في 28 سبتمبر 2026، رفضت محكمة جنايات مستأنف القاهرة الاقتصادية الاستئناف الذي تقدم به مطرب المهرجانات إسلام مجدي، المعروف بـ«إسلام كابونجا»، وأيدت حبسه ستة أشهر وتغريمه 100 ألف جنيه. ترأس الدائرة القاضي محمد أبو إسماعيل، بعضوية المستشارين ماجد مصطفى وأحمد خالد الشايب، وحضر الجلسة وكيل النائب العام مينا قدري. وحملت أوراق القضية، بحسب ما نشره موقع مصراوي، اتهامين رئيسيين: التعدي على القيم الأسرية، وإساءة استخدام مواقع التواصل الاجتماعي.
تدور القضية حول كلمات أغانٍ ومقاطع مصورة. أشهر هذه الأغاني حملت عنوانًا يشبه رسالة موجهة إلى الدولة نفسها: «أنا مش ديلر يا حكومة». رأت جهات التحقيق في أغاني المطرب تحريضًا على البلطجة وإشارات إلى المخدرات وألفاظًا تخدش الحياء، فيما قال كابونجا إن المقاطع التي استند إليها التحقيق تعود إلى فترة سابقة، وإنه عوقب عليها من قبل.
والعقوبة السابقة التي أشار إليها لم تصدر عن محكمة. أصدرتها نقابة المهن الموسيقية، التي أوقفته عن العمل ستة أشهر بعد التحقيق معه في المحتوى الذي يقدمه. هكذا واجه مطرب واحد الأغاني نفسها أمام سلطتين: سلطة نقابية تملك منح تصريح الغناء وسحبه، وسلطة جنائية تملك الحبس والغرامة.
بدأ الصراع على المهرجانات قبل نحو عقد من الزمن خلافًا حول «الذوق العام» داخل مكاتب النقابة وبرامج المساء، ثم انتقل تدريجيًا إلى محاضر الشرطة وقاعات المحاكم الاقتصادية. وبعد أسابيع من الحكم، تفتتح دار الأوبرا المصرية مهرجان الموسيقى العربية المهدى إلى روح هاني شاكر، النقيب الذي قاد أشد مراحل الحرب على هذا اللون الغنائي. السؤال الذي تطرحه هذه الوقائع مجتمعة: من يقرر ما يحق للمصريين أن يغنوه، وبأي أداة قانونية؟
من منشور النقيب إلى سجن 15 مايو
طرح كابونجا أغنية «أنا مش ديلر يا حكومة» في 26 ديسمبر 2024، من كلمات مانو الجاحد وألحان فيجو الدخلاوي، وتجاوزت مرات الاستماع إليها عشرة ملايين مرة على منصة أنغامي وحدها. تدور الأغنية في فضاء مألوف في المهرجانات: خصومات الحي، واستعراض القوة، وتحدي المنافسين. ومفارقتها الأولى أن سطرها المركزي نفيٌ لتهمة الاتجار بالمخدرات، يقدّم فيه المغني نفسه رجلًا تشغله الخصومات لا التجارة، ثم صار هذا السطر نفسه عنوانًا لقضية تضمنت اتهامًا بالترويج للمخدرات.
يقرأ الكاتب الصحفي محمد شميس الأغنية قراءة مختلفة عن قراءة جهات التحقيق. يقول لـ«زاوية ثالثة» إنها لا تحمل أي مشكلة أخلاقية، وإنها، مثل أغانٍ كثيرة، تعبّر عن واقع حقيقي لشاب يبرئ نفسه من إدانة تُلفَّق له، لأن مخبرين من أبناء منطقته يترصدونه ويسرّبون عنه معلومات شخصية، حتى لو لم تكن صحيحة. ويرفض شميس من حيث المبدأ إخضاع الفن لتقييم أخلاقي، لأنه يعبّر عن جمهوره.
بدأت الملاحقة من النقابة لا من النيابة. في نوفمبر 2025 كتب الفنان مصطفى كامل، نقيب المهن الموسيقية، على حسابه في فيسبوك أنه لا مكان لهذا الشخص بيننا، وأعلن وقف تصريحه الربع سنوي واستطلاع رأي لجنة العمل بشأن شطبه نهائيًا، مؤكدًا أن النقابة حذّرته مرارًا. وأضاف النقيب في المنشور ذاته ملاحظة تبدو اليوم مفتاحًا للقضية كلها: مسؤولية ترخيص كلمات الأغاني ومراقبتها وإجازتها تقع على عاتق وزارة الثقافة والإدارة العامة للرقابة على المصنفات الفنية، لا على النقابة.
