بين هالة نمو الاقتصاد واتساع الأعمال الهشّة.. هل يحصل المصريون على وظائف كريمة؟

تكشف البيانات عن استمرار أزمة جودة الوظائف، مع تركّز فرص العمل في قطاعات مؤقتة وهشّة كالإنشاءات والتوصيل والخدمات؛ فبينما تستقبل سوق العمل نحو 1.3 مليون شاب سنويًا، لا تستوعب سوى أقل من نصف مليون فرصة عمل «غير كريمة».
Picture of إبراهيم الهادي عيسى

إبراهيم الهادي عيسى

في ساعات الصباح الأولى، يقف أحمد حرب (32 عامًا) بين زملائه من عمال التوصيل على رصيف محل شهير للفول والطعمية في باب الخلق، ممتطيًا دراجته، ينتظر «الأوردر» ليحمله إلى صاحبه ويقبض ثمن التوصيل؛ رقم يتراوح بين 10 و20 جنيهًا لا يتجاوزه بحال، إذ يُحسب المشوار بالمسافة كما يقول.

منذ أكثر من أربع سنوات وحرب يعمل في محلات بيع الطعام عامل توصيل «دليفري»؛ وحين يُسأل عن الضمانات أو المزايا التي يمنحها له صاحب العمل، يبتسم ساخرًا، ثم يضيف أن الموتوسيكل نفسه اشتراه بالتقسيط بينما لا يقبض سوى أجرة التوصيل؛ هكذا يصف حاله بانسيابية تعبيرية.

وعلى مسافة قصيرة، بعد الخروج من باب الخلق وعبور شارع القلعة مرورًا بالحلمية الجديدة، تتمركز في آخره من ناحية السلطان حسن جماعة من العمال «الفواعلية»، متكئين على سور المسجد، ينتظرون سيارة تحملهم ومعداتهم إلى منتجع سكني جديد شمالي غرب القاهرة بمدينة السلام.

يقول أحمد الحلس (45 عامًا) إن اليومية التي يتقاضاها هو وزملاؤه غير ثابتة القدر، وإنما «حسب الاتفاق وفق العمل المطلوب» كما يصف، مشيرًا إلى أن «الفاعلين» لا يتقاضون أجورهم إلا يوميًا أو أسبوعيًا، وأحيانًا «بالمقاولة»؛ أي بعد إنجاز العمل كاملًا، وهو ما لا يجاوز ساعات قليلة غالبًا، فيما قد تمتد اليومية إلى عشر ساعات متواصلة لا يتعدى أجرها 500 جنيه.

وبالقرب من تلك المنطقة، على بُعد نصف ساعة سيرًا على الأقدام، تقف رباب محسن (28 عامًا)، العاملة بشركة خدمات في الخط الثالث لمترو الأنفاق، في «شيفت» ثابت يمتد ثماني ساعات يوميًا، مهمتها إجلاء الركاب بالمصعد الكهربائي.

تظل رباب واقفة على قدميها طوال الثماني ساعات في عمل لا يقتضي ذلك. تعرض عليها إحدى الراكبات: «لماذا لا تحضرين كرسيًا تجلسين عليه؟»، فتردّ سريعًا دون مواربة: «ممنوع». تحتضنها السيدة وتقبّل رأسها، ثم تنصرف في هدوء.

تستقبل سوق العمل في مصر نحو 1.3 مليون شاب وشابة سنويًا، بينما لا تتجاوز فرص العمل المتاحة نصف مليون وظيفة؛ رغم أن بلوغ التشغيل الكامل للشباب قد يرفع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 36%، ورغم أن القطاع الخاص يوفّر نحو 75% من هذا الناتج ويستوعب نحو 80% من القوى العاملة، غير أن إمكاناته تظل مقيدة بعوائق هيكلية.

وتصدّر قطاع السياحة النمو خلال العام المالي 2024-2025 بنسبة 17.3%، بما أسهم في جذب 17.4 مليون سائح مقابل نحو 15 مليونًا في 2023-2024؛ فيما حققت الصناعات التحويلية غير البترولية نموًا بلغ 14.7%، وارتفع معدل نمو قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات إلى 13.8% مع قفزة في عدد شركاته بنسبة 180% لتصل إلى 186 شركة، بينما حقق النقل نموًا بنسبة 7%، والكهرباء 5.3%، والتشييد والبناء 4.1%.

