«محاكمة» سيريالية للصحافة المصرية.. كنت صحفية وجعلوني «مجرمة»

هدير المهدوي تكتب عن محاكمة لينا عطاالله ومعركة بقاء الصحافة المستقلة في مصر.
Picture of هدير المهدوي

هدير المهدوي

منذ الثلاثاء الماضي، أُصارع شعورًا بالهزيمة؛ هزيمة شخصية تتشابك مع هزيمة عامة أكبر منها وأقسى. فما كان اختياري العمل في الصحافة، طوال العشرين عامًا الماضية، إلا محاولةً لشدّ الخيط الواصل بين الخاص والعام؛ فالصحافة، في جوهرها، مهنة الشأن العام.

وهي المهنة التي حلمت بها منذ الصغر، ونشأتُ على حكايات جدي إسماعيل المهدوي، الصحفي في «الجمهورية» و«المساء»، وجدتي زينات الصباغ، الصحفية في «أخبار اليوم»، وعلى سيرتيهما وهما يجدان في الصحافة إحدى أهم وسائل الاشتباك مع الواقع؛ رصدًا وتحليلًا أحيانًا، وسعيًا إلى تغييره أحيانًا أخرى.

وقد دفع جدي وجدتي ثمن هذا الاشتباك، في الصحافة والعمل العام، سنواتٍ طويلةً من عمرهما في السجون خلال الخمسينيات والستينيات، وامتدت محنة جدي إسماعيل إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير.

في تلك الساعات الطويلة التي لا تنتهي، ساعات الانتظار أمام محكمة القاهرة الجديدة يوم الثلاثاء الماضي، كانت رئيسة تحرير موقع «مدى مصر» لينا عطاالله تُحاكَم، وكانت جلسة تجديد حبس زملائي الستة في منصة «متصدقش» تنتظر: محمد أشرف أبو عميرة، وعبدالله قدري، وإسلام بركات، ومحمد عادل، وعمر هلال، ومحمد محمود. لم يكن الحكم الذي أنتظره يخص لينا والزملاء الستة وحدهم، فقد كنت أنتظر حكمًا يصدر عليّ أنا أيضًا. ورأيت العشرين عامًا الماضية من عمري تتهاوى في غمضة عين: أصدرت نيابة أمن الدولة العليا قرارها باستمرار حبس زملائي الستة بسبب عملهم الصحفي وحده، ثم قضت المحكمة، في جلسة واحدة، بتغريم لينا عطاالله ثلاثة ملايين جنيه وإغلاق الموقع، فجاء الحكم ضربةً قاصمة.

عرفت في سنوات عملي بالصحافة تقلبات كثيرة: فترات ارتباك، وفترات ذهبية، وفترات تدهور، كانت كلها مرآة لما يجري حولنا من تبدلات سياسية واقتصادية واجتماعية. لكننا لم نبلغ من قبل هذا الحد من الانحدار، ولم يتهدد وجودنا كله بمثل هذا الخطر. كنا نقرأ عن قمع الحريات في عهود الفاشية، وفي القلب منها حرية الصحافة، ولم نتخيل، حتى في أشد كوابيسنا، أننا سنعيش يومًا ما هو أسوأ من ذلك. وجاء الثلاثاء، السابع والعشرون من أكتوبر الجاري، ليكون واحدًا من أشد أيام الصحافة المصرية سوادًا في تاريخها.

لكن تفاصيل ما جرى ذلك اليوم كانت أفزع حتى من الحكم الصادر في الجلسة الأولى. لم تكن المؤشرات مبشرة منذ الصباح؛ فقد مُنع الصحفيون من الدخول لتغطية محاكمة لينا عطاالله، بل مُنعت مسئولة لجنة الحريات بنقابة الصحفيين إيمان عوف من الحضور معها. ثم جاءت المفاجأة حين رفض القاضي محمد مبارك، رئيس المحكمة، كل طلبات هيئة الدفاع، بما فيها الإطلاع والمرافعة، وعيّن بدلا منها محاميا آخر لتمثيل لينا رغم رفضها هي، قبل أن يُخلي القاعة، وينطق الحكم في اللحظة ذاتها التي اعتُقلت فيها لينا من داخل قاعة المحكمة، إلى أن تُدفع الغرامة الضخمة. وبالتوازي، تقرر تجديد حبس زملائنا في «متصدقش» دون تحقيق، ودون حتى حضورهم، بل عبر «الفيديو كونفرانس» وحده.