مثل كابونجا أمام تحقيق النقابة في 23 نوفمبر 2025، واعتذر عما ورد في المقاطع، وقال إنها قديمة وإنه سيحذفها بالكامل، ووعد الجمهور والنقيب بألا يتكرر ذلك. وانتهى التحقيق بقرار إيقافه عن الغناء ستة أشهر. بهذا القرار استنفدت النقابة أداتها المهنية الأشد تقريبًا، لكن الملف لم يُغلق.
في فجر 6 يناير 2026، أي بعد أسابيع من بدء عقوبة النقابة، ألقت قوة من مديرية أمن الجيزة القبض على كابونجا داخل شقته بشارع جامعة الدول العربية في المهندسين، بعد بلاغات قدمها عدد من المحامين اتهمته بتمجيد العنف والترويج للمخدرات وتهديد الشباب. وروت رواية أمنية لاحقة أن الإدارة العامة لحماية الآداب هي التي رصدت مقاطعه، وأنه أقر بنشرها لزيادة المشاهدات وتحقيق الأرباح.
استمر التحقيق في نيابة العجوزة، برئاسة المستشار حسام نصار، خمس ساعات. ووجهت النيابة إليه تهمتين: التعدي على المبادئ والقيم الأسرية في المجتمع المصري، ومزاولة مهنة الغناء دون قيد في جداول النقابة. أقر بالأولى قائلًا إنه يردد بالفعل كلمات خاطئة في أغانيه، وأنكر الثانية، موضحًا أن أوراقه مسجلة في النقابة منذ نحو عامين، وأنه كان يحصل على تصريح لكل حفل وفرح، وأن كارنيه القيد لم يصدر أبدًا. وقدّم محاميه دليلًا على القيد يحمل مفارقة خاصة: صورة من قرار النقابة بإيقافه، إذ لا توقف النقابة إلا من ينتسب إليها.
أخلت النيابة سبيله بكفالة ألف جنيه (20.70 دولارًا)، وأرسلت هاتفه إلى الإدارة العامة لتكنولوجيا المعلومات لفحص محتواه، واستعلمت رسميًا من النقابة عن موقف قيده. ثم أحالته نيابة الشؤون الاقتصادية إلى المحاكمة أمام المحكمة الاقتصادية، التي قضت في 29 يونيو 2026 بحبسه ستة أشهر وتغريمه 100 ألف جنيه.
وفي 28 سبتمبر 2026 رفضت محكمة مستأنف القاهرة الاقتصادية طعنه، وأيدت حكم أول درجة كما صدر، بما فيه الغرامة البالغة 100 ألف جنيه، أي مئة ضعف الكفالة التي دفعها في يناير. وكانت جريدة الدستور قد نشرت يوم صدور الحكم الأول أن الغرامة 20 ألف جنيه، غير أن هذا الرقم انفرد به تقرير واحد، وخالفته التغطيات اللاحقة كلها، ومنها رواية الدستور نفسها للقضية عند بدء تنفيذ العقوبة، كما أنه يقل عن الحد الأدنى للغرامة الذي تشترطه المادة 25. ولم يُنشر نص الحكم وأسبابه حتى كتابة هذا التقرير.
وفي اليوم التالي للحكم، 29 سبتمبر، ألقت الأجهزة الأمنية القبض عليه مجددًا في المهندسين، ورحّلته إلى سجن 15 مايو لتنفيذ الحكم الواجب النفاذ. بين النشر والسجن مر نحو واحد وعشرين شهرًا، مرت خلالها الأغنية نفسها على مكتب النقيب، ثم شرطة الآداب، ثم النيابة الجزئية، ثم النيابة الاقتصادية، ثم درجتي التقاضي.
مادة وُضعت للخصوصية فصارت تحاكم الفن
تستند القضية إلى المادة 25 من القانون رقم 175 لسنة 2018 بشأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات، التي تعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر وبغرامة بين 50 ألف جنيه (1,035 دولارًا) و100 ألف جنيه (2,070 دولارًا)، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من اعتدى على أي من المبادئ أو القيم الأسرية في المجتمع المصري. وبذلك جمع الحكم بين الحد الأدنى للحبس والحد الأقصى للغرامة، في حين كان النص يسمح للمحكمة بالاكتفاء بإحدى العقوبتين.
