الضريبة العقارية في مصر: هل يحمي رفع الإعفاء الحق في السكن؟

يفتح مقترح رفع إعفاء المسكن الرئيسي نقاشًا حول العدالة الضريبية والحق في السكن، وسط خلافات بشأن وعاء الضريبة وأثرها على الأسر والمستأجرين.
كولاج تعبيري لواجهات مساكن في القاهرة ومفتاح فوق دفتر حسابات، عن الضريبة العقارية والحق في السكن
Picture of آية ياسر

آية ياسر

في ظل الضغوط الاقتصادية على الأسر المصرية، عادت الضريبة العقارية على السكن الخاص إلى صدارة النقاش العام، ليس بوصفها أداة مالية فحسب، بل اختبارًا لمدى اتساق السياسات الضريبية مع الحق الدستوري في السكن ومبادئ العدالة الاجتماعية. وتأتي المناقشات في وقت حدد فيه قانون موازنة 2025/2026 سقفًا لصافي دين الحكومة العامة بنحو 18.37 تريليون جنيه، وليس رصيدًا فعليًا للدين، وبلغت مخصصات خدمة الدين، من فوائد وأقساط، نحو 4.38 تريليون جنيه. وفي الخلفية أيضًا، سجل التضخم السنوي في المدن 12.3% في ديسمبر 2025، فيما قال رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في 17 ديسمبر إن آخر الأرقام المتاحة للفقر تتراوح بين 29% و30%، مع احتمال تأثرها بالتغيرات الاقتصادية. هذه الأرقام، باختلاف تواريخها وطبيعتها، تكشف السياق الذي تتآكل فيه القدرة الشرائية وتتسع الفجوة بين الدخول وتكاليف المعيشة.

في 19 يناير 2026، وافق مجلس الشيوخ على مشروع تعديل قانون الضريبة على العقارات المبنية رقم 196 لسنة 2008، في إطار دوره الاستشاري، وأوصى برفع إعفاء المسكن الرئيسي إلى 100 ألف جنيه من صافي القيمة الإيجارية السنوية المقدرة، بدلًا من 50 ألف جنيه في مشروع الحكومة و24 ألفًا في النص السابق. وتداولت التصريحات وصف الحد المقترح بأنه يعادل مسكنًا بقيمة سوقية تقارب 8 ملايين جنيه، مقابل نحو 4 ملايين في المقترح الحكومي. لكن هذه معادلات سوقية تقريبية، وليست حدودًا مستقلة لسعر البيع في نص الإعفاء؛ المعيار التشريعي هو صافي القيمة الإيجارية المقدرة. وفي 25 فبراير، تمسكت اللجنة المشتركة بمجلس النواب بحد المائة ألف جنيه، بحسب تقريرها، تمهيدًا لعرض المشروع على المجلس.

غير أن هذه التعديلات تأتي في سياق أوسع يشهد إعادة هيكلة شاملة للمنظومة الضريبية، إذ تسعى الدولة من خلالها إلى توسيع قاعدة التحصيل وزيادة الإيرادات، دون إشعال غضب اجتماعي في ظل أزمة معيشية ممتدة، وبينما يستهدف المقترح توسيع نطاق إعفاء الوحدة السكنية الرئيسية، من دون أن تكون المناقشة البرلمانية وحدها إعلانًا لنفاذ القانون، يظل السؤال الجوهري: هل يمثل هذا التحرك تحولًا حقيقيًا نحو عدالة ضريبية تراعي هشاشة الأسر، أم مجرد معالجة تقنية جزئية داخل نظام ما زال يتعامل مع السكن باعتباره أصلًا خاضعًا للجباية قبل كونه حقًا أساسيًا للحياة الكريمة؟

وبينما ينص الدستور المصري على التزام الدولة بتوفير السكن الملائم والآمن للمواطنين، تعاني أسر من ارتفاع أسعار العقارات والإيجارات وتراجع القدرة على التملك أو الاستقرار السكني، خصوصًا لدى الطبقات المتوسطة والدنيا. والتوقعات لمسار الأسعار ليست موحدة: ففي مادة نشرتها شركة كابيتال للتطوير العقاري في 19 نوفمبر 2025، توقعت زيادات بين 10% و15% في مناطق الطلب المرتفع خلال 2026، وربطت سيناريوهات الزيادة بتكاليف البناء والطلب والاستثمار. وهذه رؤية صادرة عن مطور عقاري، لا مؤشرًا رسميًا أو نتيجة محققة. ويستمر تقديم العقار بوصفه ملاذًا للمدخرات، مع استخدام فترات السداد الممتدة لمواجهة ضعف القدرة الشرائية، بما يضع الأسر بين ارتفاع سعر الأصل وصعوبة تمويل شرائه.

