كشفت تدوينة للطبيبة السابقة والمخرجة أمنية سويدان، عن انتهاكات مروعة بحق مريضات، قالت إنها شهدتها بقسم النساء والتوليد داخل مستشفى الشاطبي الجامعي، خلال فترة تدريبها كطبيبة امتياز قبل 6 سنوات، وتضمنت التنمر والتحرش الجنسي والعنف أثناء الولادة، وتدخلات طبية غير ضرورية بدون موافقة المرضى، أو التهديد بالامتناع عن تقديم الرعاية الطبية.
إثر ذلك تداولت على مواقع التواصل الاجتماعي في مصر موجة من شهادات ضحايا العنف التوليدي (Obstetric Violence)، من قِبل مقدمي الرعاية الصحية، والذي تُعرّفه منظمة الصحة العالمية بالانتهاك لحقوق وكرامة المرأة وجسدها، ويشمل الاعتداءات الجسدية واللفظية، وعدم الحصول على الموافقة المستنيرة للتدخلات الطبية، والإهمال في مرافق الرعاية الصحية.
وفي 16 يونيو الجاري، صدمت الأوساط الحقوقية والنسوية في مصر بإلقاء القبض على أمنية سويدان، من داخل منزلها بمدينة دمنهور، وانقطاع الاتصال بها لعدة ساعات دون أن يستدل على مكان احتجازها، إثر ذلك انطلقت وسوم: (#امنيه_سويدان_فين، #الحرية_لامنيه_سويدان).
وفي اليوم التالي ظهرت الطبيبة بنيابة شرق الإسكندرية الكلية، ووجهت لها تهم نشر أخبار كاذبة، على الفيس بوك، وإساءة استخدام حسابها، فيما أوضحت الميابة لاحقًا أن التحقيق جاء على خلفية بلاغ مقدم من محامي مستشفيات جامعة الإسكندرية، ثم أصدرت النيابة العامة قرارها بإخلاء سبيل أمنية بكفالة مالية قدرها 20 ألف جنيه، على ذمة القضية، بحسب محاميها محمد رمضان أبو بيبرس.
وطالبت 16 مؤسسة ومبادرة حقوقية وأحزاب سياسية وشخصيات عامة، بالإفراج الفوري عنها دون شروط أو اتهامات، مؤكدة أن احتجازها يمثل انتهاكًا لحرية التعبير، داعية إلى تحقيق مستقل وشفاف في الوقائع التي أثارتها شهادتها، وحماية النساء والعاملين بالقطاع الصحي من الملاحقة أو الانتقام عند الإبلاغ عن الانتهاكات.
وتعتبر المحامية الحقوقية عزة سليمان، أن التهم الموجهة إلى الطبيبة أمنية سويدان تحمل رسالة سلبية لكل من يفكر في الإبلاغ عن الانتهاكات أو كشفها للرأي العام، معتبرة أن ما جرى قد يُفهم باعتباره محاولة لإسكات الشهود والمبلغين عن وقائع العنف أو سوء المعاملة داخل المؤسسات المختلفة.
“ملاحقة من يتحدثون عن الانتهاكات بدلاً من التحقيق الجاد في الوقائع المبلغ عنها قد يخلق حالة من الخوف لدى الضحايا والشهود، ويدفع كثيرين إلى التردد في الإدلاء بشهاداتهم أو تقديم شكاوى بشأن ما يتعرضون له أو يشاهدونه من تجاوزات”، تقول لـ”زاوية ثالثة”.
وتؤكد أن ضمان حماية المبلغين والشهود يمثل شرطًا أساسيًا لكشف الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها، مشددة على أهمية توفير مناخ يسمح للضحايا والعاملين في المؤسسات المختلفة بالإبلاغ عن الوقائع دون خشية من التعرض للملاحقة أو العقاب.
من جهتها تؤكد جواهر الطاهر، مديرة برنامج الوصول للعدالة بمؤسسة قضايا المرأة المصرية، أن الواقعة تثير تساؤلات حول طريقة تعامل الجهات المعنية مع البلاغات المتعلقة بانتهاكات الرعاية الصحية، إذ أن الأولوية ينبغي أن تكون للتحقيق في الوقائع والشهادات التي وردت في منشورها، بدلًا من اتخاذ إجراءات ضد من كشف عنها.
وتوضح أن البلاغ الذي قُدم بشأن المنشور لم يكن يستهدف اتهام الطبيبة، بل المطالبة بالتحقيق في الوقائع التي تحدثت عنها، إذ اعتبر المحامي مقدم البلاغ أكد خلال التحقيقات، أمنية سويدان شاهدة على تلك الوقائع وليس متهمة فيها.
