قبل أربع سنوات اكتشفت منى جمال، المقيمة بمحافظة قنا، أن تعثر ابنتها الدراسي على مدار ثلاث سنوات من التعليم الابتدائي لم يكن ناجمًا عن دلال زائد أو إهمال كما كانت تتهمها معلمتها، بل جاء نتيجة معاناتها من صعوبات التعلم، وهي تحديات عصبية تؤثر على قدرة الدماغ على تلقي المعلومات ومعالجتها وتخزينها، وتؤثر على الانتباه والذاكرة والمهارات الأكاديمية كالقراءة والكتابة والحساب.
كانت الابنة في عامها الدراسي الرابع حين لجأت والدتها إلى عرضها على القومسيون الطبي بإحدى مستشفيات هيئة التأمين الصحي، الذي صنّف حالتها ضمن الإعاقة الذهنية البسيطة المصحوبة بصعوبات تعلم، وإثر ذلك جرى إلحاقها بنظام الدمج التعليمي، وفقًا للقرار الوزاري رقم 252 لسنة 2017، الذي يكفل للطلاب ذوي الإعاقة البسيطة التعلم في مدارس التعليم العام ودمجهم مع أقرانهم العاديين.
ظنت “منى” أن معاناة ابنتها الدراسية ستنتهي بالتحاقها بنظام الدمج، الذي يفترض أن يوفر لها امتحانات تناسب قدراتها واستراتيجيات تدريس ملائمة لحالتها، غير أن فصلًا جديدًا من المعاناة بدأ بالنسبة إليها، إذ تعرضت للوصم والتنمر المتكرر من أقرانها داخل المدرسة الابتدائية الحكومية، كما لم يكن المعلمون قادرين على مراعاة الفروق الفردية بين طلاب الدمج.
وتروي الأم أن غرفة المصادر في مدرسة ابنتها، وهي الفصل المخصص لتلبية الاحتياجات التعليمية للطلاب ذوي صعوبات التعلم أو الإعاقات البسيطة، والذي يتلقى الطالب تعليمه فيه لفترة محددة من نصف اليوم الدراسي ثم يُدمج مع أقرانه في الفصول العادية، لم تؤدِ دورها في تقديم الدعم التربوي والتعليمي للتلاميذ، واقتصر دورها على جعلهم يرددون الأغنيات ويصفقون، وهو ما دفع ابنتها إلى رفض الذهاب إليها.
تقول لـ”زاوية ثالثة”: “في المدرسة كان يُستخدم مصطلح الدمج بين الأطفال باعتباره وسيلة للسخرية أو التقليل من قدرات الآخرين، ما أثر على نفسيتها بالسلب وجعلها تبكي وترفض الذهاب إلى المدرسة في كثير من الأحيان”.
وتوضّح أن المرافق التربوي “مدرس الظل” كان سببًا إضافيًا في إحراج ابنتها أمام الآخرين، لتبريره بطء استجابتها داخل الفصل بكونها طالبة دمج، وهو ما جعلها في مرمى نيران المتنمرين.
ورغم التحاقها بالدمج، استمرت معاناة الطفلة من الصعوبات التعليمية في مادتي الرياضيات واللغة الإنجليزية، لعجزها عن الربط المنطقي بين القواعد والتطبيقات العملية، وما فاقم المشكلة هو عدم وجود مناهج دراسية دامجة في مصر تراعي فوارق الإدراك والتحصيل بين التلاميذ، إذ يدرس طلاب الدمج في مصر المناهج نفسها المقررة على أقرانهم العاديين، ولكن يجري تخفيفها أو حذف بعض أجزائها، وتعتمد وزارة التربية والتعليم في امتحاناتهم نظام الأسئلة الموضوعية بنسبة 65%، والمقالية بنسبة 35%.
هذه الصعوبات دفعت الأم إلى إلحاق ابنتها بالدروس الخصوصية بجانب جلسات التأهيل الأكاديمي وعلاج صعوبات التعلم في مراكز للتخاطب وتنمية المهارات، لكن معظم تلك المراكز كانت تركز على الجانب الربحي أكثر من تقديم خدمات تعليمية متخصصة تتناسب مع احتياجات الطفلة.
