تستهدف الحكومة رفع الحد الأدنى للأجور للعاملين بها إلى 15 ألف جنيه بحلول 2029-2030، لكن تحليل زاوية ثالثة يطرح تساؤلات عن القوة الشرائية التي لن تزيد عن 6.2 آلاف جنيه بأسعار اليوم
يتابع أحمد راجي، وهو صحفي بمنصة إخبارية مصرية، كلمة رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، أثناء تغطيته ختام منتدى مصر 2026. أعلن مدبولي استهداف رفع الحد الأدنى للأجور للعاملين بالجهاز الإداري للدولة إلى 15 ألف جنيه بحلول 2029-2030، مقابل 8 آلاف جنيه حاليًا. دون راجي الرقم في مسودة خبر، وبينما يحرر الفقرات، بدأ في حساب نسبة الزيادة المنتظرة، قبل أن يتوقف عند راتبه، فهو يتقاضى 7196 جنيهًا شهريًا، ليسأل نفسه: كم سيصبح راتبه إذا تحرك بالوتيرة نفسها؟ وكم تساوي هذه الزيادة بعد أربع سنوات؟ إلا أنه لم يكتب نتيجة تحليله في خبره.
قبل نحو ثلاث سنوات، وفي يوليو 2023، رفعت الحكومة الحد الأدنى للأجور من 2700 جنيه إلى 3 آلاف جنيه، قبل أن ترفعه الحكومة بحلول يناير 2024 إلى 3500 جنيه، ثم إلى 6 آلاف جنيه في مايو 2024، ثم إلى 7 آلاف جنيه اعتبارًا من مارس 2025، قبل أن تستقر عند 8 آلاف جنيه اعتبارًا من يوليو 2026. قفز الحد الأدنى للأجور بنحو 167% اسميًا خلال أقل من ثلاث سنوات، حسب تحليل زاوية ثالثة، إلا أنه لم يجاوز في جميع الفترات الزمنية عتبة 150 دولارًا حسب سعر الصرف الرسمي المعلن من قبل البنك المركزي المصري.
يصف الخبير الاقتصادي ونائب رئيس حزب التحالف الشعبي الاشتراكي إلهامي الميرغني، سيناريو تحليل القوة الشرائية للحد الأدنى المستهدف للأجور في 2030 بأنه مبادرة مهمة ومحاولة علمية لتقدير القيمة الحقيقية للزيادات المرتقبة، مشيرًا إلى ضرورة اعتبار تأثير الزمن وتغيرات الأسعار. ويضيف أن تحليل زاوية ثالثة في التقرير الحالي، يفتح المجال لمزيد من البحث والتدقيق في مدى انعكاس زيادات الأجور على مستويات المعيشة.
الأجور تقفز 167%.. فماذا سيبقى من الزيادة المنتظرة؟
قبل إعلان الحكومة استهداف رفع الحد الأدنى للأجور إلى 15 ألف جنيه بحلول نهاية 2029-2030، وبين الزيادتين، يفكر راجي عن مقدار ما احتفظت به زيادات الحد الأدنى للأجور من قدرتها على شراء السلع والخدمات في ظل التضخم وتراجع قيمة الجنيه، خلال السنوات الثلاث الماضية، بينما تنوي الحكومة تكرار سيناريو مشابه خلال السنوات الثلاث المقبلة. حيث تعني خطة مدبولي المعلنة زيادة اسمية في الحد الأدنى للأجور قدرها 87.5% خلال الفترة المتبقية حتى 2029-2030، حسب تحليل زاوية ثالثة، لكن: كم ستكون القيمة الحقيقية لهذا المبلغ عند حلول موعد تنفيذه؟
لا تعني زيادة الأجر الاسمي تحسنًا مماثلًا في مستوى المعيشة. فقد سجل معدل التضخم السنوي في المدن المصرية 35.7% في فبراير 2024، قبل أن يتراجع إلى 13.9% في سبتمبر 2026، وفق بيانات البنك المركزي المصري. وهذا التراجع يعني تباطؤ وتيرة ارتفاع الأسعار لا عودتها إلى مستوياتها السابقة، حسب الخبير الاقتصادي الدكتور حسن الصادي، ما يجعل قياس أثر الزيادات على القوة الشرائية أكثر تعقيدًا من مقارنة المرتب قبل القرار وبعده، كما يقول لزاوية ثالثة.
