3700 موظف بلا رواتب.. كيف تحوّل عمال وزارة الزراعة إلى «مؤقتين دائمين»؟

آلاف العاملين بوزارة الزراعة يعملون منذ سنوات دون أجر رغم أحكام قضائية نهائية بتعيينهم، وسط تعطيل للتنفيذ وتقاذف للمسؤولية بين الوزارات.
Picture of آية ياسر

آية ياسر

على مدار أربع سنوات، لم تنقطع أماني عبد الرحمن (اسم مستعار) عن الذهاب يوميًا إلى عملها في قسم التشجير بوزارة الزراعة بمحافظة الفيوم، تاركةً أبناءها الثلاثة، تقطع مسافة طويلة سيرًا على الأقدام لتوفّر أجرة «التوكتوك»، فتدفع 25 جنيهًا أجرة الميكروباص ذهابًا وإيابًا من عملها الحكومي وإليه، وهو العمل الذي تتقاضى عنه أجرًا منذ عام 2022.

التحقت أماني، في عام 1995، بالعمل متدربةً لدى قسم التشجير في وزارة الزراعة بعقد مؤقت، وتقاضت حينها 45 جنيهًا شهريًا، على أمل التعيين، وهو ما لم يتحقق على مدار ثلاثين عامًا.

وعقب ثورة يناير، عادت آمالها وآمال زملائها حين أصدر الدكتور أيمن فريد أبو حديد، وزير الزراعة الأسبق، القرار رقم 702 لسنة 2011، لتثبيت العاملين بعقود مؤقتة في الإدارة المركزية للتشجير والبيئة والتقاوي والشؤون المالية، لكن القرار لم يُنفذ سوى على أعداد محدودة.

وفي العام التالي صدر القانون رقم 19 لسنة 2012 الخاص بنظام العاملين المدنيين بالدولة، الذي أتاح تثبيت العمالة المؤقتة والموسمية (على الباب الأول أجور) وتسوية حالات الحاصلين على مؤهلات أعلى أثناء الخدمة، لكن القانون أيضًا لم يُنفذ.

كذلك أوجبت فتوى قضائية أصدرتها الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع، في عام 2021، تنفيذ الأحكام الصادرة لبعض المتدربين الملتحقين بعقود تدريبية في وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي، بأحقيتهم في التثبيت على درجات دائمة على بند الأجور الثابتة، مع ما يترتب على ذلك من آثار، وهي الفتوى التي جاءت بعد لجوء أماني وعدد من زملائها إلى القضاء.

أماني ليست الوحيدة، إذ يشترك معها في تلك المعاناة أكثر من 3000 موظف في قطاعات مختلفة داخل وزارة الزراعة، بحسب المصادر التي تحدثت إلينا، رغم حصول عدد منهم على أحكام قضائية نهائية بالتعيين في عام 2022.

صورة من حكم قضائي بتعيين المدعية على بند الأجور الثابتة بالباب الأول (أجور) بموازنة ديوان عام وزارة الزراعة
صورة من حكم قضائي بتعيين المدعية على بند الأجور الثابتة بالباب الأول (أجور) بموازنة ديوان عام وزارة الزراعة

وتتذكر أماني كيف تحولت هي وزملاؤها المؤقتون، بمرور السنوات، إلى العمود الفقري للعمل، بعد أن أُحيل كثير من الموظفين القدامى إلى المعاش، فأصبحوا يتولون بدلًا منهم إدارة مكاتب وجمعيات زراعية، ويشرفون على العمل، ويتعاملون مع خزائن ومعدات، ويتحملون مسؤوليات وعُهدًا يومية، ومع ذلك تأخرت أجورهم لنحو أربع سنوات.

تقول لـ”زاوية ثالثة”: “نعمل بالوزارة منذ التسعينات وعانينا حتى حصلنا على أحكام قضائية بالتعيين، لكننا نواجه أزمة عدم صرف مستحقاتنا المالية، التي تشترك في مسؤوليتها وزارة الزراعة ووزارة المالية والجهاز المركزي للتنظيم والإدارة، وتلقينا وعودًا متكررة بالإدراج في الموازنة أو الإفراج المالي القريب، دون تحقق أيٍّ منها، ونخشى الانقطاع عن العمل كي لا نتعرض للفصل”، مطالِبةً بتدخل عاجل من الجهات المسؤولة لحسم الملف.