تقول لـ”زاوية ثالثة”: “الجهات المعنية كان يمكنها تشكيل لجان لتقصي الحقائق والاستماع إلى النساء اللاتي تحدثن عن تجاربهن، ومراجعة السجلات والوقائع المرتبطة بالفترة التي أشارت إليها الطبيبة، بما يسهم في الوصول إلى صورة أكثر دقة عن حقيقة ما جرى”.
وتؤكد أن العنف التوليدي ليس ظاهرة جديدة، وإنما ظل لفترات طويلة خارج دائرة النقاش العام بسبب حساسية الموضوع وصعوبة حديث النساء عما يتعرضن له أثناء الولادة، مشيرة إلى أن مؤسسة قضايا المرأة تلقت على مدار سنوات شكاوى من سيدات تحدثن عن تعرضهن للإهانة اللفظية أو التوبيخ أو المعاملة غير الإنسانية خلال وجودهن في غرف الولادة.
وترى “جواهر” أن ما طرحته الطبيبة لا يمثل واقعة فردية تخص مستشفى الشاطبي وحدها، إذ أعقب نشر المنشور ظهور شهادات عديدة لسيدات تحدثن عن تعرضهن لأشكال مختلفة من العنف التوليدي داخل مستشفيات حكومية وخاصة في محافظات مختلفة، داعية إلى التعامل مع هذه الشهادات باعتبارها مؤشرات تستدعي البحث والتقصي وليس مجرد روايات فردية معزولة.
ولم يوقف احتجاز أمنية موجة الشهادات؛ إذ نشرت الطبيبة آلاء وليد غراب، عبر “فيسبوك” وقائع قالت إنها شهدتها خلال فترة تدريبها بقسم النساء والتوليد بمستشفى الشاطبي الجامعي بالإسكندرية، تضمنت اتهامات بتعرض بعض المريضات لمعاملة مهينة أثناء الإجهاض أو الولادة، شملت التوبيخ والإهمال رغم معاناتهن من الألم أو النزيف.
واتهمت طبيب بإجراء ربط لقناتي فالوب لسيدة أثناء عملية إجهاض دون مبرر طبي واضح، مضيفة أنها شهدت سقوط أحد المبيضين داخل تجويف البطن نتيجة خطأ أثناء استئصال الرحم قبل إعادة تثبيته.
وخرجت الطبيبة فريدة محجوب، في مقطع فيديو عبر حسابها الشخصي على “فيسبوك”، لتؤكد أنها بدأت منذ عام 2013 في إعداد سلسلة من الرسائل والأبحاث العلمية الميدانية التي ركزت على مرحلة ما بعد الولادة، وأظهرت المؤشرات وقتها أن 13% من عينة الدراسة (والتي مثلت نحو 75% من إجمالي المشاركات) عانين من أذى نفسي شديد وأعراض ذهانية حادة عقب الولادة جراء الصدمات التي تعرضن لها.
وكتبت طبيبة تدعى بوسي علي، شهادتها على وقائع تحرش وانتهاكات تعرضت لها نساء داخل غرف العمليات، خلال فترة الامتياز التي قضتها بقسم النساء والتوليد في مستشفى 6 أكتوبر للتأمين الصحي، متهمة أحد العمال بدخول غرفة العمليات أثناء تجهيز المريضة، في وقت تكون فيه عارية تمامًا، وتعمد لمس أجساد بعض المريضات والتحرش بهن أمام أفراد من الطاقم الطبي، وسط حالة من التجاهل والتعامل مع الأمر باعتباره مادة للسخرية والمزاح.
وأضافت الطبيبة الشابة، في تدوينة لها عبر فيسبوك: “شهدت بنفسي أشكالًا أخرى من العنف، شملت الإهانة والسب والصراخ على المريضات أثناء الولادة، بل ووصل الأمر أحيانًا إلى القرص والضرب، وكانت أغلب الضحايا من النساء البسيطات اللاتي لم يملكن وسيلة للدفاع عن أنفسهن سوى الصمت”.