 

 

وتُظهر البيانات الرسمية تراجع معدل البطالة في مصر إلى 6% خلال الربع الأول من 2026، بعدما كان 6.2% بنهاية 2025، مع ارتفاع قوة العمل إلى 35.4 مليون شخص؛ إلا أن عدد المتعطّلين بلغ نحو 2.13 مليون، منهم 1.01 مليون ذكر و1.12 مليون أنثى، فيما ارتفع عدد المشتغلين إلى 33.3 مليون، شكّل العاملون بأجر نقدي نحو 23 مليونًا منهم. واحتفظ قطاع الزراعة وصيد الأسماك بموقعه كأكبر مشغّل للعمالة بنحو 5.98 مليون شخص، تلاه قطاع تجارة الجملة والتجزئة بنحو 5.69 مليون، فالصناعات التحويلية بنحو 4.87 مليون، ثم التشييد والبناء بنحو 3.83 مليون، والنقل والتخزين بنحو 2.89 مليون.

 

 

على أن بيانات العمالة في القطاع الخاص تكشف تحولات تستدعي تدقيقًا؛ إذ ارتفع عدد العاملات من نحو 2.2 مليون امرأة في 2022 إلى 7.2 مليون في 2023، بزيادة تتجاوز 220% في عام واحد، بينما تراجع عدد الذكور من 10.2 مليون إلى 6.8 مليون. ورغم أن إجمالي العمالة الخاصة لم يرتفع سوى بنحو 1.6 مليون عامل، فإن هذا التبدّل الحاد في التوزيع بين الجنسين يشير إلى احتمال إعادة تصنيف أو تعديل في منهجية احتساب البيانات، خاصة أن هذه القفزات لا تتسق مع مؤشرات أخرى تخص مشاركة المرأة في سوق العمل المصرية.

 

 

نحو تقليص الدعم.. الحكومة ترفع أسعار الكهرباء للمرة الخامسة في خمس سنوات

 

هل تضمن النشاطات الاقتصادية المتوسعة في السوق المصرية حقوق العمال؟

تُقدّر منصة «Employsome» متوسط الأجر الشهري في القطاع الخاص بنحو 18.5 ألف جنيه خلال 2026، مقابل نحو 8.5 آلاف جنيه للعاملين في القطاعين الحكومي وغير الرسمي؛ فجوة واسعة بين مستويات الأجور، تتصدرها قطاعات البترول والغاز والخدمات المالية والتكنولوجيا كأعلى الأنشطة أجرًا، بينما تقبع قطاعات بيع التجزئة والضيافة والتعليم في القاع.

 

ووفق آخر بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، سجّل متوسط الأجر الشهري للعاملين بالقطاعين العام والخاص 6336 جنيهًا خلال 2024؛ بواقع 14660 جنيهًا للقطاع العام مقابل 5796 جنيهًا للقطاع الخاص. وبلغ متوسط أجر الذكور 6523 جنيهًا شهريًا مقابل 5529 جنيهًا للإناث، فيما وصل متوسط أجر الذكور في القطاع العام إلى 14540 جنيهًا مقابل 5998 جنيهًا في الخاص، وسجّلت الإناث 15206 جنيهات في العام مقابل 4928 جنيهًا في الخاص. وتصدّر نشاط الوساطة والتأمين قائمة الأنشطة الأعلى أجرًا بمتوسط 19897 جنيهًا شهريًا، تلاه الكهرباء والغاز بـ14994 جنيهًا، فالاتصالات بنحو 12897 جنيهًا، فالتعدين والمحاجر بـ12091 جنيهًا، ثم التشييد والبناء بنحو 10773 جنيهًا؛ فيما بلغ متوسط ساعات العمل الشهرية 187 ساعة في القطاع العام و221 ساعة في الخاص.