وفي هذا السياق، تثير آلية احتساب الضريبة على أساس “القيمة الإيجارية”، حتى مع رفع حد الإعفاء، تساؤلات حول أثرها غير المباشر على سوق الإيجار، وعلى العلاقة غير المتكافئة بين المالك والمستأجر، في سوق يعاني أصلًا من انفلات سعري وغياب تدخل تنظيمي فعال.

رغم ذلك فإن التعديلات التي أُقرت من مجلس الشيوخ على قانون الضريبة العقارية “لا تزال في إطارها الاستشاري، ولم تُقر نهائيًا بعد، إذ من المقرر إحالتها إلى مجلس النواب صاحب الاختصاص الأصيل، والذي يملك سلطة تعديل بعض البنود أو إقرارها بصورتها الحالية”، بحسب الدكتور عادل عامر، رئيس مركز المصريين للدراسات السياسية والاقتصادية والقانونية والاجتماعية، والذي يوضح أن الفلسفة الأساسية للتعديلات تقوم على إعفاء مسكن واحد فقط لكل مالك من الضريبة العقارية، باعتباره محل الإقامة الخاص، بينما تخضع أي مساكن أخرى يمتلكها الشخص نفسه للضريبة، سواء كانت في محافظة واحدة أو محافظات مختلفة، مشيرًا إلى أن المالك يحدد المسكن المعفى ضمن الإقرار الضريبي، وتُفرض الضريبة على باقي الوحدات الخارجة عن نطاق السكن الخاص.

يقول لـ”زاوية ثالثة”: “مشروع القانون تضمن رفع حد الإعفاء المرتبط بالقيمة السوقية للعقار، في ضوء الارتفاع الكبير في أسعار المساكن خلال السنوات الأخيرة، بينما كان حد الإعفاء السابق لا يتناسب مع الواقع الاقتصادي الحالي، الأمر الذي كان سيؤدي لخضوع عدد كبير من المواطنين للضريبة رغم امتلاكهم لمسكن واحد فقط، بينما التعديلات رفعت حد الإعفاء من نحو مليون جنيه إلى ما يقارب خمسة ملايين جنيه، بما يواكب التضخم وارتفاع أسعار العقارات”.

ويقول مدير المركز، في المقابلة، إن الضريبة العقارية تُحتسب كنسبة مئوية من القيمة السوقية للعقار، وهو ما يعكس طبيعة تصاعدية، إذ يخضع الجميع لحد الإعفاء نفسه، ولا تُفرض الضريبة إلا في حال تجاوز هذا الحد، ويتم حسابها سنويًا وقت تقديم الإقرار الضريبي، لافتًا إلى أنها ليست ضريبة مستحدثة، بل تُعد من أقدم الضرائب في مصر، إذ يعود تاريخها إلى أكثر من 120 عامًا، وكانت تُعرف سابقًا باسم «العوائد العقارية».

ويذكر في شرحه أن التعديلات شملت أيضًا رفع حد الإعفاء المرتبط بالقيمة الإيجارية السنوية، إذ كان في السابق يُعفى السكن الذي لا تتجاوز قيمته الإيجارية السنوية 24 ألف جنيه، بينما رُفع هذا الحد إلى 36 ألف جنيه، بحيث لا تُفرض الضريبة إلا على ما يزيد على هذا المبلغ، ويتحملها المالك وحده.

وبمقارنة هذا الشرح بنص المشروع، تظهر فروق تستدعي التوضيح: حد 36 ألف جنيه الذي ذكره عامر لا يطابق حد 100 ألف جنيه الذي أقره الشيوخ وأخذت به اللجنة المشتركة. كما أن الضريبة ليست نسبة من سعر بيع العقار؛ سعرها القانوني 10% من صافي القيمة الإيجارية السنوية المقدرة، بعد خصم المصروفات المقررة للسكن بنسبة 30%، ومع تطبيق إعفاء المسكن الرئيسي على الوعاء المستحق. وزيادة مبلغ الضريبة كلما ارتفعت القيمة الخاضعة لا تعني وجود شرائح تصاعدية لسعر الضريبة نفسه. لذلك تُعرض الأرقام الواردة في المقابلة بوصفها شرح المصدر، بينما يُعتد بالنص التشريعي عند تحديد الحد وطريقة الحساب.