نوصي للقراءة: بعد حبس طبيبة كفر الدوار.. هل تُوقف الحلول الأمنيّة ثقافة الانتهاك ضد النساء؟

نقص الوعي والخوف من الإبلاغ
يُعد العنف التوليدي أحد أشكال العنف الطبي الذي تتعرض له النساء أثناء الحمل والولادة وما يرتبط بهما من إجراءات طبية، وهي ظاهرة ليست جديدة أو مستحدثة، بل سبق توثيقها ومناقشتها في تقارير صحفية ودراسات وشهادات جمعتها مؤسسات نسوية وحقوقية على مدار سنوات، بحسب ميار مكي، مؤسسة مبادرة “بر أمان”.
وتوضح أن العنف التوليدي يشمل طيف واسع من الممارسات والانتهاكات، من بينها غياب “الموافقة المستنيرة” وعدم إشراك المرأة في القرارات المتعلقة بجسدها ورعايتها الصحية، فضلاً عن الإهانات اللفظية والتعامل المهين أثناء الولادة، أو إخضاع النساء لإجراءات طبية مؤلمة أو غير ضرورية دون شرح كافٍ أو موافقة حقيقية منهن.
تقول لـ”زاوية ثالثة”: “بعض الممارسات الشائعة، مثل إجراء ولادات قيصرية دون مبررات طبية واضحة أو دون منح المرأة فرصة كافية لفهم البدائل المتاحة واتخاذ القرار المناسب، تندرج أيضاً ضمن أشكال العنف التوليدي، لأنها تنتزع من المرأة حقها في اتخاذ القرار بشأن جسدها وصحتها الإنجابية”.
وتشير الناشطة النسوية إلى أن أي تدخل طبي أو فحص يُجرى دون ضرورة طبية واضحة أو دون احترام خصوصية المريضة وحقها في المعرفة والموافقة، يمكن أن يمثل انتهاك لحقوقها وكرامتها الإنسانية، مؤكدة أن العديد من الشهادات الموثقة التي ظهرت خلال السنوات الماضية تناولت مثل هذه الممارسات.
وترى أن الشهادات التي أُثيرت بشأن مستشفى الشاطبي، فتحت المجال أمام نساء أخريات للحديث عن تجارب مشابهة ظللن صامتات بشأنها لفترات طويلة، لأن معظمهن لم يدركن أن ما تعرضن له يمثل انتهاك، لغياب الوعي بمفهوم العنف التوليدي وعدم انتشاره.
وتعتقد أن جزء من المشكلة يرتبط بالتصورات الاجتماعية السائدة حول السلطة الطبية، إذ يُنظر إلى الطبيب باعتباره الطرف الوحيد القادر على اتخاذ القرار، بينما يُستبعد المريض أو المريضة من المشاركة الفعلية في تحديد مسار العلاج أو تقييم ما يتعرض له من ممارسات، كما أن العديد من النساء يترددن في الإبلاغ عن الانتهاكات التي يتعرضن لها نتيجة الخوف أو الشعور بأن ما حدث أمر طبيعي أو لا يستحق الشكوى، بجانب الظروف الجسدية والنفسية المصاحبة للولادة التي تجعل من الصعب على النساء أحياناً إدراك أو توثيق ما يتعرضن له من انتهاكات في لحظتها، خاصة مع شدة الألم أو تأثير التخدير.
وتؤكد أن مواجهة العنف التوليدي تتطلب اعترافاً مؤسسياً بوجود المشكلة، وفتح تحقيقات جادة في الشهادات والبلاغات التي يتم تقديمها، إلى جانب تعزيز آليات المساءلة داخل المؤسسات الصحية، ونشر الوعي بحقوق المريضات، وضمان احترام الموافقة المستنيرة والخصوصية والكرامة الإنسانية في جميع مراحل الرعاية الصحية المتعلقة بالحمل والولادة، مشيرة إلى أن ملاحقة من يكشفون عن هذه الوقائع يؤدي إلى استمرار الانتهاكات دون مساءلة.
فيما ترى ماجدة سليمان، مديرة برنامج الحقوق الصحية والإنجابية بمؤسسة قضايا المرأة المصرية، أن الجدل الذي أثارته الشهادات الأخيرة حول العنف التوليدي أعاد فتح ملف الانتهاكات وسوء المعاملة داخل بعض خدمات الصحة الإنجابية والجنسية، وهي مشكلة ممتدة تتعلق بجودة الرعاية الصحية واحترام كرامة النساء وحقوقهن، ولا تقتصر على مؤسسة بعينها، بل رُصدت في عدد من المستشفيات الحكومية والجامعية.