 

 

يقول رئيس مركز العاصمة للأبحاث الاقتصادية الدكتور خالد الشافعي لـ«زاوية ثالثة» إن المشروعات الكبرى اعتمدت بكثافة على مقاولي الباطن وعمّال اليومية، وهي عمالة مؤقتة وغير منتظمة، مبينًا أن انخفاض الرقم الإجمالي للبطالة يُخفي وراءه نسبة ضخمة من العمالة القلقة التي تفتقر إلى الأمان الوظيفي والتأمينات والاستمرارية.

ويضيف أن الاستثمارات الحكومية والأجنبية والمحلية ضخّت سيولة ووفّرت ملايين فرص العمل في السنوات الأخيرة، غير أنه يصفها بـ«المسكنات»، إذ استوعبت جزءًا من الخريجين والعمالة مع تصاعد الطلب على الوظائف سنويًا إثر النمو السكاني.

ويرى الشافعي أن هذه الاستثمارات امتصت ملايين العائدين من الخارج والخريجين الجدد، فمنعت معدلات البطالة من القفز إلى أرقام كارثية، لكنها فشلت في تحويل تلك الطفرة إلى وظائف دائمة ذات تأمين صحي واجتماعي؛ فتهيئة الأرض لجذب استثمارات إنتاجية مستقبلًا صاحبها تدنٍّ في الأجور الحقيقية وعجزٌ عن مجاراة سرعة التضخم، ومن ثمّ زادت الوظائف على نحو «هشّ» وزاد معها «فقر العاملين»، لاعتمادها على قطاعات ريعية أو خدمية على حساب التصدير والصناعة التحويلية.

وتكشف بيانات 2025 أن البطالة في مصر لا تتجاوز 2.7% بين من تتراوح أعمارهم بين 40 و49 عامًا، فيما ترتفع إلى 17.4% بين الفئة العمرية 20-24 عامًا؛ كما سجّل الأميّون معدل بطالة بلغ 1.9% في 2025، مقابل 12.6% للجامعيين و11.3% لحملة الثانوية، مع اتساع الاعتماد على سوق العمل غير الرسمية.

ومن جهته، يقول رئيس وحدة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، وائل جمال، لـ«زاوية ثالثة» إن معدل البطالة وحده لا يكفي لقياس نمو سوق العمل، مبينًا أهمية «معدل المشاركة في قوة العمل» الذي لا يدور سوى حول 45% من إجمالي القادرين على العمل، وهو مستوى يصفه بـ«المتدني»، إذ يعكس طاقات بشرية خارج السوق بفعل الإحباط من البحث عن فرصة أو التوقف عنه أصلًا.

وكان الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء قد أعلن أن معدل المساهمة في النشاط الاقتصادي بلغ نحو 47.6% من جملة من تخطّت أعمارهم 15 سنة، وفق آخر إحصائياته.

ويضيف وائل جمال أن قطاعات مثل الإنشاءات والمقاولات وتجارة الجملة والتجزئة والتوصيل تخلق وظائف جديدة، لكنها «مؤقتة أو هشّة» تفتقر إلى الاستقرار والتأمينات والحقوق الأساسية، بما يجعلها عاجزة عن توفير مستويات معيشية لائقة؛ ويلفت إلى أن العاملين في مشروعات الاستثمار الأجنبي يحققون معدلات إنتاجية أعلى من نظرائهم في القطاعات المحلية، دون أن تنعكس تلك الزيادة على أجورهم أو دخولهم.

ويتابع أن تراجع معدل البطالة لا يعكس تحسنًا جوهريًا في قدرة الاقتصاد على خلق فرص العمل، واصفًا النمو خلال السنوات الماضية بأنه «غير مولّد للوظائف»، إذ تجاوزت معدلات نمو الناتج وتيرة خلق الوظائف الجديدة، لا سيما أن الاستثمارات المحلية والأجنبية تتركز في قطاعات منخفضة الكثافة العمالية كالخدمات المالية والتكنولوجيا والطاقة المتجددة.