ويشدد على أن الضريبة العقارية تُفرض قانونًا على المالك فقط، وليس على المستأجر، موضحًا أن القانون لم ينص على تحميل المستأجر أي التزام ضريبي مباشر، لكنه يُحذّر في الوقت نفسه من أن المالك قد يعمد، في ظل الإيجارات الجديدة، إلى تحميل قيمة الضريبة ضمن القيمة الإيجارية، ما يؤدي عمليًا إلى رفع الإيجار، وقد يترتب عليه إنهاء العقود بعد انتهاء مدتها وإعادة تأجير الوحدات بأسعار أعلى.

ويعرّف القانون المكلف بالضريبة بأنه صاحب حق الملكية أو الانتفاع أو الاستغلال، فلا تنحصر الصفة في المالك وحده في جميع الصور القانونية. أما احتمال انتقال التكلفة اقتصاديًا إلى المستأجر عبر الإيجار فهو مسألة مختلفة عن تحديد المكلف قانونًا، ويتوقف على العقد وحالة السوق.

ويضيف: “جوهر التعديلات يتركز في إعادة ضبط حدود الإعفاء بما يتلاءم مع التضخم وارتفاع الأسعار، دون إدخال أعباء ضريبية جديدة من حيث المبدأ، لكن الأثر الفعلي للتطبيق قد ينعكس بصورة غير مباشرة على المستأجرين من خلال ارتفاع القيم الإيجارية”.

وتمثل التعديلات المقترحة على قانون الضريبة العقارية، التي أقرها مجلس الشيوخ، خطوة جزئية في اتجاه العدالة الضريبية، لكنها لا ترقى إلى معالجة شاملة لاختلالات أوسع في منظومة السكن والملكية العقارية في مصر، بحسب سلمى حسين، الباحثة الاقتصادية بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، والتي تعتبر أن رفع الحد الأدنى لقيمة العقار الخاضع للضريبة، يوفر قدرًا من الحماية للطبقة المتوسطة، لكنه يظل غير كافٍ ما لم يُستكمل بإجراءات أكثر حساسية للأوضاع الاقتصادية للأسر، خاصة تلك التي تمتلك مسكنًا وحيدًا بوصفه مقرًا رئيسيًا للمعيشة، وقد تكون مثقلة بديون أو أقساط طويلة الأجل.

تقول لـ«زاوية ثالثة»: “ما يُعرف بـ«القيمة الإيجارية» لا يُعد ضريبة على الإيجار الفعلي، وإنما آلية غير مباشرة لتقدير قيمة الضريبة العقارية، وهذه القيمة تحددها الدولة ولا ترتبط بعقود الإيجار القائمة بين المالك والمستأجر، ويمنح الاعتماد على القيمة الإيجارية، الضريبة طابعًا شبه تصاعدي، لكنه يظل محدود الفاعلية ولا يحقق تصاعدية حقيقية بالمعنى العادل”.

وترى الباحثة أن الضريبة العقارية، من حيث المبدأ، تُعد من أكثر الضرائب عدالة وأقلها ضررًا على النشاط الاقتصادي، باعتبارها ضريبة على الثروة وليست على الإنتاج أو العمل، لافتة إلى أنها تُستخدم في العديد من الدول كأداة للحد من المضاربة العقارية وتخزين الثروة في العقارات، وتشجيع طرح الوحدات المغلقة في سوق الإيجار، لكنها تنتقد محدودية التصاعدية في التعديلات المطروحة، معتبرة أنها لا تعالج الفجوة بين صغار الملاك ومتعددي الملكيات، موضحة أن جوهر غياب العدالة يكمن في أن النظام الحالي لا يفرض أعباء أكبر كلما زادت الثروة العقارية أو تعددت الوحدات المملوكة للشخص الواحد، ما يؤدي فعليًا إلى حماية كبار الملاك.

وتوضح أن الضريبة العقارية، رغم عدالتها النظرية، تظل بلا تأثير حقيقي حتى الآن بسبب ضعف حصيلتها، مشيرة إلى أن القانون ينص على تخصيص ربع الحصيلة للمحليات، وهو ما تقول إنه لا يُطبق فعليًا، ما يفرغ الضريبة من بعدها التنموي والخدمي، مضيفة أن غياب الشفافية حول الإعفاءات الممنوحة لبعض المناطق أو الفئات يثير تساؤلات حول أسباب تدني الحصيلة، وما إذا كان ذلك ناتجًا عن تقاعس في تحصيل الضريبة من الأكثر ثراءً.

وتبقى ملاحظة عدم وصول الحصيلة إلى المحليات تقييمًا تنقله الباحثة في المقابلة؛ لا يقدم التقرير حسابًا ختاميًا أو مستند تحويل مالي يثبت حجم ما وُرد بالفعل. ومن ثم يجب التمييز بين قاعدة التخصيص القانونية، التي تحدد نصيبًا للمحافظات، وبين التحقق المحاسبي من تنفيذها.

