كلفة الكلام في مصر.. كيف تتحول الكفالات الباهظة إلى عقاب مالي للحقوقيين؟

استدعاءات متكررة وكفالات تصل إلى 100 ألف جنيه. حقوقيون ومحامون يروون كيف تتحول ملاحقة المنشورات عن أوضاع السجون إلى ضغط مالي يضيّق مساحة التعبير.
Editorial collage of an anonymous figure encircled by currency paper beside legal documents, representing financial pressure through bail
Picture of هشام عارف

هشام عارف

منذ مطلع 2025 تصاعدت وتيرة استدعاء عدد من الحقوقيين والسياسيين للتحقيق على خلفية تدوينات نشروها عبر صفحاتهم الشخصية على موقع "فيسبوك". أحدث هذه الوقائع تمثلت في استدعاء الطبيبة والناشطة الحقوقية عايدة سيف الدولة، مديرة مركز النديم لمناهضة العنف والتعذيب، التي مثلت أمام نيابة الدقي في 15 فبراير 2026، قبل أن يُخلى سبيلها بعد ساعات بكفالة مالية قدرها 100 ألف جنيه، على ذمة القضية رقم 809 لسنة 2026.

ومن الوقائع التي شهدها يناير 2025 استدعاء نيابة أمن الدولة العليا للناشط الحقوقي حسام بهجت، المدير التنفيذي للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، للتحقيق معه. ثم توالت الاستدعاءات لتشمل المحامية الحقوقية ماهينور المصري، والسياسي والشاعر أحمد دومة الذي ألقي القبض عليه من منزله بعد قول جهة الضبط إن والده رفض تسلم استدعاء، وهي رواية نفتها الأسرة، والكاتب عمار علي حسن، وصولًا إلى عايدة سيف الدولة. ووصفت منظمات حقوقية هذه الوقائع بأنها سياسة أمنية ممنهجة تستهدف تفريغ العمل الحقوقي والسياسي في مصر.

وإلى جانب التوسع في وتيرة الاستدعاءات، برز خلال الفترة الأخيرة اتجاه ملحوظ نحو إخلاء السبيل مقابل كفالات مالية مرتفعة، بلغت في بعض الحالات 100 ألف جنيه. وهو الإجراء الذي طُبق في قضيتي السياسي والشاعر أحمد دومة، والطبيبة والناشطة الحقوقية عايدة سيف الدولة. إذ وصفت منظمات حقوقية هذا التوجه بــ" الاستنزاف المالي".

سياسة ممنهجة

نشر مركز النديم لمناهضة العنف والتعذيب في فبراير 2026، عبر صفحته الرسمية، تقريره السنوي المستند إلى الأرشيف الإعلامي لعام 2025. ويقدّم الأرشيف توثيقًا لما رصده المركز من انتهاكات داخل أماكن الاحتجاز خلال العام، ويصف ما جمعه بأنه سجل للقهر والانتهاكات المستمرة وخرق القانون.

ويهدف الأرشيف، بحسب مقدمة التقرير، إلى تسجيل وقائع تقييد حرية التعبير والانتهاكات المرتبطة بأوضاع الاحتجاز، داخل السجون وخارجها. ويستند التقرير إلى مرجعية الاتفاقيات الدولية ذات الصلة بحقوق الإنسان باعتبارها إطارًا لمساءلة الدولة عن التزاماتها القانونية.

وعلى خلفية هذا التقرير، استُدعيت عايدة سيف الدولة للتحقيق في فبراير 2026. وربط دفاعها بين التحقيق والتقرير الذي يجمع ما نُشر إعلاميًا عن أوضاع الاحتجاز خلال العام السابق.

وفي 15 فبراير، قررت النيابة إخلاء سبيلها بكفالة مالية قدرها 100 ألف جنيه، وذلك عقب جلسة تحقيق استمرت قرابة ساعتين، على ذمة القضية رقم 809 لسنة 2026.

