من اليمن إلى القرن الإفريقي.. كيف تحمي مصر أمنها البحري؟

بين تصعيد اليمن والاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال، تتقاطع مصالح مصر في الملاحة والموانئ والنيل. دبلوماسيون وباحثون يناقشون خيارات القاهرة وحدود التحركات المعلنة.
كولاج تحريري لسفينة حاويات وميناء يرمز إلى أمن الملاحة في البحر الأحمر
Picture of آية ياسر

آية ياسر

تشهد منطقتا جنوب البحر الأحمر والقرن الإفريقي تحولات متسارعة تعيد طرح أسئلة النفوذ وأمن الملاحة، على وقع تطورات متزامنة في اليمن والصومال. ففي 30 ديسمبر 2025 أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، إنهاء اتفاقية الدفاع المشترك مع الإمارات، بالتزامن مع خلافات داخل التحالف واتهامات سعودية لأبوظبي بدعم تحركات عسكرية في شرق اليمن. وأعلنت الإمارات سحب ما تبقى من فرقها لمكافحة الإرهاب، ثم طرح المجلس الانتقالي الجنوبي في 2 يناير 2026 مرحلة انتقالية لعامين تمهد لمشروع «دولة الجنوب العربي». ولا يعني هذا الإعلان قيام دولة مستقلة بالفعل، لكنه أعاد سيناريوهات التفكك وتدويل الصراع إلى الواجهة، بما تحمله من انعكاسات على الممرات البحرية.

تكشف هذه التطورات عمق الخلاف السعودي الإماراتي بعد سنوات من التعاون العسكري ضد الحوثيين. فقد توسعت قوات المجلس الانتقالي المدعوم إماراتيًا في حضرموت والمهرة خلال ديسمبر، قبل هجوم مضاد لقوات موالية للحكومة بدعم سعودي. وفي 4 يناير أعلن العليمي استعادة المحافظتين. وبالتوازي وافقت الرياض على استضافة مؤتمر يضم المكونات الجنوبية اليمنية، في محاولة لاحتواء التصعيد وفتح مسار سياسي لمعالجة قضية الجنوب.

وفي المقابل، نفت وزارة الخارجية الإماراتية في بيانها الصادر في 30 ديسمبر توجيه أي طرف يمني لتهديد أمن السعودية أو تأجيج الصراع. وقالت إن الشحنة المستهدفة في ميناء المكلا لم تتضمن أسلحة، وإن العربات كانت لاستخدام قواتها وليست لأي طرف يمني، مؤكدة وجود تنسيق مسبق بشأنها. ويختلف هذا التفسير مع رواية التحالف الذي تقوده السعودية؛ لذلك تبقى طبيعة الشحنة والاتهامات المتبادلة موضع خلاف بين الطرفين، ولا تُعرض هنا باعتبارها وقائع حسمها تحقيق مستقل.

التطورات الأخيرة في اليمن، جاءت بعد أيام قليلة من إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، في 26 ديسمبر 2025 الاعتراف بـ«أرض الصومال»، أو «صوماليلاند»، دولة مستقلة، والذي أثار ردود فعل دبلوماسية مصرية وعربية غاضبة، وسط تقارير وتحليلات تشير إلى تحركات إسرائيلية لتوسيع حضورها في الضفة المقابلة من باب المندب، ومنطقة القرن الإفريقي، في إطار سعي تل أبيب لتعزيز نفوذها على خطوط الملاحة الدولية وتأمين عمق استراتيجي يطل على البحر الأحمر وخليج عدن.

تتقاطع هذه التطورات مع تداعيات الحرب الإسرائيلية على غزة منذ 7 أكتوبر 2023، ومخاوف تهجير الفلسطينيين. ففي فبراير 2025 تداولت وسائل إعلام إسرائيلية تقارير عن طرح أرض الصومال وأرض البنط «بونتلاند» والمغرب ضمن وجهات محتملة لخطة نقل سكان القطاع. كما تحدثت تقارير عن استعداد في أرض الصومال لمناقشة استقبال فلسطينيين مقابل الاعتراف الدولي. لكن هذه التقارير لا تثبت إبرام اتفاق من هذا النوع. وفي مقابلة مع القناة 12 الإسرائيلية في 27 ديسمبر، نفى وزير خارجية أرض الصومال عبد الرحمن ظاهر آدم أن يكون الاعتراف الإسرائيلي قد تضمن اتفاقًا بشأن غزة أو استقبال سكانها.

اليمن والبحر الأحمر في حسابات الأمن الإقليمي

ولا يمكن قراءة التطورات المتسارعة في اليمن، وما صاحبها من توترات في العلاقات بين الرياض وأبو ظبي، بمعزلٍ عن المشهد الأوسع في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، إذ أن جميع هذه الأحداث مترابطةٌ ضمن سياقٍ واحدٍ تحكمه أهدافٌ تكتيكيةٌ وأخرى استراتيجيةٌ تتعلق بالسيطرة على الممرات الملاحيّة الحيويّة، بحسب الدكتورة دينا محسن، الباحثة في مجال الإعلام السياسي بالمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، التي تؤكد أن جوهر المشهد يتمحور حول البحر الأحمر باعتباره ممرًّا ملاحيًّا دوليًّا شديد الحساسيّة، وباب المندب كنقطة اختناقٍ رئيسيّة، حيث يتقاطع تأمين حركة التجارة العالمية مع تصاعد مخاطر عسكرة المنطقة ووجود قواعد عسكريّة واستخباراتيّة أجنبيّة في بؤر الاضطراب، مثل اليمن والصومال والسودان، وهو ما يشكل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي للدول المشاطئة للبحر الأحمر، وفي مقدمتها مصر والسعودية.