ويختلف الوضع قليلًا بالنسبة إلى المهندس الزراعي أحمد جمال، الذي يعمل بإحدى الجمعيات الزراعية بمحافظة المنيا، وبدأ العمل في عام 2010 بنظام اليومية، قبل أن تتعاقد معه وزارة الزراعة بعقد مؤقت في عام 2013 استمرت مدته حتى 2020، وكان يتقاضى نظير ذلك مكافأة شهرية قدرها 500 جنيه فقط، دون أن تتضح أي بادرة أمل لتعيينه، الأمر الذي دفعه إلى تقديم دعوى قضائية للمطالبة بحقه في التثبيت.

وفي عام 2021، صدر حكم لصالح أحمد حصل بموجبه على قرار تعيين رسمي على الدرجة الثالثة التخصصية أخصائيًا زراعيًا، ورغم ذلك توقف صرف راتبه لمدة عام كامل بعد صدور الحكم، قبل أن تُصرف له سلفة شهرية من الراتب المحتجز قدرها 2000 جنيه منذ عام 2022، لحين الإفراج المالي، رغم أن الحد الأدنى المفترض لوظيفته يبلغ نحو 8000 جنيه، ولم يؤمَّن عليه حتى الآن.

صورة من الحكم القضائي بإلغاء قرار جهة الإدارة السلبي بالامتناع عن نقل المدعي إلى بند أجور موسميين على الباب الأول اعتبارًا من 2-11-2016، مع ما يترتب على ذلك من آثار وفروق مالية
صورة من الحكم القضائي بإلغاء قرار جهة الإدارة السلبي بالامتناع عن نقل المدعي إلى بند أجور موسميين على الباب الأول اعتبارًا من 2-11-2016، مع ما يترتب على ذلك من آثار وفروق مالية

يقول لـ”زاوية ثالثة”: “أُشرف على مساحات زراعية تصل إلى آلاف الأفدنة، وأحصّل مبالغ يومية قد تصل إلى مليون جنيه، ومع ذلك لا أتقاضى راتبي ولا أحصل على حقوقي التأمينية، الأمر الذي دفعني للبحث عن مصادر دخل إضافية، لهذا أعمل بشكل غير منتظم مشرفًا على مزارع خاصة لتغطية نفقات المعيشة، فأنا متزوج وأعول ثلاثة أبناء، وأقيم في مسكن بالإيجار، وهو عمل موسمي لا يوفر دخلًا كافيًا”.

ويشير إلى أن الأزمة لا تقتصر على الأجور، بل تمتد إلى غياب الترقيات والعلاوات والتأمينات، موضحًا أنه رغم استحقاقه للترقي إلى درجات أعلى بحكم سنوات خدمته ومؤهله العلمي، لم يحصل على أي من هذه الحقوق حتى الآن، رغم تقدمه بعدة شكاوى إلى جهات رسمية، من بينها رئاسة مجلس الوزراء.

أزمة العاملين المؤقتين في وزارة الزراعة تمتد لعقود، إذ عمل آلاف الموظفين منذ التسعينات في 14 إدارة تابعة للوزارة، من بينها فحص واعتماد التقاوي، وإنتاج التقاوي، والتشجير، والإصلاح الزراعي، والتعاون الزراعي والإرشاد، وجميعها لها فروع على مستوى الجمهورية، ولسنوات طويلة ظلوا يتقاضون أجورًا ضئيلة من الصناديق الخاصة رغم قيامهم بمهام مماثلة للموظفين الدائمين، إلى أن أتاح قانون الخدمة المدنية مسارًا قانونيًا لهم للمطالبة بالتثبيت عبر القضاء، وفق ما توضّحه سلمى أحمد، الموظفة بوزارة الزراعة.

