شهد يونيو قرارًا جمهوريًا منح الهيئة الهندسية للقوات المسلحة امتيازات استثنائية في الساحل الشمالي، وفي الشهر نفسه كان أحمد دومة يُحكم عليه بالسجن بسبب مقال، وأمنية سويدان تُحتجز بسبب شهادتها عن ولادة قيصرية. و1700 أسرة ترفع طعونًا على قانون الإيجار القديم أمام الدستورية، وخمسة عشر ألف موظف مفصول ينتظرون طعنًا آخر في قانون الفصل بتحليل المخدرات، فيما تعاقب السلطات المصرية ستة مواطنين شيعة، وترحّل لاجئين سودانيين فارين من حرب إلى بلدٍ لم يُعدّ لاستقبالهم.
في العدد العشرين من نشرة سطرة محذوفة، نرصد هذا كله وأكثر. إلى التفاصيل.
الأحزاب السياسية والمعارضة
سياسيًا، أجرت زاوية ثالثة في يونيو حوارين مطوّلين مع وجهين من أبرز وجوه المعارضة المصرية، تقاطعا حول سؤالٍ واحد: لماذا تعجز المعارضة عن تقديم بديلٍ حقيقي للسلطة، وأين يقف المجال السياسي المغلق من هذا العجز.
في الأول من يونيو نشرت زاوية ثالثة حوارها مع السياسي والمحامي زياد العليمي، في أول ظهورٍ مطوّل له منذ سنوات. قدّم العليمي قراءةً يرى فيها أزمة مصر بنيوية ممتدة عبر ثلاثمئة عام من محاولات بناء الدولة الحديثة، ورأى أن ثورة يناير نجحت في إحداث التغيير وفشلت في إدارته، وأن المخرج الوحيد هو العدالة الانتقالية بمراحلها الثلاث: المكاشفة ثم المحاسبة ثم بناء عقدٍ اجتماعي جديد، وهي التي نصّ الدستور على إصدار قانونٍ بها منذ أحد عشر عامًا دون أن يصدر. وربط العليمي الأزمة السياسية بأخرى اقتصادية، إذ ارتفع الدين الخارجي من نحو ستةٍ وأربعين مليار دولار في 2014 إلى نحو مئةٍ وخمسةٍ وستين مليار دولار، أي اقتراض نحو مئةٍ وتسعةَ عشرَ مليارًا في اثني عشر عامًا دون أن يشعر المواطن بأثرها. وخلص إلى أنه لا معارضة حقيقية بلا نظام حكمٍ واضح المعالم ولا مجال سياسي، وأن الفراغ السياسي يُملأ دائمًا بالتطرف أو الانفجار.
وفي الثالث والعشرين من يونيو نشرنا حوارنا مع النائب البرلماني السابق أحمد الطنطاوي، الذي ردّ مباشرةً على ما ورد في حوار العليمي. بأن ما فهمه بعضهم من إشارة العليمي إلى اجتماعٍ مع “الرجل الثاني”، المقصود به دستوريًا هو رئيس مجلس النواب الذي يحل محل رئيس الجمهورية عند غيابه، وهو من اجتمع به لتحذيره من تحالف الأمل، لا أي مركز نفوذٍ أمني أو سيادي كما قد يُفهَم في ظل البنية السياسية السائدة. وروى الطنطاوي للمرة الأولى كواليس تأسيس تحالف الأمل 2019 وأضلاعه الأربعة، وكيف عطّل أحد رؤساء الأحزاب إصدار البيان التأسيسي بملاحظاتٍ متتالية، قبل أن تأتي الضربة الأمنية فجر اليوم التالي بالقبض على خمسةٍ من زملائه. كما كشف أنه طلب رفع الحصانة البرلمانية عنه ليمثل أمام التحقيق فلم يُستجَب له، وأن المحكمة رفضت الاستماع إلى شهادته رغم تأكيد المحامي خالد علي أن قائد التحالف حاضرٌ في القاعة ومستعدٌ للشهادة.
ويلتقي الحواران عند نقدٍ مشترك للحركة المدنية الديمقراطية، إذ يرى الطنطاوي أن أزمتها بنيوية تكمن في التهرّب من سؤالين: من أعضاؤها، وكيف تُتّخذ القرارات داخلها، في ظل آلية الإجماع التي تتيح لطرفٍ واحد تعطيل الجميع. واتفق العليمي على أن المعارضة ظلّت “مفعولًا به” لا فاعلًا، وأن عليها أن تطرح تصورًا للمستقبل بدل الاكتفاء برد الفعل. وحذّر الطنطاوي من أن السلطة لا تخاف المعارضة بل تخاف البديل، وكشف أن حزب “تيار الأمل” ما زال ممنوعًا من تحرير التوكيلات اللازمة لتأسيسه ومن استئجار مقر، ودعا إلى تشكيل “جبهة لحماية الدستور” ترفض أي تعديلٍ دستوري جديد يمسّ مدد الرئاسة ويغلق أفق التداول السلمي للسلطة. وأكّد أن ما حُبس بسببه عامًا لم يكن تزوير توكيلات بل ما وُصف بمخالفةٍ انتخابية تتعلق بمطالبة أنصاره بالاحتفاظ بتوكيلاتٍ مُنعوا من توثيقها، وأنه قضى ذلك العام مع مدير حملته محمد أبو الديار وعددٍ من أعضائها.