تشير أحدث توقعات البنك المركزي المصري المتاحة في تقرير السياسة النقدية للربع الثاني من 2026 إلى أن متوسط التضخم السنوي قد يبلغ 16.6% في 2026-2027، قبل أن يتراجع إلى 8.1% في 2027-2028، مع توقع عودته إلى النطاق الأحادي خلال النصف الثاني من 2027 في السيناريو الأساسي. وحذر صندوق النقد الدولي في مراجعة برنامجه مع مصر الصادرة في يوليو 2026 من أن التضخم قد يرتفع إلى 16.7% في النصف الثاني من 2026، بفعل ارتفاع أسعار الطاقة وتراجع سعر الصرف وآثار سنة الأساس غير المواتية، كما أشار إلى تأخر العودة إلى النطاق المستهدف للتضخم بنحو عام.
يرى الخبير الاقتصادي الدكتور عبد النبي عبد المطلب، أن تحديد حد أدنى للأجور عند 15 ألف جنيه شهريًا قد يكون مناسبًا عند استقرار مستويات الأسعار الحالية، لكنه يشير إلى أن الحفاظ على القوة الشرائية خلال السنوات المقبلة ليس مضمونًا، في ظل احتمالات زيادة أسعار الطاقة واستمرار التقلبات في الأسواق العالمية، لا سيما أسعار الغذاء والنفط. ويوضح لزاوية ثالثة، أن أي تقديرات للقوة الشرائية تقوم على افتراض ثبات العوامل الأخرى، وهو افتراض يصعب تحققه في ظل الواقع الحالي المتجه إلى زيادة أسعار الطاقة، ذاكرًا أن أي زيادات محتملة في أسعار الكهرباء والغاز والبنزين والسولار ستنعكس على معدلات التضخم، ومن ثم على القيمة الحقيقية للأجور.
التضخم يطل برأسه.. والأسعار لا تعود إلى الوراء
تشير تقديرات «فيتش سوليوشنز» إلى أن مسار تراجع التضخم في مصر سيظل مرتبطًا بمدى استقرار سعر الصرف وقرارات تحريك أسعار الوقود والخدمات، الذي يفترض تحسن الأوضاع الجيوسياسية والنقدية. وحسب تحليل زاوية ثالثة، تكشف حركة سعر الصرف منذ 2023 وحتى الآن عن تراجع الجنيه أمام الدولار، إذ ارتفع سعر الدولار من نحو 31 جنيهًا بنهاية 2023 إلى 55.89 جنيهًا في أكتوبر 2026، بزيادة تعادل نحو 80.3%، ما يعني أن زيادة تكلفة تدبير الدولار ارتفعت بنحو أربعة أخماس مستواها المسجل بنهاية 2023، بما يشير إلى ضخامة انتقال أثر سعر الصرف إلى الأسعار المحلية خلال السنوات الثلاث الماضية.
يبين عبد النبي عبد المطلب أن الحفاظ على استقرار القوة الشرائية خلال السنوات الثلاث المقبلة مرهون بالسيطرة على التضخم، معتبرًا أن بقاءه دون مستوى 10% يمثل شرطًا لتقليل تآكل قيمة الدخول، مع ضرورة مراعاة السيناريوهات المختلفة التي قد تؤثر في الأسعار وسعر الصرف. ويوضح لزاوية ثالثة، أن مسار الأسعار في الفترة المقبلة يرتبط بعوامل يصعب التنبؤ بها، من بينها تطورات الأوضاع الجيوسياسية. ويشير إلى أن ارتفاع الطلب على الطاقة نتيجة التوسع العمراني قد يزيد الضغوط على العملة المحلية ويرفع الأسعار ومعدلات التضخم، ذاكرًا أن طرح حد أدنى للأجور عند 15 ألف جنيه دون ربطه بمسار الأسعار المتوقع أو تناول أوضاع المعاشات، قد يكون محاولة لتهدئة المواطنين بعد موجات ارتفاع الأسعار، لكنه لا يكفي وحده لضمان تحسن مستدام في مستويات المعيشة.