لا يعرّف القانون ما المقصود بـ«القيم الأسرية»، ولا يحدد الفعل الذي يُعد اعتداءً عليها. واللافت أن المادة تقع في الفصل الثالث من القانون، المخصص للجرائم المتعلقة بحرمة الحياة الخاصة، إلى جوار جرائم مثل إرسال الرسائل الإلكترونية بكثافة دون موافقة المتلقي، ونشر بيانات شخصية أو صور تنتهك خصوصية أصحابها. في المقابل، استخدم المشرع في المادة 26 من القانون نفسه تعبيرًا محددًا هو «المحتوى المنافي للآداب العامة». هذه الملاحظة شكّلت عماد المذكرة التي قدمتها مؤسسة مسار للتقنية والقانون في 17 أغسطس 2020 إلى محكمة جنح مستأنف القاهرة الاقتصادية، دفعًا بعدم دستورية النص.
استندت المذكرة إلى المادة 95 من دستور 2014، التي تشترط ألا جريمة ولا عقوبة إلا بناءً على قانون، وإلى المادة 96 التي تحمي افتراض البراءة. وذكّرت بأن تقرير اللجنة البرلمانية المشتركة الذي مهّد لإقرار القانون في مايو 2018 تعهّد بالدقة في تحديد الأفعال المعاقب عليها وتجنب التعبيرات الغامضة. واستحضرت سابقة تشريعية معاكسة: القانون رقم 147 لسنة 2006 الذي حذف من قانون العقوبات عبارات مثل «السلام الاجتماعي» و«التحبيذ» لأنها تتسع لتجريم أفعال لم يقصدها المشرع. ومنذ ذلك الحين بقي النص على حاله، واتسع نطاق تطبيقه.
جاءت تلك المذكرة في ذروة ما عُرف بقضايا «فتيات تيك توك». فمنذ أبريل 2020، ألقت السلطات القبض على نحو تسع نساء وفتيات بسبب محتوى ترفيهي نشرنه على المنصات، وأحالتهن إلى المحاكمة بالتهمة ذاتها، بالتزامن مع بيانات أصدرتها وحدة الرصد والتحليل في مكتب النائب العام عن التصدي للمحتوى المخل بـ«قيم وتقاليد الأسرة». ما تغيّر في قضية كابونجا هو الفئة المستهدفة: انتقلت الأداة نفسها من صانعات المحتوى الرقمي إلى مغنٍ ينشر أغانيه على المنصات ذاتها، أي من الترفيه الرقمي إلى الفن نفسه.
ويضيف المسار القضائي طبقة أخرى من المفارقة. المحاكم الاقتصادية محاكم متخصصة نشأت للنظر في قضايا الأسواق والشركات والملكية الفكرية والاتصالات، ثم صارت، بحكم اختصاصها بجرائم تقنية المعلومات، المكان الذي تُفحص فيه أغاني المهرجانات ومقاطع تيك توك. هكذا مثل كابونجا أمام المحكمة التي تنظر التلاعب بالبورصة، لا لأنه ارتكب جرمًا اقتصاديًا، بل لأن أغنيته عبرت إلى جمهورها من خلال شبكة الإنترنت.
وبقيت التهمة الثانية، مزاولة الغناء دون قيد نقابي، غائبة عن التغطيات المنشورة للحكمين، التي اكتفت بذكر التعدي على القيم الأسرية وإساءة استخدام المنصات. لم يُنشر نص الحكم ولا أسبابه حتى كتابة هذا التقرير، ومن ثم يبقى السؤال المركزي معلقًا: أيّ قيمة أسرية بعينها اعتدت عليها أغنية عن خصومات الحي، ومن حددها في غياب تعريف تشريعي؟
يرى مختار منير، المحامي الحقوقي بمؤسسة حرية الفكر والتعبير، أن هذا الغموض هو جوهر الأزمة. يقول لـ«زاوية ثالثة» إن الألفاظ التي يعتد بها القضاء في جرائم تقنية المعلومات تبقى ألفاظًا «مطاطة» غير منضبطة، وإن أي محتوى منشور يمكن وضعه بسهولة تحت مظلة تجريم الاعتداء على القيم الأسرية. ويضيف أن مؤسسات حقوقية عدة نبّهت إلى هذه الإشكالية منذ إقرار القانون عام 2018، لكن المادة 25 لا تزال تطال المبدعين وصناع المحتوى، وتفتح الباب أمام بلاغات كيدية تُقدّم ضد أي شخص على خلفية خلاف معه، فتنتهي بتحريك دعوى جنائية وإحالته إلى المحاكمة وصدور حكم ضده. ومجرد وجود نص يتيح هذه الملاحقة يكشف، في رأيه، عن نزعة إلى تضييق المجال الإبداعي.