في الخارج، وقفنا منذ الصباح الباكر؛ عشرات الصحفيين والأحباء والأصدقاء والمحامين والحقوقيين، نحاول جميعا تمرير هذا الوقت الثقيل المشحون بالقلق، وننتظر خروج أحد المحامين كل حين ليخبرنا بما يجري سرا في الداخل. اعتدت منذ سنوات على هذه الساعات الضائعة من عمرنا، ومن عمر زملائنا ورفاقنا، في انتظار التحقيقات والتجديدات أمام نيابة أمن الدولة العليا. وفي ظهر يوم المحاكمة، ذهبنا إلى مقهى قريب من المحكمة، فأعطاني صديق نسخة كانت معه من رواية «المحاكمة» لفرانز كافكا، وضحكنا من فرط المصادفة، كيف أن هذه الرواية بالذات هي الأنسب لهذا اليوم؛ ومع ذلك، لم نتخيل أبدا أن عبث محاكمة كافكا سيتحقق حرفيا على بعد خطوات منا، في أثناء محاكمة لينا.

ثم جاء ما هو أكثر «غرائبية» من أدب كافكا نفسه، بعدما أصدر المجلس الأعلى للقضاء بيانًا لاحقًا ينفي فيه ما ذكرته هيئة الدفاع عن «مدى مصر» بشأن إجراءات أخلّت بضمانات المحاكمة العادلة. ورغم إقرار البيان بعدم تمكين هيئة دفاع لينا عطاالله من الاطلاع على أوراق القضية، وانتداب المحكمة محاميًا آخر رغم وجود هيئة دفاع تضم عددًا كبيرًا من المحامين، فقد حمل البيان مفاجأة أخيرة لنا، وللينا عطا الله نفسها، حين أعلن أنها وقّعت تنازلًا عن حقها في استئناف الحكم الصادر بحقها.

طوال الشهر الماضي، كنت أحمل في حقيبتي كل يوم الرواية المصورة «وقت الشدة»، لأحمد عصام السيد وعلي بغدادي، برسوم محمود رفعت، وأنا أتجه إلى النقابة. كنت أبحث عن كتاب أقرؤه في ساعات انتظاري هناك، فوقعت عيني عليه، ولفت نظري ما بين أحداثه، وهي تدور في زمن «الشدة المستنصرية»، وبين وضعنا الحالي من تشابه غريب. فنحن بالفعل في شدة، بل في شدة أشد وطأة، لأنها تجاوزت الجوع وتسللت إلى كل تفصيل من تفاصيل حياتنا. بدأت شدتنا منذ سنوات، وزادت بالتدريج، قبل أن تتسارع تسارعًا حادًّا في الشهر الأخير وحده.

بالتزامن مع التحضير لـمنتدى عرض إنجازات الحكومة، الذي انعقد بين التاسع عشر والرابع والعشرين من أكتوبر، ألقت الأجهزة الأمنية القبض على ستة من زملائنا الصحفيين دفعة واحدة، في أواخر سبتمبر الماضي. وكان هؤلاء الستة يشكّلون كامل فريق التحرير في منصة «متصدقش»، المتخصصة في الصحافة الاستقصائية وتدقيق المعلومات.

وأثبت الصحفيون لاحقًا في أقوالهم أمام جهات التحقيق تعرّضهم للتعذيب، فيما يتجدّد حبسهم احتياطيًا منذ ذلك الحين، على ذمة اتهامات بـ«نشر أخبار كاذبة والانضمام إلى جماعة إرهابية». ووصفتهم النيابة العامة، في بيان أصدرته، بأنهم «منصة إعلامية تابعة للإخوان»، وقالت إنهم، وفقًا لتحريات الأمن الوطني، يعملون على «نشر الشائعات والأخبار والبيانات الكاذبة، والتشكيك في أداء مؤسسات الدولة لدفع المواطنين للتظاهر».