الدولار والوقود.. فاتورة تهدد الأجور
منذ 2023، امتدت الزيادات إلى أسعار الغاز المستخدم في السيارات والمنازل، إذ ارتفع سعر المتر المكعب من غاز السيارات من 4.50 جنيه في مارس 2023 إلى 13 جنيهًا في مارس 2026، بزيادة بلغت 188.9%، حسب تحليل زاوية ثالثة للأسعار الرسمية. وفي الوقت نفسه، قفز سعر أسطوانة البوتاجاز المنزلية زنة 12.5 كيلوجرام من 75 إلى 275 جنيهًا، كما ارتفع سعر الأسطوانة زنة 25 كيلوجرامًا من 150 إلى 550 جنيهًا، بزيادة بلغت 266.7% لكل منهما خلال الفترة نفسها. وتعني هذه الأرقام أن أسعار أسطوانات البوتاجاز ارتفعت إلى نحو 3.7 أمثال مستوياتها في مارس 2023، بينما تضاعف سعر غاز السيارات بنحو 2.9 مرة.
يقول إلهامي الميرغني إن زيادة الأجور المستهدفة، البالغة 87.5%، حسب تحليل زاوية ثالثة، وهي تعادل زيادة سنوية مركبة نحو 23.3% إذا احتُسبت على مدى ثلاث سنوات، بينما تبلغ الزيادة الحسابية البسيطة نحو 29.2% سنويًا من الراتب الحالي البالغ 8 آلاف جنيه، وفق تصريحه. ويضيف لزاوية ثالثة، أن تجاوز التضخم التراكمي خلال الفترة المقبلة نسبة الزيادة الاسمية المستهدفة سيؤدي إلى تآكل الدخل الحقيقي، مشيرًا إلى ما شهدته مصر خلال 2023 و2024 من ارتفاعات الأسعار الكبيرة وانخفاض القدرة الشرائية.
وكذلك، امتدت الزيادات خلال السنوات الثلاث الأخيرة إلى البنزين بأنواعه الثلاثة منذ 2023، إذ ارتفع سعر لتر بنزين 80 من 8.75 جنيه في مارس 2023 إلى 20.75 جنيه في مارس 2026، بزيادة بلغت 12 جنيهًا، أو نحو 137.1%، حسب تحليل زاوية ثالثة للأسعار الرسمية. كما صعد سعر لتر بنزين 92 من 10.25 جنيه إلى 22.25 جنيه، بزيادة قدرها 12 جنيهًا، تعادل 117.1%، بينما ارتفع بنزين 95 من 11.50 جنيه إلى 24 جنيهًا للتر، بزيادة بلغت 12.50 جنيه، أو نحو 108.7% خلال الفترة نفسها. وتكشف المقارنة أن بنزين 80 سجل أعلى نسبة زيادة بين الأنواع الثلاثة، بينما تجاوزت الزيادة في أسعار البنزين عمومًا 100% خلال ثلاث سنوات.
أما في أسعار استهلاك الكهرباء المنزلية، تكفي بيانات 2026 في توضيح الواقع، فقد رفعت الوزارة في أبريل 2026 الشرائح التجارية والمنزلية الأعلى بمتوسط نحو 20% مع تثبيت الشرائح المنزلية حتى 2000 كيلووات، ثم أعلنت في يوليو 2026 زيادة باقي الشرائح المنزلية بمتوسط نحو 12%، قائلة إن الدولة تتحمل نحو 100 مليار جنيه (2.07 مليار دولار) سنويًا فارقًا بين كلفة الإنتاج والتعريفة.
وامتدت الزيادات إلى السولار، حيث ارتفع سعر اللتر من 8.25 جنيه في مايو 2023 إلى 20.50 جنيه في مارس 2026، بزيادة 12.25 جنيه، تعادل نحو 148.5%، حسب تحليل زاوية ثالثة وفق الأسعار الرسمية. وبذلك، ارتفعت أسعار السولار إلى نحو 2.5 ضعف مستوياتها في مايو 2023، وهو ما يرفع تكاليف تشغيل وسائل النقل والأنشطة التي تعتمد على الوقود، مع تفاوت أثر ذلك على تكاليف الإنتاج وأسعار السلع بحسب طبيعة النشاط ومدى انتقال الزيادة إلى المستهلك النهائي.