وتشير الباحثة إلى فعاليات التدريب البحري المصري السعودي المشترك "الموج الأحمر 8 "، التي شهدتها المياه الإقليمية السعودية بالبحر الأحمر، في نوفمبر 2025، بمشاركة عناصر من القوات البحرية لكل من مصر والسعودية والأردن والسودان واليمن وجيبوتي، في إطار التعاون العسكري بين الدول المطلة على البحر الأحمر، والذي يربط بين قناة السويس شمالًا وباب المندب جنوبًا، وتشير في تقديرها إلى مرور أكثر من 10% من حركة التجارة العالمية عبره في الظروف المعتادة، وعلى رأسها نقل النفط والطاقة.

تقول لـ"زاوية ثالثة": إن "المناورات العسكريّة المشتركة بين القاهرة والرياض في البحر الأحمر عكست إدراكًا عميقًا لحجم المخاطر، ورسخت فهمًا مشتركًا لطبيعة التهديدات التي تطال الأمن القومي العربي، مشيرةً إلى أن سلطنة عُمان، وإن لم تكن طرفًا مباشرًا في هذه المناورات، فإنها حاضرة بقوةٍ على المستوى الدبلوماسي والسياسي، ضمن إطار تنسيقٍ إقليميٍّ واسع".

وفيما يخص الخلاف السعودي الإماراتي حول الملف اليمني، توضح الباحثة أن الدوافع السعوديّة واضحةٌ وتتماهى مع مواقف غالبية الدول العربية، وفي مقدمتها الحفاظ على وحدة الأراضي اليمنية ومنع تفكك الدولة، باعتبار ذلك مسألة أمنٍ قوميٍّ مباشر للرياض، بينما الموقف الإماراتي، فينطلق، بحسب الخطاب المعلن، من هدف مواجهة تيارات الإسلام السياسي، غير أن الإشكالية الحقيقية، وفق توصيفها، تكمن في غياب التنسيق المسبق مع السعودية، الشريك الرئيسي في التحالف، وهو ما أوجد خللًا سياسيًّا وعسكريًّا ودبلوماسيًّا في إدارة الملف.

وتشير إلى أن طرح فكرة انفصال الجنوب بشكلٍ قسريٍّ مثّل صدمةً للرياض، خاصة في توقيتٍ بالغ الحساسيّة، حيث كانت الجهود منصبة على تحريك المسار السياسي للأزمة اليمنيّة، بينما تصف الانسحاب الإماراتي اللاحق بأنه انسحاب تكتيكي فرضه إدراك متأخر لخطورة المأزق الذي نتج عن الاندفاع السياسي والعسكري غير المحسوب، في ظل تحركات سعوديّة مضادة نجحت في تضييق الخناق على المجلس الانتقالي واحتواء بعض قياداته والتواصل مع الفاعلين المحليين في حضرموت والمكلا.

وتعتبر أن إعلان المجلس الانتقالي مشروع «دولة الجنوب» بعد الانسحاب الإماراتي مثّل «آخر أوراق الضغط» المتاحة، غير أن هذا الطرح يفتقر إلى مقومات الدولة والاعتراف الدولي، مستشهدةً بتجربة «أرض الصومال» التي حصلت على اعتراف إسرائيلي منفرد، في مواجهة رفض صومالي وإقليمي واسع، مضيفة: أن "التعامل مع هذا السيناريو يستدعي الحذر والتنسيق المصري السعودي، لأن الملف يمس الأمن القومي المصري بشكلٍ مباشر، لارتباطه بأمن باب المندب وقناة السويس، ورفض أي محاولات لعسكرة البحر الأحمر خارج إطار التوافق الإقليمي".

وتصف دينا محسن، ما أُثير حول سعي المجلس الانتقالي للحصول على دعمٍ إسرائيليٍّ، بأنه نوعٌ من «الاستجداء السياسي»، يعكس ضعفًا عسكريًّا وسياسيًّا، ومحاولةً للبحث عن داعمٍ خارجيٍّ بأي ثمن، مؤكدةً أن هذه التحركات تفتقر إلى الواقعيّة، ولا يمكن فصلها عن حالة الاندفاع السياسي التي شابت إدارة الملف، مشددة على أن التعامل مع الأزمة اليمنيّة لا يمكن أن يتم عبر إقصاء طرفٍ يسيطر على جزءٍ كبيرٍ من البلاد، إذ أن الحوثيين يمثلون مكوّنًا رئيسيًّا لا يمكن تجاهله، وأن الحل يمر عبر التفاوض بمشاركة السعودية كطرفٍ أصيل.