وتقاطع الحواران كذلك عند ملف الخصومة السياسية وإعادة الاعتقال. فقد رأى العليمي أن عودة سيد مشاغب إلى الحبس بعد ساعاتٍ من خروجه إثر إحدى عشرة سنة سجن، وإعادة أحمد دومة بسبب كلامٍ قاله أو مقالٍ كتبه، تكشف خللًا في المنظومة، إذ لا يُحاكَم المرء على رأيه، وأن المشكلة الأكبر ليست في دومة أو الإسكندراني أو مشاغب بل في غياب أي تحسّنٍ يلمسه الناس في حياتهم. أما الطنطاوي فروى أن مضايقات السلطة لتيار الأمل تجاوزت منع التأسيس إلى التضييق على أبسط الأنشطة، حتى إن أربعةً من أعضاء لجنته التأسيسية لم يجدوا في الدقهلية، خلال رمضان، مكانًا يفطرون فيه بعد إغلاق الأماكن أمامهم تباعًا، فجلسوا على الأرض، ورفض الطنطاوي تحويل الواقعة إلى معركةٍ إعلامية.
وفي مقابل هذا، استدعى حوار العليمي ردًّا إعلاميًا، إذ هاجم الإعلامي المؤيد نشأت الديهي الحوار في برنامجه على فضائية “تن”، فتساءل عمّا إذا كانت “زاوية تالتة” حاصلةً على ترخيص، وقال إن كل ضيوفها “شمال بكل معنى الكلمة”.. “يتبنون اتجاهًا واحدًا” قوامه الهجوم على الدولة، واعتبر أن ما قاله العليمي يخرج عن حرية الرأي والتعبير ويمسّ القوات المسلحة والقضاء والنظام السياسي. وهو طعنٌ يتجاهل أن زاوية ثالثة تستضيف مصادر رسمية أيضًا وتلتزم بإتاحة حق الرد في تقاريرها، فلا يستقيم اختزال منصةٍ تنشر الرواية ونقيضها في “اتجاهٍ واحد”، كما أن ربط مشروعية التغطية بسؤال الترخيص يحوّل النقاش من مضمون ما قيل إلى محاولةٍ لإسكات قائله.
ورصدت زاوية ثالثة، أزمةً هي الأعمق في تاريخ الحركة المدنية الديمقراطية منذ تأسيسها في ديسمبر 2017. وكان مفجّرها بيانًا أصدرته الحركة تضامنًا مع رئيس حزب المحافظين أكمل قرطام على خلفية هدم قصرٍ يملكه على ضفاف النيل، أكّدت وزارة الموارد المائية والري أنه أُقيم بالمخالفة للقانون ومتعدٍّ على حرم النهر. وأثار البيان موجة غضبٍ واسعة لأنه خلط بين نزاعٍ قانوني يخص ملكيةً خاصة وقضايا عامة كجزيرة الوراق والمقابر التاريخية، فاضطرت الحركة إلى سحبه والاعتذار عنه وحذفه من صفحتها، فيما تنصّل منه عددٌ من الأحزاب، وعلى رأسها حزب المحافظين نفسه الذي أعلن إعادة تقييم تحالفاته تمهيدًا لانسحابٍ محتمل. وأُجّل اجتماع مجلس الأمناء من الخامس إلى الثاني عشر من يونيو لتهدئة الأجواء وبحث خياري إعادة الهيكلة الشاملة أو الحل. وبحسب قياداتٍ وباحثين تحدثوا إلى المنصة، فإن البيان لم يكن سوى عَرَضٍ لأزمةٍ بنيوية تراكمت منذ سنوات، قوامها التكلس التنظيمي وآلية اتخاذ القرار بالإجماع وتراجع الارتباط بالقضايا الجماهيرية، بعد سلسلة انسحاباتٍ قلّصت أحزابها الفاعلة إلى تسعة، وفشل تجربة “أمانة الشباب” التي أُطلقت في 2024 لتجديد الدماء.
وتعيد زاوية ثالثة في تقريرها، جذور الأزمة إلى مسارٍ طويل من التفكك. فالحركة التي تأسست مظلةً تضم اثني عشر حزبًا تجمع تيارات ليبرالية ويسارية وقومية، دخلت منذ ولاية الرئيس عبد الفتاح السيسي الثانية في 2018 مرحلة خمولٍ وتقييد، قبل أن تعود إلى الواجهة في أبريل 2022 مع دعوة الحوار الوطني، ثم تتباين مكوناتها حول المشاركة في انتخابات الرئاسة 2023، فجُمّدت عضوية حزبي المصري الديمقراطي الاجتماعي والعدل، ولحق بهما حزب الإصلاح والتنمية الذي غادر مقعده مع اقتراب انتخابات 2025، حتى تقلّص عدد أحزابها الفاعلة إلى تسعة وصارت تعتمد على الشخصيات العامة داخل مجلس الأمناء أكثر من الأحزاب المنظمة. وأضافت الانتخابات البرلمانية الأخيرة طبقةً جديدة بمزاعم طالت إسلام قرطام، نجل أكمل قرطام، عن تنسيقٍ غير مباشر مع مرشحي حزب الموالاة “مستقبل وطن” واستخدامٍ للمال السياسي، نفاها حزب المحافظين. ويرى الباحث السياسي والحقوقي مصطفى شوقي أن الأزمة امتدادٌ لـ”التأميم الشامل للمجال العام” الذي عزل القوى المدنية عن المجتمع، مقترنًا بـ”قيادةٍ متكلسة” أهدرت فرصة التجديد بعد الحوار الوطني، بينما يقرّ أكرم إسماعيل، القيادي بالحركة وحزب العيش والحرية، بأن الحصار الأمني لا يعفيها من مسؤوليتها عن بيانٍ ربط قضيةً شخصية بقضايا وطنية في لحظة ترهلٍ وضعف فاعلية.