أي أن حبس الصحفيين الستة لا يستند، في جوهره، إلى شيء سوى عملهم الصحفي، الذي باتت الدولة تتعامل معه باعتباره جريمة في حدّ ذاته.

ولم تمض سوى أيام قليلة حتى استدعت نيابة أمن الدولة العليا زميلتنا الصحفية رشا عزب، وحققت معها ،ثم أخلت سبيلها بكفالة عشرة آلاف جنيه، على ذمة اتهام بـ«الترويج لارتكاب أعمال إرهابية»، على خلفية منشور عبّرت فيه عن رأيها على موقع «إكس». وفي غضون أسبوعين فقط، استدعت النيابة نفسها الزميلة الصحفية لينا عطاالله للتحقيق، بتهمة «نشر أخبار كاذبة في الداخل والخارج وإدارة موقع بدون ترخيص»، وأخلت سبيلها بكفالة مائة ألف جنيه. وفي اليوم التالي، أحالتها إلى المحاكمة بتهمة «إدارة موقع بدون ترخيص»، فحوكمت في جلسة واحدة لا تتسع لدفاع.

اجتمعنا في نقابة الصحفيين بعد يومين من القبض على زملائنا في «متصدقش». وفي طريقي إلى الاجتماع، استحضرت ذاكرتي لحظة سابقة مشابهة، وإن اختلف سياقها كثيرًا عن اللحظة الراهنة: اقتحام قوات الأمن مقر نقابة الصحفيين في الأول من مايو 2016، للقبض على زميلين صحفيين اعتصما داخله. وكانت الأجهزة الأمنية قد داهمت منزليهما للقبض عليهما على خلفية مشاركتهما في مظاهرة «يوم الأرض»، المناهضة لاتفاقية إعادة ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية، التي تضمنت نقل السيادة على جزيرتي تيران وصنافير إلى السعودية.

في تلك اللحظة، ودون اتفاق مسبق، توافد الصحفيون إلى النقابة من مختلف الاتجاهات والتيارات السياسية، حتى صرنا بالمئات. وأعلنّا اعتصامًا استمر أكثر من شهر، انعقدت خلاله الجمعية العمومية لنقابة الصحفيين، واتخذت قرارات استثنائية ردًّا على الاقتحام.

لكن اليوم لا يشبه البارحة؛ فكل ما استعدناه من معركة الأمس كان شعار «الصحافة ليست جريمة» وحده. كنا مجموعة صغيرة، بيننا وجوه لم أرَها منذ أزمة اقتحام النقابة في مايو 2016. أعطينا النقابة مهلة لتتحرك، ثم اجتمعنا مجددًا يوم السبت الثالث من أكتوبر، بعدما بدا واضحًا أن مسار التفاوض لن يُفضي إلى حلول، وأعلنّا اعتصامًا رمزيًا مفتوحًا حتى الإفراج عن زملائنا.

نظمنا خلال هذا الاعتصام فعاليات تضامنية محدودة؛ كانت الأولى ندوة نظمتها لجنة الحريات بالنقابة لمناقشة قانون منع الحبس في قضايا النشر، وكانت الثانية أمسية تضامنية نظمها الصحفيون المعتصمون، تضمنت معارض صور وكاريكاتير لنضالات الصحافة والنقابة، ورسائل كتبناها لزملائنا المحبوسين، وأخيرا «قعدة حكي» مع شيوخ المهنة، نتعلم منهم دورنا كصحفيين ودور نقابة الصحفيين، الذي بدا أن البعض قد نسيه في خضم هذه الهجمة. فيما أعلنت لاحقا ثماني منصات صحفية مستقلة في مصر ولبنان وتونس وسوريا تضامنها، بأن تقوم بدور «منصة متصدقش» الغائب أثناء «منتدى الإنجازات»، في كشف الحقائق وتصحيح بيانات الحكومة.

