دفعوا ثمن العداد مرة.. وشركات الكهرباء تطلبه ثانيةً

شركات الكهرباء تطالب مواطنين بثمن عدادات جديدة رغم سلامة القديمة، بتكلفة تصل إلى 3000 جنيه.
كولاج لعدادات كهرباء قديمة وورقة نقدية مصرية عن تكلفة استبدال العدادات
Picture of مروة محيي الدين

مروة محيي الدين

في أكتوبر الماضي، انقطعت الكهرباء عن منزل مصطفى زيدان، المحامي بمركز البحوث الزراعية في بني سويف، فذهب لشحن كارت العداد، لكن الموظفين رفضوا شحنه. يقول مصطفى: «أبلغني موظفو شركة كهرباء مصر الوسطى في بني سويف أنها تعليمات من الوزارة بمنع شحن هذه العدادات».

توجه مصطفى إلى مدير الشركة، فأخبره أنهم سيركّبون له عدادًا حديثًا بدلًا من القديم، رغم أن الأخير لا يزال يعمل ولا يوجد به أي عطل فني، وأنه سيتحمل على نفقته الخاصة تكلفة العداد الجديد البالغة 2500 جنيه (نحو 46 دولارًا بسعر البنك المركزي في 5 نوفمبر 2026)، بالتقسيط على 24 شهرًا، أي نحو 104 جنيهات (1.9 دولار) شهريًا، وفق حديث مصطفى لـ«زاوية ثالثة».

اتصل مصطفى بالنجدة ليحرر محضر إثبات حالة بالواقعة، «إلا أنني وجدت جميع متلقي البلاغات مشغولين»، كما يقول، فطلب الخط الساخن 121 لتقديم شكوى، لكن موظف خدمة العملاء أجابه بأنها تعليمات، ورفض إعطاءه رقم الشكوى، فتراجع مصطفى في النهاية. وفي أكتوبر فكّت الشركة عداده القديم، ولم يوقّع مصطفى على أي طلب استبدال ولا على عقد جديد، ولم يُركَّب له العداد الجديد حتى الآن، فيما تحاسبه الشركة على استهلاكه بنظام «الممارسة» التقديري.

ويتساءل مصطفى: «لِمَ تُفرض عليّ غرامة عداد جديد رغم أنني سددت ثمن عداد من قبل لم تكن به أي مشكلة؟ ولماذا لا تتحمل الشركة ثمنه؟». وكتب شكوى على صفحة النائبين يوسف شعبان الجميل، عضو مجلس النواب عن حزب مستقبل وطن في بني سويف، ومحمد رجب، لكنهما لم يردا عليه حتى الآن، وفق قوله لـ«زاوية ثالثة».

لم يكن مصطفى وحده. فمنذ مطلع أكتوبر، شكا مواطنون في الإسكندرية وبني سويف والمنيا والقليوبية من وقف شحن عداداتهم مسبقة الدفع، وقالوا إنهم لم يتمكنوا من تشغيل الكهرباء إلا باستبدالها بعدادات جديدة على نفقتهم، نقدًا أو بالتقسيط، فيما نفت الحكومة وقف الشحن. وفي 16 أكتوبر أعلن وزير الكهرباء أن العدادات التي مضى على تركيبها عشر سنوات ستُستبدل على نفقة المواطنين، ثم كشف مصدر في قطاع الكهرباء أن الخطة تشمل نحو 365 ألف عداد على مستوى الجمهورية. وتتراوح المبالغ التي أبلغت بها الشركات المواطنين بين 2500 و3000 جنيه، في غياب أي سعر رسمي معلن للعداد الجديد، بينما تربط المادة 17 من اللائحة التجارية لشركات التوزيع تحميل المستهلك تكلفة الاستبدال بتلف العداد بعد انتهاء عمره الافتراضي، وتلزمه المادة 16 بقيمة حق الانتفاع إذا استبدلت الشركة عداده بعداد من الأنظمة الحديثة.

من الإسكندرية إلى بني سويف: شحن متوقف ونفي رسمي

بدأت الأزمة في الإسكندرية. ففي 2 أكتوبر تقدم النائب محمد جبريل، عضو مجلس النواب وأمين الشؤون البرلمانية لحزب مستقبل وطن بالإسكندرية، بطلب إحاطة عاجل إلى رئيس الوزراء مصطفى مدبولي ووزير الكهرباء محمود عصمت، بشأن قرار شركة كهرباء الإسكندرية وقف شحن عدد من العدادات مسبقة الدفع، وبخاصة العدادات الكودية من إنتاج إحدى الشركات، في مناطق منها بشاير الخير بمينا البصل وكرموز ومحرم بك واللبان. وقال جبريل إن عددًا من هذه العدادات لم يمض على تركيبها أكثر من عشر سنوات ولا تزال تعمل بكفاءة، وإن استبدالها وتحميل المواطنين تكلفة شراء عدادات جديدة من إنتاج الشركة نفسها يفرض أعباء مالية إضافية على الأسر في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة، وطالب الوزارة بتوضيح الأسباب الفنية والإدارية لوقف الشحن، وبحث استمرار تشغيل العدادات التي تعمل بكفاءة قبل إلزام المواطنين باستبدالها، وبمناقشة طلبه في لجنة الطاقة بمجلس النواب.