 

 

ما فعله التضخم بمصيف المصريين

العمل في اقتصاد موازٍ أفضل من لا شيء.. حجة

يقول الخبير الاقتصادي الدكتور مصطفى بدرة لـ«زاوية ثالثة» إن تراجع معدل البطالة مؤشر مباشر على زيادة معدلات التشغيل، فسوق العمل لا تقتصر على الوظائف الرسمية، بل تمتد إلى العاملين في الاقتصاد غير الرسمي أو الموازي حيث العمالة المؤقتة وغير المنتظمة، مبينًا أن ذلك يوفّر مصادر دخل لشرائح واسعة حتى وإن لم تتمتع باستقرار أو ظلّت خارج المنظومة الرسمية.

ويعترف بدرة بأن الأجور ما زالت عاجزة عن ملاحقة ارتفاعات التضخم في السنوات الأخيرة رغم تعدد الاستثمارات، إلا أن هذه الاستثمارات دفعت التشغيل وقلّصت البطالة؛ وإذ يقرّ بأن الفجوة بين نمو الأسعار وزيادة الدخول تظل عقبة أمام الاقتصاد المصري، فإنه يرى أن توسّع قاعدة التشغيل، ولو دون الحد الأدنى للأجور، أفضل من البطالة.

ويخالفه وائل جمال، مشيرًا إلى أن الأدلة الاقتصادية الدولية لا تسند القول بأن رفع الحد الأدنى للأجور يزيد البطالة، وأن دراسات تطبيقية عدة أظهرت أن تحسين الأجور لا ينعكس سلبًا على معدلات التشغيل كما يُشاع، بل العكس هو الصحيح.

ويوضح أن كل مليار دولار من الاستثمار الأجنبي المباشر في مصر لم يوفّر سوى نحو 1100 وظيفة، مقابل متوسط نحو 1600 وظيفة في الشرق الأوسط، ونحو 2100 وظيفة في دول المنظمة؛ لكن المشكلة، كما يقول، لا تقف عند محدودية الوظائف المستحدثة، بل تمتد إلى تدني جودتها، إذ إن نسبة كبيرة منها مؤقتة أو غير مستقرة بأجور منخفضة وحماية اجتماعية محدودة، فضلًا عن شريحة واسعة معلّقة بين الاقتصاد الرسمي وغير الرسمي.

وكانت منظمة التعاون والتنمية (OECD) قد ذكرت في تقرير أن الاستثمارات الأجنبية في مصر وفّرت نحو 275 ألف فرصة عمل مباشرة خلال 2013-2023، مقابل نحو 165 ألف فرصة خلال 2003-2012، فيما يخلق كل مليار دولار من الاستثمار نحو 1100 وظيفة مقابل متوسط 1600 وظيفة إقليميًا و2100 وظيفة في دول المنظمة.

ومن ناحيته، يشير الدكتور خالد الشافعي إلى أن موجات التضخم المتتالية وتراجع القوة الشرائية للعملة جعلت الأجور التي توفرها كثير من الاستثمارات الجديدة في منظومة الاقتصاد المصري، لا سيما في مراحلها الأولى، غير عادلة ولا تغطي تكاليف المعيشة الأساسية، بما يُشعر العامل بأنه «يعمل ليظل فقيرًا».

وكان وزير العمل حسن رداد قد أشار في تصريحات إلى حرص القيادة السياسية على مواصلة تطبيق معايير العمل الدولية واقعيًا عبر تطوير التشريعات العمالية والحوار المجتمعي والحريات النقابية، واصفًا قانون العمل بأنه «نموذج عملي يعكس التزام مصر بمعايير العمل الدولية»، ومشيرًا إلى تضمّنه موادّ لحماية حقوق العمال تواكب متغيرات سوق العمل وأنماط التشغيل الجديدة.

ويشير الشافعي إلى أن استثمارات المشروعات المنتجة، الصناعية والزراعية والمتقاطعة مع التكنولوجيا والزراعة الحديثة، لم تبلغ الزخم المطلوب الذي يقود الاقتصاد، مؤكدًا أن المشروعات المنتجة وحدها هي التي تخلق وظائف عالية الجودة ومستدامة، تطوّر المهارات وتمنح أجورًا أفضل.