لكننا بعد أسبوعين تقريبا، قررنا تعليق الاعتصام، لضعف حضور الجماعة الصحفية ومشاركتها فيه. استمر وجودنا في النقابة، لكن بوتيرة أقل انتظاما. وفي الحقيقة، رغم إدراكي أن المشهد السياسي يختلف كثيرا عن مشهد 2016، وأن الجماعة الصحفية أُنهكت بشدة في السنوات الأخيرة، إلا أن هذا الضعف وقلة الحيلة، من نقابة الصحفيين ومن الجماعة الصحفية على حد سواء، فاجآني. فكيف وصلنا إلى هنا؟

ظلت الصحافة في ذهني، طوال حياتي المهنية، مهنةً ترتبط ارتباطًا وثيقًا بما يجري حولها. أما اليوم فقد صرنا جميعًا مجرمين، أو مجرمين محتملين، لأننا نحاول التمسك بالحقيقة وألا نكون بوقًا للدعاية الحكومية، ولأننا ما زلنا نسعى، بصعوبة وتحت التهديد، إلى أداء دورنا بمهنية واستقلالية. وتصاعدت الهجمة ضدنا حتى صار علينا أن نعيد شرح أنفسنا ومهنتنا وأهميتها للمجتمع، بعدما فسدت المهنة، وفسدت العلاقة بينها وبين المواطنين، بفعل سلطة احتكرت الصحافة وأمّمتها لتصبح صوتًا واحدًا لا يعلو على صوت الإنجازات.

لقد كبرت أيضا على تاريخ نقابة الصحفيين النضالي الطويل في الدفاع عن حريات المواطنين وحقوقهم. فنقابة الصحفيين شهدت في منتصف الخمسينات انتصارا كبيرا للنساء المصريات، حين لجأ إليها عدد من الناشطات النسويات، بينهن درية شفيق، فاعتصمن وأضربن عن الطعام مطالبات بحق النساء في التصويت والترشح السياسي في دستور مارس 1954، فحصلن عليه. وفي نهاية السبعينات وبداية الثمانينات، قادت نقابة الصحفيين معركة كبرى ضد اتفاقية كامب ديفيد للسلام بين مصر وإسرائيل، وضد التطبيع، حاول السادات على إثرها تحويل النقابة إلى ناد اجتماعي، لكنها قاومت ذلك بقوة لم تنكسر.

ثم مجددا في نهاية الثمانينات، وقفت نقابة الصحفيين، بنقيبها الموالي للدولة آنذاك إبراهيم نافع، في وجه انتهاكات وزير الداخلية وقتها زكي بدر ضد الصحفيين والمواطنين، حتى انتهى الأمر باعتذار بدر، ثم إقالته لاحقا. ووقفت النقابة أيضا في معركة طويلة ضد القانون 93 لسنة 1995 الذي أراد مبارك تمريره، والذي كان يقيد حرية الصحافة. ثم احتج الصحفيون مجددا عام 2006 ضد مشروع قانون يسمح بالحبس في قضايا النشر، وصولا إلى أحدث معارك الصحفيين الكبرى، ضد اقتحام النقابة في 2016، التي كنت أنا والمئات من زميلاتي وزملائي جزءا منها.

طوال هذه السنوات، كانت نقابة الصحفيين قلعة الحريات كلها؛ ففي داخلها وعلى سلالمها لجأ آلاف المواطنين يطالبون بحرياتهم وحقوقهم على اختلافها، ويدفعون هامش الحرية إلى أن يتسع بضعة سنتيمترات، وفي هذا الهامش الضيق كنا نفعل الكثير. ومن المؤسف أن تقف النقابة اليوم بهذا الضعف أمام هجمة غير مسبوقة على الصحافة، في معركة وجودية تخص المهنة بأكملها، فلا يصدر عنها سوى بضع بيانات ومذكرات ودفوع قانونية. بل تُهاجَم هذه البيانات نفسها من بعض أفراد الجماعة الصحفية باعتبارها «تهورًا»، ويردد آخرون ما تروجه السلطة عن الصحفيين الملاحقين، دون أن يثبت ذلك قانونيًا بعد، ويدعون النقابة إلى التخلي عن زملائهم، وعن دورها في حمايتهم وحماية المهنة.