تقول لـ”زاوية ثالثة”: “النساء قد يتعرضن أثناء الولادة أو تلقي خدمات الصحة الإنجابية لأشكال متعددة من الإهانة اللفظية وسوء المعاملة والانتقاص من الكرامة الإنسانية، بجانب غياب الخصوصية في بعض الأحيان”.
وتوضح أن جزء من المشكلة يرتبط بثقافة مجتمعية راسخة تتضمن أحكام مسبقة ونظرات دونية تجاه النساء، وهي تصورات قد تنعكس على طريقة التعامل مع المريضات داخل المؤسسات الصحية، ولا تقتصر على الرجال بل تصدر من بعض العاملات في القطاع الصحي، وتتجاوز النوع الاجتماعي لتشمل ثقافة مؤسسية ومجتمعية أوسع.
وتشير إلى أن أبرز أشكال العنف التوليدي التي تتكرر في الشكاوى، تتمثل في غياب الخصوصية داخل بعض أماكن تقديم الخدمة، إلى جانب التعرض للإهانات أو التوبيخ أو التعليقات الجارحة أثناء الولادة، فضلاً عن التعامل غير الإنساني مع النساء في لحظات يكونّ فيها في أشد حالات الضعف الجسدي والنفسي، مؤكدة أن الحصول على الرعاية الصحية حق أصيل للمواطنات يجب ألا يتأثر بالوضع الاقتصادي أو الاجتماعي للمريضة.
وتشدد على أن غياب الرقابة الفعالة وآليات المساءلة الواضحة يسهم في استمرار بعض هذه الممارسات، مشددة على ضرورة تفعيل معايير حقوق المرضى داخل المؤسسات الصحية ومتابعة مدى الالتزام بها بصورة جدية، داعية إلى وضع معايير واضحة للرعاية الصحية تراعي الحقوق والكرامة الإنسانية، وتعزيز الإشراف والرقابة من الجهات المختصة، التابعة لوزارة الصحة والتعليم العالي والبحث العلمي، بجانب تطوير آليات اختيار وتقييم العاملين في القطاع الصحي، من الجوانب المهنية والنفسية والإنسانية المرتبطة بالتعامل مع المرضى، وضمان الخصوصية والسرية والأمان داخل أقسام النساء والتوليد، وتوفير بيئة علاجية تحترم حقوق النساء في الرعاية الصحية دون إهانة أو إساءة.
فيما تشرح نيفين عبيد، المديرة التنفيذية لمؤسسة المرأة الجديدة، أن قضية العنف التوليدي ترتبط بإشكاليات أوسع تتعلق بالممارسات الطبية وحقوق النساء أثناء الحمل والولادة، إذ أن مصر تُعد من بين الدول التي تشهد معدلات مرتفعة للولادات القيصرية، ما يطرح تساؤلات حول مدى حصول النساء على المعلومات الكافية لاتخاذ قرارات واعية بشأن نوع الولادة، ومدى التزام المؤسسات الصحية بمبدأ الموافقة المستنيرة قبل إجراء التدخلات الطبية المختلفة.
وتؤكد أن مشكلة الموافقة المستنيرة لا تقتصر على العمليات الجراحية، بل تمتد إلى عدد من الإجراءات الطبية المرتبطة بالصحة الإنجابية، حيث قد تُتخذ قرارات تمس أجساد النساء وصحتهن دون توفير المعلومات الكاملة لهن أو إشراكهن بصورة حقيقية في اتخاذ القرار.
تقول لـ”زاوية ثالثة”: “بعض الممارسات المرتبطة بالولادة تعكس ثقافة تقلل من شأن الألم والمعاناة التي تمر بها النساء أثناء المخاض، وهو ما قد يؤدي إلى الاستهانة بشكاوى المريضات أو التقليل من احتياجاتهن النفسية والجسدية خلال هذه المرحلة الحساسة”.
كذلك تربط بين الضغوط على بعض المستشفيات العامة وبين تراجع جودة الرعاية المقدمة للنساء أثناء الولادة، موضحة أن ازدحام المؤسسات الصحية ونقص بعض الكوادر المتخصصة قد يسهمان في ظهور ممارسات تفتقر إلى الحساسية اللازمة للتعامل مع المريضات واحترام حقوقهن.
وتؤكد أن الأدبيات الصادرة عن المنظمات الدولية المعنية بالصحة تتناول أشكالاً متعددة من الانتهاكات التي قد تتعرض لها النساء أثناء الولادة، من بينها الإهانات اللفظية، والإكراه، والتدخلات الطبية غير المبررة، وتجاهل الحصول على الموافقة المستنيرة، أو الإخلال بمعايير الرعاية الآمنة.