ترى دينا محسن أن الحل في اليمن يمر عبر التفاوض، لا إقصاء الأطراف المسيطرة على الأرض.

وكانت وسائل إعلام عبرية، قد زعمت أن قوات انفصالية في جنوب اليمن، تتبع المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًا، فتحت “قنوات تواصل” مع جهات إسرائيلية سعياً للحصول على دعمٍ يخدم مصالح مشتركة تشمل حماية طرق الملاحة البحرية الحيوية في البحر الأحمر وباب المندب، مشيرة إلى أن اتصالات جرت بين ممثلين عن المجلس والدوائر الإسرائيلية. ولا تتضمن هذه التقارير المعلنة دليلًا على اتفاق دفاعي نافذ، وترد هنا بوصفها ادعاءات إعلامية تناقشها المصادر، لا علاقات عسكرية مثبتة.

غير أن ما يجري في اليمن لا يمكن توصيفه كانفصالٍ فعليٍّ حتى الآن، وإنما هو اتجاهٌ انفصاليٌّ تقوده أطرافٌ جنوبية، في مقدمتها المجلس الانتقالي، الذي كان قد بسط سيطرته على محافظتَي حضرموت والمهرة خلال ديسمبر، قبل إعلان الحكومة استعادتهما في 4 يناير، وهما من المحافظات ذات الأهمية الاستراتيجية، لإطلالهما على بحر العرب واتصالهما بحدود السعودية وعُمان؛ إذ أن هذه التحركات جاءت في سياق دعمٍ إماراتيٍّ غير منسقٍ مع باقي أطراف التحالف العربي، وهو ما دفع المملكة العربية السعودية إلى التدخل عسكريًّا، استجابةً لطلب الحكومة اليمنية الشرعية، واستهداف ما وصفه التحالف بشحنة دعم عسكري في المكلا، وهي الرواية التي نفتها الإمارات، وفقًا للسفير رخا أحمد حسن، عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية وعضو الجمعية المصرية للأمم المتحدة.

ويؤكد السفير أن الموقف الداعم للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا تشترك فيه دول الخليج ومصر، وأي تحرك خارج هذا الإطار يُعد خروجًا على التوافق العربي، ويهدد مسار التسوية السياسية، خاصة في ظل الهدنة القائمة ومحاولات إنهاء الصراع، ولافتًا إلى أن تقسيم الدول مبدأٌ مرفوضٌ مصريًّا، لتعارضه مع السياسة المصرية القائمة على الحفاظ على وحدة الدول وسلامة أراضيها ومؤسساتها، وهو موقفٌ تشاركه فيه السعودية، التي رأت في هذه التحركات خطرًا بالغًا قد يدفع اليمن إلى حربٍ أهليةٍ جديدة، هذه المرة داخل الجنوب نفسه.

يقول لـ"زاوية ثالثة": "إن المساعي الجارية حاليًّا لاحتواء التوتر، وعلى رأسها الدعوة إلى مؤتمرٍ يضم القوى الجنوبية، تحظى بتأييدٍ مصريٍّ واضحٍ، باعتبارها محاولةً لتقريب وجهات النظر والوصول إلى حلولٍ وسطٍ تحول دون تفجر الصراع، ولا تنبع خطورة المشهد اليمني فقط من تعقيداته الداخلية، وإنما من موقع اليمن الاستراتيجي المطل على باب المندب، وما يمثله ذلك من تأثيرٍ مباشرٍ على أمن البحر الأحمر والملاحة في قناة السويس، إذ أن أي تصعيدٍ جديدٍ في اليمن سيهدد أمن السعودية وعُمان، إلى جانب تداعياته الإقليمية الأوسع".

ويشير عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية وعضو الجمعية المصرية للأمم المتحدة، إلى أن اهتمام تل أبيب بمنطقة باب المندب ينبع من إدراكها لأهمية هذا الممر في التحكم بالملاحة في البحر الأحمر وقناة السويس، بعد الهجمات التي نفذها الحوثيون ضد سفن مرتبطة بإسرائيل، تزامنًا مع حرب الإبادة التي شنتها على غزة، ومن هذا المنطلق، يفسر السفير اعتراف تل أبيب بـ«أرض الصومال» أو «صوماليلاند» بأنه قد يمهد لإقامة قاعدةٍ أو تسهيلاتٍ عسكريةٍ تتيح لها الوصول إلى بحر العرب، وربما استخدام هذه النقطة كارتكازٍ استراتيجيٍّ في أي مواجهةٍ مستقبليةٍ مع إيران، وهو تخطيط طويل المدى، حال تحققه، سيمثل تهديدًا خطيرًا لاستقرار المنطقة.

وفي المقابل، يوضح حسن أن تعاون القاهرة مع جيبوتي يركز على تسهيلات بحرية ومركز تجاري يخدم التوزيع الإقليمي. وتكتسب جيبوتي أهميتها بوصفها المنفذ الرئيسي لتجارة إثيوبيا، الدولة الحبيسة. أما التعاون المصري الصومالي فيشمل التدريب والمساعدات العسكرية والتحضير للمشاركة المصرية في بعثة الاتحاد الإفريقي للدعم والاستقرار في الصومال «أوصوم». ولا يصح وصف هذه المشاركة بأنها إحلال مكتمل لقوات مصرية محل الإثيوبية: فبيان مجلس السلم والأمن الإفريقي الصادر في 15 ديسمبر 2025 كان لا يزال يتحدث عن استكمال إجراءات انتشار القوات المصرية، وطلب إبقاء قوات بوروندي مؤقتًا إلى حين وصولها.