وبعد يومين، في 4 أكتوبر، فوجئ أهالي مساكن بشاير الخير بالإسكندرية بوقف شركة كهرباء الإسكندرية شحن عداداتهم. وقال الأهالي إن الشركة حظرت شحن كل العدادات في المساكن البالغ عدد شققها 1843 شقة لاستبدالها بعدادات مسبقة الدفع جديدة، وإنهم باتوا مطالبين بدفع 3000 جنيه (56 دولارًا) تكلفة الاستبدال، أو بالتقسيط مقابل 345 جنيهًا (6.4 دولار) شهريًا، رغم أن عداداتهم تعمل بحالة جيدة، وإن الرد على شكاواهم كان أنه «قرار عام».

وفي الأسابيع التالية تداول مستخدمون على مواقع التواصل شكاوى من وقف شحن العدادات الكودية من إنتاج شركة السويدي في بني سويف والمنيا والقليوبية. والعدادات الكودية عدادات مسبقة الدفع تُركَّب بصورة مؤقتة للمباني المخالفة، كي تتمكن وزارة الكهرباء من قياس استهلاكها ومحاسبتها عليه، ولا تحمل اسم المشترك ولا تمنح الوحدة أي سند قانوني.

ثم أعلن وزير الكهرباء محمود عصمت في 16 أكتوبر، في تصريحات نقلتها وكالة بلومبرغ وتداولتها قنوات ومواقع إخبارية، أن تغيير العدادات التي مر على تركيبها عشر سنوات سيكون على نفقة المواطنين مع إتاحة التقسيط، وأن شركات الكهرباء ستتحمل تكلفة استبدال العدادات التي لم يتجاوز عمرها خمس سنوات إذا وُجدت بها مشكلات فنية تستدعي تغييرها. وأعلن الوزير في الوقت نفسه تحويل 1.35 مليون عداد كودي إلى عدادات قانونية خلال أسبوع بعد تصالح أصحابها على المخالفات، ومنحت الوزارة شركات التوزيع مهلة شهرين لاستبدال جميع العدادات التالفة والمعطلة. ولم يحدد الإعلان مصير العدادات التي يتراوح عمرها بين خمس سنوات وعشر. وطرحت «زاوية ثالثة» هذا السؤال على المتحدث باسم وزارة الكهرباء وعلى الوزير، فلم يردا، فيما رفض مسؤولون في الشركة القابضة لكهرباء مصر الحديث.

وفي 23 أكتوبر طالب النائب والإعلامي مصطفى بكري، في برنامجه «حقائق وأسرار» على قناة صدى البلد، بإعلان التكلفة الرسمية للعداد الجديد ورسوم الفحص والتركيب وضوابط التقسيط، وتساءل عن ضرورة تغيير العداد بمجرد مرور عشر سنوات على تركيبه، وعما إذا كان التغيير يتم تلقائيًا بعد هذه المدة أم بناءً على فحص فني يثبت الحاجة إليه.

وفي 28 أكتوبر كشف مصدر مسؤول بقطاع الكهرباء تفاصيل خطة استبدال نحو 365 ألف عداد قديم مر على تركيبها أكثر من عشر سنوات بعدادات مسبقة الدفع، ضمن تطوير منظومة الشحن الموحد. وقال المصدر إن شركة جنوب الدلتا لتوزيع الكهرباء تستهدف 150 ألف عداد وانتهت من تغيير نحو 30 ألفًا، وإن شركة مصر الوسطى، التي تتبعها بني سويف، تستهدف نحو 90 ألف عداد وانتهت من استبدال معظمها، وإن شركة مصر العليا تستهدف نحو 80 ألفًا غيّرت منها قرابة 25 ألفًا، وإن شركة الإسكندرية تستهدف نحو 45 ألفًا ولم يتبق لديها سوى نحو 5 آلاف. وعزا المصدر وقف الشحن الخارجي لبعض العدادات إلى مراجعة موقف العدادات القديمة التي واجهت مشكلات فنية عند دمجها في منظومة الشحن الموحد، لتحديد صلاحيتها للاستمرار أو الحاجة إلى استبدالها، وقال إن الإجراءات تشمل أيضًا عدادات مغلقة أو مرتبطة بموقف المشترك من السداد.