لكن في حقيقة الأمر، هذا كله بدأ تدريجيا منذ 2013، في مصر بصفة عامة، وفي الصحافة بصفة خاصة؛ حيث حُجبت المواقع الصحفية المستقلة، واحتكرت الدولة الصحف والمواقع والمنصات الإعلامية، بعد أن أمّمتها عبر شركتها «المتحدة»، فيما انحدرت مصر إلى المرتبة 169 من بين 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة الذي تصدره مؤسسة مراسلون بلا حدود، وبلغ عدد الصحفيين المحبوسين فيها 26 صحفيا وصحفية. هذا بخلاف الحصار والتضييق السياسي والأمني على الصحافة عموما، وفي القلب منها الصحافة المستقلة، بينما ابتلع الحصار الاقتصادي والاجتماعي الصحفيين جميعا، دون استثناء.

فقد نجحت السلطة في تكبيل الصحافة سياسيا، ثم أغرقت أهلها في أزمة لقمة العيش. فبحسب بيان صادر عن نقابة الصحفيين في المؤتمر السادس للصحافة، ديسمبر 2024، يتقاضى 72٪ من الصحفيين المصريين أجورا أقل من الحد الأدنى للأجور المحدد قانونا، فيما يعمل 13٪ منهم بلا أجر على الإطلاق. وفيما واجه صحفيون عاملون بمواقع مثل «البوابة نيوز» و«الفجر» و«الوفد» وحتى «بي بي سي» مشكلات تتعلق بالأجور، لجأ مالكو «البوابة» و«الفجر» إلى التصفية وفصل الصحفيين تعسفيا، تهربا من دفع مستحقاتهم. وثمة أزمة أخرى تواجه الصحفيين المصريين، هي فصلهم تعسفيا، فيما يتجاوز عدد الصحفيين المؤقتين في الصحف القومية السبع مئة، لا يُعيَّنون في مؤسساتهم ولا بالتبعية في النقابة، رغم مرور سنوات طويلة على ممارستهم المهنة. هذا كله بخلاف أزمة الصحفيين الإلكترونيين، الذين لا يحظون بالاعتراف أو بالحماية، بل يُتلاعَب بهم سياسيا في بعض الأحيان.

في هذه السنوات العجاف، ضاقت مساحة الصحافة المستقلة أكثر فأكثر، ولهذا تحديدا تضاعفت أهميتها؛ فهي الوحيدة التي بقيت تحاول توثيق ما يجري في الواقع، لا ما تدّعيه الحكومة. لذا استهدفتها السلطات بالحجب، وبالمطاردة الأمنية والقضايا، وباقتحام مقراتها، ورفض تراخيصها أو تعليقها؛ ومع ذلك، استمرت في العمل، بصعوبة، لكنها استمرت.

صارت الصحافة المستقلة حائط الدفاع الأخير عن المهنة. فبينما تحولت الصحافة المؤممة إلى مجرد وسيلة لنشر بيانات الحكومة وتعليماتها، التي تُرسَل عبر «السامسونج»، عن حياة وردية وهمية يعيشها المواطنون في ظل الرخاء والإنجازات، وعن أخبار نجوم الفن وكرة القدم، وحالة الطقس والفلك كل يوم؛ كانت الصحافة المستقلة تسائل ما تدّعيه الحكومة، وتستمر في تدقيق ما يُعرض على الناس باعتباره «إنجازات»، وتنقل صوت المواطنين وأزماتهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. فربما تكون صحافة «التعليمات» هي ما تريده السلطة، لكنها بالتأكيد ليست الصحافة التي يستحقها هذا المجتمع.