وسبق أن وقعت مصر والصومال، في أغسطس 2024 ، بروتوكول تعاون عسكري، بهدف تدعيم قدرات الدولة الصومالية ومؤسساتها الوطنية، لحفظ الأمن والاستقرار، ومكافحة التنظيمات الإرهابية والمتطرفة، وفي سبتمبر 2024 وصلت إلى العاصمة الصومالية “مقديشو” شحنة من المساعدات العسكرية المصرية للجيش الصومالي.

ويشدد السفير على أن منطقة القرن الإفريقي ومدخل البحر الأحمر تشهد حالةً من الهشاشة وعدم الاستقرار، وهو ما يهم مصر بشكلٍ مباشرٍ، ويقدر نسبة التجارة العالمية المرتبطة بهذا المسار بنحو 14% في الظروف المعتادة، وهي تقديرات تتغير بحسب الفترة ومقياس التجارة المستخدم، مضيفًا أن المشهد الإقليمي بأكمله يعيش حالةَ توترٍ غير مسبوقة، في ظل حروبٍ وأزماتٍ ممتدةٍ في السودان، واليمن، وليبيا، وسوريا، ولبنان، وفلسطين، معتبرًا أن مصر باتت محاطةً بما يشبه "حزامًا ناريًّا" من الأزمات، مُعربًا عن أمله في أن تخرج القمة العربية المقبلة بقرارٍ جادّ لتوحيد الصف العربي، باعتباره المدخل الأساسي لإطفاء بؤر الصراع، وتحقيق الاستقرار والتنمية.

وتستعد السعودية لاستضافة الدورة الخامسة والثلاثين للقمة العربية في 2026، وفق ما أُعلن في مايو 2025، في ظل هذه الملفات المتزامنة التي يربط المتحدثون بينها وبين الحاجة إلى تنسيق عربي أوسع.

رفض سياسات الأمر الواقع

في السياق ذاته يرى السفير علي الحفني، نائب وزير الخارجية المصري الأسبق، أن ما يجمع المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة أكبر بكثير من أي خلافات عابرة قد تنشأ بين الحين والآخر نتيجة تباين المواقف أو السياسات، معتبرًا أن دعم التحالف العربي للنظام الشرعي في اليمن لعب دورًا مهمًا في وقف تدهور الأوضاع، ومهّد للدعوة إلى مؤتمر جامع يضم مختلف القوى الوطنية اليمنية شمالًا وجنوبًا، بهدف بحث جذور الخلاف والسعي إلى تسوية سياسية شاملة.

وفي أول رد فعل رسمي من القاهرة، عقب التطورات الأخيرة التي شهدها اليمن، أصدرت وزارة الخارجية والهجرة وشئون المصريين بالخارج، بيانًا في 30 ديسمبر 2025، أوضحت خلاله أنها تتابع باهتمام بالغ التطورات الأخيرة في اليمن، وأجرت اتصالات مع كافة الأطراف المعنية على مدار الساعة، متعهدة بمواصلة جهودها مع السعودية والإمارات، والجانب اليمني، وبقية الأطراف الإقليمية والدولية المعنية، لخفض التصعيد وتمهيد الطريق لتسوية سياسية شاملة، تحقق تطلعات الشعب اليمني في مستقبل آمن ومزدهر، وتعزز الأمن والاستقرار في المنطقة.

وفي إشارة منها للخلافات بين الرياض وأبو ظبي، أكدت الخارجية ثقة مصر في حرص المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة على التعامل بحكمة مع الوضع اليمني، وحرصهما على تحقيق الاستقرار في اليمن وحماية سيادته ومصالح شعبه.

وبدوره اجتمع الدكتور بدر عبد العاطي، وزير الخارجية والهجرة وشؤون المصريين بالخارج، مع هانس غروندبرغ، المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن، في 6 يناير 2026، ضمن لقاء قالت الخارجية المصرية إنه يهدف للتشاور بشأن التطورات في اليمن ودعم الجهود الأممية للتوصل إلى تسوية سياسية شاملة ومستدامة للأزمة.

ويشير نائب وزير الخارجية المصري الأسبق، إلى أن الموقف المصري ينطلق من كون مصر دولة عربية مسؤولة، وعضوًا فاعلًا في جامعة الدول العربية التي تحتضن القاهرة مقرها، وتسعى دومًا إلى الحفاظ على مؤسسات الدولة الوطنية، وتشجع الحلول السياسية وتسويات النزاعات، وترفض معالجة الأزمات بالعنف أو فرض الأمر الواقع، مشيرًا إلى أن مصر كثفت اتصالاتها بالسعودية والإمارات والدول المعنية ومبعوثي الأمم المتحدة.