وبعد ساعات من التصريح، نشرت الشركة القابضة لكهرباء مصر على صفحتها بيانًا قالت فيه إنه «لا صحة مطلقًا» لما أُثير عن توقف شحن بعض العدادات، وإن الشحن متاح عبر منظومات الشحن في شركات التوزيع ومنافذ شركات الدفع الإلكتروني، وإن خدمات الشحن تعمل بصورة جيدة. وفي مساء اليوم نفسه قال مصدر مسؤول بوزارة الكهرباء إن شحن العدادات مسبقة الدفع منتظم ولا توجد به مشكلات في أي نوع من العدادات، سواء السويدي أو جلوبال أو إسكرا أو إسكرا آي سي، ونفى توقف شحن عدادات إسكرا آي سي التي قال إن نحو 300 ألف منها تعمل في نطاق شركات جنوب الدلتا ومصر العليا ومصر الوسطى.

ولم يكن هذا النفي الأول. ففي ديسمبر 2025 نفت الشركة القابضة ما أُثير عن صعوبة شحن العدادات، وعن تغيير العدادات وتحميل المشتركين رسومًا تصل إلى 12 ألف جنيه، وقالت إنه لا توجد أي قرارات أو إجراءات تلزم المواطنين بسداد أي مبالغ مقابل تغيير العدادات، أي قبل عشرة أشهر من إعلان الوزير تحميل المواطنين تكلفة استبدال العدادات التي مر عليها عشر سنوات.

وتقول شهادات من تحدثوا إلى «زاوية ثالثة»، ومنهم مصطفى زيدان وثلاثة آخرون ترد شهاداتهم في هذا التقرير، إن بين العدادات المستبدلة عدادات لا تزال تعمل بحالة جيدة، وأخرى لم يمض على تركيبها عشر سنوات، وإن أسرًا عديدة لا تقدر على تحمل تكلفة العدادات الجديدة في ظل غلاء المعيشة وارتفاع التضخم.

عداد «سويدي» مكان عداد «سويدي»

في المنيا، يقول محمد المصري، المدرس، إن عداده، وهو عداد كودي من إنتاج السويدي، كان يعمل بكفاءة، وكان يشحنه باستمرار، ويأتيه القارئ كل شهر ليسجل القراءات بصورة طبيعية، إلى أن أوقفت الشركة شحنه، ثم فكّته وركّبت عدادًا آخر قبل نحو شهر رغمًا عنه، أي قبل إعلان الوزير استبدال العدادات.

ويضيف محمد أنه متعاقد مع شركة الكهرباء منذ سنوات، ولم يبلغه أحدٌ بضرورة استبدال العداد بعد مرور عشر سنوات، ولم يكن ذلك مسجلًا في عقده مع الشركة: «فلماذا عليّ أن أتحمل تكلفة عداد سعره 3 آلاف جنيه؟»، بحسب ما أبلغته به الشركة، رغم أنه سدد ثمن عداده السابق كاملًا، والشركة هي التي قررت تغييره تماشيًا مع تطوير المنظومة.

ولم تكن هذه المرة الأولى التي توقف فيها الشركة شحن عداده وتطلب تغييره. فقبل عامين، يقول محمد: «طلبوا مني دفع 80 جنيهًا مقابل فحص فني، ثم أخبروني أن العداد بحاجة إلى تغيير لأن هذا النوع لم يعد مدعومًا، ورفضوا شحن الكارت، لكن الموظف أدخل الكارت في الجهاز فأعاد تنشيطه في النهاية». يومها توجه محمد إلى فني كهرباء ليتأكد إن كان العداد يحتاج إلى تغيير، ويقول إن الفني أجابه بأن الشركة ترى أن العداد لا يسجل استهلاكًا كبيرًا، ولذلك ترغب في استبداله. وهي رواية نقلها محمد عن الفني، ولم تتمكن «زاوية ثالثة» من التحقق منها. تراجع محمد عن الاستبدال آنذاك، وظل يشحن عداده من منافذ «فوري»، حتى فُصل العداد تمامًا ورفضت كل الماكينات شحنه، فاضطر إلى الذهاب إلى شركة الكهرباء: «وأبلغوني هذه المرة بضرورة استبدال العداد مقابل 3 آلاف جنيه (56 دولارًا)»، من دون أن يبلغوه بقيمة الأقساط التي سيدفعها على مدار السنة أو أي معلومات أخرى. ويقول محمد إنه ينتظر صدور الأقساط ليقدّم شكوى إلى مجلس الوزراء والنيابة الإدارية.