تقول لـ”زاوية ثالثة”: “بعضنا حصل بالفعل على أحكام قضائية للنقل على الباب الأول للأجور بالموازنة العامة، إلا أن تنفيذ هذه الأحكام واجه تأخيرات طويلة وصلت في معظم الحالات إلى عامين أو ثلاثة، باستثناء عدد محدود لا يتجاوز 50 إلى 60 موظفًا تمكنوا من صرف رواتب كاملة بعد تنفيذ الأحكام في 2021 و2022، بينما يواصل الباقون العمل دون أجر فعلي، رغم استلامهم وظائفهم رسميًا على درجات مثل الثالثة التخصصية أو الرابعة”.

وتضيف أن معظم الموظفين لا يتقاضون سوى “حافز درجة” لا يتجاوز 300 جنيه شهريًا، مقارنة برواتب تصل إلى 6 أو 7 آلاف جنيه لنظرائهم المثبتين على الدرجات نفسها.

وفي المقابل، تحاول بعض الإدارات تخفيف الأزمة جزئيًا، مثل إدارة الإصلاح الزراعي التي تمنح سُلفًا مؤقتة بقيمة 2000 جنيه شهريًا للعاملين لحين تدبير رواتبهم، لكنها تظل حالة محدودة لا تشمل سوى أعداد قليلة من الموظفين، بينما تعتمد إدارات أخرى على صرف مكافآت متقطعة لا تتجاوز 1000 جنيه شهريًا، وهي مبالغ لا ترقى إلى كونها راتبًا منتظمًا، بحسب وصفها.

وتلفت إلى أن العاملين قبل التعيين كانوا يحصلون على دخل شهري يتراوح بين 700 و800 جنيه للمؤقتين، مع صرف بعض الحوافز، إلا أنهم بعد التعيين القضائي أصبحوا في وضع أسوأ، إذ يعملون موظفين رسميين دون أجر حقيقي، ويتحملون نفقات الانتقال والمعيشة.

وتعزو تفاقم الأزمة إلى تضارب المسؤوليات بين وزارتي الزراعة والمالية والجهاز المركزي للتنظيم والإدارة، إذ تُلقي كل جهة بالمسؤولية على الأخرى، ما أدى إلى تعطيل صرف الرواتب لسنوات، رغم إرسال الأوراق واستيفاء الإجراءات.

وتكشف أن عددًا من المتضررين اضطروا إلى رفع دعاوى جديدة للمطالبة بأحقيتهم في صرف الرواتب بأثر رجعي، بينما لا يزال آخرون ينتظرون تنفيذ أحكامهم أو حتى استلام العمل، وسط مخاوف من سقوط هذه الأحكام بمرور الوقت، مطالِبةً بتدخل عاجل وحاسم لتوضيح الموقف وصرف المستحقات.

فيما يُبيّن محمود محمد، أحد العاملين بنظام العمالة المؤقتة بوزارة الزراعة، أن المسؤولين في الوزارة برروا للعاملين الذين حصلوا على أحكام قضائية واستلموا العمل عدم صرف رواتبهم، بعدم صدور “الإفراج المالي”، بينما أبلغهم موظفون في وزارة المالية بأن تعطيل الإجراءات يأتي من جهة الوزارة، في حين يؤكد لهم الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة أنه استوفى الإجراءات المطلوبة.

يقول لـ”زاوية ثالثة”: “بعض الحاصلين على أحكام قضائية لم يتمكنوا حتى الآن من استلام وظائفهم، بدعوى عدم وجود إمكانية للتنفيذ، وفي الوقت نفسه تستمر أنماط متعددة من التعاقدات، منها العمالة اليومية المعروفة بـ«السركي» والعقود التدريبية، خاصة في قطاعات مثل التشجير والتقاوي”.

ويضيف أن الأزمة ممتدة منذ أكثر من ثلاثة عقود، وتشمل قطاعات متعددة داخل وزارة الزراعة، منها التقاوي والتشجير ومصانع التغذية، موضحًا أن بعض العاملين الذين حصلوا على أحكام يجري توزيعهم على إدارات الوزارة المختلفة، مع صرف مكافآت مؤقتة في بعض المديريات تُخصم لاحقًا عند صرف الرواتب الرسمية.