يوضح المحامي الحقوقي هيثم محمدين، أحد أعضاء هيئة الدفاع الذين حضروا التحقيق مع الطبيبة والحقوقية عايدة سيف الدولة، أن الاتهام الموجَّه اقتصر على واقعة نشر، مشيرًا إلى أن الاستجواب تناول تقريرًا أصدره مركز النديم بشأن أوضاع الاحتجاز، استنادًا إلى ما وصفه بالأرشيف الإعلامي لعام 2025.

ويرى محمدين في حديثه لـ"زاوية ثالثة"، أن نهج الدولة في التضييق على المعارضين "مستمر ولم يتغير"، وإن حدّته تتفاوت وفقًا للظرف السياسي. ويوضح المحامي الحقوقي أن مرحلة ما بعد عام 2013 شهدت توسعًا في الاعتقالات، مع بقاء متهمين رهن الحبس الاحتياطي لفترات طويلة، لكن هذا الإجراء تحوّل في كثير من الحالات من تدبير احترازي إلى "عقوبة فعلية".

وينتقد محمدين ما يصفه بـ«تدوير المتهمين على قضايا جديدة» عقب انتهاء مدد الحبس الاحتياطي، بما يبقيهم قيد الاحتجاز لفترات أطول، معتبرًا ذلك تطويعًا للقانون وإفراغًا للإجراء من غايته الأصلية. وللتدقيق، فإن المادة 143 من قانون الإجراءات الجنائية رقم 150 لسنة 1950، الساري وقت الوقائع، لا تجعل السنتين حدًا موحدًا لكل الاتهامات: فالحدود العامة ستة أشهر في الجنح، و18 شهرًا في الجنايات، وسنتان إذا كانت العقوبة المقررة السجن المؤبد أو الإعدام، مع مراعاة ثلث الحد الأقصى للعقوبة والاستثناء الخاص بأحكام المؤبد والإعدام أمام محكمتي النقض والإحالة.

وفي ما يتعلق باتهامات "نشر أخبار كاذبة" التي وُجهت لكافة السياسيين والحقوقيين بما فيهم الحقوقية عايدة سيف الدولة، يرى محمدين أن الفيصل في هذا الاتهام ينبغي أن يكون نتيجة تحقيق رسمي في الوقائع المنشورة. وقال إن غياب التحقيق في شكاوى تتعلق بانتهاكات داخل أماكن الاحتجاز، ثم توجيه الاتهام مباشرة للناشرين، يطرح تساؤلات حول الأساس القانوني لذلك.

ويضيف أنه في القضايا الجنائية المصوّرة، مثل وقائع السرقة أو التحرش، تُصدر وزارة الداخلية بيانات سريعة بشأن القبض على المتهمين، بينما تُواجَه ادعاءات الانتهاكات داخل أماكن الاحتجاز، التي يصعب توثيقها بصريًا، باتهامات النشر الكاذب دون إعلان نتائج تحقيق معلنة.

وعن أثر هذا النهج، يقول محمدين إن الاعتماد على القبضة الأمنية وحدها لم يُفضِ منذ عام 2013 إلى تحقيق استقرار سياسي أو مجتمعي دائم. ويعتبر أن استمرار الانتشار الأمني الكثيف في بعض المناطق، رغم غياب دعوات ظاهرة للتظاهر، يعكس إدراكًا رسميًا بأن الاستقرار القائم "هش" وقائم على المنع لا على معالجة الأسباب.

ويشدد المحامي الحقوقي على أن تحقيق الاستقرار يتطلب معالجة جذور الأزمات، بما يشمل تحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وضمان الحقوق الأساسية، وفتح المجال العام أمام الأحزاب والنقابات، وإنهاء ملف المحتجزين على خلفيات سياسية. ويختتم بالقول إن استمرار الاعتماد على الحلول الأمنية وحدها "يُبقي البلاد في دائرة مفرغة"، معتبرًا أن معالجة الأسباب البنيوية هي السبيل الوحيد إلى استقرار حقيقي.