وتدعو مديرة المؤسسة إلى تبني إطار وطني واضح للتعامل مع العنف التوليدي، يتضمن بروتوكولات ملزمة للممارسات الآمنة أثناء الحمل والولادة، وإدماج هذه المعايير ضمن منظومة المساءلة المهنية والطبية، بما يضمن حماية حقوق النساء وتحسين جودة الخدمات الصحية المقدمة لهن.
في السياق أكدت منظمات حقوقية ونسوية ومدافعون عن حقوق الإنسان، في بيان لها أن شهادات العنف التوليدي والانتهاكات التي قد تتعرض لها النساء أثناء الحمل والولادة والرعاية الصحية المرتبطة بهما، ساهمت في فتح نقاش مجتمعي طال انتظاره حول قضية مسكوت عنها تمس سلامة النساء وكرامتهن وحقوقهن الأساسية، وشجعت أعدادًا كبيرة من النساء على مشاركة تجاربهن الشخصية والإفصاح عن معاناة ظلت لسنوات حبيسة الخوف والصمت والوصمة.
واعتبر البيان أن مواجهة العنف التوليدي تبدأ بالاعتراف بوجوده والاستماع إلى شهادات المتضررات منه، وليس بإسكات الأصوات التي تسلط الضوء عليه، مضيفًا أن الشهادات الفردية والجماعية تمثل مصدرًا مهمًا لفهم المشكلات البنيوية التي قد تؤثر على جودة الرعاية الصحية واحترام حقوق المرضى.
وشددت المنظمات في بيانها على أن الحق في التعبير عن الرأي، والحق في الإبلاغ عن الانتهاكات المحتملة، والحق في المشاركة في النقاش العام حول السياسات والممارسات الصحية، حقوق أساسية تكفلها المبادئ الدستورية والمعايير الدولية لحقوق الإنسان، مؤكدة أن حماية كرامة النساء أثناء الحمل والولادة جزء أصيل من الحق في الصحة والحق في السلامة الجسدية والنفسية والحق في المعاملة الإنسانية الخالية من العنف والإهانة والتمييز.
ودعا البيان إلى توفير بيئة آمنة تتيح للنساء والعاملين والعاملات في القطاع الصحي التعبير عن مخاوفهم وتجاربهم دون خوف من الانتقام أو الترهيب، فتح نقاش مجتمعي ومهني جاد حول أشكال العنف التوليدي وآليات منعه والتصدي له، تعزيز مبادئ الرعاية الصحية القائمة على احترام الكرامة الإنسانية والموافقة المستنيرة والخصوصية وعدم التمييز، مطالبًا الجهات المعنية إلى التعامل مع هذه القضية من منظور حقوقي وإصلاحي يضع سلامة النساء وحقوقهن في المقدمة.
نوصي للقراءة: 7 من كل 10 أمهات يلدن قيصريًا.. هل تنجح تحركات الصحة في كبح الظاهرة؟

ممارسات العنف التوليدي
في ذات السياق يؤكد الدكتور أيمن سبع، الباحث في قضايا الحق في الصحة والسياسات الصحية بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، أن مصطلح “العنف التوليدي” لا يزال غير متداول على نطاق واسع بين مقدمي الخدمات الصحية، فيما يفتقر إلى تعريف رسمي ومُتفق عليه، إذ يشمل طيف واسع من الممارسات التي قد تتعرض لها النساء أثناء الحمل والولادة، من بينها الإهانات اللفظية، والاستهانة بشكاوى المريضات أو أعراضهن، وعدم إشراكهن في اتخاذ القرارات المتعلقة برعايتهن الصحية، بجانب بعض التدخلات الطبية غير الضرورية، مثل إجراء الولادة القيصرية غير المبررة.
وتعد مصر من أعلى الدول عالميًا في الولادات القيصرية (حوالي 52% عام 2014-2018، وتصل إلى 60% في المناطق الحضرية و94% في بعض مستشفيات القاهرة)، مقارنة بالمعدل الموصى به من منظمة الصحة العالمية (10-15%)، ويرجع ذلك إلى الحوافز المالية، ضغط الوقت، نقص التدريب.
ويربط الباحث بين العنف التوليدي وثقافة “الطب الأبوي” السائدة في بعض الممارسات الطبية، حيث يتعامل مقدم الخدمة باعتباره صاحب القرار الوحيد، في حين تُستبعد المريضة من المشاركة الفعلية في القرارات المتعلقة بجسدها وعلاجها، مشيرًا إلى أن هذه النزعة قد تتفاقم في مجال النساء والتوليد، نتيجة تصورات اجتماعية وثقافية تقلل من أهمية شكاوى النساء أو قدرتهن على اتخاذ قرارات تخص صحتهن.