يقول لـ"زاوية ثالثة": "مصر أيدت بقوة مؤتمر الرياض، للدفع نحو حل شامل يحافظ على وحدة اليمن وسلامة أراضيه ومؤسساته، يمتد هذا الموقف إلى منطقة القرن الإفريقي، حيث ترفض مصر سياسات فرض الأمر الواقع، ودعاوى الانفصال فيما يعرف بأرض الصومال، والذي تتعارض أي محاولات للاعتراف به من جانب إثيوبيا أو إسرائيل، مع ميثاق الأمم المتحدة، وميثاق جامعة الدول العربية، والوثيقة التأسيسية للاتحاد الإفريقي".

وفي هذا السياق يصف الحفني التحركات الإسرائيلية، بأنها ترمي إلى سكب الزيت على النار، وإيجاد موطئ قدم لها في منطقة القرن الإفريقي وباب المندب وخليج عدن، عبر مساعٍ لإقامة قواعد عسكرية، وهو ما من شأنه تأجيج النزاعات وزيادة التوتر، مشددًا على أن أمن البحر الأحمر وحرية الملاحة فيه يرتبطان ارتباطًا وثيقًا بالأمن الإقليمي في القرن الإفريقي واليمن، وأن القاهرة ترفض بشكل قاطع أي محاولات لإقامة قواعد أو أحلاف عسكرية في المنطقة، لما تمثله من تهديد للاستقرار، مشيرًا إلى استعداد مصر للمشاركة في بعثة الاتحاد الإفريقي في الصومال، التي تعمل بتفويض من مجلس الأمن، ولا تُعد قوة حفظ سلام أممية، وتعزيز علاقاتها مع دول المنطقة، ومنها الصومال الفيدرالي وجيبوتي وإريتريا، في إطار نهج يهدف إلى دعم الحد الأدنى من الاستقرار الإقليمي، وردع محاولات إشعال النزاعات أو عسكرة الخلافات.

فيما يشير السفير جمال بيومي، مساعد وزير الخارجية الأسبق، إلى أن الحكومة الإسرائيلية برئاسة بنيامين نتنياهو، محاصَرة بأزمات قانونية وسياسية، وأن مصلحتها تكمن في استمرار حالة الحرب، لكنها لا تملك القدرة ولا الجرأة على اتخاذ أي موقف عدائي مباشر تجاه مصر، في ظل حالة السلام والاستقرار على الحدود، مضيفًا أن الصمود الفلسطيني يمثل عامل طمأنينة لكون الحرب لم تنجح في دفعهم إلى مغادرة أرضهم، ويشير في المقابل إلى تقارير عن مغادرة إسرائيليين البلاد خلال الحرب، باعتبارها، في تحليله، مؤشرًا على الضغوط الداخلية.

فيما ينظر مساعد وزير الخارجية الأسبق، إلى التحركات المصرية في إريتريا وجيبوتي، على أنها تأتي في إطار ترسيخ حرية الملاحة وتعزيز الأمن القومي المصري، دون استهداف أي طرف، وتهدف لتعزيز الاستقرار الإقليمي وبناء شراكات قائمة على المصالح المشتركة.

يميز جمال بيومي بين حماية حرية الملاحة واستهداف دول أخرى، ويرى الشراكات الإقليمية مدخلًا للاستقرار.

تحركات استراتيجية لمصر في القرن الإفريقي

تزامنًا مع تحركات تل أبيب في "أرض الصومال"، أجرى الفريق كامل الوزير، نائب رئيس الوزراء وزير الصناعة والنقل المصري، زيارة رسمية إلى جيبوتي، في الفترة من 26 إلى 28 ديسمبر 2025، وشهد خلالها افتتاح محطة الطاقة الشمسية في قرية "عمر جكع" بمنطقة "عرتا"، وتفقد مرافق ميناء دوراليه، المنطقة الحرة، والمحطة اللوجستية المصرية، كما عقد مباحثات مع المسؤولين الجيبوتيين لتعزيز التعاون في الموانئ والطاقة والبنية التحتية والطرق والنقل، ووقع عددًا من الاتفاقيات لتعزيز التبادل التجاري وتشجيع الاستثمارات المصرية في جيبوتي.

ووقّعت القاهرة مع جيبوتي عدة اتفاقيات تعاون تشمل تطوير موانئ وبنى تحتية لوجستية ومشاريع للطاقة المتجددة في ميناء دوراليه، وهو موقع استراتيجي عند مدخل خليج تاجورة المتصل بخليج عدن، بالقرب من باب المندب، ما يعزز وجود مصر في ممرّات الملاحة البحرية الحيوية، وتركز هذه التحركات على تطوير وتعزيز الشراكات الاقتصادية واللوجستية مع جيبوتي، وتفيد تقارير صحفية أن مصر كثّفت تحركاتها الاستراتيجية في منطقة القرن الإفريقي انطلاقًا من جيبوتي لتعزيز نفوذها ومواجهة ما وصفته بتمدد النفوذ الإسرائيلي والإثيوبي في البحر الأحمر والقرن الإفريقي.