وهو المأزق ذاته الذي أشار إليه العليمي والطنطاوي في حواريهما، بين جيلٍ قديم لا يترك المساحة وجيلٍ جديد لا يستطيع توليها، في مجالٍ عام يضيق بالطرفين معًا.
الحركة المدنية في أزمتها الأعمق: بيان واحد كشف ما تراكم منذ 2017
الحقوق الاقتصادية: قرارات يونيو تمس حياة الملايين

نهاية الدعم العيني: 70 مليون مواطن أمام نظام جديد
شكّل يونيو 2026 شهر الانقلاب الهادئ على منظومة الدعم التمويني التي عاشت معها مصر لعقود. فبعد مداولات مكثفة بين رئيس الوزراء ووزراء التموين والمالية وبعثة صندوق النقد الدولي في القاهرة، أعلنت الحكومة رسميًا الاتجاه نحو تحويل الدعم العيني إلى دعم نقدي اعتبارًا من الأول من يوليو 2026، في قرار يمسّ نحو سبعين مليون مصري مقيدين حاليًا على بطاقات التموين.
وبموجب المنظومة الجديدة، ستتراوح قيمة الدعم المخصص للفرد بين 300 و350 جنيهًا شهريًا (ما يعادل أقل من 7 دولارات)، تُصرف عبر “كارت ذكي” لا نقدًا مباشرًا، يتيح شراء نحو 30 سلعة أساسية من منافذ معتمدة. وتعني هذه القيمة أن الأسرة المكونة من أربعة أفراد ستحصل على ما بين 1200 و1400 جنيه شهريًا. ولمقاربة ما يعنيه هذا الرقم واقعيًا: كيلو الدواجن تجاوز 90 جنيهًا، وكيلو السكر 28 جنيهًا داخل المنظومة المدعومة و50 جنيهًا في السوق الحرة، والزيت قرابة 100 جنيه للكيلو، والرغيف سيُحسَب بجنيه ونصف بدلًا من 20 قرشًا في ظل استمرار دعم حكومي جزئي. أما المكرونة فستُباع بسعر السوق بدون دعم مباشر.
وقال وزير التموين شريف فاروق إن مخصصات الدعم التمويني ارتفعت إلى نحو 180 مليار جنيه سنويًا، مؤكدًا أن الدولة لا تستهدف خفض المخصصات بل توجيهها بكفاءة أكبر. وفي الموازي، حذفت الوزارة نحو 850 ألف مواطن من منظومة الدعم خلال يونيو بمعايير “العدالة الاجتماعية”، مع فتح باب التظلمات، فيما تشير تقديرات إلى خروج ما بين عشرة واثني عشر مليون شخص إضافي بعد تطبيق معايير الاستحقاق الجديدة التي تشمل مستوى الدخل وملكية السيارات والحيازات الزراعية ومستوى استهلاك الكهرباء. وقد استقطبت هذه المعايير انتقادات من خبراء اجتماعيين تساءلوا: كيف تُقاس القدرة الاقتصادية بدقة في بلد لا سجل منظم فيه للثروات، وما مصير من يقع في المنطقة الرمادية بين المستحق وغير المستحق ولا يصل إليه نداء الإشعار بالاستبعاد؟
وتجدر الإشارة إلى أن إدارة منظومة الدعم الجديدة لن تقتصر على وزارة التموين، بل يُرتقَب أن يضطلع “جهاز مستقبل مصر”، الذراع الاقتصادية للمؤسسة العسكرية، بدور محوري في الإنتاج الزراعي والتخزين والتوزيع، وهو ما دفع باحثين إلى التساؤل عن حدود الرقابة المدنية على منظومة تمسّ الأمن الغذائي لأكثر من نصف سكان مصر.
الحد الأدنى للأجور: رقم على الورق وفجوة في الواقع
في يونيو، أُقرّ رفع الحد الأدنى للأجور إلى 8000 جنيه اعتبارًا من الأول من يوليو 2026 للعاملين في الجهاز الإداري للدولة، مع زيادات استثنائية للمعلمين والعاملين في القطاع الصحي لم تُحدَّد أرقامها رسميًا حتى نهاية الشهر. وبكّرت الحكومة في صرف رواتب يونيو قبيل عيد الأضحى. غير أن هذه الأرقام تقع في منطقة التناقض الصارخ؛ إذ تشير تقارير عمالية إلى أن آلاف الموظفين في قطاعات حكومية وشبه حكومية لا يزالون يتلقون رواتب تقل عن 3500 جنيه بسبب إشكاليات الكوادر والتسكين الوظيفي، وأن الزيادة المقررة للمرتبات تبلغ 1000 جنيه لمن دون كادر خاص، وهي زيادة اسمية يسبقها تضخم تراكمي أفقد الجنيه قرابة 70% من قيمته خلال أربع سنوات. وبحساب مبسط: قيمة الـ8000 جنيه اليوم تعادل نحو 160 دولارًا، في حين كانت تعادل ما يزيد على 400 دولار قبيل موجات التعويم الأولى.