ومع انتقال ابنتها إلى المرحلة الإعدادية، حاولت منى إلغاء قرار الدمج، استجابةً لرغبة الفتاة التي لم تعد تطيق الوصم الاجتماعي والتنمر في المدرسة، فعرضتها من جديد على القومسيون الطبي، وأُجري لها اختبار جديد للذكاء وفق مقياس “ستانفورد بينيه“، الذي يُستخدم لتحديد حالات التأخر النمائي وصعوبات التعلم واضطراب قصور الانتباه وفرط الحركة (ADHD)، حصلت فيه على درجة 88، في حين تشترط اللوائح للخروج من نظام الدمج معدل ذكاء 90 فأكثر (في حالات صعوبات التعلم أو الإعاقات الذهنية البسيطة)، ما أدى إلى استمرار قيدها ضمن الدمج، فاكتفت الفتاة بالحضور خلال فترات الامتحانات فقط.
بينما رأت صفاء فتحي، المقيمة في محافظة الدقهلية، أن إلحاق ابنها بنظام الدمج هو الحل الوحيد المتاح أمامها، بعد سنوات من البحث عن تفسير للصعوبات الدراسية التي واجهها الطفل المشخص بمتلازمة أسبرجر (التوحد عالي الأداء) داخل المدرسة، كونه يتحدث اللغة الإنجليزية منذ سنوات حياته الأولى، ويتخذها لغته الأساسية.
وعندما أتم الطفل سنواته الست، ألحقته بمدرسة حكومية أملًا في أن يتحدث العربية، بناءً على نصيحة أخصائية التخاطب بمركز التأهيل، لكن سرعان ما واجه صعوبة كبيرة في اجتياز مادة اللغة العربية، فحاولت نقله إلى مدرسة رسمية للغات، لكنها فوجئت بأن اللوائح لا تسمح بالتحويل من مدارس رسمية (الحكومية العربي) إلى رسمية لغات أو رسمية متميزة، ولكن يمكن التحويل إلى مدارس اللغات الخاصة والمدارس الدولية بعد أداء امتحان تحديد مستوى الطالب في اللغة الأجنبية المستخدمة للتدريس بها، وهو ما حالت دونه ظروف الأسرة المادية.
وحين وصل الطفل إلى الصف الرابع الابتدائي وأُضيفت إلى مقرراته مادتا العلوم والدراسات الاجتماعية، تفاقمت الصعوبات الدراسية التي يواجهها، فلم تجد الأم أمامها حلًا سوى خوض إجراءات الدمج في فترة الصيف، فأجرت له اختبار ذكاء حديث (ستانفورد بينيه) معتمدًا من مستشفى حكومية أو مستشفى جامعي أو تأمين صحي، وتقريرًا طبيًا شاملًا من طبيب مختص بالحالة (نفسي أطفال، أو مخ وأعصاب، أو سمعيات)، وقدمت لإدارة التربية الخاصة إفادة من المدرسة بطلب دمج الطالب، وشهادة ميلاد الطالب، وصورًا شخصية حديثة.
ورغم حصول الابن على معدل ذكاء 98 درجة على مقياس ستانفورد بينيه، في حين يتراوح معدل الذكاء الطبيعي بين 90 و109 درجات، فإن القومسيون الطبي صنفه ضمن حالات بطء التعلم وألحقه بنظام الدمج في مدرسته الحكومية نفسها (عربي) منذ عامين، لكن ذلك لم يُنهِ معاناته.
تقول لـ”زاوية ثالثة”: “طفلي يتمتع بمستوى ذكاء طبيعي، ويحتاج إلى الانتقال لمدرسة لغات لعدم إتقانه اللغة العربية، لكن آليات عمل لجان الدمج لا تتيح مساحة كافية لتقدير الحالات الفردية، وأخشى أن يؤثر ذلك سلبًا على مستقبله التعليمي”، مطالبةً بمراجعة آليات التشخيص داخل لجان الدمج، لأن المقابلات تُجرى في وقت قصير لا يسمح بفهم الحالة بصورة متعمقة أو مناقشة البدائل والاستثناءات الممكنة لكل طفل.
ويبلغ عدد تلاميذ الدمج في مصر 159,825 طالبًا وطالبة، مقيدين بمراحل ومستويات التعليم المختلفة بمدارس التعليم العام والفني، ويشترط القرار الوزاري رقم 252 لسنة 2017 ألا تزيد نسبتهم على 10% من إجمالي عدد طلاب الفصل، بحد أقصى 4 طلاب في الفصل الواحد، ويُطبق على حالات الإعاقة البسيطة أو المتوسطة بمدارس التعليم العام، وتشمل (الإعاقة الذهنية البسيطة – بطء التعلم – اضطراب طيف التوحد – متلازمة داون – الإعاقة الحركية – الشلل الدماغي – ضعف السمع – ضعف الإبصار – كف البصر – متلازمة إرلن – صعوبات التعلم – فرط الحركة وتشتت الانتباه).