انتقلت آثار الأزمة الاقتصادية إلى الغذاء، بعد ارتفاع أسعار الوقود وسعر الصرف، حيث شهدت أسعار الغذاء قفزة كبيرة خلال السنوات الأخيرة. وبحسب بيانات مؤشر أسعار المستهلكين للأغذية في مصر المنشورة عبر قاعدة بيانات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «فاو»، ارتفع المؤشر من 253 نقطة في 2022 إلى 415 نقطة في 2023، ثم إلى 551.7 نقطة في 2024، قبل أن يبلغ 580.5 نقطة في 2025، بزيادة تراكمية بلغت نحو 129.4% خلال ثلاث سنوات، حسب تحليل زاوية ثالثة. وتكشف الأرقام أن 2023 شهد الزيادة السنوية الأكبر بنحو 63.8%، تلاه ارتفاع بنسبة 32.9% في 2024، ثم تباطؤ الزيادة إلى 5.2% في 2025.
والأكثر أهمية أن وثائق صندوق النقد الدولي الخاصة ببرنامج مصر تتحدث عن العودة إلى تطبيق آلية التسعير التلقائي للوقود، بحيث تعكس الأسعار تكاليف الاسترداد، مع مراجعات دورية ترتبط بتغير السعر بعاملي سعر خام برنت بالدولار وسعر صرف الجنيه مقابل الدولار، وتنص الآلية الواردة في وثائق البرنامج على حدود للتغير في السعر تصل إلى زيادة أو انخفاض بنسبة 10%.
يعلق عبد النبي عبد المطلب بأن مصر من الدول المستوردة للغذاء وأنها معرضة لتأثيرات تحركات الأسعار العالمية، خاصة القمح والزيوت. وفي حال استقرار الأسعار، كما يقول لزاوية ثالثة، قد يمثل حد 15 ألف جنيه مستوى معقولًا للحد الأدنى للأجور، حسب وصفه، لكنه يوضح أن تعطل شحنات الغذاء أو ارتفاع أسعار النفط إلى ما يتجاوز 120 دولارًا للبرميل قد يغير الحسابات بصورة كبيرة. وفيما يتعلق بقياس القوة الشرائية، يرى عبد المطلب أن الاعتماد على متوسطات الزيادة في المؤشرات الاقتصادية وتحويلها إلى نسب مئوية ثم تطبيقها على القيم المستهدفة قد يكون أكثر ملاءمة من الاعتماد منفردًا على توقعات التضخم طويلة الأجل. مشيرًا إلى أن تحليل زاوية ثالثة للأرقام يعد الأقرب للواقع لاعتماده على متوسطات المعدلات الاقتصادية في الرصد.
الغذاء.. زيادات تتجاوز 600% في بعض السلع
ويدعم واقعية الزيادات المسجلة في أسعار السلع الغذائية الأساسية اتجاه مؤشر أسعار الغذاء الذي ارتفع من 100 نقطة في 2015 إلى 580.5 نقطة في 2025، بزيادة تراكمية بلغت 480.5%، وفق قاعدة بيانات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «فاو»، ارتفاع أسعار السلع الأساسية بنسب تدور حول الزيادة المحققة، فعلى سبيل المثال، بين مارس 2015 ومارس 2026، قفز متوسط سعر الطماطم من 3.5 جنيه إلى 26.7 جنيه بزيادة نحو 663%، بينما ارتفع متوسط سعر لتر اللبن الحليب (السائب) من 7.3 جنيه إلى 34.5 جنيه بنسبة زيادة 372.6%، كما صعد متوسط سعر دجاج المزارع من 26.2 جنيه إلى 112.5 جنيه بزيادة 329.4%، وارتفع سعر الفول التدميس من 15.1 جنيه إلى 56.6 جنيه، بنسبة 274.8%، حسب تحليل زاوية ثالثة للأسعار الرسمية عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.