ويقول محمد إنه كان سيقبل تحمل ثمن العداد لو كان به عطل فني، لكن الشركة استبدلته رغمًا عنه، بل وضعت مكان عداد السويدي عدادًا آخر من الشركة نفسها، رغم أن موظفيها أبلغوه، بحسب روايته، أنهم أنهوا التعاقد مع السويدي لعدم توفر كروت شحن لهذه العدادات. ويتساءل: «فكيف تقول شركات الكهرباء إنها أنهت التعاقد معهم، وفي الوقت نفسه تُدخل عدادات من الشركة نفسها؟».

ولرواية محمد أصل في تصريحات سابقة لقطاع الكهرباء. ففي سبتمبر 2023 قال مصدر مسؤول في الشركة القابضة لكهرباء مصر إن تعليمات صدرت لشركات التوزيع التسع باستبدال عدادات «آي سي» التابعة لإحدى الشركات الخاصة بعدما ثبت وجود عيوب فنية فيها وسهولة اختراقها، وإن هذه العدادات لا توجد لها كروت شحن ويصعب استخراج بديل لكروتها، وهو ما استدعى قرار تغيير جميع العدادات التابعة لشركتي إسكرا إميكو (السويدي) والسويدي إليكتروميتر. ولم تعلن وزارة الكهرباء رسميًا إنهاء التعاقد مع أي من الشركتين.

ثلاثة آلاف جنيه بلا سعر رسمي

لم تعلن الوزارة ولا الشركة القابضة لكهرباء مصر مبلغ الثلاثة آلاف جنيه رسميًا، ولم تعلنا حتى الآن السعر الحالي للعدادات الجديدة. وفي 20 أكتوبر قالت مصادر بوزارة الكهرباء لموقع فيتو إنه لا يمكن تحديد سعر معين يدفعه المواطن عند تغيير العداد، لأن التكلفة تختلف بحسب «المقايسة» الخاصة بالعقار، وهي العامل الأهم في تحديدها، إلى جانب استهلاك كل عداد، وقالت إن اللائحة التجارية والعقود المبرمة مع المستهلكين تنص على أن تكلفة استبدال العداد الميكانيكي أو التالف تقع على المشترك.

وكانت شركة شمال القاهرة لتوزيع الكهرباء قد طرحت المناقصة العامة رقم 2026/81، بجلسة 8 يونيو الماضي، لتركيب 53 ألفًا و879 عدادًا ذكيًا أحادي الوجه وثلاثيه، من دون أن يتضمن إعلانها سعر الوحدة؛ إذ اكتفى بتحديد ثمن نسخة كراسة الشروط بـ2280 جنيهًا شاملة ضريبة القيمة المضافة.

ويعود آخر سعر أعلنته الشركة القابضة لكهرباء مصر إلى مارس 2025، حين بلغ سعر العداد مسبق الدفع أحادي الوجه 1274 جنيهًا، إضافة إلى 285 جنيهًا رسوم تركيب منها 100 جنيه رصيد شحن، أي أن رسوم التركيب الفعلية 185 جنيهًا، بينما بلغ سعر العداد ثلاثي الوجه 1547 جنيهًا، برسوم التركيب نفسها. وبلغت تكلفة تركيب العداد المحوّل 1935 جنيهًا، وعداد المحال التجارية 1600 جنيه، والعداد الكودي ثلاثي الوجه 2000 جنيه.

بدأ استخدام العدادات مسبقة الدفع في مصر عام 2011، قبل أن تعمّمها وزارة الكهرباء عام 2014، وفقًا للتقرير السنوي للشركة القابضة لكهرباء مصر عن العام المالي 2023/2024، الذي أشار إلى تركيب نحو 19 مليون عداد من هذا النوع حتى 30 نوفمبر 2024. وبحسب التقرير، يستهدف نظام الدفع المسبق تحقيق سيولة لشركات الكهرباء بتحصيل قيمة الاستهلاك مقدمًا عبر الشحن، وتلافي مشكلات تقدير كميات الاستهلاك مع بعض المستهلكين. ولا تعترض الشهادات التي جمعتها «زاوية ثالثة» على تحديث منظومة القياس في ذاته، بل على التكلفة التي يتحملها المواطن مقابل تركيب العداد أو استبداله.

وارتفعت أسعار العدادات المنشورة بالجنيه على مدار السنوات. ففي عام 2014 بلغت تكلفة العداد نحو 350 جنيهًا، ثم ارتفعت إلى 500 جنيه في 2015، وقفزت إلى 900 جنيه في 2016، بزيادة 400 جنيه خلال عام واحد. ومنذ يناير 2022 بلغ سعر العداد أحادي الوجه 1247 جنيهًا شاملًا ضريبة القيمة المضافة والنقل والتخزين، والعداد ثلاثي الوجه 1547 جنيهًا، إضافة إلى 285 جنيهًا مصاريف تركيب، وعداد المحال التجارية أحادي الوجه 1300 جنيه وثلاثي الوجه 1800 جنيه. وفي سبتمبر 2023 قال المصدر في الشركة القابضة الذي تحدث عن عدادات «آي سي» إن سعر العداد الجديد الذي يُركَّب بدلًا من عداد مضى على تركيبه عشر سنوات يبلغ 1475 جنيهًا.