ويؤكد أن الأوضاع المعيشية للعاملين تزداد صعوبة في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وغياب الدخل المستقر، وتحملهم نفقات الانتقالات اليومية دون مقابل فعلي، فضلًا عن الأعباء المالية المرتبطة بإجراءات التقاضي، الأمر الذي يستدعي تدخلًا حاسمًا يضمن تنفيذ الأحكام وصرف الحقوق لأصحابها.

صورة من مذكرة مقدمة من وزير الزراعة واستصلاح الأراضي إلى وزير المالية في مايو 2012، للمطالبة بتعيين 13797 من العمالة

 

نوصي للقراءة: حيازات وهمية وفساد إداري: كيف يُهدر الدعم الحكومي للأسمدة في مصر؟

احتجاجات وإدانة حقوقية

في خطوة تصعيدية، نظّم العشرات من موظفي وزارة الزراعة وقفة احتجاجية، في 23 يونيو الماضي، أمام مقر الوزارة بمحافظة الجيزة، للمطالبة بصرف رواتبهم الموقوفة منذ سنوات.

فيما أكدت المفوضية المصرية للحقوق والحريات توثيقها لشكاوى من قطاعات مختلفة بوزارة الزراعة واستصلاح الأراضي، كشفت استمرار تشغيل العاملين فعليًا دون صرف أجورهم، في بعض الحالات لأكثر من خمس سنوات، لسد العجز في القوى البشرية بالإدارات والجمعيات الزراعية.

وأوضحت المفوضية في بيان لها أن هذا الوضع لا يمثل انتهاكًا للحق في الأجر فحسب، بل يعكس تحميل العاملين وأسرهم كلفة العجز الإداري، بما يؤثر أيضًا في كفاءة الخدمات الزراعية المقدمة للمزارعين.

واعتبرت أن عدم تنفيذ الأحكام القضائية أو التذرع بعدم توافر الاعتمادات المالية لا يبرر حرمان العاملين من مستحقاتهم، محذرة من إضعاف سيادة القانون والاستقرار الوظيفي.

وطالبت بالتنفيذ الفوري للأحكام القضائية، وصرف الرواتب المتأخرة بأثر رجعي، والتحقيق في أسباب تعطيل التنفيذ، ووضع خطة لمعالجة العجز الوظيفي، وضمان عدم اتخاذ إجراءات تعسفية ضد المحتجين.

وقبيل ذلك، تقدم عدد من العاملين بنظام العقود المؤقتة بوزارة الزراعة، خاصة المتعاقدين بعقود تدريبية قبل 30 مايو 2012، بطلب موجه إلى رئيس الجمهورية، اطلعت “زاوية ثالثة” على نسخة منه، لمخاطبة كل من رئيس مجلس الوزراء ووزيري المالية والزراعة، بشأن أوضاعهم الوظيفية المتعثرة، مستندين إلى قرار وزير الزراعة الأسبق رقم 702 لسنة 2011، وقرار مجلس الوزراء رقم 641 لسنة 2012، والقانون رقم 19 لسنة 2012 المعدّل لقانون نظام العاملين بالدولة رقم 47.

وأشار الطلب إلى الاتفاق بين وزارة المالية ووزارة الزراعة والجهاز المركزي للتنظيم والإدارة على تقسيم هذه الفئة إلى ثلاث مجموعات (أ، ب، ج)، تمهيدًا لتعيينهم على الدرجات الشاغرة داخل الوزارة، وبحسب الطلب، فقد صدر بالفعل قرار بتعيين المجموعة “أ” التي تضم قطاعي التشجير والمشتريات عام 2013، بإجمالي 13,997 موظفًا، كخطوة أولى لحل الأزمة.

ويكشف الطلب أن الإجراءات لم تُستكمل، بسبب إصدار وزارة المالية في عامي 2015 و2016 قرارات أدت إلى تعطيل تنفيذ ما جرى الاتفاق عليه، إلى جانب تشكيل لجنة للفتوى أصدرت آراء قانونية اعتبرها العاملون سببًا في تعطيل تعيين أصحاب العقود التدريبية، إلى أن صدرت فتوى أخرى في عام 2020 تجيز تعيين عدد محدود من هذه الفئة، لكنها لم تُنفذ أيضًا، ما أدى إلى استمرار أوضاع عدد كبير من العاملين دون تسوية قانونية، رغم استيفائهم الشروط المنصوص عليها في القوانين والقرارات السابقة.