ولا يختلف الوضع كثيرًا في القطاع الخاص، إذ يرصد مؤشر الحقوق العالمي للاتحاد الدولي للنقابات الصادر في يونيو أن 14 نقابة مستقلة على الأقل لا تستطيع العمل، مما يحرم العمال من أي أداة تفاوضية حقيقية لانتزاع أجور أفضل. والمفارقة أن رفع الحد الأدنى للأجور يصدر في الوقت الذي شهد فيه اليوم ذاته في يونيو إضراب عمال مياه القاهرة بسبب علاوات متأخرة منذ عشر سنوات، ووقفة موظفي وزارة الزراعة المطالبين برواتب محجوزة خمس سنوات رغم أحكام قضائية نهائية بصرفها.
قانون العمل الجديد: 42 احتجاجًا في 100 يوم.. والحد الأدنى للأجور “حبر على ورق
المعاشات: زيادة تتجاوز التضخم لأول مرة.. لكن الفقر الحقيقي يأبى الأرقام
تُطبَّق الزيادة السنوية على معاشات نحو 11.5 مليون مستفيد اعتبارًا من مطلع يوليو، وهي للمرة الأولى منذ سنوات تتجاوز معدل التضخم المتوقع وفق بيانات البنك المركزي. وهو إنجاز نسبي لا يخفي أن المعاش الأدنى لا يزال دون حد الكفاف في كثير من الحالات. فمن يتقاضى معاشًا بقيمة 1800 جنيه شهريًا، يدفع منها وحده فاتورة غاز وكهرباء ومياه تتجاوز في المتوسط 400 جنيه شهريًا بعد سلسلة الزيادات الأخيرة، وإيجارًا إن لم يكن مالكًا، قبل أي إنفاق على غذاء أو دواء. وقد عبّرت منظمات حقوقية عن قلقها من أن مبدأ “التحسين الإحصائي” أن تتجاوز الزيادة التضخم يخفي وراءه فجوةً بنيوية أعمق: أصحاب المعاشات الصغيرة يعيشون تحت خط الكفاف حتى مع الزيادة. وتجدر الإشارة إلى أن الحكومة أعلنت في يونيو أيضًا التزامها بتسديد قسط سنوي للهيئة القومية للتأمين الاجتماعي يبدأ بنحو 238 مليار جنيه، وإن اعتبر منتقدون أن هذه التعديلات تُعيد ترتيب الجانب المالي دون معالجة التدهور الفعلي في قيمة المعاشات.
مصروفات التعليم: الفقر يُجرَّم في المدارس والجامعات
في يونيو، أصدرت مدارس رسمية للغات في محافظات عدة تحذيرات استنادًا إلى القرار الوزاري رقم 224 لسنة 2025، تهدد فيها طلابًا غير مسددين للمصروفات الدراسية بحجب نتائجهم والتحويل الإجباري إلى مدارس حكومية. ووصف منتقدون هذا القرار بأنه يُحوّل الفقر إلى جريمة يدفع ثمنها الطفل لا والده، إذ يُعامَل التعليم كفاتورة مشروطة لا حقًا دستوريًا. وقد أعلنت وزارة التربية والتعليم رسوم المدارس الحكومية للعام الجديد 2026/2027، وتضمنت رسوم الخدمات الرقمية والمنصات التعليمية 100 جنيه، والتأمين الصحي 12 جنيهًا، إلى جانب اشتراكات متعددة بلغ مجموعها في المراحل الإعدادية والثانوية ما بين 250 و350 جنيهًا، وهي مبالغ تبدو بسيطة لكنها تُثقل كاهل أسر كثيرة في ظل التضخم.
وعلى صعيد التعليم الجامعي الأهلي، أعلنت جامعة القاهرة الأهلية زيادة مصروفاتها بنسبة 10% للطلاب الجدد في العام الدراسي 2026/2027، في حين وصلت مصروفات كليات الطب البشري في الجامعات الأهلية إلى ما بين 150 و165 ألف جنيه سنويًا، وجامعات بريطانية الشراكة إلى 330 ألف جنيه للهندسة. ويعني هذا أن الطالب في كلية الطب الأهلية يحتاج ما يعادل 22 ضعفًا من الحد الأدنى للأجور الشهري ليدفع رسوم سنة دراسية واحدة. ولا تتدخل وزارة التعليم العالي في تحديد هذه الرسوم، تاركةً الأمر لآليات السوق في وقت يتراجع فيه التعليم الجامعي الحكومي تحت وطأة عجز المعلمين وتردي البنية التحتية، فيما يُحاصَر الطالب المتوسط بين جامعة حكومية متدهورة وجامعة أهلية بعيدة عن متناول يده.
عجز 400 ألف مُعلم في مصر.. عامًا دراسيًا جديدًا بأزمة لم تحل
الحماية الاجتماعية
نشرت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية تحليلها لموازنة العام المالي 2026-2027، وخلصت إلى أن حصيلة الضرائب لم تعد تغطّي نصف النفقات العامة، وأن نحو ثمانية وأربعين في المئة من موارد الدولة باتت قروضًا، بعد عقدٍ من برامج صندوق النقد الدولي. ورصد التحليل تراجع مخصصات الدعم والتعليم والأجور والصحة لصالح خدمة الديون وفوائدها، بما يعني أن أعباء الإنفاق العام تتركّز في سداد الالتزامات المالية على حساب البنود الاجتماعية المباشرة التي تمسّ حياة المواطنين اليومية.