ويبيّن الشافعي أن العمالة المؤقتة، مثل عمال اليومية و«الفاعلين»، داخلة في معادلة تراجع البطالة وفق المنهجيات الإحصائية المحلية والدولية؛ إذ يُعدّ الشخص «مشتغلًا» أو غير عاطل إذا زاول أي عمل درّ عليه عائدًا خلال أسبوع المسح الإحصائي، ولو كان عملًا ليوم واحد.

 

سند المواطن يعدك بعائد 17%.. لكن التضخم أسرع منه

هل تضمن الدولة للعاملين أجرًا كريمًا؟

وفق قانون العمل المصري رقم 14 لسنة 2025، تُنظَّم العلاقة بين العامل وصاحب العمل بتحديد ساعات العمل بحد أقصى 48 ساعة أسبوعيًا، وحظر العمل الإضافي إلا بأجر وتعويض، وتوفير إجازات مدفوعة الأجر، مع استحقاق العامل أجرًا إضافيًا يتراوح بين 135% و300% حسب توقيت العمل، إضافة إلى إقرار علاوة سنوية، والتزام صاحب العمل بتطبيق الحد الأدنى للأجور، وتأسيس صندوق خاص لحماية عمال اليومية والحرفيين ورعايتهم وتوفير الحماية الاجتماعية لهم، وحظر تشغيل الأطفال.

وحسب خبراء، فإن قانون العمل الجديد لعام 2025 لم يأتِ بجديد، بل جاء امتدادًا لسياسات أصحاب الأعمال والمستثمرين على حساب العمال، لا سيما مع تراجع مستويات معيشتهم وارتفاع معدلات الفقر وتقلّص نصيبهم من الناتج المحلي الإجمالي.

ورصد تقرير انتهاكات الحريات النقابية الصادر عن دار الخدمات النقابية والعمالية عدم تطبيق الحد الأدنى للأجور في نحو 32.5 ألف حالة، وغياب اشتراطات السلامة والصحة المهنية والتغطية الصحية في 16.2 ألف حالة، إلى جانب 13.2 ألف حالة امتناع عن صرف الأرباح أو تخفيضها، و11.9 ألف حالة إلغاء أو تأخير لبدلات العمل، و10.7 ألف حالة تهديد بالفصل، و8.6 ألف حالة إجازة إجبارية، و7 آلاف حالة تهديد باستخدام أجهزة الأمن الوطني، وهو العدد نفسه المسجّل لحالات منع العمال من مغادرة المصانع؛ كما وثّق التقرير 32 حالة تقييد للحرية أو احتجاز للعمال، فيما بلغت إصابات العمل المسجّلة خلال 2023 نحو 8317 إصابة (7264 للذكور و1053 للإناث)، استحوذ القطاع الخاص على 52% منها.

كما يأتي تصنيف مصر في مؤشر الحقوق العالمية الصادر عن الاتحاد الدولي لنقابات العمال (ITUC) ضمن قائمة أسوأ 10 دول بالنسبة للعمال، إذ تقع في الفئة الخامسة (5) التي تعني «عدم وجود ضمان للحقوق»؛ ويشير هذا التصنيف إلى أن مصر، رغم سنّها تشريعات لحقوق العمال، لا يملك عمالها إمكانية الوصول إليها فعليًا، ويواجهون أنظمة استبدادية وممارسات عمل غير عادلة. وصنّف المؤشر منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا «أسوأ منطقة في العالم بالنسبة للعمال» للعام الحادي عشر على التوالي.

ويوضح وائل جمال أن القانون تضمّن إشارات يصفها بـ«الإيجابية» لفئات لم تشملها التشريعات من قبل، كالعاملين عبر المنصات الإلكترونية، غير أن المشكلة تكمن في «ضعف آليات التنفيذ والرقابة»، بما يحدّ من استفادة هذه الفئات من المزايا التي أقرّها القانون على محدوديتها.