وطالب مقدمو الطلب بسرعة التدخل لدراسة أوضاعهم، وتطبيق مبدأ المساواة مع نظرائهم من العاملين المؤقتين الذين جرى تثبيتهم في جهات حكومية أخرى، من خلال تعديل أوضاعهم التعاقدية أو تعيينهم على درجات مالية شاغرة، بما يضمن لهم الاستقرار الوظيفي والمعيشي وفقًا لما يكفله الدستور والقانون.

من جانبه، يرى القيادي العمالي ووزير القوى العاملة الأسبق كمال أبو عيطة أن ما يعانيه هؤلاء العمال ليس حالة استثنائية، بل امتداد لمشكلات أعمق في سوق العمل، وأن الدولة مطالبة بإرساء علاقة عمل عادلة تقوم على التثبيت والالتزام بالحد الأدنى للأجور، مؤكدًا أن العاملين في الزراعة يعانون تدني الأجور وغياب الاستقرار الوظيفي منذ سنوات طويلة، رغم أحقيتهم في التعيين الدائم.

ويعتبر أن عدم تنفيذ الأحكام القضائية يمثل خللًا خطيرًا يُضعف فكرة العدالة نفسها، لافتًا إلى أن تراجع دور النقابات، التي كانت تؤدي دورًا في حل النزاعات قبل تفاقمها، دفع العمال إلى ساحات القضاء، حيث لا يضمنون حقوقهم دائمًا، وحتى إن حصلوا عليها قد تظل معطلة.

يقول لـ”زاوية ثالثة”: “الحقوق العمالية يجب أن تُصان، سواء عبر تنفيذ الأحكام القضائية أو من خلال آليات عادلة داخل مؤسسات الدولة، فلجوء العمال إلى القضاء أصبح المسار الوحيد المتاح بعد تراجع دور الأدوات النقابية في تسوية النزاعات، ما أدى إلى تراكم المشكلات وتعقيد حصول العمال على حقوقهم”.

ويُحذّر “أبو عيطة” من أن تجاهل تنفيذ الأحكام وتأخر صرف المستحقات قد يؤدي إلى تفاقم الأزمات الاجتماعية والاقتصادية للعاملين، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وغياب مصادر دخل مستقرة، الأمر الذي يُنذر بتداعيات اجتماعية خطيرة، من بينها تصاعد مشاعر الإحباط واليأس نتيجة انسداد الأفق أمام بعض الفئات العمالية، منتقدًا ملاحقة العمل النقابي، التي أضعفت أحد أهم أدوات التوازن داخل المجتمع وفاقمت أزمات العمل، وداعيًا إلى احترام أحكام القضاء وتفعيل آليات فعّالة لحماية حقوق العمال وتحقيق الاستقرار الوظيفي والاجتماعي لهم.

ويؤكد المحامي الحقوقي مالك عدلي، مدير المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، أن أزمة العمالة المؤقتة لا تقتصر على وزارة الزراعة، بل تتكرر في قطاعات حكومية متعددة، من بينها وزارة الصحة ومجلس الوزراء، مرجعًا جذورها إلى اختلالات هيكلية داخل الجهاز الإداري للدولة، خاصة فيما يتعلق بسياسات التشغيل وتخطيط الموازنة.

ويشير إلى أن اتجاه الدولة خلال السنوات الماضية كان يهدف إلى تقليص أعداد العاملين، لكن ذلك أدى إلى حاجة الجهات الحكومية إلى العمالة دون توفر درجات وظيفية كافية، ما دفعها إلى تشغيل العاملين بشكل غير رسمي أو دون تثبيت فعلي، رغم قيامهم بأعمال دائمة.