أما حالات الإعاقة الشديدة والمتوسطة (ذهني، بصري، سمعي)، فيمكنها اللجوء إلى مدارس وفصول التربية الخاصة، التي تشمل مدارس الإعاقة الذهنية والمتلازمات المصاحبة مثل (متلازمة داون – اضطراب طيف التوحد – الشلل الدماغي – بطء التعلم)، ومدارس الإعاقة السمعية المخصصة للصم وضعاف السمع، ومدارس الإعاقة البصرية المخصصة للمكفوفين وضعاف البصر، وفصول مزدوجي الإعاقة، ويبلغ عدد طلاب مدارس التربية الخاصة نحو 46,994.
نوصي للقراءة: مصر: أمهات يواجهن إعاقة أطفالهن الذهنية بلا سند

تهيئة البيئة المدرسية وتدريب المعلمين
قبل تسع سنوات خاضت سونيا أحمد، لأول مرة، تجربة إلحاق ابنها المشخص باضطراب طيف التوحد بنظام الدمج، حين كان تلميذًا بالصف الأول الابتدائي بإحدى المدارس الحكومية في مدينة طنطا بمحافظة الغربية، لكنها صُدمت بإهمال جسيم عرّض حياة طفلها للخطر حين خرج من شرفة داخل المدرسة إلى الشارع أثناء اليوم الدراسي، لتعثر عليه واقفًا وسط السيارات أثناء مرورها بالصدفة.
أمضت سونيا، وهي كذلك عضوة مؤسِّسة بحملة “أنقذوا أطفال التوحد”، سنوات تبحث عن مدرسة رسمية تستطيع استيعاب حالة ابنها ذي اضطراب طيف التوحد، لكنها اصطدمت بمشكلات تتعلق بالأمان داخل المدارس الحكومية، وغياب المتابعة، وعدم جاهزية البيئة المدرسية للتعامل مع الأطفال ذوي الإعاقة، بينما لم تكن غرف المصادر تعمل بصورة منتظمة، وغالبًا تظل مغلقة.
تقول لـ”زاوية ثالثة”: “المدارس التي تنقّل ابني بينها لم توفر له دعمًا تعليميًا حقيقيًا، وبعضها كان يفتقر إلى أبسط إجراءات السلامة، والأدوات التعليمية المخصصة للأطفال ذوي الإعاقة، مثل أدوات منتسوري، كانت متوافرة في بعض المدارس لكنها ظلت حبيسة الخزائن خوفًا من تلفها أو فقدانها”.
وتؤكد أن المدرسة لم تسهم بصورة فعالة في تعليم ابنها، المقيد بالصف الأول الثانوي، القراءة والكتابة أو سد الفجوة المعرفية بينه وبين أقرانه، لكن التحسن التعليمي الذي حققه حدث بفضل جلسات علاج صعوبات التعلم التي تلقاها في المنزل على يد متخصصين.
وتوضّح الأم أن الأسر تتحمل أعباء مالية إضافية لتوفير “الشادو تيتشر” أو المرافق التربوي، في ظل عدم السماح بوجوده في بعض المدارس الحكومية والخاصة، رغم الحاجة إليه لمساندة الطلاب داخل الفصول الدراسية، مشيرة إلى مواجهة الأطفال المدمجين للتنمر من التلاميذ أو بعض العاملين بالمنظومة التعليمية، ما يترك آثارًا نفسية سلبية على الأطفال وأسرهم.
وتنتقد المناهج الدراسية الحالية، التي تعتبرها لا تراعي طبيعة الطلاب ذوي الإعاقات الذهنية، وبينما يحاول الأهالي وأخصائيو التربية الخاصة تبسيط بعض المواد الدراسية عبر الوسائط البصرية والمجسمات، فإن ذلك يتعذر بالنسبة لمواد أخرى، لاعتمادها على مفاهيم مجردة، بجانب الحضور الإلزامي والتقييمات الأسبوعية التي لا تراعي الفروق الفردية بين الطلاب.
فيما ترى إيمان حمدي، مؤسسة حملة أمهات الديسلكسيا وصعوبات التعلم، أن نظام الدمج التعليمي لا يحقق الأهداف المرجوة منه، لأن المناهج الدراسية المقدمة للطلاب ذوي الإعاقات وصعوبات التعلم هي نفسها المقررة على بقية الطلاب، مع بعض التسهيلات المحدودة في الامتحانات، إذ لا تكمن المشكلة في أسلوب التقييم بل في طبيعة المحتوى التعليمي نفسه، الذي لا يراعي الفروق الفردية والقدرات المتباينة للطلاب.