وتلتقي هذه القراءة مع رصدٍ سابق لزاوية ثالثة لمسار الدين الخارجي المصري، الذي تتبّع ارتفاعه من نحو 48 مليار دولار في يونيو 2015 إلى مستوياتٍ تجاوزت 161 مليار دولار بنهاية العام المالي 2024-2025 وفق أرقامٍ نقلتها المنصة عن خبراء اقتصاديين، مع استحقاقات سدادٍ مرتفعة خلال 2026 تجاوزت ملياري وحدة من حقوق السحب الخاصة بما يعادل نحو 2.6 مليار دولار. ونثبت هذا الرقم بوصفه سياقًا تحليليًا اعتمدت عليه قراءة الموازنة لا حدثًا منفصلًا من أحداث يونيو. ويتقاطع هذا الملف مع ما أوردته المنظمات الموقّعة على بيان معهد القاهرة من أن استمرار القمع يجري وسط ضغوطٍ اقتصادية شديدة تزيد من هشاشة المجتمعات المهمّشة، بما يربط بين تدهور الحقوق الاقتصادية والاجتماعية وانكماش المجال العام.
ويحمل ما رصدته المبادرة في تحليلها دلالةً تتجاوز الأرقام المجرّدة إلى أثرها المباشر على المعيشة. فحين تتحول نصف موارد الموازنة إلى قروضٍ وتتركّز النفقات في خدمة الديون وفوائدها، تتقلّص المساحة المتاحة للدعم والأجور والمعاشات والحماية الاجتماعية، وهي البنود التي تشكّل خط الدفاع الأول للأسر الأقل دخلًا في مواجهة التضخم وارتفاع كلفة السلع والخدمات الأساسية. ويعني تراجع نصيب الأجور والدعم من الإنفاق العام أن القدرة الشرائية لمحدودي الدخل تتآكل في الوقت الذي ترتفع فيه أسعار الطاقة والغذاء، بما يجعل قراءة الموازنة وثيقةً حقوقية بقدر ما هي وثيقة مالية، إذ تكشف ترتيب أولويات الدولة بين الالتزامات المالية الخارجية والحقوق الاجتماعية لمواطنيها. وتلتقي هذه القراءة مع موجة الاحتجاجات العمّالية التي رصدناها في محور العمال، إذ تحوّل مطلب تطبيق الحد الأدنى للأجور إلى مطلبٍ مشترك بين قطاعاتٍ واسعة تواجه الفجوة المتسعة بين الأجور والأسعار.
توسع الجيش في أراضي الدولة
في الرابع من يونيو، نشرت الجريدة الرسمية قرار مجلس الوزراء باعتبار مشروع إقامة مارينا اليخوت بمنطقة الكيلو 92 بالساحل الشمالي الغربي، المسند تنفيذه إلى الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، من “المشروعات القومية” وفق قانون البناء رقم 119 لسنة 2008، وبدأ العمل به في اليوم ذاته. ويمنح هذا التصنيف المشروعَ تسهيلات استثنائية تعفيه من اشتراطات الترخيص الاعتيادية ومتطلبات المناقصة العامة. وكانت الجريدة الرسمية قد نشرت أصل القرار في 23 مايو 2026.
والمشروع الذي تنفذه الهيئة الهندسية عبر شركة العلمين لإدارة الموانئ واليخوت التي تعدّ الهيئة إحدى ملاكها، يثير انتقادات بيئية حادة؛ إذ أجرت شركات أجنبية دراسات أكدت أن الآثار السلبية للمرسى على شواطئ الساحل “يصعب علاجها”، في استذكار لما خلّفه مشروع مارينا مراسي المجاور على بُعد 33 كيلومترًا من تجريف للشواطئ، وإن أصرّت الهيئة الهندسية على المضي في التنفيذ.
سياق لا يختزله شهر
لا يمكن قراءة ما جرى في يونيو كحدث منفصل. فمنذ 2013، أصدر الرئيس السيسي قرارات متتالية بتخصيص أراضٍ مملوكة للدولة لصالح أجهزة القوات المسلحة المختلفة، من جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، إلى جهاز مشروعات الخدمة الوطنية، إلى الهيئة الهندسية ذاتها. ووثّق تقرير لمركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان في مجلة رواق عربي نشر عام 2025 أن توسع الاقتصاد العسكري في مصر منذ 2014 يتضمن الحصول على الأراضي بدعم تشريعي ورقابي، مما أثّر سلبًا على ديناميكيات الاستثمار وحقوق المستثمرين. وكشف الباحث يزيد صايغ من مركز كارنيجي في دراسته “المؤسسة العسكرية المصرية كرأس حربة لرأسمالية الدولة” أن توسع اقتصاد الجيش شمل التطوير العقاري وإنشاء مجمعات الصناعة والنقل واستخراج الموارد الطبيعية، بصورة تُزاحم القطاع الخاص دون شروط متكافئة.
عسكرة الجهاز الإداري: الأكاديمية العسكرية بوابة إجبارية للوظائف المدنية في مصر
والمفارقة الأكثر دلالة أن صندوق النقد الدولي انتقد صراحةً في بيان مراجعته الرابعة الصادر في يوليو 2025 “عدم الحد من دور الشركات المملوكة للدولة والجيش التي تتمتع بمعاملة تفضيلية في شكل إعفاءات ضريبية والحصول على الأراضي المهمة والعمالة الرخيصة”، في حين لم تُنفّذ الحكومة المصرية ما أعلنته من صفقات لطرح شركات تابعة للجيش كـ”صافي” و”وطنية” و”سايلو فودز” منذ منتصف 2022. وقد تناولت زاوية ثالثة هذا الملف من زاوية “الثكنات التجارية”، موثّقةً الامتيازات الاستثنائية وعمالة المجندين وانعكاس ذلك على انهيار القطاع الخاص، وهو ملف يُجسّد ما تصفه دراسات العلاقات المدنية-العسكرية بـ”عسكرة الدولة”: تحوّل المؤسسة العسكرية من فاعل مهني خاضع للسلطة المدنية إلى فاعل اقتصادي مهيمن يصوغ أولويات الدولة من خارج آليات المساءلة.