كما تتطرق إلى مشكلات التقدير والتقييم، مشيرة إلى أن فئة ما أسمته بـ«صغار الأغنياء»، وهم من تمتلك أسرهم مساكن رئيسية في مناطق أصبحت مرتفعة القيمة تاريخيًا مثل مصر الجديدة والزمالك، تُعد من أكثر الفئات تضررًا من آليات التقييم غير المنضبطة، معتبرة أن إدخال آليات تظلم رقمية وتقييم آلي يمكن أن يحد من هذا الضرر، إذا طُبق بشفافية.

وتتابع: “الضريبة العقارية يجب أن تُفهم بوصفها ضريبة على الثروة، من يملك أكثر عليه أن يسهم أكثر في تمويل الخدمات العامة التي يستفيد منها”، مشددة على أن تحقيق العدالة لا يتوقف عند فرض الضريبة، بل يرتبط بكيفية توزيع حصيلتها، وشفافية الإعفاءات، وضمان عودة العائد إلى المواطنين في صورة خدمات محلية ملموسة.

وفي وقتٍ تُفرض فيه الضريبة قانونًا على المالك وليس المستأجر، تعتقد سلمى أن المشكلة الأساسية تكمن في الانفلات القائم في سوق الإيجارات، وغياب سياسات حكومية فعالة لتنظيمه، ووجود ملايين الوحدات السكنية المغلقة، آملة أن تستهدف السياسات الضريبية تشجيع الملاك على طرح هذه الوحدات للإيجار، بما يزيد المعروض ويؤدي إلى خفض أسعار الإيجارات، مضيفة: “أتفق مع فرض الضريبة العقارية على المسكن الخاص ورفع حد الإعفاء الضريبي، مع فرض ضريبة تصاعدية كلما زاد عدد الملكيات، وضريبة أخرى على الوحدات السكنية المغلقة”.

كيف يُحتسب الإعفاء في الضريبة العقارية؟

يبيّن المهندس الاستشاري خالد عاطف، خبير التقييم العقاري المعتمد، أن تعديلات قانون الضريبة العقارية قسمت التعامل مع العقارات إلى عدة مسارات، يأتي في مقدمتها السكن الخاص، حيث يُعفى المالك من الضريبة في حال امتلاكه وحدة سكنية واحدة فقط مخصصة لإقامته، وهو يشرح الإعفاء المقترح بمعادله السوقي التقريبي البالغ نحو 8 ملايين جنيه، وفي حال امتلاك أكثر من وحدة سكنية، فإن الوحدات الزائدة عن مسكن الإقامة تخضع للضريبة العقارية المعتادة دون إعفاء.

ويشير إلى أن العقارات المؤجرة تخضع لنوعين مختلفين من الضرائب، موضحًا أن المالك يلتزم بسداد الضريبة العقارية على العقار ذاته، سواء كان مؤجراً أو مغلقاً، إلى جانب ضريبة أخرى تُعرف بضريبة الثروة العقارية أو ضريبة الدخل، وهي مرتبطة بالعائد الإيجاري الذي يحصل عليه المالك من الوحدة المؤجرة.

ويقول لـ”زاوية ثالثة” معيار الإعفاء مرتبط بالقيمة السوقية للوحدة السكنية وليس بالقيمة الإيجارية في حالة السكن الخاص غير المؤجر، والإعفاء يسري فقط إذا كانت الوحدة مخصصة لإقامة المالك ولم تتجاوز قيمتها السوقية حد الإعفاء”.

وهنا أيضًا ينبغي التمييز بين رأي الخبير في أفضل معيار للإعفاء والمعيار المكتوب في المشروع: النص يربط الإعفاء بصافي القيمة الإيجارية السنوية المقدرة، لا بقيمة البيع السوقية مباشرة. وقد تدخل خصائص العقار وموقعه ومستواه في عملية التقدير، لكن ذلك لا يحول سعر البيع إلى وعاء ضريبي بديل.

ويرى خبير التقييم العقاري أن معيار القيمة السوقية هو الأنسب والأكثر عدالة لتحديد الإعفاء الضريبي، مقارنة بالاعتماد على القيمة الإيجارية، لكنه أشار إلى صعوبة تطبيق ذلك في ظل محدودية عدد الخبراء القادرين على إجراء تقييم دقيق وفق المعايير المهنية المعتمدة.

ويصف آلية احتساب الضريبة العقارية بأنها تكون إما بنسبة 10% من القيمة الإيجارية السنوية بعد خصم المصروفات القانونية المقررة، أو من خلال تقدير نسبة مئوية من القيمة السوقية للعقار وفق جداول ومعايير تعتمدها مصلحة الضرائب العقارية، لافتًا إلى أن مأموري الضرائب العقارية هم من يتولون عملية الربط الضريبي ميدانيًا، من خلال تقديرات تستند إلى أسعار الوحدات المماثلة في المنطقة.