وفي تقرير نشرته «ذا ناشيونال» في 31 ديسمبر 2025، نقلت الصحيفة عن مصادر في القاهرة اتفاقات لتطوير ميناء أساب الإريتري ودوراليه في جيبوتي، تتضمن أرصفة تستطيع استقبال سفن حربية وإمكان نشر وحدات صغيرة. وهذه تفاصيل منسوبة إلى مصادر الصحيفة، وليست إعلانًا مصريًا رسميًا بإنشاء قواعد عسكرية. أما البيان الرسمي بشأن زيارة الوزير فأبرز التعاون في الموانئ والطاقة والمحطة اللوجستية. ويظل الفصل بين المشاريع الاقتصادية المعلنة والتسهيلات العسكرية التي تتحدث عنها مصادر غير مسماة ضروريًا لفهم حدود ما أُعلن.

بدورها توضح الدكتورة سارة كيرة، خبيرة العلاقات الدولية ومديرة المركز الأوروبي الشمال إفريقي للأبحاث السياسية، أن التحركات المصرية في البحر الأحمر والقرن الإفريقي تأتي في إطار إدراكٍ استراتيجيٍّ مبكرٍ لخطورة ما وصفته بمحاولات تطويق مصر وخنقها عند المدخل الجنوبي لقناة السويس، مؤكدةً أن تأمين باب المندب وبحر العرب يُعد مسؤوليةً مصريةً خالصةً، باعتباره «خاصرة» القناة وشريانها الحيويَّ الأهمَّ.

وتلفت الخبيرة إلى أن جيبوتي وإريتريا، بموقعيهما على البحر الأحمر ومدخله الجنوبي، تمثلان عمقًا استراتيجيًّا مباشرًا للأمن القومي المصري، مشددةً على أن إريتريا تحتل أهميةً خاصةً تفوق جيبوتي، نظرًا للعلاقات التاريخية الوثيقة التي تربطها بالقاهرة، لأن مصر كانت داعمًا رئيسيًّا لاستقلالها عن إثيوبيا، وهو ما لا تزال أديس أبابا تتحفظ عليه، معتبرة أن مصر تمتلك أقوى شبكة علاقات مع إريتريا في القرن الإفريقي، بما يجعل أي محاولاتٍ إماراتيةٍ أو إسرائيليةٍ للنفاذ إلى هذا البلد محدودةَ التأثير.

وفي حديثها لـ"زاوية ثالثة" تربط كيرة بين التحركات الإثيوبية في ملف المياه ومحاولاتها السعي للحصول على منفذٍ بحريٍّ على البحر الأحمر، معتبرةً أن هذه التحركات لا يمكن تفسيرها بحسن نية، بل تعكس مسعىً متكاملًا لتطويق مصر مائيًّا واستراتيجيًّا، لافتةً إلى أن المعلومات الاستخباراتية، بحسب قولها، كشفت عن دورٍ إسرائيليٍّ في تشجيع إثيوبيا منذ البداية، سواء عبر الترويج لأفكار بيع المياه أو عبر استخدام السد كأداة ضغطٍ سياسيةٍ طويلة المدى. ولم تقدم المادة وثائق استخباراتية يمكن التحقق منها مستقلًا لإثبات هذا الربط؛ وهو تقييم منسوب إلى كيرة، وليس واقعة موثقة عن دور إسرائيلي في قرارات السد.

وتقول كيرة إن التحرك المصري تجاه جيبوتي جاء من بوابة اقتصادية وتنموية، مستفيدًا من حاجتها للطاقة وتطوير الموانئ. وتقدر أن نحو 90% من التجارة الإثيوبية تمر عبر موانئ جيبوتي، وترى أن وجودًا مصريًا فاعلًا هناك قد يوفر ورقة ضغط اقتصادية على أديس أبابا. وتصف هذا النهج بأنه رد استراتيجي متكافئ على ما تسميه محاولات الخنق المائي.

وترى مديرة المركز أن الاعتراف الإسرائيلي الأحادي بـ«أرض الصومال» يمثل أخطر حلقات هذا المشهد، لأنه قد يعزز، في تقديرها، مساعي إثيوبيا للحصول على منفذ بحري ويمنح إسرائيل موطئ قدمٍ في منطقةٍ شديدة الحساسية بالنسبة لمصر، محذرةً من أن هذا السيناريو يشبه البدايات القانونية التي شهدها ملف كوسوفو، حيث يبدأ الأمر باعترافاتٍ محدودةٍ ثم يتوسع تدريجيًّا. لكن الاعتراف الإسرائيلي وحده لا يمنح إثيوبيا حقوق وصول بحري، ولا يغني عن ترتيبات منفصلة وموافقة الأطراف المعنية.

وتربط كيرة بين التحركات في البحر الأحمر والقرن الإفريقي وحرب غزة ومخططات التهجير، معتبرةً أن المواجهة بين مصر وإسرائيل باتت مباشرةً ولكنها «محددة الموقع» جغرافيًّا في ساحاتٍ أخرى غير الحدود التقليدية، مؤكدة على أن مصر لن تنتظر اكتمال الاعتراف الدولي بـ«أرض الصومال» أو ترسخ الوجود الإسرائيلي في البحر الأحمر، مشددةً على أن التحركات المصرية الحالية تهدف إلى قطع الطريق على أي محاولاتٍ لتهديد قناة السويس أو خنق الأمن القومي المصري.