حق السكن والعمران: قوانين معلّقة وأسرة في مواجهة القضاء
قانون الإيجار القديم: 1700 طعن وأسرة تنتظر
يُمثّل قانون الإيجار القديم رقم 164 لسنة 2025 الملفَّ الأكثر إلحاحًا في حياة الملايين من المصريين الذين يقطنون وحدات مستأجرة منذ عقود. وفي يونيو 2026 بالذات، بلغ الصراع القانوني حوله ذروته. ففي الرابع عشر من الشهر، نظرت هيئة المفوضين بالمحكمة الدستورية العليا عددًا من الدعاوى الدستورية تشمل دعوى تطالب بالحكم بعدم دستورية القانون في مجمله مع التركيز على طعن المادة السابعة، فضلًا عن تسع منازعات تطالب بوقف تنفيذه. وقرّرت الهيئة حجز دعوى لإعداد تقرير المفوضين، وتأجيل أخرى.
وعلى صعيد موازٍ، كان المحامي عن المستأجرين قد أقام 1700 طعن أمام محكمة القضاء الإداري، نجح بعضها في الحصول على أحكام وقف تعليقي من مجلس الدولة للقرارات الخاصة بتقدير القيمة الإيجارية التي وصلت مضاعفاتها إلى عشرين مثلًا. وأكدت هذه الطعون أن القانون يمس مراكز قانونية مستقرة وحقوقًا دستورية أصيلة، في مقدمتها الحق في السكن ومبدأ المساواة وعدم المساس بالحقوق المكتسبة دون مبرر دستوري.
وكشف النائب عاطف مغاوري في الثاني والعشرين من يونيو عن جمعه التوقيعات اللازمة من نواب البرلمان لتقديم تعديل تشريعي يحمي الاستقرار الاجتماعي للمستأجرين، مشيرًا إلى أن القانون الحالي يحتوي على شبهات عدم دستورية لأنه يمنح المؤجر حق اللجوء لقاضي الأمور المستعجلة لإخلاء العين بقرار وقتي نافذ لا يوقفه طعن المستأجر، وهو ما يُهدر درجات التقاضي الموضوعية.
ويبقى القانون ساريًا في الوقت ذاته إذ لا تملك المحكمة الدستورية صلاحية وقف التشريعات تعليقيًا. وبموجبه: تنتهي عقود الإيجار السكنية بعد 7 سنوات من تاريخ العمل به، و5 سنوات للوحدات غير السكنية، مع زيادات فورية في القيمة الإيجارية وفق تصنيف المناطق بحدود دنيا تبدأ من 250 جنيهًا في المناطق الاقتصادية وحتى 1000 جنيه في المناطق المتميزة. وتفتح وزارة الإسكان باب التقديم للحصول على وحدات بديلة لمستأجري الإيجار القديم حتى الثاني عشر من يوليو 2026.
2.9 مليون مخالفة بناء: التصالح أو العتامة
في مطلع يونيو، كانت مهلة التصالح في مخالفات البناء المحدّدة لستة أشهر إضافية تبدأ من الخامس من مايو 2026 قد دخلت شهرها الثاني. ويتعلق الأمر بنحو 2.9 مليون مخالفة بناء موثّقة تمس عقارات يقطنها ملايين المواطنين في مختلف أرجاء البلاد. وحددت أسعار التصالح بين 50 و2500 جنيه للمتر المربع وفق طبيعة المنطقة، مع إمكانية التقسيط حتى خمس سنوات وخصم 25% عند السداد الفوري.
وفي السابع والعشرين من يونيو، كشف تقرير أن الحكومة تدرس تيسيرات جديدة تشمل التوسع في تحويل العدادات الكودية إلى عدادات كهرباء عادية لمن أنهوا إجراءات التصالح، وهي مسألة تمسّ حياة ملايين الأسر التي تدفع حاليًا للكيلووات الواحد 2.74 جنيه بسعر موحد بدلًا من نظام الشرائح المتدرج، بزيادة فعلية تصل إلى 28% على ما كانوا يدفعونه. وتُبيّن هذه المعادلة ما باتت تعنيه مخالفة البناء بالنسبة للمواطن: ليست فقط خطر الهدم أو الغرامة، بل قطع الكهرباء والمياه والغاز وحرمانه من شبكات الدعم الحكومية.
وتضمنت تعديلات قانون التصالح التي صدرت مطلع عام 2026 تسهيلات لافتة: السماح بتغيير استخدام البدرومات من جراج إلى سكني في الحالات المكتملة المأهولة، وتيسيرات في إجراءات التعلية والتعديل. غير أن الصورة الكاملة تكشف عن تناقض بنيوي: ملايين المصريين شيّدوا منازلهم على مدى عقود في ظل غياب التخطيط العمراني وانهيار الإسكان الاجتماعي، ثم جاءت قوانين التصالح لتُلزمهم بدفع ثمن تقنين ما بنوه بعيدًا عن الدولة التي لم توفر لهم البديل.