ووفقًا لتجربتها مع ابنتها البالغة 14 عامًا، المشخصة بعسر القراءة والكتابة (الديسلكسيا)، غالبًا ما يتعرض الطلاب ذوو الإعاقات للرفض من المدارس الخاصة، رغم وجود قرارات رسمية تدعم حقهم في التعليم الدامج، وترتبط فرص الحصول على تعليم جيد بالنسبة إليهم بمدى القدرة المادية لأسرهم، واستطاعتها إلحاقهم بمدارس دولية أو توفير معلمين مساعدين وأخصائيي التربية الخاصة.
تقول لـ”زاوية ثالثة”: “الحملة تلقت عشرات الشكاوى من أولياء أمور بشأن تعرض أبنائهم لتعليقات مهينة أو معاملة تمييزية داخل الفصول ولجان الامتحانات، ووصم الأطفال بصفة (دمج) أصبح أداة للسخرية والتنمر في بعض البيئات المدرسية”.
وتضيف: “حالات عسر القراءة والكتابة الشديدة لم تعد تستفيد من وجود المرافق التربوي، رغم أن طبيعة إعاقتهم تجعلهم غير قادرين على قراءة الأسئلة أو التعامل مع أوراق الامتحان بمفردهم”.
وتوضح أن الأطفال ذوي التوحد وصعوبات التعلم يواجهون صعوبات في دراسة المواد التي تعتمد على التفكير المجرد أو التخيل، بينما تفتقر المدارس إلى الوسائل التعليمية والأدوات البصرية والمجسمات التي يمكن أن تساعدهم على الفهم والاستيعاب، بجانب عدم تفعيل غرف المصادر بالشكل المطلوب، وغياب الاستفادة الحقيقية من أدوات منتسوري، وهي وسائل تعليمية مصممة لتشجيع الاعتماد على النفس والتعلم الذاتي وتطوير المهارات الحسية والحركية.
وتطالب بتهيئة البيئة المدرسية وتدريب المعلمين، وتفعيل غرف المصادر وتوفير الوسائل التعليمية المناسبة، وتطوير مناهج ومسارات تعليمية أكثر واقعية وملاءمة لقدرات الطلاب ذوي الإعاقات وصعوبات التعلم، بما يمنحهم فرصًا عادلة للاندماج والتعلم.
من جهته، يوضّح محمد سلامة، مؤسس مجموعة “أولياء أمور طلاب الدمج”، أن المشكلات التي تواجه الطلاب ذوي الإعاقة وأسرهم تبدأ منذ مرحلة الالتحاق ببرنامج الدمج نفسه، إذ يشترط الحصول على اختبارات للذكاء ومقاييس تشخيصية معتمدة لا تُجرى إلا في مستشفيات حكومية محددة، ما يضطر الأسر إلى الانتظار عدة أشهر لحين تحديد مواعيد التقييم، بجانب الاعتماد على مقياس ذكاء موحد لجميع الحالات لا يراعي الفروق الكبيرة بين أنواع الإعاقات ودرجاتها، وتطبيق التقييمات بشكل يخلو من الدقة والشفافية.
ويعتبر أن الامتحانات المخصصة لطلاب الدمج لا تلتزم بالضرورة بالمواصفات الفنية المنصوص عليها في القرارات الوزارية، سواء من حيث شكل الورقة الامتحانية أو طبيعة الأسئلة المناسبة لقدرات الطلاب ذوي الإعاقات الذهنية، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع معدلات الرسوب ودخول أعداد كبيرة منهم امتحانات الدور الثاني.
يقول لـ”زاوية ثالثة”: “يُشترط أن يكون المرافق القانوني أصغر سنًا من الطالب وغير قريب له حتى الدرجة الرابعة، ويصعب على الأسر العثور على شخص تتوافر فيه هذه الشروط ويتحمل مسؤولية مرافقة الطالب داخل اللجنة، بينما الأجر المرتفع لـ(الشادو تيتشر) عبء كبير على العديد من الأسر، أما الطلاب ذوو صعوبات التعلم فقد حُرموا مؤخرًا من الاستعانة بالمرافق التربوي”.