أحمد دومة: خمسة تحقيقات وكلفة متراكمة

قبل أسابيع قليلة من استدعاء الطبيبة والناشطة الحقوقية عايدة سيف الدولة، ألقت قوات الأمن القبض على الناشط السياسي والشاعر أحمد دومة مساء 19 يناير 2026. وفي اليوم التالي، وبعد جلسة تحقيق استمرت أكثر من ثماني ساعات أمام نيابة أمن الدولة العليا، قررت النيابة إخلاء سبيله بكفالة مالية قدرها 100 ألف جنيه، على ذمة القضية رقم 403 لسنة 2026 حصر أمن دولة عليا، مع توجيه اتهامات إليه بنشر أخبار وبيانات كاذبة داخل البلاد وخارجها.

وبحسب تفاصيل التحقيق التي نشرتها المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، صدر أمر الضبط والإحضار بعد إفادة بأن والد دومة رفض تسلم الاستدعاء، وهي رواية نفتها الأسرة. وطلب الدفاع التحقق من إجراءات الإخطار بدل التعامل مع الروايتين المتعارضتين بوصف إحداهما حقيقة محسومة.

وتركز استجواب النيابة على خمسة منشورات عبر حساباته الشخصية، أربعة منها تناولت ادعاءات التعدي على الناشط السياسي محمد عادل، المتحدث السابق باسم حركة 6 أبريل، والمضرب عن الطعام منذ 7 ديسمبر 2025. وكانت زوجته وفريق دفاعه قد تقدموا بعدة بلاغات إلى النائب العام وإلى المجلس القومي لحقوق الإنسان بشأن ما وصفوه بتعرضه لاعتداء داخل مركز الإصلاح والتأهيل العاشر من رمضان (4).

وفي المقابل، نفت وزارة الداخلية الاعتداء على محمد عادل. وبحسب تفاصيل التحقيق التي نشرتها المبادرة، تناولت الأسئلة أيضًا إعادة دومة نشر بيان النفي الرسمي ومقطعًا مولدًا بالذكاء الاصطناعي عن الواقعة؛ ولا يصلح ذلك المقطع دليلًا بصريًا على حدوث الاعتداء. أما المنشور الخامس فتعلق بتصريحات ناجي الشهابي عن ثورة 25 يناير. تظل رواية الأسرة والرد الرسمي متعارضين، فيما يطالب الدفاع بتحقيق مستقل في الشكوى الأصلية.

وخضع أحمد دومة للتحقيق للمرة الخامسة منذ نوفمبر 2024 حتى يناير 2026، أي خلال نحو 14 شهرًا، إذ استدعته نيابة أمن الدولة العليا في نوفمبر 2024، ثم في أبريل ويوليو وسبتمبر 2025، على ذمة قضايا جديدة بالاتهامات ذاتها المتعلقة بالنشر. وفي كل مرة قررت النيابة إخلاء سبيله مقابل كفالات مالية متفاوتة.

وبذلك يصل إجمالي ما سدده دومة من كفالات إلى نحو 230 ألف جنيه مصري. ويوازي هذا المبلغ، وفقًا لما أشارت له المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، نحو 33 شهرًا من الدخل محسوبًا وفق الحد الأدنى الرسمي للأجور في مصر، البالغ 7000 جنيه شهريًا، وهو ما يضع عبئًا ماليًا كبيرًا على المتهم، بحسب المبادرة.

وعن تكرار استدعاءات السياسيين والحقوقيين مؤخرًا، يرى الناشط السياسي أحمد دومة أن ما يجري حاليًا يمثل "منهجًا قديمًا يتصاعد بوتيرة أكبر"، هدفه تقليص أي هامش متاح للحركة أو التعبير وصولًا إلى محوه بالكامل.