لا يملك منير تفسيرًا لجمع المحكمة بين الحبس والغرامة، إذ لم يطّلع على حيثيات الحكم، ويردّ الأمر إلى تقدير المحكمة. لكنه يعارض من حيث المبدأ ملاحقة أي محتوى إبداعي قضائيًا، فالمتلقي قادر على مشاهدة المحتوى وقادر أيضًا على تجنبه والالتفات عنه: «ليس من الطبيعي أن يكون لدينا ملاحقة مستمرة للمبدعين، سواء على مستوى الأعمال الفنية مثل الغناء، أو صناع محتوى السوشيال ميديا مثل التيك توك».
ويفصل المحامي بين التهمتين. فمزاولة المهنة دون قيد نقابي مخالفة إدارية في أساسها، ولا ينبغي أن تتحول ذريعة لملاحقة الأشخاص جنائيًا ولا إلى عقوبة سالبة للحرية. أما الدفع بأن المطرب عوقب نقابيًا على المحتوى نفسه فلا يحول في رأيه دون مساءلته جنائيًا، لأن الجزاءات النقابية والإدارية لا تمنع المحكمة، إذا رأت أن الفعل يشكل جريمة، من توقيع العقوبة المقررة قانونًا. ويبقى أمام كابونجا، بعد استنفاد درجتي التقاضي العاديتين، حق الطعن بالنقض.
وعن مصير مذكرة «مسار»، يوضح منير أن المادة 25 لم تُحَل إلى المحكمة الدستورية العليا حتى الآن، وأن المذكرة كانت اجتهادًا قانونيًا يضم دفوعًا يستند إليها المحامون في قضايا جرائم تقنية المعلومات. ويفضّل منير تنوع المحتوى، في الموسيقى وغيرها، على تعدد الجهات الرقابية التي تراقب كل ما يُنشر، لأن المستمع والمتفرج قادران على التمييز واستبعاد ما لا يليق: «لا يصح أن نضع قيودًا ونحظر المساحة الإبداعية».
نقابة تملك التصريح ولا تملك الكلمات
لا تحتاج نقابة المهن الموسيقية إلى محكمة كي تمنع مغنيًا من العمل. تملك النقابة مفتاح الرزق نفسه: العضوية لمن يجتاز اختباراتها، والتصريح الربع سنوي أو تصريح الحفلة الواحدة لمن لم يحصل على العضوية، وهو الطريق الذي يعمل من خلاله معظم مطربي المهرجانات في الأفراح والحفلات العامة. بهذه الأداة خاضت النقابة حربها الطويلة مع المهرجانات، قبل أن تدخل النيابة على الخط.
بدأت الموجة الأشد في 17 فبراير 2020. قبلها بأيام غنّى حسن شاكوش وعمر كمال أغنية «بنت الجيران» في حفل عيد الحب باستاد القاهرة، وهي أغنية تضمنت جملة عن الخمور والحشيش. أصدر النقيب الراحل هاني شاكر قرارًا وصفه بالنهائي، وجّهه إلى المنشآت السياحية والبواخر النيلية والملاهي الليلية والمقاهي، يمنع التعامل مع مطربي المهرجانات. وأكد المتحدث باسم النقابة طارق مرتضى أن القرار يشمل الممثل محمد رمضان أيضًا. وضمت القائمة المنشورة أسماء مثل أوكا وأورتيجا وحسن شاكوش وحمو بيكا وعلي سمارة وعمر كمال، إلى جانب فرق مثل المدفعجية والدخلاوية وولاد سليم.