وهكذا، لم تقتصر موجة ارتفاع أسعار الغذاء على سلعة بعينها، بل امتدت إلى منتجات يعتمد عليها المستهلك المصري في استهلاكه اليومي، مع تفاوت معدلات الزيادة بين السلع. كما أن ارتفاع بعض الأسعار بنسب تتجاوز الزيادة المسجلة في المؤشر العام لا يمثل تناقضًا، إذ يعكس المؤشر متوسط التغير في مجموعة أوسع من السلع، بينما تتأثر أسعار المنتجات الفردية بعوامل مثل المواسم وتكاليف الإنتاج والنقل وحجم المعروض.
يحذر الميرغني من استمرار الضغوط على الأسعار خلال الفترة المقبلة، في ظل ارتفاع سعر الدولار خلال الأسابيع الأخيرة من مستويات تراوحت بين 48 و49 جنيهًا إلى نحو 56 جنيهًا، فضلًا عن محدودية الصادرات وتأثر إيرادات قناة السويس وارتفاع فاتورة الواردات وضعف الإنتاج الزراعي والصناعي. ويوضح لزاوية ثالثة، أن الاعتماد على استيراد سلع أساسية، من بينها القمح والذرة والفول والعدس والأدوية ومستلزمات الإنتاج، يعرض الأسعار المحلية للتأثر بتغيرات سعر الصرف وتكلفة الاستيراد.
ولا تتوقف الضغوط التضخمية عند ارتفاع أسعار السلع الأساسية أو زيادة تكلفة الطاقة، بل تمتد إلى اللحوم، التي تمثل أحد أبرز بنود الإنفاق الغذائي للأسر المصرية، حسب تحليل زاوية ثالثة للأسعار الرسمية المنشورة عبر بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. وتكشف مقارنة الأسعار بين يناير 2023 ويوليو 2026 عن زيادات تراوحت بين 25% و32% في أصناف اللحوم المشهورة بالأسواق؛ إذ ارتفع سعر كيلو الضأن من متوسط 322 جنيهًا إلى 425 جنيهًا، بزيادة تعادل نحو 32%، فيما صعد سعر البتلو من متوسط 299 جنيهًا إلى 394 جنيهًا، بزيادة تدور حول 31%. وفي السياق نفسه، ارتفع سعر اللحوم المستوردة من متوسط 216.5 جنيه إلى 273 جنيهًا للكيلو، بنسبة 26%، بينما زاد سعر الكندوز من متوسط 323 جنيه إلى 404 جنيهات، بنحو 25%.
وتشير الأسعار إلى استمرار ارتفاع تكلفة شراء اللحوم مقارنة بمستويات مطلع 2023، مع تفاوت نسب الزيادة بين الأصناف. ولا تقتصر أهمية هذه الزيادات على قيمتها الاسمية، بل تتصل بتأثيرها المحتمل على قدرة الأسر على الحفاظ على مستويات استهلاكها السابقة، خصوصًا عندما تتزامن مع ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة وتكاليف المعيشة الأخرى. كما يشير ذلك إلى مدى تراجع القدرة الشرائية، إذ لم ترتفع الأجور والدخول خلال الفترة نفسها بما يكافئ تلك الزيادات السعرية، ويظل ذلك من مقاييس تغير الاستهلاك أو القدرة على تحمل الإنفاق.
يوضح عبد النبي عبد المطلب أن معدل التضخم يعكس متوسط التغير في أسعار مجموعة من السلع والخدمات، وقد يتأثر بانخفاض أسعار بعض السلع أو ارتفاعها بصورة مؤقتة، بما لا يعكس بالضرورة التغير الفعلي في تكلفة معيشة كل أسرة. ويضيف لزاوية ثالثة، أن حساب الأثر التراكمي للتضخم على الأجور يواجه صعوبة إضافية في ظل عدم توافر بيانات كافية، فضلًا عن أن أسعار الفائدة في مصر لا تتحرك بصورة مباشرة وتلقائية مع معدلات التضخم، على عكس ما يحدث في اقتصادات تتبع قواعد أكثر ارتباطًا بين المؤشرين.
