدولة، موضحًا أن المستثمر الأجنبي يمثل جزءًا من النشاط الاقتصادي، ويضخ أموالًا في السوق ويخلق فرصًا للعمل والإنتاج والتصدير، وبالتالي فإن التعامل مع الاستثمارات الزراعية يحتاج إلى رؤية متكاملة لا تقتصر على محصول واحد أو قطاع بعينه.
ويشدد على أن المطلوب هو وضع شروط واضحة لاستغلال الأراضي الزراعية، بحيث تحقق الاستثمارات أهدافًا متعددة في الوقت نفسه، من بينها دعم الأمن الغذائي، وزيادة الإنتاج، ورفع جودة المنتجات الزراعية، وتعزيز الصادرات، بدلًا من أن تتحول الاستثمارات إلى وسيلة لزيادة الاعتماد على الخارج في السلع الاستراتيجية، مؤكدًا على أن مصر لديها مقومات زراعية كبيرة، وأن الوصول إلى الاكتفاء الذاتي من القمح يظل هدفًا ممكنًا من الناحية الزراعية، لكنه يتطلب سياسات واضحة ومستقرة تربط بين تخصيص الأراضي، والإنتاج المحلي، ومنظومة التوريد، والاستيراد، والرقابة على جودة الغذاء.
وختامًا، الاستثمار الأجنبي في الزراعة ليس مشكلة في حد ذاته، بل يمكن أن يكون رافعة للإنتاج والتكنولوجيا والتصدير وخلق فرص العمل، لكن قيمة أي استثمار زراعي لا تُقاس فقط بما ضخه من أموال أو بما أنتجه من محاصيل، وإنما أيضًا بما يضيفه إلى قدرة مصر على تأمين غذائها، وبكيفية استخدامه لموارد لا يمكن تعويضها، وفي مقدمتها الأرض والمياه.
وبينما تستهدف الحكومة تأمين القمح اللازم للخبز المدعوم محليًا بحلول 2028، يظل السؤال الأهم مفتوحًا: إذا كانت الدولة تستثمر في استصلاح الأرض وتتحمل كلفة البنية الأساسية وتواجه ضغوطًا مائية، فكيف تحدد العقود والسياسات توازنًا واضحًا بين ربحية المستثمر واحتياجات المصريين الغذائية؟ الإجابة تحتاج إلى بيانات قابلة للمراجعة وشروط معلنة يمكن قياس تنفيذها، مع الفصل بين زيادة الإنتاج المحلي، وتمويل الواردات، وضمان سلامة الغذاء.