وبحساب «زاوية ثالثة» وفق سعر الصرف في كل فترة، كان سعر العداد أحادي الوجه نحو 66 دولارًا في يوليو 2022 (بسعر نحو 18.9 جنيه للدولار)، ثم نحو 25 دولارًا في مارس 2025 (نحو 50.6 جنيه). أما المبالغ المطلوبة اليوم من المواطنين، بين 2500 و3000 جنيه، فتعادل بين 46 و56 دولارًا بسعر البنك المركزي في 5 نوفمبر 2026 (54.01 جنيه)، وتساوي ما بين 1.6 و1.9 ضعف آخر سعر رسمي معلن للعداد أحادي الوجه شاملًا رسوم التركيب (1559 جنيهًا في مارس 2025)، وما بين 1.7 وضعفي تقدير سبتمبر 2023.

وتواصلت «زاوية ثالثة» هاتفيًا مع محمود عصمت، وزير الكهرباء والطاقة المتجددة، ومنصور عبد الغني، المتحدث باسم الوزارة، للاستفسار عن الأسعار التي أبلغ عنها المواطنون، وأسباب ارتفاع تكلفة الاستبدال، والأسس التي يستند إليها تحديد عمر افتراضي مدته عشر سنوات، والمعايير الفنية التي تستدعي تغيير العداد، لكنهما لم يردا حتى وقت النشر.

العداد ملك الشركة.. والثمن على المشترك

يقول حافظ سلماوي، الرئيس التنفيذي الأسبق لجهاز تنظيم مرفق الكهرباء وحماية المستهلك وأستاذ هندسة الطاقة بجامعة الزقازيق، إن العمر الافتراضي لعدادات الكهرباء قد يصل إلى 15 عامًا للعدادات الميكانيكية، لكن هذه المدة تراجعت مع تطور تكنولوجيا العدادات والتحول إلى الأنواع الإلكترونية والذكية. وتعرّف اللائحة التجارية الموحدة لشركات توزيع الكهرباء العمر الافتراضي للعداد بأنه الفترة المتوقع أن تنتهي خلالها صلاحيته للقيام بعمله بطريقة دقيقة وصحيحة، وتقدّره بنحو عشر سنوات للعدادات مسبقة الدفع، وخمس عشرة سنة لغيرها، وتَعدّ العداد سليمًا إذا لم تختلف قراءته عن العداد المعياري بأكثر من 3% زيادة أو نقصانًا.

ويضيف سلماوي لـ«زاوية ثالثة» أن شركة التوزيع يحق لها استبدال عداد المشترك عند انتهاء عمره الافتراضي لضمان دقة تسجيل الاستهلاك، وأن قرار الاستبدال في هذه الحالة يصدر عن الشركة لا بناءً على طلب المستهلك. ولا يقتصر الاستبدال، بحسب سلماوي، على انتهاء العمر الافتراضي؛ إذ تلجأ شركات التوزيع إليه أيضًا عند ثبوت خلل يؤثر في دقة التسجيل، أو ضمن خطط تطوير منظومة العدادات، مثل التحول من العدادات الميكانيكية إلى الإلكترونية والذكية.

وعن تكلفة الاستبدال، يوضح سلماوي أن المستهلك قد يسدد قيمة العداد عند تركيبه، لكن ذلك لا يمنحه ملكيته؛ إذ تظل ملكية العداد لشركة التوزيع، وتُحصَّل القيمة من المشترك باعتبارها تأمينًا عليه، ما قد يلزمه بسداد مبلغ عند استبدال العداد بآخر جديد، مع إتاحة تقسيطه على دفعات شهرية. ويختلف الأمر، بحسب سلماوي، إذا قررت الشركة تغيير العداد قبل انتهاء عمره الافتراضي، إذ تُراعى القيمة المتبقية من عمر العداد القديم عند تحديد المبلغ المستحق. ويضرب مثالًا: إذا كان العمر الافتراضي للعداد عشر سنوات، وقررت الشركة تغييره بعد خمس سنوات فقط، تُخصم نسبة 50% من قيمة العداد الجديد، باعتبارها القيمة المتبقية من عمر العداد المستبدل.