ويعتبر دومة في حديثه لـ"زاوية ثالثة" أن أسباب الانفجار الاجتماعي "متوفرة وتتزايد"، لكن وجود هامش واعٍ هو ما يمكن أن يوجّه الغضب الشعبي نحو السلطة بدلًا من انصرافه إلى حلقات أضعف داخل المجتمع، على حد وصفه.

ويرى دومة أن هناك مسعى لطمس قضية المعتقلين من المجال العام ودفع المجتمع إلى التكيّف مع بقاء المعتقلين في السجون لأجل غير مسمى، والاكتفاء بتقديم التماسات لا تجد استجابة. ويشير إلى أن الإفراج عن فرد أو اثنين يُقابل أحيانًا بمبالغات في الامتنان، بما يعكس اختلال ميزان الحقوق، وفقًا لتعبيره.

وينتقد دومة ما سمّاه "أداء المعارضة المترسمنة"، مشيرًا إلى أن بعض الأحزاب والشخصيات السياسية تسهم، سواء بدافع التطبيع أو الخوف، في توسيع المجال أمام هذا النهج، ويعتبر أن الجميع يتحرك داخل "حدود مرسومة" تجعلهم في موقع أقرب إلى الرهينة، وإن اختلفت الأدوار.

وتحدث الناشط السياسي والشاعر عن تعرضه لسلسلة من الاستدعاءات والملاحقات الأمنية والقضائية، فضلًا عن منع من السفر واعتداءات بدنية، مؤكدًا أن تلك الإجراءات لا تستهدف الأفراد وحدهم، بل تُرهق دوائرهم القريبة أيضًا. ويقدّر مجموع الكفالات التي تكبدها بنحو ربع مليون جنيه؛ فيما يحصي بيان المبادرة 230 ألف جنيه في القضايا الخمس منذ نوفمبر 2024، إضافة إلى مصادرة أجهزة ومتعلقات شخصية. فضلًا عن امتداد التضييق إلى مجالات عمله والمنصات التي ينشر عبرها.

يصف دومة ما يحدث بأنه "دائرة متكررة" تبدأ بإعلان موقف في قضية عامة، يعقبها ما أسماه "الجرّ إلى ثقب أسود" من الضغوط، قبل أن يدخل في مرحلة تعافٍ مادي ونفسي واجتماعي تستمر لأشهر، ثم تتجدد الدورة من جديد. إذ إن مآلات هذه الدائرة قد تتراوح بين الاعتقال أو الإقصاء الكامل.

في السياق، طالب عدد من المؤسسات الحقوقية بوقف استخدام الاتهامات "الفضفاضة والمتكررة" كأداة لملاحقة الصحفيين والسياسيين والحقوقيين، ووقف التوسع في فرض الكفالات المرتفعة بوصفها عقوبة غير مباشرة مع احترام الضمانات الدستورية التي تكفل حرية الرأي والتعبير وتضع قيودًا على العقوبات السالبة للحرية في جرائم النشر، مع الاستثناءات الواردة في المادة 71 من الدستور، وإنهاء نمط الاستدعاء والتحقيق المتكرر الذي يفرغ الحق في الحرية من مضمونه ويحول الإجراءات القانونية إلى أدوات أمنية.

وكانت المفوضية المصرية للحقوق والحريات قد تقدمت ببلاغ إلى رئيس نيابة العاشر من رمضان، على خلفية ما أعلنته بشأن تعرّض السياسي المحبوس محمد عادل لاعتداء بدني داخل سجن العاشر من رمضان (تأهيل 4). وطالبت المفوضية بسرعة فتح تحقيق قضائي في الواقعة، وعرض عادل على مصلحة الطب الشرعي لإثبات ما به من إصابات وبيان أسبابها وتاريخ حدوثها، إلى جانب تفريغ كاميرات المراقبة الخاصة بالسجن عن يوم 10 يناير 2026، وسماع أقوال زوجته ووالده باعتبارهما من أُبلغا بالواقعة خلال الزيارة.