والتقدير السوقي المستخدم لتكوين تقدير للقيمة الإيجارية ليس طريقة قانونية ثانية لفرض الضريبة كنسبة مستقلة من ثمن العقار. وتوضح مصلحة الضرائب العقارية أن المعدل هو 10% من الوعاء الإيجاري الصافي وفق الخصومات والإعفاءات المقررة؛ وهو ما يفصل عملية التقييم عن سعر الضريبة.

ويحذر الخبير من أن تقديرات اللجان قد تختلف من منطقة لأخرى، موضحًا أن معظم أعمال التقييم تقوم بها كوادر إدارية تابعة لمصلحة الضرائب العقارية، وليس خبراء تقييم متخصصين، لافتًا إلى أن عدد الخبراء المعتمدين في مصر محدود ولا يسمح بتغطية جميع المحافظات، معتبرًا أن هذا الوضع قد يؤدي، في بعض الحالات، إلى تقديرات غير دقيقة أو متفاوتة، تبعًا لاجتهاد الموظف القائم بالتقدير.

ويشير، في وصفه لإجراءات الاعتراض، إلى أن المالك يحق له الطعن على التقدير الضريبي في حال اعتباره غير عادل، عبر إجراءات قانونية تبدأ بتقديم الطعن وسداد الرسوم المقررة، ثم الاستعانة بخبير تقييم عقاري لإعداد تقرير فني بالقيمة السوقية أو الإيجارية، يُعرض على لجنة مختصة يرأسها قاضٍ، وقد تضم في عضويتها خبراء تقييم، لتقرير خفض القيمة أو تثبيتها أو زيادتها.

أما التشكيل القانوني للجنة الطعن الضريبي، وفق توضيح مصلحة الضرائب العقارية، فيشمل رئيسًا من ذوي الخبرة من خارج العاملين الحاليين والسابقين بالمصلحة، وممثلًا عنها، ومهندسًا استشاريًا أو خبير تقييم وفق قواعد الترشيح. ولا يشترط هذا الوصف أن يرأس اللجنة قاضٍ؛ ويختلف عملها عن الطعن القضائي أمام المحكمة المختصة. لذلك لا ينبغي الخلط بين مرحلتي الاعتراض الإداري والتقاضي.

فيما يعتقد خبير الإسكان، مراد منير، أن التعديلات لا تمثل إصلاحًا حقيقيًا للمنظومة الضريبية بقدر ما هي «ترقيع» محدود، معتبرًا أن المشكلة الأساسية تكمن في الفلسفة الحاكمة للقانون نفسه، وليس في بعض بنوده التفصيلية، معتبرًا أن القانون الحالي، الذي يخضع لتعديلات متكررة، يعاني خللًا بنيويًا في مفهومه وفلسفته، ما يجعله غير قادر على تحقيق العدالة أو توفير مورد مناسب للدولة.

وينتقد ما وصفه بعدم العدالة القائم حاليًا، حيث تتحمل فئات معينة العبء الضريبي، بينما تُعفى فئات أخرى قادرة على الدفع، مؤكدًا أن أي إصلاح حقيقي يجب أن يوازن بين عدم تحميل المواطن أعباء إضافية غير مبررة، وفي الوقت نفسه تحقيق قدر من العدالة الضريبية.

يقول لـ«زاوية ثالثة»: “منظومة الضرائب العقارية وضريبة التصرفات العقارية، تعكسان اختلالًا واضحًا في العدالة الضريبية؛ إذ تُحتسب على إجمالي قيمة الوحدة، دون مراعاة ما تحمله البائع من تكاليف، مثل السمسرة أو أتعاب المحامين أو أعمال التشطيب، ما قد يؤدي في بعض الحالات إلى حصول بعض الورثة على نصيب أقل من قيمة الضريبة المسددة نفسها”.

ويجمع هذا الانتقاد بين ضريبتين مختلفتين: الضريبة السنوية على العقارات المبنية تُحسب من القيمة الإيجارية الصافية المقدرة، أما ضريبة التصرفات العقارية فتتعلق بالتصرف، ويُحسب معدلها المعتاد البالغ 2.5% من إجمالي قيمة التصرف وفق القانون والإعفاءات المقررة. ولا يُفهم من المقابلة أن مجرد انتقال الملكية بالميراث هو بيع خاضع لهذه الضريبة، أو أن الضريبتين لهما الوعاء نفسه. أما المقارنة بين نصيب الوارث والضريبة فتظل وصفًا لحالات يثيرها المصدر من دون إرفاق حساب حالة محددة.