وتعرّف اللائحة حق الانتفاع بالعداد بأنه رخصة للمشترك بالانتفاع باستخدام العداد المركب لديه من دون تملكه، طوال مدة سريان عقد توريد الكهرباء، مع التزامه بالمحافظة عليه. وتمنح المادة (16) من اللائحة الشركة حق تعديل أنظمة العدادات المركبة لدى المستهلكين لمحاسبتهم على استهلاكهم إذا رأت ذلك، «بما يواكب التطور التكنولوجي للعدادات والتيسير على المستهلكين والشركة»، وتنص على أنه في حالة استبدال العداد المركب لدى المستهلك بعداد من الأنظمة الحديثة، يلتزم المستهلك بسداد قيمة حق الانتفاع بالعداد الجديد المستبدل، ويجوز للشركة تقسيطها على دفعات شهرية بحد أقصى 24 شهرًا.

وبذلك يدفع المشترك ثمن العداد عند تركيبه بوصفه تأمينًا، ثم يدفع قيمة حق الانتفاع بالعداد الجديد عند استبداله، بينما تبقى ملكية العدادين للشركة، التي تملك وفق المادة نفسها سلطة تعديل نظام العداد إذا رأت ذلك.

«عقود إذعان»

يرى المحامي بسام خالد، الخبير في القانون التجاري، أن مشكلة المادة (16) تكمن في صياغتها الفضفاضة؛ فهي لم تحدد الحالات التي يحق فيها لشركة التوزيع استبدال العداد، ولا المعايير الفنية ومعايير الجودة التي يُستند إليها في هذا القرار. ويقول خالد لـ«زاوية ثالثة» إن النص لم يضع ضوابط تتيح للمستهلك معرفة الحالات التي يُلزم فيها بتحمل تكلفة العداد الجديد، أو الآلية التي تقدّر بها الشركة ضرورة الاستبدال، وإن إتاحة التقسيط لا تعالج المشكلة ما دام النص لا يحدد المعايير التي تحكم قرار الشركة، ولا يمنح المستهلك ضمانات تمكّنه من معرفة أسباب الاستبدال والاعتراض عليها: «لا يصح أن أستيقظ لأُفاجأ بالشركة تبلغني أن العداد لم يعد صالحًا، وأنها ستركّب لي عدادًا آخر».

ويرى خالد أن القواعد القانونية ينبغي أن تحدد حالات الاستبدال بدقة، لكن المادة (16)، بحسب تقديره، منحت الشركة سلطة تغيير العداد من دون أن تنص بوضوح على حق المستهلك في رفض الاستبدال، في الوقت الذي تلزمه فيه بسداد مقابل عن العداد الجديد، حتى حين لا يشكو من عطل في عداده القائم. ويقول إن هذا التنظيم يخل بالتوازن المفترض في العلاقة التعاقدية، التي ينبغي أن تقوم على تقابل الحقوق والالتزامات، وإن المادة تشبه عقود الإذعان، إذ تنفرد الشركة بتحديد شروط التعامل واتخاذ قرار التغيير، بينما لا يملك المستهلك مساحة مماثلة للاعتراض أو الرفض رغم تحمله التكلفة.

ويشير خالد إلى أن المستهلكين كانت لديهم في السابق خيارات متعددة للمحاسبة، بين العدادات التقليدية التي يُحاسَب فيها بالفاتورة وفق الكيلووات المستهلكة، والعدادات مسبقة الدفع التي تعتمد على الشحن، بينما تتيح المادة 16 بصيغتها الحالية، في رأيه، للشركة تغيير نظام العدادات القائمة بما قد يمس التعاقدات السابقة، من دون مراعاة مصالح المستهلكين والتوازن بين طرفي العلاقة. وتنص المادة 36 من اللائحة على عرض الخلافات بين الشركة والمستهلكين حول تطبيق اللائحة أو تفسيرها على لجنة تُشكَّل بجهاز تنظيم مرفق الكهرباء بقرار من رئيسه التنفيذي، وتكون قراراتها نهائية وملزمة للطرفين بعد اعتمادها منه.