متى تتحول الكفالة إلى عبء مالي؟

تطرق المحامي الحقوقي هيثم محمدين إلى الكفالات الباهظة التي أصبحت تفرضها سلطات التحقيق مقابل إخلاء السبيل، إذ يوضح أن الكفالة من حيث المبدأ تُعد ضمانة قانونية لإخلاء السبيل، غير أن استخدامها، في قضايا الرأي والشأن العام، بات وسيلة للضغط المالي، على حد قوله. ويضيف أن تكرار استدعاء أشخاص بسبب منشورات أو آراء، مع فرض كفالات متصاعدة قد تصل إلى عشرات الآلاف من الجنيهات في كل مرة، يؤدي إلى استنزافهم ماليًا أو دفعهم إلى الامتناع عن التعبير.

وقارن المحامي الحقوقي بين قيمة الكفالات في القضايا الجنائية التقليدية، مثل قضايا الضرب أو السرقة، التي قد تتراوح، وفقًا لتقديره، بين ألفين وخمسة آلاف جنيه، وبين الكفالات المفروضة في بعض القضايا ذات الطابع السياسي، إذ يعتبر أن هذا التفاوت يعكس "اختلالًا في الأولويات" وتحولًا في وظيفة القانون من حماية الأمن المجتمعي إلى ما وصفه بـ"الأمن السياسي". والأرقام التي يوردها محمدين مقارنة مستمدة من خبرته، وليست حدًا أدنى أو أقصى مقررًا لجميع القضايا في القانون.

من جهتها، ترى المحامية الحقوقية ماهينور المصري أن فرض كفالات مالية مرتفعة يمثل وسيلة ضغط غير مباشرة، قد تعجز بعض الأطراف عن الوفاء بها، بما يفضي عمليًا إلى تضييق مساحة التعبير وتقليص القدرة على الانخراط في الشأن العام.

وفي بيان مشترك، اعتبرت مؤسسات حقوقية أن الكفالة، في أصلها القانوني، إجراء استثنائي يهدف إلى ضمان حضور المتهم جلسات التحقيق أو المحاكمة، ولا يُفترض أن تتحول إلى وسيلة للعقاب أو الردع. غير أن ما تشهده مصر، وفق البيان، يعكس توسعًا ملحوظًا في فرض كفالات مالية مرتفعة، بما يحولها إلى أداة لإرهاق المستهدفين ماليًا ومعنويًا، وفرض كلفة مباشرة على ممارسة الحق في التعبير أو العمل الصحفي والحقوقي.

وأشارت المؤسسات الموقعة إلى أن تكرار الوقائع وتشابه الاتهامات، وانتهائها في الغالب بإخلاء السبيل مقابل مبالغ مالية، يشي بأن الأمر لم يعد حالات فردية، بل نمطًا متكررًا لتقييد المجال العام عبر أعباء مالية باهظة.

وفي السياق ذاته، شددت المؤسسات على أن انتقادها للتوسع في استخدام الكفالة يرتبط بمبدأ افتراض البراءة، موضحة أن الكفالة، رغم تقديمها رسميًا بوصفها بديلًا عن الحبس الاحتياطي، تتحول عمليًا إلى إجراء ذي طابع عقابي، لا سيما مع صعوبة استرداد قيمتها فعليًا في حالات البراءة أو حفظ التحقيقات. واعتبرت أن فرض مبالغ مرتفعة في قضايا تنتهي غالبًا دون إحالة إلى المحاكمة يفرغ افتراض البراءة من مضمونه، ويحوّل التدابير الاحترازية إلى وسيلة لتقييد الحرية ومعاقبة الأفراد على ممارستهم حقوقًا يكفلها الدستور. ويجب التمييز هنا بين نقد الممارسة وبين النص القانوني: فالمادة 148 تنظم رد الجزء المخصص للمصاريف والعقوبات المالية من الكفالة عند صدور أمر بألا وجه لإقامة الدعوى أو حكم بالبراءة، بينما يرتبط الجزء الآخر بالوفاء بالتزامات الحضور والتنفيذ.