حاولت أسرتي توجيهي إلى طريق آخر غير الصحافة، فرفضت، والتحقت بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، ليكون لدي ما يكفي من فهم لما يجري حولي، فأتمكن من الاشتباك معه عبر عملي الصحفي مستقبلا. تركت خلفي رغبتي في دراسة الفنون التشكيلية، واستعددت للعمل في مهنة «البحث عن المتاعب» كما يسمّيها بعضهم. رأيت نفسي، وأنا مراهقة ساذجة، كسوسن الصحفية في فيلم «بطل من ورق»، تطارد الحقيقة في الشارع. ولم تكن تلك سذاجة في الحقيقة، فلسنوات طويلة كان عملي في الصحافة هو بالضبط مطاردة الحقيقة في الشوارع.

كانت أمي تسخر مني في بداية عملي بالصحافة، قائلة إنني اخترت هذه المهنة لأنني «شوارعية»، أحب أن أبقى في الشارع طوال الوقت. لكنني لم أعمل في الصحافة طوال العشرين عاما الماضية لأنني مصابة بفرط الحركة، ولا لأنني شخص اجتماعي يحب مخالطة الناس والبقاء في الشوارع، بل لأنني أريد أن أكون حاضرة، شاهدة على ما يجري حولي، أوثقه للحاضر والتاريخ والمستقبل معا.

حين بدأت عملي في الصحافة عام 2006، كنت في مقتبل شبابي، وفي كامل حماستي للبحث عن الحكايات التي تستحق أن تُحكى. وبعد أن تدربت شهورا قليلة في مجلة حكومية، انتقلت للعمل في جريدة يومية معارضة، حيث تعلمت الصحافة واختبرتها بحق. وكانت السنوات بين 2007 و2011 سنوات حيوية، شخصيا ومهنيا وسياسيا. كانت هناك الصحف القومية الثلاث: الأهرام والأخبار والجمهورية، وبعض الصحف الحزبية: الوفد والأهالي والكرامة، وبدأت الصحف الخاصة، التي ظهرت في مطلع الألفية، تتوسع أيضا: الدستور والشروق والمصري اليوم وصوت الأمة والبديل، التي عملت فيها سنوات. وفي هذه الفترة الحيوية، تنقلت بين زوايا القاهرة، بل بين المحافظات كلها، بحثا عن الحدث، وبحثا عن الحكاية.

قابلت العمال المضربين في المصانع طلبًا لتحسين أوضاعهم المعيشية، وقابلت ضحايا الظلم والتعذيب في أقسام الشرطة، وقابلت النساء المعنفات اللاتي يتعرضن للتمييز، وقابلت الأقليات الدينية التي تتعرض للعنف الطائفي والتمييز. قابلت الصيادين الذين يعانون ضيق العيش في المكس بالإسكندرية، وصيادي قناة السويس الممنوعين من الصيد، وفلاحي الفيوم الذين يموتون أو يفقدون أعضاء من أجسادهم أثناء تصنيع بمب العيد. وعشت مع المرضى في مستشفيات حكومية متدهورة، ومع أطباء عاجزين لضعف الإمكانات ولسوء أوضاعهم، وعشت مع ضحايا كارثة الدويقة الذين لم يحصلوا على شقق بديلة. ولذلك، حين بحثت عنا الشرطة لمنعنا من التغطية الصحفية، كان هؤلاء الأهالي هم من حمونا وساعدونا على الهروب من الأمن.

العمل الميداني هو أساس العمل الصحفي؛ فما الحقيقة إن لم تراها بعينك؟ وما الصحافة إن لم تكن في قلب الحدث؟ وكيف تكون لك مصادر لا تعرفهم ولا يعرفونك؟ كنا في ذلك الوقت في شد وجذب دائم، نحن الصحفيون والسلطة، ننجح أحيانا ونفشل أحيانا، لكننا لم نتوقف عن دفع الحواجز. ثم اندلعت ثورة يناير 2011، فأطاحت بالحواجز كلها، وفتحت «الهاويس» بالقوة، لمساحات وهوامش أرحب وأوسع، لحياة مشتركة، ولآمال في وطن عادل حر، يعيش فيه الناس بكرامة. ومع هذا الانتعاش العام، انتعشت الصحافة، وكانت سنواتها الذهبية بين 2011 و2013.