شرح شاكر منطقه في مداخلة تلفزيونية مع عمرو أديب على قناة «MBC مصر»: المهرجانات لا تليق باسم مصر، ومطربوها لن ينجحوا إن نزعوا من أغانيهم الخمور والمخدرات، بدليل أنهم لم يغيروا الكلمات رغم تحذيرات النقابة. وفي المداخلة نفسها أحال معيار السماح بأغاني أوكا وأورتيجا إلى إجازة الرقابة على المصنفات الفنية. بعد خمس سنوات كرر خلفه مصطفى كامل الإحالة ذاتها في ملف كابونجا. النقابة تعاقب على الكلمات، لكنها تقول في كل مرة إن إجازة الكلمات ليست من اختصاصها.
لم يصمد القرار «النهائي» طويلًا. عاد شاكوش إلى النقابة، وفي يونيو 2022 انفجرت مشادة خلال مؤتمر صحفي عقدته النقابة لتقديم اعتذاره لعازفي الإيقاع، انسحب بعدها شاكر وأعلن استقالته. وكتب في نص الاستقالة أنه وجد تعارضًا كبيرًا بين مسئولية هذا المنصب وبين احتفاظي بحب الناس. وفي أول يوم له في المنصب، أوقف النقيب الجديد مصطفى كامل تصاريح مطربي المهرجانات مؤقتًا ريثما تدرس لجنة من «رموز المهنة» ملفهم، لحماية ما وصفه بيان النقابة بـ«قيمة مصر الفنية».
تغيّر النقيب وبقيت الأدوات. في موسم صيف 2026، حذّرت النقابة من صعود أي مطرب إلى المسرح دون فرقة موسيقية مصاحبة، في قاعدة تستهدف مطربي المهرجانات الذين يغنون على موسيقى مسجلة، أي تستهدف شكل إنتاج اللون الغنائي نفسه، الذي وُلد من حاسوب منزلي ومكبر صوت في فرح شعبي. وبعد حكم كابونجا مباشرة، وجّهت رسائل تحذيرية إلى مطربي المهرجانات تطالبهم بمراجعة كلمات أغانيهم قبل طرحها، ولوّحت بعقوبات لا تقتصر على الإيقاف.
يرى شميس أن هذه القاعدة غير منطقية وغير موضوعية، لأن مطربين كثيرين يغنون بطريقة «البلاي باك» في حفلات عديدة منذ سنوات. ويذهب أبعد من ذلك حين يقول إن نقيب الموسيقيين مصطفى كامل نفسه يغني في الأماكن ذاتها التي يغني فيها كابونجا، ويتقاضى الأجر نفسه، ويجلس مع مطربي المهرجانات في تلك الأماكن، وإن أغانيه لا تختلف في لونها عن اللون الذي ينتقده.
النمط الذي تكشفه الوقائع يتكرر منذ ست سنوات: منع شامل، ثم استثناءات، ثم استيعاب جزئي لمن يلتزم، ثم منع جديد. والجديد في حالة كابونجا أن العقوبة النقابية لم تعد نهاية المطاف، بل صارت محطة أولى تعقبها النيابة. ويبقى سؤال لم تجب عنه أي جهة رسمية علنًا حتى الآن: إذا كانت إجازة الكلمات مسؤولية الرقابة على المصنفات الفنية، كما قال النقيبان، فهل عُرضت «أنا مش ديلر يا حكومة» على الرقابة قبل طرحها على المنصات، وماذا كان قرارها؟
ليلة هاني شاكر وليلة سيد درويش
في 20 أكتوبر تفتتح دار الأوبرا المصرية الدورة الرابعة والثلاثين من مهرجان ومؤتمر الموسيقى العربية، برعاية القائم بأعمال وزير الثقافة عبد العزيز قنصوة. أعلن رئيس الأوبرا رضا الوكيل برنامجًا يمتد أحد عشر يومًا، يضم 22 حفلًا بمشاركة نحو 70 فنانًا مصريًا وعربيًا و35 بحثًا في المؤتمر العلمي. الدورة مهداة إلى روح هاني شاكر، الذي رحل في 3 مايو 2026 بعد أزمة صحية طويلة، ويبدأ حفل افتتاحها بفيلم تسجيلي عن مسيرته من إخراج سامر ماضي، تليه «ليلة هاني شاكر» بمشاركة المطربة نادية مصطفى، عضو مجلس نقابة المهن الموسيقية، ومحمد ثروت.