ورأت المؤسسات أن هذا التوجه لا ينفصل عن سياق أوسع من التضييق على المجال العام، بحيث تبدو قرارات "إخلاء السبيل" في ظاهرها تخفيفًا، بينما تمثل، في جوهرها، نمطًا جديدًا من العقاب المقنن. ما يعكس تحولًا في أدوات الاستهداف، من الحبس المطول إلى ما وصفه البيان بـ"العقاب المالي"، بما يخلق مناخًا من الخوف والرقابة الذاتية، ويقوض الحق في التعبير والعمل السياسي والصحفي.

نشر شكاوى الاحتجاز ثم مواجهة التحقيق

جاءت غالبية الاستدعاءات على خلفية منشورات تناولت أوضاعًا وانتهاكات داخل أماكن الاحتجاز، كما في حالة الطبيبة والناشطة الحقوقية عايدة سيف الدولة، والسياسي والشاعر أحمد دومة. وينطبق السياق ذاته على استدعاء الناشط الحقوقي حسام بهجت، وكذلك المحامية الحقوقية ماهينور المصري، حيث ارتبطت التحقيقات بما نشروه بشأن أوضاع الاحتجاز أو ما اعتبروه انتهاكات داخل السجون.

في منتصف يناير 2025، استدعت نيابة أمن الدولة العليا الحقوقي حسام بهجت، المدير التنفيذي للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، للتحقيق معه دون إعلان مسبق عن تفاصيل الاتهامات. وفي جلسة 19 يناير 2025، التي استمرت أكثر من ثلاث ساعات قبل أن يتم إخلاء سبيله على ذمة القضية رقم 6 لسنة 2025، بعد توجيه اتهامات تتعلق بمشاركة جماعة إرهابية وتمويلها، وإذاعة أخبار وبيانات كاذبة، تركزت الأسئلة خلال التحقيق، بحسب ما أُعلن، حول بيان أصدرته المبادرة طالبت فيه النائب العام بالتحقيق في ظروف الاحتجاز في سجن العاشر من رمضان. وفي ختام الجلسة، قررت النيابة إخلاء سبيله بكفالة مالية قدرها 20 ألف جنيه.

وفي 18 أغسطس 2025، استدعت نيابة أمن الدولة العليا المحامية الحقوقية ماهينور المصري للتحقيق، قبل أن تقرر، عقب جلسة استمرت ست ساعات، إخلاء سبيلها بكفالة مالية قدرها 50 ألف جنيه، على ذمة القضية رقم 6322 لسنة 2025 حصر أمن دولة عليا.

ووجهت النيابة إلى المصري اتهامات بـ"إذاعة أخبار وبيانات وشائعات كاذبة داخل وخارج البلاد من شأنها الإضرار بالمصلحة العامة وإضعاف هيبة الدولة". وذلك على خلفية منشورات على صفحتها بشأن مراكز الإصلاح والتأهيل والمعتقلين على خلفية التضامن مع فلسطين. ووفق المبادرة المصرية، كان الرقم 13 متعلقًا بعدد البلاغات المقدمة ضدها، وليس عدد المنشورات.

في السياق تقول المحامية الحقوقية ماهينور المصري إن ما يجري حاليًا يبدو "حملة ممنهجة ذات مسار واضح" تهدف إلى تقييد حرية التعبير، مشيرة إلى أن غالبية الاستدعاءات الأخيرة ارتبطت بوقائع تتعلق بنشر معلومات عن انتهاكات وقعت داخل أماكن الاحتجاز، ولا سيما السجون التابعة لوزارة الداخلية.

وتضيف في حديثها لـ"زاوية ثالثة" أن التركيز، في معظم الحالات، انصبّ على ما يُنشر بشأن أوضاع المحتجزين المحرومين من الزيارة أو محدودي القدرة على تقديم شكاوى مباشرة، ما يجعل إعادة نشر تلك الوقائع وسيلة أساسية لتسليط الضوء عليها بهدف الدفع نحو التحقيق فيها ووقفها، ومحاسبة المسؤولين عنها.