ويخلص إلى أن القوانين المنظمة للضرائب العقارية والتصرفات العقارية قديمة ولا تتناسب مع التطورات الاقتصادية والاجتماعية الحالية، داعيًا إلى إعادة النظر فيها بالكامل، ونسف فلسفتها الحالية، وبناء منظومة جديدة أكثر عدالة وملاءمة للواقع.

تصاعدية الضريبة وتنظيم سوق الإسكان

توصيات مجلس الشيوخ ربما تعكس بالأساس توجهات أحزاب الموالاة للسلطة فيما يخص ملف الضرائب العقارية، ويتوقع المحامي الحقوقي مالك عدلي، مدير المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، أن تُقرها بالتبعية الأغلبية المنتمية لتلك الأحزاب في البرلمان، لكنه ينتقد في الوقت نفسه الحديث عن فرض ضرائب جديدة أو تعديلها في السياق الاقتصادي والاجتماعي الراهن، معتبرًا أنها تعكس منطق الجباية، دون ارتباط حقيقي بالتزامات الدولة بحماية الحق في السكن.

يقول لـ«زاوية ثالثة»: “الدولة بعيدة حاليًا عن الوفاء بالتزاماتها الدستورية المتعلقة بالحق في السكن الملائم، بدليل قانون الإيجار القديم باعتباره نموذجًا صارخًا لسياسات تهدد ملايين الأسر بفقدان مساكنها دون توفير بدائل كافية، وهذا النهج يتناقض جذريًا مع أي حديث عن حماية السكن كحق أساسي”.

وتنص المادة (78) من الدستور المصري (2014 المعدل 2019) على التزام الدولة بضمان الحق في المسكن الملائم والآمن والصحي للمواطنين، بما يحفظ الكرامة الإنسانية ويحقق العدالة الاجتماعية، وذلك من خلال وضع خطة قومية شاملة للإسكان، وتوفير الأراضي اللازمة، والحد من انتشار المناطق العشوائية.

وينتقد عدلي غياب العدالة الضريبية في المنظومة الحالية، لافتًا إلى أن الضريبة العقارية ليست تصاعدية، ويرى أنها لا تميز بما يكفي بين السكن الاقتصادي والسكن الفاخر أو السياحي، معتبرًا أن إخضاع وحدات السكن الترفيهي والقرى السياحية للمعاملة نفسها التي يخضع لها سكن محدودي الدخل يمثل خللًا جوهريًا في فلسفة القانون.

ويُقصد بالنقد هنا غياب الشرائح التصاعدية للمعدل، مع بقاء إعفاءات قانونية تميز بعض الوحدات والحالات. فثبات النسبة لا يعني أن كل مسكن، مهما كانت قيمته أو صفته، يؤدي المبلغ نفسه أو يخضع للضريبة دون إعفاء.

وحول رفع حد الإعفاء الضريبي عن السكن الخاص، يشدد المحامي الحقوقي على أن أي ضريبة، بطبيعتها، تمثل عبئًا، وأن قبول المواطنين بتحمل هذا العبء يرتبط بتلقيهم خدمات حقيقية في المقابل، لا بتمويل سياسات اقتصادية غير موفقة، معتبرًا أن رفع حد الإعفاء وحده لا يشكل ضمانة لحماية الفئات الأكثر هشاشة أو للاستقرار السكني، خاصة في ظل الارتفاع الحاد في أسعار الإيجارات.

ويتوقع أن أي ضريبة تُفرض على العقار المؤجر ستنتقل في النهاية إلى المستأجر، باعتباره المستهلك النهائي، مشيرًا إلى أن الملاك سيعوضون الضريبة بزيادة القيمة الإيجارية، ما يفاقم الأعباء على مستأجرين لا يملكون في الأصل القدرة على التملك، مستندًا إلى التقديرات المتداولة بأن نحو 30% من السكان يعيشون تحت خط الفقر، مشيرًا إلى وجود فجوات واضحة في آليات التقدير والتسعير، في ظل غياب نمط سعري واضح أو قواعد بيانات دقيقة يمكن الاعتماد عليها.

وفيما يتعلق بآليات الطعن والتظلم، أوضح عدلي أن النظام القائم حاليًا يتضمن ضمانات معقولة للاعتراض على التقديرات الضريبية، لكنه شدد على أن الحكم النهائي سيظل مرهونًا بما ستؤول إليه مناقشات البرلمان عند طرح مشروع القانون بصيغته النهائية، وما إذا كانت الحكومة ستقدم بيانًا تشريعيًا واضحًا يوضح فلسفة التعديل وأهدافه.