أما الدكتور خالد الشافعي، فيشير إلى أن الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تولّدها الاستثمارات الجديدة في السوق المصرية تتحاشى الدخول في المنظومة الرسمية تهربًا من الأعباء الضريبية والتأمينات الاجتماعية، وأن قطاع المقاولات والخدمات السريعة يعتمد تاريخيًا على سلاسل توريد عمالة «التراحيل» التي يصعب هيكلتها رسميًا، لافتًا إلى أن العامل نفسه قد يفضّل قبض راتبه كاملًا «كاش» بدل اقتطاع جزء منه للتأمينات أو الضرائب.

ويصف الشافعي جودة فرص العمل بأنها «منخفضة إلى متوسطة»، مرجعًا ذلك إلى سبب بنيوي في الفترة الأخيرة هو «المقاولات» بوصفها المحرك الأساسي للتوظيف في قطاعي العقارات والبنية التحتية، وهي قطاعات كثيفة العمالة تمتص البطالة، لكنها «مؤقتة» تنتهي بانتهاء المشروع، ولا تولّد قيمة مضافة مستدامة بعد تشغيلها.

 

لقمة العيش تحت أشعة الشمس: مخاطر بلا حماية لعمال التوصيل في مصر

بالعدل.. ما الحد الأدنى للأجور؟

وبحسب تتبّع «زاوية ثالثة» لإعلانات التوظيف في المجالات الاقتصادية الجديدة المنتشرة على منصات التواصل الاجتماعي، خلت نسبة كبيرة من الإعلانات من ضمان الحد الأدنى للأجر الشهري، ومن التأمين الاجتماعي أو الطبي، ناهيك عن عدد الساعات المطلوبة، فضلًا عن التثبيت بعقد قانوني؛ أما عمال اليومية فالحديث عن تلك الضمانات ترف بالنسبة إليهم.

والملاحظة الأبرز، وفق تتبّع «زاوية ثالثة» لـإعلانات التشييد والبناء المنشورة من وسطاء يعملون مع شركات مقاولات، هي خلوّها من أي ضمانات تأمين للصنّاع أو التزام بعدد الساعات المحدد قانونًا، مع دوران اليومية حول 350 جنيهًا (نحو 6.5 دولار)، بل ثمة أجور يومية أقل من هذا القدر.

وحلّلت «زاوية ثالثة» 66 منشورًا على حوائط مجموعات لاستقطاب عمال اليومية في قطاع الإنشاءات على «فيسبوك»، خلال يوم 10 يونيو الجاري، فوجدت أن توفير السكن جاء ميزة غير نقدية في نحو 34.85% من الإعلانات، وأن 19.70% منها قدّمت وجبة مجانية دون ذكر مكوناتها، بينما لم تتجاوز الإعلانات التي تضمّنت وسائل انتقال 7.58%؛ وأظهر التحليل أن العمالة العادية استحوذت على النصيب الأكبر من إعلانات التشغيل بواقع 45.45%، تلتها إعلانات النجارين المسلحين بنسبة 22.73%، فالحدادين المسلحين بنسبة 18.18%.

وتراوح الأجر اليومي بين 250 و900 جنيه بحسب طبيعة المهنة ومستوى المهارة المطلوبة؛ فسجّل العمال العاديون أدنى المستويات، فيما ارتفعت يوميات النجارين والحدادين المسلحين. وكشفت البيانات أن غالبية الإعلانات ذات الأجور المرتفعة ارتبطت بمهن فنية متخصصة أو بمواقع عمل خارج الكتل السكنية الرئيسة، كالعاصمة الإدارية والعلمين، بما يعكس سعي أصحاب المشروعات إلى جذب العمالة الماهرة وتعويض تكاليف الانتقال أو الإقامة في بعض الحالات.

 

 

ويبيّن خالد الشافعي أن حساب الأجر العادل يتطلب موازنة دقيقة بين خط الفقر ومعدل التضخم وسلة السلع الأساسية للأسرة المتوسطة، مشيرًا إلى أن مستويات التضخم بين 2024 و2026 دفعت الحكومة إلى رفع الحد الأدنى للأجور إلى نحو 7000 جنيه، وهو مبلغ يكاد لا يغطي سوى الاحتياجات الأساسية من طعام وشراب لأسرة صغيرة، دون حساب السكن أو التعليم أو الرعاية الصحية؛ ويرى أن انتقال الدخل من «حد الكفاف» إلى «حد الكفاية» لأسرة حضرية يجب ألا يقل عن 10000 جنيه شهريًا، مربوطًا بمعدلات التضخم السنوية.