وتشير المصري إلى أن بعض الاستدعاءات جرت في توقيتات اعتبرتها "غير معتادة"، إذ إن الاستدعاء الأخير وصل إلى منزل أسرتها في وقت مبكر من الفجر، وهو ما ترى أنه يندرج في إطار ما وصفته بـ"الترويع".

كما لفتت إلى حالات أخرى، بينها واقعة تتعلق بالناشط أحمد دومة، قالت فيها إن قرار ضبط وإحضار صدر بعد إخطار النيابة بعدم تسلُّم الاستدعاء، وهو ما نفته أسرته آنذاك. وأشارت إلى أن بعض البلاغات في قضايا أخرى قُدمت من جهات رسمية، بينما قُدمت بلاغات أخرى من أفراد.

وتختتم المصري حديثها بالتأكيد على أن جوهر الإشكال يكمن في غياب تحقيق معلن في الوقائع المنشورة نفسها، حتى في الحالات التي يكون فيها النشر متضمنًا مضمون بلاغات رسمية قائمة بالفعل، معتبرة أن تحويل مسار الاهتمام من فحص الوقائع إلى مساءلة الناشرين يثير تساؤلات حول الغاية من الإجراءات المتخذة.

مطالب بالتحقيق في الشكاوى الأصلية

تعتبر المحامية الحقوقية ماهينور المصري أن المشهد "انقلب"، بحيث باتت التحقيقات تُوجه إلى من ينشرون أو يعيدون نشر الشكاوى، بدلًا من فحص الوقائع الأصلية محل الادعاء.

وفي ما يتعلق بدور النيابة، توضح المصري أن عددًا من القضايا استند إلى بلاغات قُدمت من مواطنين، قائلة إنها أُبلغت، في حالتها الشخصية، بوجود 13 بلاغًا مقدّمًا ضدها، دون تمكينها من الاطلاع على تفاصيل مقدميها أو مواجهتهم. وتضيف أن بعض الحالات الأخرى لم يُعلن فيها عدد البلاغات أو هوية مقدميها، ما يثير تساؤلات حول مدى تمكين الدفاع من ممارسة حقه في الاطلاع والمواجهة، بحسب قولها.

وتشير في حديثها إلى أن من بين طلبات الدفاع المتكررة في مثل هذه القضايا استدعاء مقدمي البلاغات وسؤالهم، ومواجهة المتهمين بهم، وبيان الأساس الذي استندوا إليه في اعتبار الوقائع المنشورة "أخبارًا كاذبة"، فضلًا عن طلب التحقيق في الوقائع الأصلية محل النشر. إلا أنها أكدت أن هذه الطلبات لا يُستجاب لها في أغلب الأحيان.

من جهته يشير المحامي الحقوقي حليم حنيش، إلى أن الضغوط لا تقتصر على المتحدثين أو المدافعين عن حقوق الإنسان، بل تمتد إلى أسر بعض المحتجزين للتوقف عن نشر الانتهاكات التي يتعرض لها ذووهم داخل أماكن الاحتجاز.

ويضيف حنيش في حديثه لـ"زاوية ثالثة" أن شكاوى وردت تفيد بتلقي بعض الأهالي تحذيرات مباشرة عقب الزيارات، تتضمن تهديدات باتخاذ إجراءات بحقهم حال نقلهم روايات أو تواصلهم مع محامين بشأن ما وصفوه بانتهاكات. ولفت إلى أن العام الماضي شهد توقيف بعض ذوي المحتجزين على خلفية النشر أو الحديث عن أوضاع ذويهم.