للمرة الأولى في مصر، كانت هناك حرية رأي وتعبير بحق، حتى في الصحف القومية والقنوات الموالية للدولة. سرت الحماسة في عروق الجميع، وافتُتحت عشرات المنصات الصحفية والقنوات الإعلامية الخاصة، ونوقشت فيها كل القضايا المهمة دون خوف ودون خطوط حمراء. ومن رحم الثورة أيضا، وُلد عشرات الصحفيات والصحفيين الشباب، الذين بدأوا الصحافة دون أن يدركوا ذلك، بنقل أحداث الثورة عبر هواتفهم وحساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، قبل أن تلتقطهم الصحف والمواقع والقنوات الكثيرة، الجديدة منها والقديمة التي صارت أكثر انتعاشا، فعملوا فيها بمزيد من الاحترافية، حاملين كاميراتهم وأقلامهم. وانضم إلى الصحافة عشرات من هذا الجيل، ما زال معظمهم إلى اليوم يعمل في مواقع مستقلة، لم يُمنح عضوية نقابة الصحفيين، أو أُجبر على ترك الصحافة، وربما ترك البلاد، بعد أن نُكّل به أمنيا في مراحل الهزيمة اللاحقة.

خلال الفترة الذهبية، كانت الصحافة تقوم بعملها بحق، تنقل صوت الناس بحق، وتراقب السلطة دون خوف؛ إلا أن هذا، بالطبع، لم يدم طويلا. فمع هزيمة الثورة، وانتصار الثورة المضادة رسميا عام 2014، انقلب الوضع تماما. لم نخسر مكتسبات الثورة فقط، بل خسرنا تدريجيا مساحة الشد والجذب التي كانت موجودة دائما بين الصحافة والسلطة في مصر، حتى فقدناها بالكامل.

منذ 2014، اشتدت القبضة الأمنية، وأُعيد فرض الحواجز التي كانت الثورة قد أزاحتها، وسقط سقف الحرية على رؤوسنا جميعا. انقطعت أقدام الصحفيين والمصورين عن الشوارع تدريجيا، بعد مضايقات أمنية طاردت حتى حاملي الكارنيهات النقابية والصحفية، وازدادت أخبار التوقيف والقبض على صحفيين يحاولون تغطية الأحداث في الشارع، وكان الشباب المنضم حديثا إلى المهنة هو الأكثر دفعا للثمن. وحتى الصحافة الأجنبية لم تسلم من القبضة الأمنية، فزاد التحريض ضدها واستهدافها، واستهداف الصحفيين المحليين العاملين معها، حتى اضطر معظم المراسلين الأجانب إلى نقل مكاتبهم خارج مصر، إلى بيروت أو تونس أو إسطنبول. هذا وسط احتكار الدولة، عبر أجهزتها ورجالها، لكثير من المواقع الصحفية والقنوات التلفزيونية، عبر شركتها «المتحدة للخدمات الإعلامية»، مع استهداف الصحفيين والإعلاميين المستقلين، إما بالسجن، أو بالمنع من العمل.

في حياتي المهنية، عملت في صحف خاصة، قبل أن تؤممها الدولة، وراسلت صحفا ومواقع عربية ودولية. ومنذ 2014 تقريبا، أعمل في مواقع إلكترونية مستقلة، من بينها موقع «مدى مصر»، الذي عملت فيه خمس سنوات، بخلاف من أراسلهم الآن بصفة حرة من مواقع صحفية مستقلة، هي أيضا مهددة.