ما تقوله المادة 17

تلزم المادة 17 من اللائحة المستهلك بإبلاغ الشركة عن أي تلف أو فقد للعداد المركب لديه فور حدوثه، وتلزم الشركة بفحص عدادات المستهلكين الذين تلاحظ انخفاض استهلاكاتهم أو ارتفاعها عن المعدلات النمطية لاستهلاكهم الشهري بنسبة تزيد على 15% للتأكد من سلامتها. ثم تحدد من يتحمل تكلفة العداد عند تلفه: فإذا تلف العداد قبل انتهاء عمره الافتراضي من دون تدخل المستهلك، وأدى ذلك إلى خلل في دقة تسجيله أو توقفه عن التسجيل، تتحمل الشركة قيمة إصلاحه أو استبداله، وتكون مطالبتها بمستحقاتها عن فترة الخلل أو التوقف بحد أقصى ستة أشهر سابقة على أول تقرير يثبت الخلل، إضافة إلى المدة التالية حتى تاريخ تركيب العداد البديل أو إصلاحه، مع تسوية ما سبق أن سدده المستهلك خلال الفترة ذاتها. أما إذا تلف العداد بعد انتهاء عمره الافتراضي، فيتحمل المستهلك التكاليف الفعلية لإصلاحه أو استبداله على أقساط شهرية لمدة عامين. فالمادة تربط تحميل المستهلك التكلفة بوقوع التلف بعد انتهاء العمر الافتراضي، لا بانتهاء العمر الافتراضي وحده.

وتلزم المادة 15 الشركة بفحص العدادات ومعايرتها بناءً على طلب المستهلك للتأكد من دقة تسجيلها وانتظام عملها، نظير مقابل يحدده مجلس إدارة الشركة، وبفحصها على نفقتها كلما رأت حاجة لذلك، وتتيح للمستهلك طلب فحص عداده ومعايرته في جهة محايدة معتمدة بعد سداد تكاليفها.

في الإسماعيلية، يروي محمد جلهوم أن عداده توقف فجأة منتصف العام الماضي، فتوجه إلى شركة الكهرباء للإبلاغ، لكن الشركة حمّلته ثمن عداد جديد بالتقسيط، بقسط شهري قدره 90 جنيهًا (نحو 1.8 دولار بسعر صرف منتصف 2025)، رغم أن المدير قال له إن الشركة ستتحمل ثمن تركيب العداد الجديد ما دام لم يتعرض لكسر أو تصدع. ويقول جلهوم لـ«زاوية ثالثة» إن الشركة لم ترسل فنيًا، ورفعت تقريرًا من دون حضوره، «وحمّلتني ثمن تركيب العداد».

ولم يمض وقت طويل حتى فوجئ جلهوم بارتفاع القسط إلى 300 جنيه (6.1 دولار): «ذهبت أسأل في الشركة، فأبلغوني أن ذلك لأنني لم أبلغ على الفور»، ووجد 800 جنيه (16.2 دولار) أخرى فوق ثمن العداد، ليصل إجمالي ما طُلب منه إلى 3100 جنيه (62.6 دولار)، فاضطر إلى سداد باقي الثمن كاملًا. ويقول جلهوم إنه توجه إلى الشركة للإبلاغ عن العطل فور توقف العداد. ثم وجد الشهر الماضي مديونية متراكمة تجاوزت 100 جنيه (1.9 دولار)، وهذا الشهر 25 جنيهًا، إلى جانب ما يدفعه في شحن العداد من وقت لآخر.

وفي القليوبية، فوجئت أسرة وفاء عبد السلام بمديونية قدرها 425 جنيهًا (7.9 دولار) على العداد الذي رُكّب لها الشهر الماضي، إلى جانب نفقات الشحن التي تقول إنها تصل إلى 600 جنيه (11 دولارًا) في الشهر، غير قسط العداد الجديد. وتقول وفاء إن ذلك يزيد أعباء الأسرة، إذ لم يُعيَّن زوجها بعد في عمله بجريدة الأهرام، وترعى الأسرة طفلين من ذوي الاحتياجات الخاصة.

أما إيهاب سيد، من بني سويف، فيقول إنه بات بحاجة إلى العمل ساعات إضافية ليسدد أقساط العداد الجديد إلى جانب الشحن، وينفق على أسرته، وهو يقضي، كما يقول، نحو 18 ساعة يوميًا في العمل الحر بين تصميم المواقع وتحليل البيانات وصيانة الحواسيب، إضافة إلى وردية يومية في النظافة بإحدى الصيدليات. ولا يعرف إيهاب تكلفة تركيب العداد الجديد، لكنه يقول إن الشركة أبلغته بإمكان تقسيطها على مدار سنة.

4% من إنفاق الأسرة

يقول سلماوي لـ«زاوية ثالثة» إن جهاز تنظيم مرفق الكهرباء وحماية المستهلك أجرى دراسة لقياس قدرة المستهلكين على السداد ومعدلات إنفاقهم، انتهت إلى أن تخصيص 4% من إنفاق الأسرة لتكلفة الكهرباء نسبة يمكن للمستهلك تحملها، وأن النسبة خُفضت إلى 1.5% للفئات الأشد احتياجًا. وتُضاف أقساط العدادات الجديدة إلى نفقات الشحن الشهرية، كما في حالات مصطفى زيدان ومحمد جلهوم ووفاء عبد السلام وإيهاب سيد. وطالب سلماوي شركات الكهرباء بإتاحة اللائحة التجارية لأي مواطن وإطلاعه على بنودها قبل التعاقد، لأن ذلك من الشفافية وتوعية المستهلك، حتى لا يفاجأ بمعلومات لم يكن يعرفها، فتنشأ أزمة ثقة بينه وبين شركات الكهرباء.