يقول “عدلي” لـ”زاوية ثالثة”: “الضغوط الواقعة على الموازنة العامة، سواء نتيجة الديون أو سياسات التقشف، تُسهم في امتناع الجهات الإدارية عن تنفيذ الآثار المالية للأحكام القضائية الصادرة لصالح العمال”، مشيرًا إلى أن بعض الوزارات تلجأ إلى تسويات جزئية عبر صرف مبالغ محدودة بدلًا من المستحقات الكاملة.

ويؤكد أن الأزمة لا تتعلق بصدور الأحكام القضائية، بل ببطء أو تعثر تنفيذها، في ظل غياب آليات ملزمة للجهات الإدارية، ما يدفع العمال إلى الدخول في مفاوضات أو تسويات أقرب إلى المساومة للحصول على جزء من حقوقهم.

ويعزو “عدلي” تفاوت أوضاع العاملين إلى غياب الرقابة الفعالة، موضحًا أن تنفيذ الأحكام والعدالة في توزيع الحقوق يرتبطان بدور رقابي برلماني، مؤكدًا ضرورة التدخل الرقابي والتشريعي، إلى جانب إعادة ضبط السياسات المالية والإدارية، بما يضمن إدراج مستحقات العاملين وتنفيذ الأحكام القضائية ضمن أولويات الدولة.

 

نوصي للقراءة: في الإسكندرية: بديل الترام يتعثر ماليًا وسائقوه ينتظرون مستحقاتهم منذ شهرين


تحركات برلمانية

مؤخرًا، وصلت أصداء الأزمة إلى البرلمان، إذ تقدّم النائب أحمد السنجيدي، في فبراير الماضي، بطلب إحاطة بشأن عدم تنفيذ الأحكام القضائية النهائية وقرارات التعيين الصادرة لصالح العاملين المؤقتين بوزارة الزراعة، رغم مرور أكثر من 25 عامًا على عملهم المتواصل داخل الوزارة، دون تحقيق أي استقرار وظيفي أو صرف مستحقاتهم المالية، مطالبًا بالكشف عن الجهة المسؤولة عن تعطيل التنفيذ، وما إذا كان ذلك يشكل مخالفة إدارية أو امتناعًا عن تنفيذ حكم قضائي، مع إلزام الجهات المعنية بتقديم جدول زمني واضح لتنفيذ الأحكام وصرف المستحقات بأثر رجعي.

وبحسب الطلب، ظل هؤلاء العاملون لسنوات طويلة تحت مسمى العمالة المؤقتة دون تثبيت، رغم الوعود المتكررة من الجهات المختصة، وإصدار محكمة القضاء الإداري أحكامًا نهائية واجبة النفاذ، منذ أربع سنوات، بأحقيتهم في التعيين على بند الأجور الثابتة بالباب الأول (أجور)، ورغم إصدار قطاع الشؤون المالية والتنمية الإدارية بوزارة الزراعة قرارات تعيين تنفيذًا لتلك الأحكام القضائية.

وقد نصت هذه القرارات في البند الثالث منها على تسكين المعينين على بند الأجور الثابتة بمسمى وظيفي، مع صرف الرواتب اعتبارًا من تاريخ استلام العمل، ورغم ذلك لم يجرِ حتى تاريخه صرف رواتب هؤلاء العاملين، في مخالفة صريحة لأحكام القضاء، وإهدار لحجية الأحكام النهائية، وتعطيل متعمد للتنفيذ دون مبرر قانوني.

وخلال الشهر نفسه، تقدم النائب مصطفى البنا أيضًا بطلب إحاطة موجّه إلى وزير المالية، بشأن ما يعانيه عدد من موظفي التشجير بوزارة الزراعة، إلى جانب عدد من العاملين بوزارة الشباب والرياضة، من أوضاع إنسانية ومعيشية قاسية نتيجة عدم صرف رواتبهم منذ سنوات، رغم انتظامهم الكامل في العمل والتزامهم بواجباتهم الوظيفية، عادًّا ذلك مخالفة صريحة لمبادئ العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص، وإهدارًا واضحًا لحقوق العاملين، ومطالبًا بسرعة صرف جميع المستحقات المالية المتأخرة بأثر رجعي، إلى جانب وضع خطة زمنية واضحة ومعلنة لتسوية أوضاع هؤلاء العاملين، وتثبيت حقوقهم المالية والإدارية.