يستحق مطرب امتدت مسيرته أكثر من خمسة عقود أن تُهدى إليه دورة مهرجان، ولا تنتقص المفارقة من هذا الحق. لكن المهرجان لا يكرّم المطرب وحده، بل يرسم كل عام خريطة ما تعدّه المؤسسة الرسمية «موسيقى عربية». الأسماء المعلنة في المؤتمر الصحفي، من آمال ماهر وعلي الحجار إلى مدحت صالح وعمر خيرت، تنتمي إلى الطرب والغناء الكلاسيكي، وليالي المسرح الكبير تحمل أسماء بليغ حمدي ومحمد عبد الوهاب ومحمد الموجي وسيد درويش ورياض السنباطي. وفي الأسابيع نفسها، يقضي مطرب مهرجانات عقوبته في سجن 15 مايو.
لا يرى شميس في هذا الغياب موقفًا طبقيًا. فمهرجان الموسيقى العربية، كما يقول، يهتم بالأغاني المرتبطة بالموسيقى العربية، أما المهرجانات فلون عصري حديث ما زال في ذروة نشأته، ولا يمكن تقييمه الآن.
والتقييم الذي يراه شميس مبكرًا جاء في تاريخ الغناء المصري متأخرًا دائمًا، والليلة المسماة باسم سيد درويش وحدها شاهد على ذلك. في عام 1919، عام الثورة، لحّن سيد درويش كلمات بديع خيري في مسرحية «رِن» لفرقة نجيب الريحاني، ومن بين ألحانها «التحفجية» المعروف بـ«الحشاشين»، ولحن «الكوكايين» الذي يتكلم بلسان متعاطين يدافعون عن مزاجهم. اتهم بعض معاصريه تلك الأغاني بالإسفاف بسبب جرأتها، ثم صار صاحبها اسمًا تُسمّى به ليالي الأوبرا الرسمية. المسافة بين «الحشاشين» و«أنا مش ديلر يا حكومة» ليست مسافة في الموضوع، بل في الزمن والوسيط وموقع المغني من المؤسسة.
والسابقة الأقرب هي أحمد عدوية. في السبعينيات منعت الإذاعة أغانيه بعد «السح الدح إمبو» لأن بعض المسؤولين رأوها مسفّة، ورفضت الرقابة التصريح ببعضها، ولم تفرج الإذاعة عن أغانٍ مثل «أم عبده فين» إلا في عام 2014 عبر محطة «شعبيات إف إم»، بعد أربعين عامًا من المنع. وروت سيرة نشرتها الجزيرة نت أن شرطة الآداب استعدت في أواخر السبعينيات لاعتقاله من أحد ملاهي شارع الهرم بسبب كلمات أغانيه، في الوقت الذي وصفه فيه مسؤولون بأنه خطر على المجتمع. حين رحل عدوية في 29 ديسمبر 2024، نعاه الوسط الفني والإعلام الرسمي بوصفه أيقونة شعبية، واستعاد كثيرون وصف نجيب محفوظ له بـ«واهب السعادة».
تختصر هذه السلسلة قاعدة تكررت في تاريخ الغناء المصري: ما تمنعه المؤسسة باسم الذوق في جيل، تستعيده باسم التراث في جيل لاحق. الفارق الوحيد أن أدوات المنع تغيرت. في زمن سيد درويش كانت تهمة الإسفاف، وفي السبعينيات كان ميكروفون الإذاعة المغلق، أما في 2026 فهو زنزانة في سجن عمومي.
بلاغات بلا أسماء
تتفق التغطيات المصرية كلها على أن القضية بدأت ببلاغات من «عدد من المحامين»، لكن أيًا منها لم يذكر اسم محامٍ واحد. لا نعرف من هم، ولا متى قدّموا بلاغاتهم، ولا إن كانت لهم صلة بأي جهة. المؤكد فقط هو مضمون ما طالبوا به: فحص أغانٍ قالوا إنها تمجّد البلطجة وتشير إلى المخدرات وتشكل خطرًا على الشباب. هذا النمط معروف في مصر من قضايا الحسبة ومن الدعاوى التي استهدفت أفلامًا وكتبًا، وفيه يتحول المحامي من مدافع عن موكل إلى وكيل عن «المجتمع» كله.
إلى جانب البلاغات، تقدّم الرواية الأمنية محركًا ثانيًا: الإدارة العامة لحماية الآداب بقطاع الشرطة المتخصصة، التي قالت إنها رصدت المقاطع بنفسها. وقبلهما كانت «لجان المتابعة» في نقابة المهن الموسيقية قد رصدت المحتوى وأوصت بالإيقاف، ورفض مجلس النقابة برئاسة مصطفى كامل التظلم الذي قدمه المطرب. ثلاث جهات رقابية منفصلة فحصت المادة نفسها، وانتهى كل فحص إلى عقوبة مستقلة.