على خطى الحكومة
تأسيًا بالحكومة، تورد زاوية ثالثة، التحليل الآتي:
ارتفع إجمالي الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية في الموازنة العامة المصرية من نحو 454.8 مليار جنيه خلال العام المالي 2022-2023 إلى 832.3 مليار جنيه في موازنة 2026-2027، بزيادة اسمية بلغت نحو 377.5 مليار جنيه، تعادل 82.9% خلال أربع سنوات مالية. تحتسب زاوية ثالثة هذه المخصصات بالدولار وفق متوسط سعر الصرف في كل عام لينكشف مسار مختلف، إذ تراجعت قيمتها من نحو 17.78 مليار دولار في 2022-2023 إلى 15.81 مليار دولار في 2023-2024، ثم إلى 12.99 مليار دولار في 2024-2025، قبل أن ترتفع إلى 15.08 مليار دولار في 2025-2026، وتصل إلى نحو 15.96 مليار دولار في موازنة 2026-2027.
ويعني هذا التحليل العابر الذي تورده زاوية ثالثة، أن الزيادة الاسمية في مخصصات الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية لم تُترجم إلى زيادة في قيمتها المحسوبة بالدولار، فعلى الرغم من ارتفاع المخصصات بالجنيه بنحو 82.9% مقارنة بمستواها في 2022-2023، فإن قيمتها الدولارية المقدرة في 2026-2027 تظل أقل بنحو 1.82 مليار دولار، أو 10.2%، من مستواها في 2022-2023.
وإذا كانت الحكومة مستهدفة رفع الحد الأدنى للأجور للعاملين بالجهاز الإداري للدولة من 8 آلاف جنيه حاليًا إلى 15 ألف جنيه بحلول 2029-2030، فإن قياس أثر هذه الزيادة لا يتوقف عند حساب الفارق بين الرقمين، البالغ 87.5%، بل يمتد إلى ما ستشتريه هذه الأموال عند حلول موعد تنفيذ القرار، بناء على ما شهدته السنوات الثلاث الماضية من ارتفاعات متتالية في أسعار السلع والخدمات.
ويشير الميرغني إلى أن تقدير القوة الشرائية للأجور خلال السنوات المقبلة يتطلب مزيدًا من الدراسات بشأن تطور أسعار المجموعات السلعية المختلفة وبناء سيناريوهات للتغيرات المحتملة في أسعارها، بدلًا من الاكتفاء بمقارنة الزيادة الاسمية في الرواتب بمستوياتها الحالية. كما يبين لزاوية ثالثة، أن الضغوط لا تقتصر على الغذاء والوقود، بل تمتد إلى تكاليف السكن والخدمات الأساسية، مشيرًا إلى زيادة بنسبة 15% في قيمة الإيجارات القديمة، إلى جانب أسعار الكهرباء والمياه والغاز وأسطوانات البوتاجاز.
15 ألف جنيه في 2030.. كم تساوي بأسعار اليوم؟
وفق سيناريو أعدته زاوية ثالثة، تقدم تجربة السنوات الثلاث الماضية أساسًا لاختبار هذا الوعد، فبحسب بيانات مؤشر أسعار المستهلكين للأغذية في مصر المنسوبة إلى قاعدة بيانات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، ارتفع المؤشر من 253 نقطة في 2022 إلى 580.5 نقطة في 2025، بزيادة تراكمية بلغت نحو 129.4%. وتعني هذه الزيادة أن أسعار الأغذية التي يقيسها المؤشر أصبحت تعادل نحو 2.3 مرة مستوياتها في 2022، رغم تباطؤ معدل الزيادة السنوية في 2025 مقارنة بالعامين السابقين.
وإذا امتدت الوتيرة نفسها إلى الفترة المتبقية حتى 2030، فإن معدل الزيادة المركب في مؤشر الغذاء سيبلغ نحو 31.9% سنويًا. بإسقاط هذا المعدل حسابيًا على نحو ثلاث سنوات ونصف، وهي الفترة التقريبية حتى نهاية 2029-2030، فإن أسعار الغذاء ستصبح أعلى بنحو 164% مقارنة بمستويات أكتوبر 2026، إذا استمرت الوتيرة ذاتها.