ويؤكد أن العديد من المعلمين والعاملين بالمدارس لم يحصلوا على تدريب كافٍ للتعامل مع الطلاب المدمجين، لذا يُترك تلاميذ الدمج فريسة للإهمال داخل الفصول أو لممارسات تمييزية وتنمر من زملائهم وبعض العاملين بالمدرسة، لافتًا إلى ضعف جاهزية البنية التحتية للمدارس، وخلوّها من منحدرات أو وسائل إتاحة مناسبة للطلاب ذوي الإعاقات الحركية، فيضطرون إلى الصعود لطوابق مرتفعة بمساعدة زملائهم.
نوصي للقراءة: “ارجع اكشف تاني”.. كيف تُرهق المجالس الطبية ذوي الإعاقات الدائمة؟

تحديات الإتاحة والتدريب والخدمات المساندة
في السياق ذاته، توضّح الدكتورة إيمان كريم، المشرفة العامة على المجلس القومي للأشخاص ذوي الإعاقة، أن الإتاحة الهندسية تمثل أحد الركائز الأساسية للدمج التعليمي، ورغم أن جهود تطوير المدارس مستمرة، غير أن نسب الالتزام الكامل بالكود لا تزال أقل من المستوى المأمول في عدد من المحافظات، لا سيما في المدارس القديمة، مشيرة إلى أن المجلس يتابع مدى التزام المدارس بالكود المصري للإتاحة «601» من خلال الزيارات الميدانية وتقارير فروعه بالمحافظات وشكاوى المواطنين.
تقول لـ”زاوية ثالثة”: “المجلس يعمل على إدراج متطلبات الإتاحة ضمن خطط التطوير والإنشاءات الجديدة، ونستهدف تطبيقه بصورة معيارية ونموذجية من خلال مبادرة مدارس منارة الدمج الهادفة إلى إنشاء نماذج مدرسية تطبق التصميم الشامل في كل محافظة، بما يسمح بالوصول إلى نسبة التزام تبلغ 20% من المدارس الحكومية بحلول عام 2030 كمرحلة أولى قابلة للتقييم والتوسع”.
وتشير إلى أن المجلس أطلق مشروع “خطوة نحو مدن مستدامة” بهدف تقييم مستوى الإتاحة في قطاعات التعليم والصحة والنقل والعدل، وبدأ تنفيذ مرحلته التجريبية بمحافظة الإسماعيلية لإعداد خريطة شاملة تصنف المرافق وفق درجة الإتاحة، كذلك طوّر أداة علمية لتقييم الإتاحة العامة للأماكن والمرافق، تعتمد على ستة محاور تشمل الإتاحة المعمارية والتكنولوجية والرقمية وخدمات الدعم واللافتات الإرشادية واشتراطات السلامة، بما يسمح بإصدار مؤشر رقمي دقيق لتحديد مستوى الإتاحة ووضع خطط تصحيحية مناسبة.
وتضيف: “المجلس يتبنى تطبيق معايير التصميم الشامل للتعلم ضمن مبادرة مدارس التمكين، التي تتضمن تجهيز غرف مصادر رقمية مزودة ببرمجيات الكتب الناطقة للطلاب المكفوفين وشاشات تفاعلية وأدوات تعليمية متنوعة تتناسب مع اختلاف أنواع الإعاقات واحتياجاتها”.
وفيما يتعلق بالشكاوى الخاصة باضطرار الطلاب مستخدمي الكراسي المتحركة إلى الصعود للأدوار العليا، أكدت المشرفة العامة أن المجلس يتعامل مع هذه الحالات باعتبارها انتهاكًا لحق الطالب في الوصول الآمن والمستقل إلى الخدمات التعليمية، ويجري التواصل مع مديريات التربية والتعليم والجهات المختصة لبحث الشكاوى واتخاذ الإجراءات اللازمة، مع التوصية بحلول عاجلة مثل تخصيص الفصول الدراسية في الأدوار الأرضية لحين استكمال أعمال التهيئة المطلوبة.
وتؤكد أن المجلس نجح مؤخرًا في التنسيق مع وزارة التربية والتعليم لإصدار توجيه وزاري يلزم المدارس بتخصيص فصول الدمج ولجان الامتحانات للطلاب ذوي الإعاقة الحركية في الطابق الأرضي، كما يجري العمل على وضع آلية رقابية ميدانية لضمان التنفيذ الفوري للقرار.