وأسهمت التغطية الصحفية في رفع سقف الاتهام. ففي يناير نشر موقع صدى البلد أن المطرب يواجه السجن خمس سنوات، مستندًا إلى المادة 174 من قانون العقوبات، وهي مادة تتناول التحريض على قلب نظام الحكم. وقدّم موقع آر تي عربي القبض بوصفه خطوة ضمن حملة أوسع تستهدف مطربي المهرجانات وصناع المحتوى على تيك توك ويوتيوب بداعي «حماية الذوق العام». وانتشرت في عناوين الصحف عبارة «مطرب الأغاني الهابطة» قبل أن ينطق أي قاضٍ بحكم.
خلف هذه الطبقات شاب صغير. تشير صحف محلية إلى أن كابونجا من مواليد 2006، أي أنه كان في الثامنة عشرة حين صدرت الأغنية، وفي العشرين حين دخل السجن. وقد أقر أمام النقابة والنيابة بأن بعض ما قاله في أغانيه خاطئ، واعتذر، وتعهد بحذف المقاطع. لم يغيّر الاعتذار شيئًا في مسار القضية، لأن الجهات الثلاث لا تتبادل العقوبات ولا تتبادل الاعتذارات.
موسيقى الأفراح متهمة بالاعتداء على الأسرة
وُلدت المهرجانات في مطلع الألفية في الأفراح الشعبية بالأحياء الفقيرة، حين بدأ منسقو الأغاني مزج الإيقاع الشعبي بالموسيقى الإلكترونية وتقنيات تعديل الصوت. وتربط السيرة الموثقة لهذا اللون بداياته بأسماء مثل أحمد فيجو والسادات وفيلو وعلاء فيفتي منذ عام 2004، وترصد انتشاره الواسع مع ثورة يناير 2011. لم يمر هذا الغناء بالإذاعة ولا بشركات الإنتاج الكبرى، بل صعد من مكبرات الصوت في الشارع إلى المنصات مباشرة.
ويفسر شميس انتشار المهرجانات بلغتها، فهي في رأيه اللغة التي تفهمها المناطق الشعبية والعشوائيات ذات الكثافة السكانية المرتفعة، تمثّل سكانها وتنقل واقعهم. لذلك يرى في استمرار هذا اللون أهمية تتجاوز الترفيه، لأنه يكشف مشكلات حقيقية وتحولات في سلوك المجتمع المصري، خصوصًا بين الشباب، ويصل الدولة بهذا الواقع حين يقرؤه علماء الاجتماع ويحللونه، بدل أن يكون الفن مجرد أداة لتخدير المجتمع.
لكن المطرب المتهم بالاعتداء على «القيم الأسرية» قال أمام النيابة إنه كان يستخرج تصريحًا من النقابة لكل حفلة وفرح يغني فيه. الأغاني التي تحاكمها الدولة باسم الأسرة هي، في الواقع الاجتماعي، الموسيقى التي تُزف بها الأسر الجديدة في أحياء القاهرة والجيزة وقرى الدلتا. وقرار المنع الذي أصدره هاني شاكر في 2020 وُجّه إلى المنشآت السياحية والبواخر والملاهي والمقاهي، بينما بقيت الأفراح الشعبية، حيث يعيش هذا اللون فعليًا، أصعب على الرقابة من أي منشأة مرخصة.
في 17 فبراير 2020، في اليوم نفسه الذي صدر فيه قرار المنع، كانت «بنت الجيران» قد تجاوزت 102 مليون مشاهدة على يوتيوب وتصدرت القائمة الأسبوعية العالمية لمنصة ساوند كلاود. وفي اليوم التالي تقدم محامون بـالبلاغ رقم 10066 عرائض النائب العام ضد حسن شاكوش، مستندين إلى مواد في قانون العقوبات وفي قانون مكافحة الدعارة وقانون حظر الخمور. انتهت أزمة شاكوش عمليًا بنسخة ثانية من الأغنية حُذفت منها جملة الخمور والحشيش، وحصدت أكثر من مليون مشاهدة خلال يوم واحد. أما أزمة كابونجا فانتهت بزنزانة.