في هذا السيناريو، تعادل 15 ألف جنيه للأجور في 2030 من حيث القوة الشرائية المرتبطة بالغذاء نحو 5700 جنيه بأسعار اليوم، أي أقل من الحد الأدنى الحالي البالغ 8 آلاف جنيه حاليًا، كما أن الزيادة الاسمية المستهدفة 87.5%، لن تكون كافية في هذا السيناريو لمعادلة الزيادة المفترضة في أسعار الغذاء.
ولا تقتصر دلالة الزيادات على أسعار السلع، بل تمتد إلى سعر الصرف، الذي يمثل أحد العوامل المؤثرة في تكلفة الواردات ومدخلات الإنتاج. فبحسب تحليل زاوية ثالثة، ارتفع سعر الدولار من نحو 31 جنيهًا بنهاية 2023 إلى 55.89 جنيهًا في أكتوبر 2026، بزيادة تقارب 80.3%. وإذا استمرت وتيرة الارتفاع السنوية المركبة المسجلة خلال تلك الفترة حتى نهاية 2029-2030، فقد يقترب سعر الدولار من 116 جنيهًا. وفي هذا السيناريو، تعادل الـ15 ألف جنيه المستهدفة للأجور نحو 129 دولارًا، مقارنة بنحو 143 دولارًا للقيمة الحالية للحد الأدنى البالغ 8 آلاف جنيه، عند سعر الصرف المستخدم في الحساب.
ولاختبار ما قد تعنيه زيادة الحد الأدنى للأجور إلى 15 ألف جنيه بحلول 2030 في ميزانية الأسرة، يمكن إسقاط وتيرة ارتفاع أسعار اللحوم خلال السنوات الثلاث الماضية على الفترة المقبلة. فوفق تحليل زاوية ثالثة، ارتفع سعر البتلو بنسبة نحو 31.8% خلال السنوات الثلاث الماضية. وإذا تكررت الزيادات التراكمية نفسها حتى 2030، فقد يصل سعر كيلو البتلو إلى نحو 519 جنيهًا، والضأن إلى نحو 562 جنيهًا، فيما يقترب الكندوز من 506 جنيهات، والمستورد من 345 جنيهًا.
ويظهر سيناريو أسعار البنزين، حسب تحليل زاوية ثالثة، ارتفاع سعر لتر بنزين 80 بنسبة 137.1%، وبنزين 92 بنسبة 117.1%، وبنزين 95 بنسبة 108.7%. وإذا استمرت وتيرة الارتفاع السنوية المركبة نفسها حتى 2030، فقد يقترب سعر لتر بنزين 80 من 57 جنيهًا، وبنزين 92 من 55 جنيهًا، وبنزين 95 من 57 جنيهًا. وبناء على هذه الأسعار، فإن أجرًا يبلغ 15 ألف جنيه سيشتري نحو 264 لترًا من بنزين 80، مقابل نحو 386 لترًا يشتريها أجر 8 آلاف جنيه بأسعار الآن.
وإذا استمرت زيادة أسعار السولار خلال السنوات المقبلة بالمعدل السنوي المركب نفسه المسجل بين مارس 2023 ومارس 2026، فقد يصل سعر اللتر إلى نحو 69 جنيهًا بحلول 2030، مقابل 20.50 جنيه حاليًا. ووفق هذا السيناريو، لن تكفي زيادة الحد الأدنى للأجور من 8 آلاف إلى 15 ألف جنيه للحفاظ على قدرة الموظف على شراء الكمية نفسها من السولار، إذ ستتراجع الكمية التي يشتريها من نحو 390 لترًا إلى 217 لترًا تقريبًا، بانخفاض يقترب من 44%. كما أن السولار لا يُستهلك فقط بصورة مباشرة، بل يدخل في تكلفة نقل السلع وتشغيل أنشطة إنتاجية وخدمية ولذلك تنتقل زياداته إلى أسعار أخرى.