وتُبيّن أن مفهوم الإتاحة الشاملة لا يقتصر على إنشاء المنحدرات أو التعديلات الهندسية، بل يشمل الإتاحة الرقمية والتكنولوجية وإتاحة المعلومات ووسائل الاتصال، وتوفير الوسائل التعليمية المساعدة، وتهيئة البيئة المدرسية نفسيًا واجتماعيًا، بما يضمن مشاركة الطلاب ذوي الإعاقة في العملية التعليمية على قدم المساواة مع أقرانهم.
وتؤكد أن المجلس تلقى شكاوى وملاحظات تتعلق بإجراءات التقييم والقبول في نظام الدمج، مؤكدةً أن تقييم الطالب يجب أن يكون متعدد الأبعاد ولا يعتمد على مؤشر واحد فقط، بل يشمل القدرات الوظيفية والمهارات الأكاديمية والسلوك التكيفي واحتياجات الدعم، مع مراعاة خصوصية كل فئة من فئات الإعاقة.
وتوضح أن المجلس يشارك في تقديم الرأي الفني والتوصيات المتعلقة بالسياسات التعليمية الخاصة بالأشخاص ذوي الإعاقة، ويوصي بضرورة تطبيق الترتيبات التيسيرية المعقولة وتكييف المناهج وأساليب التدريس والتقييم بما يتناسب مع الاحتياجات الفردية لكل طالب، مشيرة إلى الاتفاق مع وزارة التربية والتعليم على إدراج مجالات البرمجة والذكاء الاصطناعي لطلاب التعليم الفني من ذوي الإعاقة، مع مواءمة المحتوى التعليمي وفقًا لطبيعة كل إعاقة، داعيةً إلى تدريب القائمين على إعداد الامتحانات وتوحيد آليات تطبيق التيسيرات المقررة وضمان الرقابة على تنفيذها داخل اللجان.
وتكشف أن المجلس قدم مقترحًا لوزارة التربية والتعليم يتضمن سياسات أكثر عدالة للتقييم، تشمل توفير بدائل مناسبة لطبيعة الإعاقة، مثل تحويل الامتحانات الشفوية للطلاب ذوي الإعاقة السمعية إلى امتحانات تحريرية، وإتاحة المرافق الكتابي للإعاقات الحركية، ومنح وقت إضافي للطلاب الذين يحتاجون إليه، والتوسع في التقييم القائم على الأداء بدلًا من الحفظ النظري لبعض المسارات المهنية.
وتتابع: “ندرك حجم الأعباء المالية التي تتحملها الأسر بسبب (الشادو تيتشر)، وندعو إلى تطوير منظومة الدعم داخل المدارس بما يقلل الاعتماد على الخدمات التي تتحمل الأسرة تكلفتها بصورة مباشرة ويضمن تكافؤ الفرص بين الطلاب، ونقترح تدريب الخريجين على مهام المعلم المساند وإمكانية الاستعانة بهم خلال فترة الخدمة العامة، ونتعاون مع الأكاديمية المهنية للمعلمين لإطلاق مبادرة (التمكين المهني) لإصدار رخصة مهنية معتمدة للمعلم المساند أو (الشادو تيتشر)”.
وتقول “إيمان” إن السنوات الماضية شهدت جهودًا تدريبية مهمة للمعلمين والإدارات المدرسية، إلا أن الحاجة ما زالت قائمة إلى توسيع برامج التدريب المتخصص والمستمر، مضيفةً أن المجلس يتلقى شكاوى تتعلق بالتنمر وضعف الوعي وعدم كفاية الخبرة في التعامل مع بعض الإعاقات، ما يستدعي تعزيز ثقافة الدمج والاحترام المتبادل داخل المجتمع المدرسي.
وأوضحت أن المجلس اتفق مع وزارة التربية والتعليم على إنتاج مواد وأفلام توعوية تُبث عبر قناة «مدرستنا»، لتوعية الطلاب والعاملين بالمدارس بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، كما يجري العمل على سد العجز في معلمي التربية الخاصة من خلال نظام الحصة وبرامج التدريب التحويلي للمعلمين الحاليين.
وتشير كذلك إلى أن مصر حققت تقدمًا ملحوظًا على المستوى التشريعي والتنظيمي المتعلق بالدمج، لكن التطبيق العملي لا يزال يواجه تحديات تتعلق بالإتاحة والتدريب والخدمات المساندة وكثافة الفصول وتفاوت الإمكانات بين المحافظات، ما يتطلب معالجة هذه الفجوات والالتزام بمعايير الإتاحة الشاملة، وتطوير نظم التقييم والامتحانات، وتوسيع برامج تدريب المعلمين، وتوفير الخدمات المساندة داخل المدارس، وتعزيز آليات المتابعة والرقابة، وضمان مشاركة الأشخاص ذوي الإعاقة وأسرهم في تقييم السياسات التعليمية.