ويرى حنيش أن هذه الممارسات تهدف إلى "السيطرة على الرواية العامة" المتعلقة بأوضاع السجون، خصوصًا في ظل ما وصفه بتشديد العزل المفروض على أماكن الاحتجاز. وأن منظومة السجون الجديدة، وفق تعبيره، أسهمت في تقليص التواصل المباشر، سواء بسبب بُعد بعض المقار عن أماكن إقامة الأسر، أو القيود المفروضة على الزيارات، بما في ذلك تقليص عددها أو منعها في بعض الحالات.

كما يشير إلى أن اعتماد جلسات محاكمة عبر تقنيات الاتصال المرئي في بعض القضايا أدى إلى تقليص احتكاك المحتجزين بمحاميهم خارج مقار الاحتجاز، معتبرًا أن ذلك يعمّق من حالة العزل. إذ إن الزيارات تمثل أحد المصادر الأساسية للمعلومات بشأن أوضاع السجون، وبالتالي فإن تقييدها يحدّ من تدفق المعلومات إلى المجال العام.

ويختتم حنيش حديثه بالقول إن استدعاء المتحدثين أو التحقيق معهم على خلفية ما ينشرونه بشأن أوضاع الاحتجاز بات نمطًا متكررًا، يتجاوز إصدار بيانات النفي الرسمية، ليصل إلى ملاحقات قانونية، في ما اعتبره تحولًا في آليات التعامل مع هذا النوع من القضايا.

في 18 يناير 2026، تقدم الحقوقي حسام بهجت، المدير التنفيذي للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، ببلاغ إلى النائب العام برقم 5640 لسنة 2026 (عرائض النائب العام)، طالب فيه بفتح تحقيق جنائي بشأن أوضاع ومعاملة النزلاء في مركز إصلاح وتأهيل بدر (3)، ومساءلة المسؤولين عن أي انتهاكات حال ثبوتها، مع رفع الضرر الواقع على المحتجزين عبر تطبيق أحكام الدستور وقانون تنظيم مراكز الإصلاح والتأهيل ولائحته التنفيذية. وتضمّن البلاغ طلبًا بإجراء زيارة تفتيشية لكافة قطاعات المركز لمقابلة النزلاء والتحقق من شكاواهم، في ضوء ما أعلنته النيابة العامة سابقًا عن زيارات تفقدية لمراكز أخرى داخل مجمع بدر.

واستند البلاغ إلى تقرير أصدرته المبادرة في سبتمبر 2025 بعنوان "بين الدعاية والحقيقة: انتهاكات حقوق نزلاء سجون بدر"، أُرفقت نسخة منه ضمن أوراق البلاغ، وتناول ما قالت المبادرة إنه توثيق لشهادات محتجزين سابقين وأسر محتجزين حاليين، فضلًا عن مقابلات مع محامين ورصد تقارير رسمية. وأشار البلاغ إلى وقائع تتعلق بالمنع المطول من الزيارات، وتقييد الحق في الرعاية الطبية والتعليم، فضلًا عن شكاوى تخص ظروف الإقامة والخصوصية والتريض، مطالبًا بتمكين النيابة من ممارسة اختصاصها الدستوري في التحقيق والتحقق وصون كرامة النزلاء وسلامتهم.

تجمع الوقائع والشهادات الواردة هنا، من مطلع 2025 إلى فبراير 2026، صورة لنمط متكرر في استدعاء الحقوقيين والسياسيين والتحقيق معهم على خلفية التعبير عن آرائهم أو نشر تقارير حول أوضاع الاحتجاز أو إعادة نشر تدوينات وتقارير تتناول أوضاع المحتجزين. ومؤخرًا تميز هذا النمط بفرض كفالات مالية مرتفعة واستنزاف المستهدفين ماليًا بحسب ما وصفه حقوقيون. إذ أوضحوا أن هذه الممارسات تمثل تحولًا في آليات القمع، من الاعتماد على الحبس الاحتياطي إلى ما يمكن تسميته بـ"العقاب المالي"، مع التضييق الممنهج على المجال العام، وإقصاء الصوت الحقوقي والسياسي، واستنزاف قدرته على ممارسة دوره ومهامه.

Search