يقول لـ”زاوية ثالثة”: “وضع تعريفات واضحة ومعايير مهنية محددة من الجهات المختصة، خطوة أساسية لحماية حقوق المريضات وتوضيح التزامات مقدمي الخدمات الصحية، كما أن الموافقة المستنيرة يجب ألا ترتبط فقط بالإجراءات الشكلية، وإنما بالمعلومات الكافية التي تمكن المريضات من اتخاذ قرارات واعية بشأن الرعاية المقدمة لهن، بما في ذلك الخيارات المتعلقة بتخفيف الألم أثناء الولادة”.
ويرى ضرورة تطوير برامج التعليم والتدريب الطبي بما يعزز احترام حقوق المريضات وكرامتهن، ويضمن مشاركة النساء بصورة حقيقية في القرارات المتعلقة بصحتهن الإنجابية، مشددًا على أن مشاركة المتدربين في العملية التعليمية لا تمنحهم الحق في فحص المريضات أو التعامل معهن دون موافقة، أو تعريضهن للألم أو الإحراج.
وكانت نقابة الأطباء، أكدت التزامها الكامل بحماية كرامة المرضى واحترام حقوقهم، باعتبارها جزء أساسي من مبادئ ممارسة مهنة الطب وقسم الأطباء.
وأوضحت، في بيان لها، أنها تتابع، بالتنسيق مع نقابة أطباء الإسكندرية، ما أثير بشأن مستشفى الشاطبي، إلى جانب التحقيقات التي تجريها كلية الطب بجامعة الإسكندرية للتحقق من الوقائع المتداولة، مؤكدة أن أي مخالفة لحقوق المرضى أو لواجبات المهنة تعرض مرتكبها للمساءلة التأديبية والقانونية.
كذلك دعت العاملين بالقطاع الطبي والمرضى وذويهم إلى الإبلاغ عن أي تجاوزات، متعهدة بالتعامل الجاد مع جميع الشكاوى والتحقيق فيها بصورة عاجلة بما يضمن حماية حقوق المرضى والحفاظ على أخلاقيات المهنة.
فيما أكدت جامعة الإسكندرية أنها تتعامل بجدية مع الادعاءات المتداولة بشأن ممارسات داخل قسم أمراض النساء والتوليد بمستشفى الشاطبي الجامعي، مشددة على أن كرامة المرضى وسلامتهم وأخلاقيات المهنة مبادئ لا تقبل التهاون.
وأوضحت، في بيان لها، أن ما أُثير يخضع حاليًا للفحص والتحقيق من الجهات المختصة بكلية الطب، مع التعهد باتخاذ إجراءات حاسمة حال ثبوت أي تجاوزات، داعية إلى تقديم الشكاوى والشهادات الموثقة عبر القنوات الرسمية لضمان التحقق منها وحماية مقدميها.
وطالبت بعدم إصدار أحكام مسبقة قبل انتهاء التحقيقات، حفاظًا على حقوق المرضى والعاملين بالقطاع الطبي، مشيرة إلى أن مستشفى الشاطبي يقدم خدماته لعشرات الآلاف من المرضى سنويًا، زاعمة التزامها بالشفافية والمساءلة، واتخاذ إجراءات قانونية ضد مروجي ما وصفته بالشائعات حال ثبوت عدم صحة الادعاءات المتداولة.
وبين مطالبات الحقوقيين والنسويات بالتحقيق في الانتهاكات المبلغ عنها، وتمسك الجهات الرسمية بانتظار نتائج الفحص والتحقيق، تبقى شهادات النساء والطبيبات بمثابة اختبار حقيقي لقدرة المنظومة الصحية على مواجهة ما يُثار من اتهامات بشفافية، وضمان حق النساء في رعاية صحية آمنة تحفظ كرامتهن وسلامتهن الجسدية والنفسية.
وبينما تتواصل التحقيقات الرسمية بشأن انتهاكات مستشفى الشاطبي لتفتح نقاشًا أوسع حول واقع الرعاية الصحية المقدمة للنساء أثناء الحمل والولادة في مصر، واحترام كرامة المريضات، وضمان الموافقة المستنيرة، وآليات الرقابة والمساءلة داخل أقسام النساء والتوليد.