من ناحيته يرى يحيى شوكت، الباحث والمحلل لسياسات الإسكان والعمران ومدير مرصد العمران، أن الضريبة العقارية، وفقًا لفلسفتها الأساسية، تُعد ضريبة على الثروة، وهو ما يفرض بالضرورة مراعاة الحق الدستوري في السكن عند تصميمها وتطبيقها، وليس التعامل مع السكن باعتباره مجرد أصل اقتصادي خاضع للجباية.

ويؤكد ضرورة تطبيق الضريبة العقارية بشكل تصاعدي حقيقي، بحيث ترتفع نسبة الضريبة مع زيادة قيمة العقار، وكذلك مع زيادة عدد العقارات المملوكة للأسرة الواحدة أو الشركة، بما يضمن توجيه العبء الضريبي إلى الثروة العقارية المتراكمة ومتعددي الملكيات، بدلًا من تحميله على السكن الأساسي.

يقول لـ”زاوية ثالثة”: “أحد المداخل الرئيسية لتحقيق التوازن يتمثل في إعفاء السكن الخاص لكل أسرة من الضريبة العقارية، على أن يكون الإعفاء محددًا بحد أقصى 100 متر مربع، إذ أن ربط الإعفاء بالمساحة يعكس الاحتياج الفعلي للأسرة بصورة أدق وأبسط من ربطه بالقيمة السوقية، التي قد ترتفع أو تنخفض لأسباب لا تعبر عن المستوى الاقتصادي الحقيقي لقاطني الوحدة”.

وهذا اقتراح يطرحه شوكت لربط حماية السكن بمساحته، وليس حدًا قائمًا في قانون الضريبة أو في النص المقترح الذي يناقشه البرلمان.

ويشير إلى إمكانية استخدام الضريبة العقارية كأداة لتنظيم سوق الإسكان، من خلال إعفاء بعض العقارات السكنية من الضريبة بهدف تشجيع طرح الوحدات المغلقة في سوق الإيجار، شريطة أن يتم تأجيرها بقيم اجتماعية عادلة ولمدد طويلة، داعيًا في هذا السياق إلى وضع مؤشر وطني للإيجار العادل يكون مرجعية لتحديد هذه القيم، بما يحقق التوازن بين حق المالك والعائد العادل من جهة، وحق المستأجر في السكن الملائم من جهة أخرى.

كما يشدد على ضرورة إلغاء الضرائب والرسوم المتعارضة مع الضريبة العقارية، وعلى رأسها رسم مقابل التحسين، معتبرًا أن الضريبة العقارية بطبيعتها تعكس هذا الرسم، وأن الإبقاء عليهما معًا يمثل ازدواجًا ضريبيًا يثقل كاهل المواطنين دون مبرر، وينتقد في الوقت نفسه التعارض القائم بين فلسفة الضريبة العقارية وسياسات الحكومة الحالية تجاه السوق العقاري، والتي تقوم على تعظيم الاستثمار في العقارات وطرحها بوصفها ملاذًا آمنًا للحفاظ على قيمة المدخرات.

ويلفت مدير مرصد العمران إلى أن أي ضريبة على الثروة، بطبيعتها، تعمل في الاتجاه المعاكس لهذا النهج، لأنها تهدف إلى كبح الاستثمار الواسع في العقارات باعتبارها مخزنًا للقيمة، وهو ما يفسر ، بحسب قوله ، المطالبات المتكررة برفع حدود الإعفاء وقيم العقارات الخاضعة للضريبة، مؤكدًا أن معالجة هذا التناقض تستلزم مراجعة شاملة لسياسات الدولة تجاه السكن والسوق العقاري، ووضع سياسة متكاملة للتعامل مع العقارات، يكون هدفها الأساسي توفير السكن الملائم بوصفه حقًا اجتماعيًا ودستوريًا، وليس فقط تعظيم العائد الاستثماري من القطاع العقاري.

تحرك برلماني

وفي السياق ذاته أعلن النائب محمود سامي الإمام، رئيس الهيئة البرلمانية للحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي بمجلس النواب، رفضه مشروع القانون، مطالبًا برده إلى الحكومة لإعادة صياغته بما يحقق العدالة الاجتماعية ويحمي أصحاب السكن الأساسي، داعيًا إلى إعفاء كامل للسكن الخاص من الضريبة العقارية.

وأكد النائب، خلال مناقشة مشروع القانون في لجنة الخطة والموازنة يوم 25 فبراير 2026، ضرورة التفرقة بين المسكن الأساسي بوصفه حاجة معيشية والوحدات المستخدمة كأصول استثمارية، داعيًا إلى قصر الضريبة على السكن الثاني والثالث بنظام تصاعدي أو بنسبة موحدة.