وتدعو إلى تشديد العقوبات المنصوص عليها في قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة رقم 10 لسنة 2018 في حالات الامتناع عن تقديم الخدمات التعليمية المناسبة، مقترحةً تشكيل لجنة وطنية دائمة للتعليم الدامج تضم وزارة التربية والتعليم والمجلس القومي للأشخاص ذوي الإعاقة والجهات المعنية، لضمان تحويل السياسات والخطط إلى التزامات تنفيذية تكفل حق الطلاب ذوي الإعاقة في تعليم دامج فعّال.
نوصي للقراءة: محبوسون في بيوتهم.. حين تصبح الشوارع سجنًا لذوي الإعاقة في مصر

غياب التعيينات ونقص المتخصصين
بدورها، ترى الدكتورة هدى فتحي، خبيرة الدمج والمديرة السابقة لإدارة تنمية التربية الخاصة بوزارة التربية والتعليم والتعليم الفني، أن ملف الدمج يواجه تحديات متعددة تتعلق بالبنية التحتية والكوادر البشرية والخدمات المساندة، إذ إن المدارس الجديدة يُطبق بها اشتراطات كود الإتاحة الهندسي منذ مرحلة التصميم والإنشاء، بينما تواجه المدارس القديمة صعوبات كبيرة في تنفيذ التعديلات المطلوبة لمحدودية المساحات وطبيعة المباني القائمة، وهو ما يجعل تنفيذ منحدرات الحركة أو غيرها من وسائل الإتاحة غير ممكن.
تقول لـ”زاوية ثالثة”: “القرارات الوزارية المنظمة تحدد بوضوح المعايير والفئات المؤهلة للالتحاق ببرامج الدمج، والتي تقتصر على الإعاقات البسيطة وفق ضوابط محددة، لكن الدمج يجب ألا يقتصر على حضور الامتحانات أو الوجود الشكلي داخل المدرسة، بل يقوم على تحقيق التفاعل الاجتماعي بين الطالب وأقرانه، وتأهيله للاندماج في المجتمع”.
وتؤكد أن غرف المصادر تُعد إحدى وسائل الدعم الأساسية لطلاب الدمج، إلا أن توافرها لا يزال محدودًا في كثير من المدارس لارتفاع تكلفة تجهيزها، وتُسهم مؤسسات المجتمع المدني والجمعيات الأهلية في إنشاء هذه الغرف وتجهيزها، مشيرة إلى أن وزارة التربية والتعليم كانت تنظم برامج تدريبية للمعلمين للتعامل مع حالات الدمج، لكن ذلك غير كافٍ في غياب التعيينات الجديدة وعدم وجود المتخصصين في التربية الخاصة وعلوم الإعاقة داخل المدارس.
وتضيف: “توفير خدمات الشادو تيتشر أو المرافق التربوي يتطلب إمكانات بشرية ومالية كبيرة، في وقت تعاني فيه المنظومة التعليمية من نقص في الكوادر المتخصصة، أما اشتراطات المرافق القانوني للحالات التي تحتاج إلى مرافق أثناء الامتحانات فتشترط أن يكون المرافق في مرحلة تعليمية أدنى من الطالب الذي يرافقه”.
وترى المديرة السابقة لإدارة تنمية التربية الخاصة ضرورة تطبيق “المنهج الموازي”، الذي يتيح مواءمة المحتوى التعليمي مع قدرات الطلاب ذوي الإعاقة، لكن ذلك يتطلب وجود معلمين مساعدين ومتخصصين داخل الفصول لدعم المعلم الأساسي في تنفيذ هذا النوع من المناهج.
نوصي للقراءة: الأعباء أولًا، والتعليم لاحقًا.. عام دراسي جديد بقرارات صادمة لأهالي

محدودية الموارد المخصصة للتعليم
فيما لا يفصل الدكتور كمال مغيث، أستاذ أصول التربية والتعليم والباحث بالمركز القومي للبحوث التربوية، المشكلات التي يواجهها الطلاب ذوو الإعاقة في نظام الدمج عن الأزمة الأوسع التي يعانيها التعليم المصري بشكل عام، في ظل ظروف اقتصادية صعبة تنعكس بصورة مباشرة على جودة الخدمات التعليمية المقدمة لجميع الطلاب، وبصورة أشد على الفئات الأكثر احتياجًا للدعم، وفي مقدمتها الطلاب ذوو الإعاقة.