الفارق بين المسارين لا يعود إلى فارق جوهري بين الأغنيتين. يعود أولًا إلى النص الذي صار متاحًا: في فبراير 2020 لم تكن المادة 25 قد جُربت بعد على نطاق واسع، وبدأت موجة قضايا تيك توك بعدها بشهرين. ويعود ثانيًا إلى المسافة بين المطربين والمؤسسة: حصل شاكوش لاحقًا على عضوية النقابة، بينما ظل كابونجا، بشهادته أمام النيابة، ينتظر كارنيه قيد لم يصدر. المطرب الذي يملك بابًا إلى المؤسسة يُطلب منه تعديل الجملة، والمطرب الواقف خارجها تُفتح له أبواب أخرى.
يبقى «الذوق العام» المبرر المشترك بين كل هذه القرارات. لكن ما تقوله الأرقام هو أن الذوق العام الفعلي، ذلك الذي يقاس بملايين المستمعين وبطلبات الأفراح، يقف في الجهة المقابلة للتعريف الرسمي. وحين يتسع الفارق بين الذوقين إلى هذا الحد، يصير القانون الغامض أداة لفرض تعريف أقلية على أغلبية، لا أداة لحماية الأسرة من اعتداء محدد.
ويذهب شميس إلى المعنى نفسه حين يقول إن الجمهور هو من يحدد الذوق العام بالأرقام، فكلما اتسع الاستماع إلى فنان بعينه كان أكثر تعبيرًا عن جمهوره، ويستشهد بمطرب المهرجانات عصام صاصا، الذي حقق، بحسب قوله، مشاهدات فاقت مشاهدات عمرو دياب خلال عام. ولا يملك شميس معلومة دقيقة عن تعديل المطربين لكلماتهم بعد الحكم، لكنه لا يرى أن إنتاج أي منهم تأثر به: «جميعهم متواصلين في إنتاجهم، حمو بيكا وعنبة».
ما لم تجب عنه المحكمة
إذا نُفذت العقوبة كاملة منذ القبض عليه في 29 سبتمبر، يخرج إسلام كابونجا من سجن 15 مايو قرب نهاية مارس 2027. لكن خروجه لن يغلق الأسئلة التي فتحتها قضيته، وهي أسئلة لم تجب عنها أي جهة رسمية حتى الآن.
السؤال الأول عن الحكم نفسه: لم تُنشر أسباب الحكمين، ولا يعرف الجمهور أي عبارة بعينها عدّتها المحكمة اعتداءً على القيم الأسرية، ولا لماذا اختارت المحكمة الجمع بين الحبس والحد الأقصى للغرامة بدل الاكتفاء بإحدى العقوبتين. والثاني عن الرقابة: قال نقيب المهن الموسيقية مصطفى كامل إن إجازة كلمات الأغاني مسؤولية الإدارة العامة للرقابة على المصنفات الفنية، لكن الرقابة، التابعة لوزارة ثقافة يديرها منذ يوليو 2026 وزير بالإنابة، لم تصدر أي توضيح بشأن الأغنية: هل عُرضت عليها، وهل أجازتها أو رفضتها؟
والثالث عن البلاغات: من المحامون الذين حرّكوا القضية، ولماذا تغيب أسماؤهم عن كل ما نُشر بينما تتصدر صورة المتهم العناوين؟ والرابع عن القانون: لا تزال المادة 25 سارية بالصياغة نفسها التي دفعت مؤسسة مسار بعدم دستوريتها قبل ست سنوات، ولم يتحرك البرلمان لتعريف ما تعنيه «القيم الأسرية»، فبقي التعريف في يد من يكتب البلاغ ومن يحقق فيه.
أما الأغنية فلم تدخل السجن مع صاحبها. ظلت صفحتها على منصة أنغامي تعرض أكثر من عشرة ملايين استماع، وهو رقم لا تملك المحكمة الاقتصادية أن تحبسه. وفي الأسابيع التي تضيء فيها دار الأوبرا ليلة باسم سيد درويش، صاحب «الحشاشين» و«الكوكايين»، يقضي مطرب في العشرين عقوبته بسبب أغنية عن خصومات الحي. لو نشر سيد درويش لحن «الحشاشين» اليوم على تيك توك، فأي ليلة كانت ستنتظره: ليلة في المسرح الكبير، أم ليلة في قسم العجوزة؟