عدادات الكهرباء: فاتورة السكن ترتفع
يواجه أصحاب العدادات الكودية منذ أبريل 2026 سعرًا موحدًا يبلغ 2.74 جنيه للكيلووات ساعة بعد إلغاء نظام الشرائح عنهم، في حين يستفيد أصحاب العدادات القانونية من الشرائح المتدرجة التي تبدأ بسعر أقل بكثير. وتحوّل التصالح في مخالفات البناء بذلك إلى ورقة ضغط اقتصادية مضافة: المواطن الذي لا يستطيع تحمّل رسوم التصالح يظل محاصرًا بعداد يُكلّفه أكثر. والملاحظة الجوهرية هنا أن هذه الحلقة المتشابكة: مخالفة بناء + عداد كودي + رسوم تصالح + ارتفاع الفاتورة، تصف حياة نسبة كبيرة من سكان مصر الذين يقطنون في أحياء غير رسمية توسّعت لتضم اليوم قرابة ثلاثة أرباع سكان القاهرة الكبرى وفق تقديرات أكاديمية.
نزع الملكية وتخصيص الأراضي
في السابع من يونيو أصدرت منظماتٌ حقوقية بيانًا طالبت فيه بوقف إزالة وتفكيك ترام الإسكندرية التاريخي ووقف كل الإجراءات التنفيذية المرتبطة به، وضمان عملية تطويرٍ تحفظ حقوق المدينة وسكانها. واعتبرت المنظمات الموقّعة أن تغييب الترام التاريخي عن المدينة يمسّ حقّ سكانها في وسيلة نقلٍ عامة منخفضة الكلفة، ويهدد نسيجها العمراني والتاريخي، ووصفت ما يجري بأنه إضرارٌ بحقوق المدينة وسكانها يستوجب المراجعة. ويضع هذا البيان مشروع الإزالة في إطار النزاع المتكرر بين مشروعات إعادة التخطيط العمراني من جهةٍ وحقوق السكان في المدينة والحفاظ على المرافق العامة منخفضة الكلفة من جهةٍ أخرى.
ويتصل بهذا الملف، من زاوية تخصيص الأراضي، ما تابعته زاوية ثالثة بشأن تخصيص نحو 69.55 فدانًا من أراضي مركز البحوث الزراعية في الجيزة لصالح جهازٍ حكومي، وما أثاره ذلك من استغاثة آلاف الباحثين والإداريين تحذيرًا من تفكيك مؤسسةٍ علمية يتجاوز عمرها قرنًا ومن أثرٍ مباشر على الأمن الغذائي. ونعيد طرح هذا الملف في محور الفلاحين والأراضي الزراعية من زاويته الزراعية والغذائية.
ثلاثة مقترحات للإصلاح
في الثاني والعشرين من يونيو، أصدر مرصد العمران ورقة سياسات بعنوان “ثلاثة مقترحات لإصلاح قانون نزع الملكية للمنفعة العامة”، تحلل القانون رقم 10 لسنة 1990 الذي يمنح الحكومة سلطة الاستيلاء على الممتلكات الخاصة لأغراض المنفعة العامة مقابل تعويض، في سياق التوسع الكبير في مشروعات البنية التحتية التي شهدتها مصر خلال السنوات الأخيرة وما أفضت إليه من نزع ملكية قسري لآلاف المساكن سنويًا.
وتحدد الورقة جملةً من الإشكاليات: أن التعويضات المقررة تُحسب وفق أسعار مخفضة لا تعكس القيمة السوقية الحقيقية، وأن إجراءات الطعن القضائي تستغرق سنوات طويلة، وأن مفهوم “المنفعة العامة” تفسّره الجهات الحكومية تفسيرًا فضفاضًا. وتقترح الورقة ثلاثة محاور إصلاحية: تعريف أدق وأضيق للمنفعة العامة يحول دون التوسع التعسفي في تطبيق القانون؛ وآلية محايدة لتقدير التعويض تستند إلى السوق لا إلى السلطة التقديرية للجهة الحكومية؛ وضمانات إجرائية فعلية تُمكّن المتضررين من الطعن بسرعة وفاعلية. وتنطلق الورقة من مبدأ “الوظيفة الاجتماعية للملكية الخاصة” الذي أرساه السنهوري في القانون المدني، والذي يُجيز تقديم المصلحة العامة على حق المالك شريطة التعويض العادل.
30 ألف باحث يستغيثون: تخصيص أراضي مركز البحوث الزراعية لـ”مستقبل مصر” يهدد الأمن الغذائي
الصحة العامة: أدوية مغشوشة وغذاء فاسد وأسواق بلا رقابة كافية
خمسة تحذيرات من هيئة الدواء: أدوية مقلّدة في أسواق مصر
أصدرت هيئة الدواء المصرية خمسة تحذيرات رسمية بشأن مستحضرات دوائية مغشوشة ومجهولة المصدر تداولها في الأسواق المحلية. وكشفت التحذيرات عن نمط واحد متكرر: شركات تكتشف أن عبوات تحمل أسماءها وأرقام تشغيلتها لم تُنتَج بمعرفتها قط، أي أن المغشوشين استنسخوا حتى الأرقام الداخلية للتشغيل. من بين الأدوية المستهدفة: قطرة عين تُستخدم في علاج المياه الزرقاء وخفض الضغط داخل العين (Alphanova)، وكبسولات تُصرف لمرضى البروستاتا (Flopadex)، وأقراص لعلاج القولون العصبي (Coloverin-D). وفي حالة Flopadex تحديدًا، وفّر المقلّدون خطأً إملائيًا صريحًا يكشف التزوير: طُبع على العبوة كلمة “madical” بدلًا من “medical”، وغاب عنها اسم المادة الفعالة. وأكدت الهيئة أن التحذيرات تقتصر على تشغيلات محددة لا على إيقاف تداول هذه الأدوية كليًا.