ويوضح أن محدودية الموارد المخصصة للتعليم أدت إلى تفاقم أزمات مزمنة، من بينها تدني أوضاع المعلمين والعجز الكبير في أعدادهم، ما يجعل الدولة غير قادرة على توفير المتطلبات الإضافية التي يحتاجها التعليم الدامج، مثل المعلمين المتخصصين، والمرافقين التربويين، ووسائل الدعم المساندة، وطرق التدريس والتقويم الملائمة لمختلف الإعاقات.
يقول لـ”زاوية ثالثة”: “الدمج الحقيقي يتطلب معلمين مؤهلين، ومرافقين متخصصين، وتجهيزات مناسبة، ومناهج وأساليب تقييم تراعي طبيعة الإعاقات المختلفة، وهو ما لا يتوفر بالشكل الكافي في المدارس الحكومية، ويؤدي إلى فجوة بين النصوص القانونية المنظمة للدمج وبين الواقع الفعلي داخل المدارس”.
ويؤكد أن الطلاب ذوي الإعاقة يدفعون ثمنًا مضاعفًا لأزمات التعليم، لأنهم يحتاجون إلى خدمات إضافية لا يحصل عليها كثير منهم، لافتًا إلى أن الأعباء الاقتصادية المترتبة على الدمج تقع على عاتق الأسر الفقيرة ومتوسطة الدخل، بينما تلجأ الأسر الميسورة ماديًا إلى المدارس الدولية وتوفير خدمات الدعم الفردي لأبنائها، ما يخلق تفاوتًا واضحًا في فرص التعليم.
ومن جانبه، يؤكد الدكتور حسن شحاتة، أستاذ المناهج وطرق التدريس بكلية التربية بجامعة عين شمس، أن تعليم التلاميذ من ذوي الإعاقة والاحتياجات الخاصة حق أصيل تكفله القوانين والمواثيق الدولية، مشيرًا إلى أن الاتجاهات التربوية الحديثة تتبنى مفهوم الدمج التعليمي باعتباره الآلية الأكثر فاعلية لضمان حصول هؤلاء التلاميذ على فرص تعليمية متكافئة داخل المجتمع المدرسي.
ويوضح أن نجاح منظومة الدمج يرتبط بتوافر مجموعة من الشروط الأساسية، في مقدمتها إعداد مواد تعليمية تتوافق مع طبيعة واحتياجات التلاميذ ذوي الإعاقة، بما يتيح الاستفادة من مختلف الحواس المتاحة لديهم في عملية التعليم والتعلم، مع مراعاة الفروق الفردية بين الإعاقات المختلفة، إضافة إلى توفير تقنيات ووسائل تعليمية مناسبة تراعي طبيعة كل فئة من فئات الإعاقة، سواء من خلال المؤثرات السمعية أو البصرية والوسائل الداعمة التي تساعد التلميذ على الفهم والاستيعاب والمشاركة الفعالة داخل الفصل الدراسي.
يقول لـ”زاوية ثالثة”: “العنصر الأهم في نجاح الدمج يتمثل في تأهيل المعلمين وتزويدهم بالمهارات والمعارف والقدرات اللازمة للتعامل مع التلاميذ ذوي الإعاقة، فالمعلم يظل المحور الأساسي في إنجاح العملية التعليمية، وأي قصور في إعداده أو تدريبه ينعكس مباشرة على جودة الخدمات التعليمية المقدمة لهذه الفئة”.
ويشدد على أهمية الشراكة بين المدرسة والأسرة، بحيث يصبح أولياء الأمور جزءًا من منظومة الدعم المقدمة لأبنائهم، من خلال التعرف إلى الأدوار المطلوبة منهم داخل المنزل، والمساهمة في معالجة المشكلات التي تواجه أبناءهم، خاصة ما يتعلق بالتفاعلات اليومية داخل البيئة المدرسية والاجتماعية، لا سيما أن الطلاب ذوي الإعاقة قد يواجهون تحديات في علاقتهم بأقرانهم، ما يستدعي تعزيز الحوار والتواصل المستمر بين الأسرة والمدرسة، ونشر ثقافة التقبل والاحترام المتبادل داخل المجتمع المدرسي.
وبينما تؤكد القوانين والقرارات الرسمية حق الطلاب ذوي الإعاقة في الحصول على تعليم دامج وعادل، تكشف شهادات الأسر والخبراء أن الطريق بين النصوص والتطبيق لا يزال مليئًا بالعقبات.