وانتقد سامي ما اعتبره خللًا في القانون الحالي، إذ يفرض ضريبة على السكن الخاص ويعفي الوحدات غير المشطبة، ما يشجع بعض الملاك على ترك وحداتهم دون تشطيب للتهرب الضريبي، ويعطل طرحها في السوق.

من جهته يؤكد الدكتور فريدي البياضي، عضو مجلس النواب ونائب رئيس الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي للشئون الخارجية، أن حزبه يؤيد مبدأ رفع حد الإعفاء الضريبي عن المسكن الأول في تعديلات قانون الضريبة العقارية التي وافق عليها مجلس الشيوخ، معتبرًا أن هذه الخطوة ضرورية لحماية الطبقة المتوسطة من أعباء ضريبية إضافية.

ويوضح أن مجلس الشيوخ رفع حد الإعفاء من 50 ألفًا إلى 100 ألف جنيه من صافي القيمة الإيجارية السنوية، مشيرًا إلى أن الحزب كان يفضل رفعه إلى 150 ألف جنيه سنويًا، ضمانًا لإعفاء المسكن الأول للطبقة المتوسطة بشكل أوسع، مؤكدًا أن الهدف هو ألا تتحمل هذه الفئة أي ضريبة عقارية على سكنها الأساسي، في مقابل فرض الضريبة على أي مسكن ثانٍ يُستخدم لأغراض استثمارية أو ترفيهية.

يقول لـ«زاوية ثالثة»: “نهدف إلى تحقيق قدر أكبر من العدالة الضريبية، من خلال تصاعدية واضحة، بحيث يسهم الأغنياء وملاك العقارات مرتفعة القيمة أو المخصصة للاستثمار بنصيب أكبر من الضرائب، تعويضاً عن إعفاء الأسر المتوسطة والفقيرة من هذه الأعباء، وذلك يتماشى مع دور الضرائب كأداة لإعادة توزيع الدخل”.

ويشدد البياضي على أن الضريبة العقارية تُفرض على المالك وليس على المستأجر، موضحًا أن احتسابها يتم بناءً على القيمة الإيجارية التقديرية للعقار، لافتًا إلى أنه في حال وجود شقق مماثلة في المنطقة نفسها تُؤجر بقيمة مرتفعة، يتم تقدير القيمة الإيجارية السنوية للعقار على هذا الأساس، ومن ثم تُحسب الضريبة العقارية على المالك وفقًا لها.

في المحصلة، تكشف مناقشات تعديلات قانون الضريبة العقارية عن مفارقة أساسية في إدارة ملف السكن في مصر؛ إذ تطرح الدولة من جهة تخفيف العبء الاجتماعي عبر رفع حدود الإعفاء عن السكن الخاص، ومن جهة أخرى تُبقي على فلسفة ضريبية ترى في المسكن أصلًا ماليًا قبل أن يكون حقًا دستوريًا واجتماعيًا، وبينما يوفر رفع حد الإعفاء حماية نسبية لشريحة من الطبقة المتوسطة، تظل الإشكاليات الأعمق قائمة، وفي مقدمتها غياب التصاعدية الحقيقية، وتفاوت آليات التقييم، وضعف حصيلة الضريبة، وعدم وضوح أوجه إنفاقها، إلى جانب المخاوف من انعكاسها غير المباشر على المستأجرين في سوق إيجار يعاني انفلاتًا مزمنًا.

وتشير آراء الخبراء والحقوقيين إلى أن أي إصلاح ضريبي لا يمكن فصله عن سياسات إسكان شاملة تعترف بالسكن بوصفه حقًا أساسيًا، وتربط بين فرض الضرائب وتقديم خدمات ملموسة، وتُحمّل العبء الأكبر لمتعددي الملكيات والثروة العقارية المتراكمة، لا للأسر التي لا تملك سوى مسكن واحد يؤويها.

ومع مناقشة التعديلات داخل مجلس النواب، يبقى الرهان معقودًا على ما إذا كانت المناقشات البرلمانية ستنحاز إلى مقاربة أكثر عدالة وشفافية، تُعيد صياغة العلاقة بين الدولة والمواطن في ملف السكن، أم ستكتفي بإدخال تحسينات تقنية محدودة داخل منظومة ما زالت تعاني اختلالًا بنيويًا في فلسفتها وأولوياتها.

آية ياسر
صحافية وكاتبة وروائية مصرية حاصلة على بكالوريوس الإعلام- جامعة القاهرة.

Search