وعن تراكم المديونيات، يوضح سلماوي أن تعريفة الكهرباء تنقسم إلى أربع مجموعات استهلاكية تُحدد وفق معدلات الاستهلاك الشهرية، وهو ما ينعكس على المبالغ التي تُخصم من رصيد العدادات مسبقة الدفع. وتضم المجموعة الأولى، المصنفة شريحة المستهلكين الأولى بالرعاية، أصحاب الاستهلاك الأقل من 100 كيلووات/ساعة شهريًا، وتنقسم إلى شريحتين: من صفر إلى 50 كيلووات/ساعة، ومن أكثر من 50 حتى 100 كيلووات/ساعة. وبمجرد تجاوز المستهلك 100 كيلووات/ساعة، ينتقل إلى مجموعة ثانية مخصصة لمحدودي الدخل، تضم ثلاث شرائح: من صفر إلى 200، ومن أكثر من 200 إلى 350، ومن أكثر من 350 إلى 650 كيلووات/ساعة.

ويقول سلماوي إن الانتقال من مجموعة إلى أخرى يغيّر قيمة المحاسبة، فتجاوز الاستهلاك من 100 إلى 101 كيلووات/ساعة قد يؤدي إلى خصم 39 جنيهًا (0.7 دولار) إضافية من الرصيد. ويضرب مثالًا: إذا شحن المستهلك عداده بمئة جنيه، ووصل استهلاكه إلى 99 كيلووات/ساعة، ثم تجاوز 100 كيلووات/ساعة، فقد يفاجأ بخصم المبلغ نتيجة انتقاله إلى نظام محاسبة مختلف. وتشمل المجموعة الثالثة من يتراوح استهلاكهم بين أكثر من 650 و1000 كيلووات/ساعة شهريًا، ويقول سلماوي إن الانتقال من 649 إلى 651 كيلووات/ساعة قد يؤدي إلى خصم نحو 430 جنيهًا (8 دولارات)، نتيجة الانتقال إلى تعريفة مختلفة وانخفاض الدعم المطبق. أما المجموعة الرابعة فتضم من يتجاوز استهلاكهم 1000 كيلووات/ساعة شهريًا، ويُصنفون كثيفي الاستهلاك، وتُطبق عليهم تعريفة مختلفة.

وبحساب «زاوية ثالثة» وفق التعريفة المنزلية المطبقة منذ أغسطس 2026، ترتفع تكلفة الاستهلاك من 83 جنيهًا عند 100 كيلووات/ساعة إلى نحو 116 جنيهًا عند 101 كيلووات/ساعة، أي بنحو 33 جنيهًا قبل احتساب رسوم خدمة العملاء، ومن نحو 1132 جنيهًا عند 650 كيلووات/ساعة إلى نحو 1569 جنيهًا عند 651، أي بنحو 437 جنيهًا.

وتختلف محاسبة العدادات الكودية عن هذا النظام كله؛ إذ تُحاسَب بسعر موحد يعادل سعر التكلفة، رفعته وزارة الكهرباء في أبريل 2026 من 2.14 إلى 2.74 جنيه للكيلووات/ساعة، وظل عند هذا المستوى بعد زيادة أغسطس. وحددت الدائرة الأولى بمحكمة القضاء الإداري جلسة 14 نوفمبر لنظر الطعن رقم 54251 لسنة 80 قضائية، الذي أقامه المحامي وليد الفولي مطالبًا بوقف تنفيذ قرار وزير الكهرباء بمحاسبة أصحاب العدادات الكودية بالشريحة الموحدة، والعودة إلى الشرائح التصاعدية، ورد الفروق المحصلة من المواطنين.

وحتى إعداد هذا التقرير، لم يُركَّب لمصطفى زيدان العداد الجديد بعد. فُكّ عداده القديم في أكتوبر، وتحاسبه الشركة بنظام الممارسة، ولم يوقّع على عقد، فيما ينتظره قسط شهري قدره 104 جنيهات على مدى عامين، ثمنًا لعداد لم يطلبه، مكان عداد يقول إنه دفع ثمنه ولم يتعطل.

أضف زاوية ثالثة إلى مصادرك المفضلة على جوجل

مروة محيي الدين
صحفية مصرية، عملت بعدد من المواقع المصرية والعربية، مهتمة بالصحافة الإجتماعية والإنسانية والتحقيقات

Search