في هذه السنوات، قمت، وغيري من الصحفيين المستقلين، بواجبنا في تغطية موضوعات شديدة الصعوبة والقسوة، لا ذكر لها في الصحافة المؤممة؛ مثل سجن المعارضين السياسيين واستهدافهم، ومثل العنصرية والكراهية ضد اللاجئين والمهاجرين، والتعنت ضدهم أمنيا وترحيلهم، ومثل الوضع المعيشي المتأزم للمواطنين، بسبب سياسات اقتصادية حكومية لا تلتفت إليهم ولا تراهم، ومثل العنف الطائفي والعنف الجنسي، وقضايا «قيم الأسرة المصرية» التي تُحبَس بسببها فتيات ونساء ظننّ أن بإمكانهن التعبير عن أنفسهن بحرية. هذا كله بخلاف شح المعلومات المتاحة عن كثير من الملفات، التي صارت الدولة تتعامل معها جميعا باعتبارها «موضوعات أمن قومي». وصرنا، كل صباح في صالات التحرير، ونحن نتناقش في مستجدات «القمع» اليومية لتغطيتها، مضطرين إلى مناقشة كيف نتجنب أن نتعرض نحن أيضا للقمع، دون أي ضمانات، أو على الأقل كيف نكون مستعدين لذلك.

وفي هذه السنوات العجاف، رأينا زملاءنا الصحفيين يتساقطون أمامنا، بالسجن أو بالملاحقات القضائية أو بالتهديد. ولا أنكر أن هذا الوضع بث الرعب في نفسي وفي نفوس زملائي؛ ففي أثناء تغطيتي بعض القصص الشائكة، فكرت في استخدام اسم مستعار، وراجعت بعضها قانونيًا، لكنني عشت في قلق دائم بسبب عملي في الصحافة. ثم شهدنا ما هو أسوأ من ذلك، إذ صار المصادر الذين يعبّرون عن رأيهم، أو يدلون بمعلومات وتصريحات للصحافة، مستهدفين هم أيضًا، فساد الخوف بينهم، واضطررنا نحن الصحفيين إلى تجهيل أسماء من يوافقون على الحديث لحمايتهم من خطر لم يعد له حدود. وهذا أمر معترف به مهنيًا في حالات الخطورة بالطبع، لكن تكرار استخدامه يثير سؤال المصداقية والمهنية. أما المواطنون الذين فقدوا الثقة في ما يُنشر بالصحف القومية، فهم أنفسهم يخافون من عاقبة الحديث إلى الصحافة المستقلة، أو يصدّقون الأكاذيب التي تُشَن عليها، بأنها «تحرّض ضد الدولة»، أو أنها «عميلة للخارج»، أو أنها تابعة لـ«الإخوان».

ومع ذلك كله، حاولنا الالتفاف على العقبات والتضييقات، وما زلنا نحاول، من أجل الوصول إلى الحقيقة ونشرها، ومن أجل الحفاظ على الهامش، مهما ضاق علينا. سيطر علينا الخوف، ومع ذلك قمنا بعملنا قدر ما استطعنا، في ظروف شديدة الصعوبة. فمع التضييق الأمني المتصاعد ضد الصحافة منذ 2014، لم تتهدد حرية ممارسة المهنة وحدها، بل المهنة نفسها؛ فأي صحافة هذه، بلا معايشة للحدث؟ وأي صحافة تُنقل عبر الهاتف تجنبا للاعتقال؟ وأي صحافة تُجرى من داخل المكاتب فقط؟

هكذا، إذا، حوصرت الصحافة المصرية، وسيطر الرعب على الجميع؛ رعب على لقمة العيش، ورعب على المستقبل، ورعب على الحرية ذاتها. لا أدّعي أنني أشجع من أحد، بل أكتب هذه السطور لأنني أشعر بالخوف والتهديد، وأشعر بالخطر المحدق. لقد صرنا أمام معركة وجودية؛ نكون أو لا نكون. فإن كانت السلطة ترى أن لينا عطاالله وزملائنا الستة في «متصدقش» مجرمون، لممارستهم العمل الصحفي بشكل مستقل، فأنا أيضا، إذن، «مجرمة»، لاستمراري في العمل الصحفي بشكل مستقل. وإن كانت السلطة تريد تجريمنا جميعا وإخراسنا، فليكن صراخنا الأخير مدويا، يمتد صداه، ويطول مداه.

أضف زاوية ثالثة إلى مصادرك المفضلة على جوجل

هدير المهدوي
هدير المهدوي
هدير المهدوي، صحفية وكاتبة وباحثة ومترجمة وصانعة بودكاست مصرية مقيمة في القاهرة

Search