وسبق أن دعا النائب إيهاب منصور، وكيل لجنة القوى العاملة بمجلس النواب ورئيس الكتلة البرلمانية للحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، في فبراير الماضي، إلى وقف رواتب مسؤولي وزارة الزراعة المتسببين في هذه المعاناة، وذلك في طلب إحاطة موجه إلى رئيس مجلس الوزراء ووزير الزراعة واستصلاح الأراضي ورئيس الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة ووزير المالية.

ويؤكد “منصور” لـ”زاوية ثالثة” أن طلب الإحاطة لم تتم مناقشته بعد، وإنما أُحيل إلى اللجان المختصة في مجلس النواب، على أن تجري المناقشة في مايو من العام الجاري، متوقعًا أن يُطلب حضور وزيري المالية والزراعة إلى المجلس للوقوف على أبعاد الأزمة.

يقول: “عدم تطبيق أحكام القضاء هو في حد ذاته جريمة، وهؤلاء الموظفون أصحاب حقوق، سواء في التثبيت أو صرف أجورهم، وأعدادهم كبيرة تقترب من الـ3700 موظف”. ويحمّل النائب مجلس الوزراء مسؤولية إطالة أمد الأزمة، مؤكدًا أن الملف مطروح على الحكومة منذ ثلاث سنوات.

بدورها، تؤكد النائبة راوية مختار، وكيلة لجنة القوى العاملة بمجلس النواب، أن اللجنة تعمل بالفعل على ملف العمالة المؤقتة في مصر، نظرًا لاتساع نطاقه وامتداده عبر قطاعات متعددة، لافتة إلى أن هذه الفئة تعاني تدني الأجور وغياب الاستقرار الوظيفي رغم سنوات طويلة من العمل.

تقول لـ”زاوية ثالثة”: “اللجنة تُدرك حجم المشكلة وتعمل على دراستها، ومن المتوقع اتخاذ إجراءات خلال الفترة المقبلة للتعامل مع أوضاع العمالة المؤقتة وتحسين شروطها الوظيفية”.

وفي السياق، يؤكد النائب حسام العمدة، عضو لجنة الزراعة والري بمجلس النواب وأمين عام حزب مستقبل وطن بمحافظة بني سويف، أن اللجنة البرلمانية تتابع ملف العمالة المؤقتة بوزارة الزراعة، مشيرًا إلى أن هناك تحركات جارية لحل الأزمة، بالتنسيق مع مجلس الوزراء، لضمان حصول هؤلاء العاملين على حقوقهم.

يقول لـ”زاوية ثالثة”: “مجلس الوزراء يتابع هذه المشكلة، وهناك تنسيق جارٍ مع الجهات الحكومية، من بينها وزارة المالية ومجلس الوزراء، لتدبير المخصصات المالية اللازمة”.

وبسؤاله عن أعداد موظفي وزارة الزراعة المتضررين من عدم صرف مستحقاتهم، أفاد بأن التقديرات تشير إلى كونهم في حدود الأرقام المتداولة التي تقترب من عدة آلاف، معربًا عن أمله في التوصل إلى حلول قريبة تُنهي معاناة العمال الحاصلين على أحكام قضائية بالتعيين دون تنفيذها.

ورغم التحركات البرلمانية على مدار الشهرين الأخيرين، يجد آلاف الموظفين أنفسهم عالقين بين أحكام قضائية واجبة النفاذ وواقع معيشي يزداد قسوة، بينما يؤدون مهامهم دون أجر، متمسكين بأمل الحصول على حقوقهم المشروعة أسوةً بزملائهم.

وفي ظل هذه المعاناة الممتدة لثلاثة عقود، يمكن القول إن أزمة العمالة المؤقتة بوزارة الزراعة لا تعكس فشلًا إداريًا أو تعثرًا ماليًا، بقدر ما هي اختبار حقيقي لمدى التزام الدولة بتطبيق القانون وضمان الحقوق الأساسية للعاملين لديها.

آية ياسر
صحافية وكاتبة وروائية مصرية حاصلة على بكالوريوس الإعلام- جامعة القاهرة.

Search