وكذلك يرى مصطفى بدرة أن المستوى العادل للأجور في الظروف الراهنة هو 10000 جنيه شهريًا ليتناسب مع تكاليف المعيشة ومعدلات التضخم، لكنه يشير إلى صعوبة تطبيق هذا المستوى فورًا لعجز المؤسسات والقطاع الخاص عن تحمّل تكلفته، مؤكدًا أن تحسين القوة الشرائية للمواطن لا يرتبط بزيادة الأجور وحدها، بل يتطلب أيضًا خفض مستويات الأسعار ودعم برامج الحماية الاجتماعية لضمان تحسين مستوى المعيشة وتخفيف الأعباء الاقتصادية عن الأسر.

ويفصّل وائل جمال أن المبادرة المصرية للحقوق الشخصية قدّرت الحد الأدنى اللازم لتغطية خط الفقر الوطني بنحو 8964 جنيهًا شهريًا للأسرة، وفق حسابات التضخم التراكمي، معتبرًا أن رفع الحد الأدنى للأجور إلى 8000 جنيه ما زال دون المستوى الكافي لمواكبة تكاليف المعيشة، وأن الأولوية اليوم يجب أن تكون للتطبيق الشامل للحد الأدنى للأجور قبل الانتقال إلى سياسات تفاوته بين القطاعات أو المناطق الجغرافية.

وكانت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية قد قالت في بيان إن حد الفقر الوطني، محسوبًا بمعدلات ارتفاع الأسعار من يناير 2020 حتى فبراير 2026، يُقدَّر بنحو 8964 جنيهًا للأسرة شهريًا، فيما قدّرت حد الفقر المدقع بنحو 6500 جنيه للأسرة شهريًا وفق التضخم التراكمي الرسمي.

ويشير وائل جمال إلى أن أزمة تطبيق الحد الأدنى للأجور لا ترتبط بقيمته، بل بضعف نطاق التطبيق والرقابة على التنفيذ، لافتًا إلى أن قطاعات عديدة ما زالت تعتمد على العمالة المؤقتة، ومنها قطاع التعليم الذي يضم أعدادًا كبيرة من المعلمين العاملين بنظام الحصة.

في الختام، قد تخفض السياسات الاقتصادية معدل البطالة إلى 6%، لكن التحدي لا يكمن في عدد العاملين بقدر ما يكمن في طبيعة العمل نفسه؛ فالمؤشرات الإحصائية قد تتحسّن بوظائف مؤقتة منخفضة الأجر، دون أن تضمن بحال تحسّن حياة العاملين. وفي المسافة بين الوظيفة والكرامة يبقى السؤال ماثلًا أمام الدولة: هل يكفي أن يعمل المصريون، أم أن يعملوا في وظائف كريمة؟

الشركة الوسيطة التي تعمل بها رباب تقتطع نحو 35% من أجرها وأجور زملائها وزميلاتها تحت بند «القيمة التعاقدية» أو «التكاليف الإدارية»؛ إذ يبلغ راتبها على الورق 9 آلاف جنيه، بينما لا تقبض «في يدها» سوى 5900 جنيه.

ولا يضمن المقاول للحلس وزملائه سوى أجرهم اليومي وتوصيلهم بسيارة ربع نقل إلى موقع عملهم في الكومباوند الجديد، دون أي مزايا أخرى، حتى إنهم يشتركون في ثمن طعامهم من ساعات اليومية.

أما أحمد حرب، فيطرح سؤالًا بعيدًا عن الأرقام والمؤشرات الاقتصادية، لكنه يحمل همّ طبقة عريضة من المصريين لا يشغلها سوى لقمة العيش ولا تملك ترف الاعتراض: «هل أجد عملًا في الغد أم لا؟!».

إبراهيم الهادي عيسى
صحفي مهتم بالقضايا الاقتصادية وتقاطعاتها مع العدالة الاجتماعية والقصص الإنسانية

Search