ويكشف تحليل زاوية ثالثة، أن استمرار وتيرة السنوات الثلاث السابقة قد يدفع سعر أسطوانة البوتاجاز المنزلية إلى 1200 جنيه بحلول 2030، مقابل 275 جنيهًا الآن، فيما قد يقترب سعر الغاز الطبيعي المستخدم وقودًا للسيارات من 45 جنيهًا للمتر المكعب، مقابل 13 جنيهًا حاليًا. وفي هذا السيناريو لن تكفي زيادة الحد الأدنى للأجور من 8 آلاف إلى 15 ألف جنيه للحفاظ على القدرة الشرائية نفسها تجاه هذين البندين، إذ ينخفض عدد أسطوانات البوتاجاز التي يمكن شراؤها بالأجر من نحو 29 إلى 12 أسطوانة، كما تتراجع كمية الغاز المخصصة للسيارات من نحو 615 إلى 335 مترًا مكعبًا.
ولا تتوقف تكلفة المعيشة عند أسعار الغذاء والوقود، فالكهرباء أيضًا مرشحة لاختبار قدرة الزيادة الاسمية في الأجور على مواكبة تكاليف الخدمات الأساسية. وتُظهر مقارنة تعريفة 2023 بالأسعار المنشورة في 2026 أن الزيادات اختلفت بوضوح من شريحة إلى أخرى. وإذا امتدت المعدلات السنوية المحسوبة على الفترة نفسها حتى 2030، فقد تتجاوز تكلفة الكيلووات في بعض الشرائح 3 جنيهات، وتقترب من 6 جنيهات في الشريحة الأعلى استهلاكًا.
ولاختبار مستهدف الحكومة رفع الحد الأدنى للأجور إلى 15 ألف جنيه بحلول العام المالي 2029-2030 عند مقارنة الرقم الجديد بالأجر الحالي البالغ 8 آلاف جنيه، أعدت زاوية ثالثة سيناريو حسابيًا يستند إلى متوسط معدلات الزيادة السنوية المركبة في سبعة مؤشرات، تشمل سعر الدولار وأسعار الغذاء والبنزين والسولار والبوتاجاز والغاز الطبيعي للسيارات وتعريفة الكهرباء المنزلية. ويبلغ المتوسط الحسابي لزيادة هذه المعدلات نحو 34.1% سنويًا، بالاستناد إلى تطور الأسعار خلال السنوات الثلاث السابقة. ويطبق هذا السيناريو المعدل على ثلاث سنوات، بخلاف سيناريو الغذاء المحسوب على ثلاث سنوات ونصف. وحسب السيناريو، يرتفع مستوى الأسعار بنحو 2.41 مرة مقارنة بمستواه الحالي بحلول 2030.
وحسب سيناريو زاوية ثالثة، فإن الحد الأدنى المستهدف 15 ألف جنيه، لن تعادل قوته الشرائية سوى نحو 6.2 آلاف جنيه بأسعار أكتوبر 2026، أي أقل بنحو 22.5% من القوة الشرائية للحد الأدنى الحالي البالغ 8 آلاف جنيه. وتعني هذه النتيجة أن الزيادة الاسمية للحد الأدنى للأجور بنسبة 87.5% بحلول 2030، قد لا تكون كافية للحفاظ على القدرة الشرائية الحالية إذا استمرت معدلات الزيادة كما كانت خلال السنوات الثلاث الأخيرة.
ينوه الميرغني إلى أن ضعف المنافسة وهيمنة بعض الاحتكارات والوكالات الأجنبية على قطاعات من السوق قد يزيدان من صعوبة احتواء الأسعار المستقبلية، بما ينعكس على قدرة الأسر على تلبية احتياجاتها. ويذكر لزاوية ثالثة، أن تقييم مستهدف رفع الحد الأدنى للأجور إلى 15 ألف جنيه لا ينبغي أن يتوقف عند حجم الزيادة النقدية المعلنة، بل يجب أن ينطلق من قدرتها الفعلية على مواكبة ارتفاع تكاليف المعيشة، فوفق طرحه، يعد المعيار الأساسي هو مقدار ما يستطيع العامل شراءه بأجره بعد الزيادة وليس قيمة الراتب الاسمية وحدها.
يُنهي أحمد راجي الشيفت في مكان عمله، بينما يتسلم منه زميله ليتابع تغطية مدبولي واحتفاء الإعلام بها، بينما ينطلق هو إلى مكان عمله الآخر بمنصة إخبارية مختلفة، ليقضي شيفت عمل ليلي إضافي لتحسين دخله الشهري.