وتربط كيرة التعاون العسكري بين إسرائيل واليونان وقبرص بالتنافس مع تركيا وموارد الغاز في شرق المتوسط، وتذهب في تحليلها إلى أنه يستهدف كذلك مصالح مرتبطة بالغاز السوري. ولا تتضمن المادة دليلًا مستقلًا على هدف الاستيلاء على غاز سوريا. وترى أن هذا التعاون لا يمثل تهديدًا مباشرًا لمصر، التي تستند إلى اتفاقات ترسيم الحدود ومنتدى غاز شرق المتوسط وقدرات تسييل الغاز. كما تشير إلى العقبات المالية والجيولوجية أمام التصورات المتداولة عن «قناة بن غوريون» بديلًا للسويس، وهي أفكار لا تعني وجود مشروع تنفيذي معلن وممول.

وترى كيرة أن المنطقة تشهد انقسامًا واضحًا في المواقف، موضحةً أن السعودية باتت تنجذب بقوة إلى مصر انطلاقًا من إدراكها لأهمية أمن البحر الأحمر والاعتبارات الجيوستراتيجية، وفي المقابل، تعتبر أن الدور الإماراتي يسعى إلى تقاسم النفوذ في المنطقة عبر بوابة اليمن، ودعم الانفصال في جنوبه، بالتوازي مع التحركات في «أرض الصومال»، التي تخدم في جوهرها أجندةً إسرائيليةً تهدف للسيطرة على مداخل باب المندب.

وتشير إلى أن المنطقة تشهد تشكُّلَ محاورَ إقليميةٍ جديدةٍ، في ظل تقاربٍ مصريٍّ سعوديٍّ تركيٍّ تحكمه سياسة «واحدة بواحدة»، محذرةً من أن القرن الإفريقي والبحر الأحمر مرشحان لأن يكونا «ساحة المعركة القادمة» في صراعات النفوذ الدولية، مؤكدة أن السيطرة على الممرات البحرية تعني السيطرة على الشرق الأوسط بأكمله.

الموانئ والطاقة والتجارة أدوات في التنافس الإقليمي، إلى جانب الحسابات العسكرية والدبلوماسية.

التنافس على الممرات البحرية ونقاط الاختناق

بدوره يرى أحمد سلطان، الباحث في الأمن الإقليميّ والإرهاب، أن المنطقة تشهد مرحلةً حاسمةً من إعادة رسم النفوذ وحدود القوّة، وأن فصول هذا الصراع لم تنته بعد، مرجحًا أن تكشف المرحلة المقبلة عن مواجهاتٍ استخباراتيّةٍ وأمنيّةٍ أعمق، قد لا تظهر تفاصيلها الآن، لكنها ستنعكس لاحقًا على شكل الإقليم ومستقبله، ويعتبر أن التطورات الجارية في اليمن لا يمكن فصلها عن الصراع الأوسع في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، مؤكّدًا أن جوهر ما يحدث هو صراعٌ جيوستراتيجيٌّ على «نقاط الاختناق» البحريّة، وفي مقدمتها باب المندب وبحر العرب، باعتبارهما من أهم الممرات الملاحيّة في العالم.

ويقول سلطان لـ«زاوية ثالثة» إن التنافس على هذه النقاط لا يقتصر على البعد الإقليمي، بل يرتبط بسياق دولي أوسع. ويستشهد بتصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب السابقة حول قناة السويس، معتبرًا أنها تعكس نزعة أمريكية للهيمنة على طرق التجارة العالمية. ويرى أن اهتمام واشنطن بالممرات الاستراتيجية ينعكس مباشرة على حسابات الأمن الإقليمي.

ويعتقد الباحث في الأمن الإقليمي أن ملفات السودان واليمن والصومال مترابطةٌ بشدّةٍ، ولا يمكن التعامل معها بمعزلٍ عن بعضها، لأن من يسيطر على الموانئ في اليمن و«أرض الصومال» يمتلك قدرةً مباشرةً على التحكم في باب المندب وخطوط الملاحة البحريّة، لافتًا إلى أن ما شهدته المنطقة في عامي 2023 و2024، مع دخول جماعة الحوثي كجبهة إسناد في حرب غزة، أظهر بوضوحٍ مدى تأثير هذه الصراعات على الملاحة الدوليّة.

ويضيف: أن "الصراع الدائر في اليمن، لا سيما في الجنوب ومحافظة حضرموت، يتجاوز كونه نزاعًا على الموارد النفطيّة، ليصبح صراعًا على الوصول إلى بحر العرب وباب المندب، في إطار مساعٍ للسيطرة على واحدةٍ من أخطر نقاط الاختناق البحريّة عالميًّا"، مشيرًا إلى أن حضرموت تمثل أهميةً استراتيجيّةً كبرى، ليس فقط لثرواتها، بل لكونها بوابةً محتملةً لمنافذ بديلة في حال تصاعد التوتر في مضيق هرمز.

ويوضح أن بحر العرب يُعد مسارًا بديلًا محتملًا للملاحة الدوليّة في حال إغلاق مضيق هرمز، وهو سيناريو واردٌ في ظل التوترات المستمرة مع إيران، التي تمتلك، بحسب تقديره، ثلاث أوراقٍ رئيسيّة: البرنامج النوويّ، والقدرات الصاروخيّة، ومضيق هرمز. وأكد أن أي تهديدٍ مباشرٍ لجوهر الدولة الإيرانيّة قد يدفع طهران إلى استخدام ورقة إغلاق المضيق، وهو ما يجعل أمن بحر العرب مسألةً حيويّةً للسعوديّة بالأساس. جغرافيًا، لا يتيح الإبحار في بحر العرب وحده تجاوز هرمز للسفن الموجودة داخل الخليج؛ فالمنافذ البديلة التي يناقشها هذا التصور تحتاج إلى نقل بري أو خطوط أنابيب وموانئ خارج المضيق. ومن ثم فإن الحديث هنا عن خيارات لوجستية محتملة، لا طريق بحري جاهز يلغي وظيفة هرمز.

وفي هذا السياق، يشدد سلطان على أن السعودية لا يمكنها القبول بخسارة حضرموت، لأن ذلك يمس أمنها القوميّ وحدودها البريّة الممتدة مع اليمن، ويفتح الباب أمام سيناريوهاتٍ أخطر، من بينها تدخلٌ إسرائيليٌّ محتملٌ عبر وجودٍ استخباراتيٍّ أو عسكريٍّ، وهو احتمال يربطه بالاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال، دون أن يثبت الاعتراف وحده إنشاء قاعدة. وأكد أن القضية الجنوبيّة في اليمن حقيقيّةٌ من حيث المظالم التاريخيّة، لكنها لا تُحل بالانفصال، خصوصًا في ظل صراعٍ إقليميٍّ ودوليٍّ معقّدٍ.

كما يعتبر أن الاعتراف الإسرائيليّ بـ«أرض الصومال»، لا يمكن فصله عن حرب غزة، معتبرًا أن السابع من أكتوبر مثّل لحظةَ تسريعٍ حادّةٍ للتحولات الاستراتيجيّة في المنطقة، موضحًا أن إسرائيل تسعى إلى تأسيس وجودٍ استخباراتيٍّ وعسكريٍّ في القرن الإفريقيّ، والسيطرة على الموانئ، بما يمنحها نفوذًا بحريًّا مؤثرًا في باب المندب.

ويشير إلى أن التحركات المصريّة في إريتريا وجيبوتي لا تُعد تحركاتٍ استباقيّةً بقدر ما هي استكمالٌ لمواجهةٍ قائمةٍ بالفعل، في إطار تنافسٍ بين مشروعين: مشروعٍ يهدد الأمن القوميّ المصريّ والعربيّ، وآخر يسعى إلى تثبيت الاستقرار وتأمين النفوذ الإقليميّ، وتتقاطع فيه مصالح مصر والسعوديّة ودولٍ عربيّةٍ أخرى. واعتبر أن الصراع الحالي هو صراع «قوّةٍ شاملةٍ»، لا يقتصر على البعد العسكريّ، بل يشمل الأبعاد الاقتصاديّة والاستخباراتيّة والسياسيّة.

ولا يفصل أحمد سلطان توقيع إسرائيل واليونان وقبرص، في 22 و23 ديسمبر 2025، خطة عمل ثلاثية للتعاون العسكري لعام 2026، عن الترتيبات الجيوستراتيجيّة الأوسع في شرق المتوسط، ولا عن التنافس مع تركيا، مشيرًا إلى أن إسرائيل تسعى، في ظل ما وصفه بـ«نشوة القوّة» بعد السابع من أكتوبر، إلى فرض نفسها كقوة هيمنة إقليميّة.

تقدم المقابلات قراءة للأزمات الممتدة من جنوب اليمن إلى أرض الصومال، مرورًا بالنيل والسودان، باعتبارها ساحات متداخلة للتنافس الإقليمي والدولي. ويرى المتحدثون أنها قد تهدد موقع مصر في الأمن البحري والتجارة العالمية، من خليج عدن إلى جنوب البحر الأحمر وقناة السويس. لكن وصفها بأنها حلقات في مخطط واحد يظل تفسيرًا سياسيًا للمصادر، لا نتيجة تثبتها الوثائق المتاحة؛ فلكل ساحة أطرافها وتطوراتها ومصالحها المتعارضة.

وتعكس الشراكات المصرية مع الصومال وجيبوتي وإريتريا، إلى جانب موقف القاهرة الداعم للجيش السوداني في مواجهة قوات الدعم السريع، محاولة لتعزيز الحضور الإقليمي وحماية المصالح المصرية. وفي تقدير المصادر، تفتح المخاوف المشتركة بشأن الملاحة بابًا لتنسيق أوسع مع السعودية ودول المنطقة. ويبقى اختبار هذا التنسيق في قدرته على خفض التصعيد وصون سيادة الدول، بدل تحويل الموانئ والممرات البحرية إلى ساحات جديدة للصراع.

آية ياسر
صحافية وكاتبة وروائية مصرية حاصلة على بكالوريوس الإعلام- جامعة القاهرة.

Search