وتأتي هذه التحذيرات في سياق توثّق فيه هيئة الدواء إصدار 41 منشورًا رسميًا لسحب مستحضرات في عام 2026 حتى قبيل نهاية يونيو، تنوعت بين غش تجاري وتشغيلات غير مطابقة لمعايير الجودة. وهو رقم يكشف حجم مشكلة بنيوية في السوق الدوائية المصرية لا يمكن حلها بالتحذيرات الفردية وحدها، في غياب منظومة رقابة ميدانية قادرة على التتبع قبل وصول هذه المنتجات إلى المريض.
29 طنًا من الأغذية الفاسدة في الإسكندرية وحدها
في السابع والعشرين من يونيو، كشفت حملات رقابية مكثفة في الإسكندرية عن ضبط ما يزيد على 29 طنًا من الأغذية غير الصالحة للاستهلاك الآدمي، شملت: 937 كجم لحوم مجهولة المصدر، و633 كجم أجزاء دواجن مجهولة المصدر، و87 كجم لحوم فاسدة، و175 كجم أجزاء دواجن مجهولة المصدر وعليها علامات فساد، و120 كجم أرز غير صالح، و20 لترًا من زيت طعام منتهي الصلاحية، ضبطت بعضها في مطابخ تتبع سلاسل مطاعم معروفة. وفي القاهرة، ضبطت مديرية الطب البيطري 12 طن لحوم فاسدة قبيل طرحها في الأسواق. وفي أسوان، ضُبط نصف طن لحوم ودواجن غير صالحة. وفي القليوبية، ضُبط ربع طن. أما في أسيوط، فضُبط 425 كيلوجرامًا من الأسماك الفاسدة قبيل طرحها للبيع. وتكشف هذه الأرقام الموزّعة على محافظات متباعدة في يونيو وحده أن ظاهرة الغذاء الفاسد والمجهول المصدر لا تستثني منطقة بعينها، وأن وصولها إلى مطابخ سلاسل مطاعم تجارية يُشير إلى عمق المشكلة في سلاسل الإمداد.
وفي الخامس عشر من يونيو، شنّت الهيئة القومية لسلامة الغذاء حملات رقابية على المطاعم والمراكب العائمة بالجيزة، وضبطت أغذية منتهية الصلاحية ومنتجات مجهولة المصدر.
مراكز التغذية غير المرخصة: وهم بثمن صحي
في الحادي عشر من يونيو، رصدت تقارير تحرّكًا حكوميًا لمواجهة انتشار مراكز التغذية العلاجية غير المرخصة التي باتت تعمل بصورة شبه علنية، مستغلّةً هوس قطاعات واسعة من المصريين بالتخسيس السريع وتحسين القوام في ظل الضغوط الاقتصادية والاجتماعية المتزايدة. وتتراوح مخاطر هذه المراكز بين الوصف العشوائي لحميات قد تؤدي إلى سوء التغذية، وحقن حارقة للدهون غير مُعتمدة، وتوصيف مكملات غذائية بجرعات مبالغ فيها. وتُغذّي هذه الظاهرة “أطباء التيك توك” الذين يروّجون لحلول خرافية عبر المنصات الرقمية بإعلانات تصل إلى ملايين المشاهدين دون أي رقابة، في وقت تعترف الحملات الحكومية ذاتها بقصورها في ملاحقة المحتوى الرقمي المضلّل.
الصحة العقلية: الأعباء الصامتة
يواصل ملف الصحة النفسية غيابه عن الاهتمام السياسي والإعلامي، رغم وجود مؤشرات قلق تراكمية. فبينما يواجه المصريون ضغوطًا اقتصادية متراكمة من تضخم وغلاء وضياع الدعم وهشاشة التوظيف، يشير خبراء ومتخصصون إلى أن أعداد المراجعين على عيادات الصحة النفسية ارتفعت بصورة ملحوظة خلال السنوات الأخيرة، بينما ظل الإنفاق على الرعاية الصحية النفسية ضمن إنفاق صحي عام لم يتجاوز 1.1% من الناتج المحلي الإجمالي في 2025/2026. ولا يزال وصم المرض النفسي حاجزًا اجتماعيًا يحول دون طلب الرعاية في وقت مبكر، في ظل غياب منظومة دعم نفسي مجتمعي تحاكي حجم الأعباء التي يعيشها المواطن المصري.
أمنية سويدان
يتقاطع ملف الصحة في يونيو مع ملف حرية التعبير عند قضية الطبيبة أمنية سويدان، التي احتُجزت في السابع عشر من الشهر إثر نشرها شهادةً عن ممارساتٍ عنيفة تتعرّض لها النساء داخل أقسام الولادة بمستشفى الشاطبي. وتطرح القضية سؤالًا مزدوجًا حول حق المريضات في رعايةٍ آمنة من جهة، وحق العاملين في القطاع الصحي في الإبلاغ عن الانتهاكات داخل المنشآت العلاجية من جهةٍ أخرى، إذ تحوّل التبليغ عن الواقعة إلى سبب الاحتجاز، بما يفتح بابًا أوسع حول قدرة الأطباء والممرضين على كشف ما يجري داخل المستشفيات الحكومية دون أن يعرّضهم ذلك للملاحقة.
العنف التوليدي في مصر: شهادات تكسر الصمت واحتجاز يُعيد السؤال عن حماية من يتكلمن
الحبس الاحتياطي والمحاكمات السياسية
افتتح الشهر بحكمٍ قضائي لافت. ففي الثالث من يونيو حكمت محكمة جنح القاهرة الجديدة على الكاتب والشاعر أحمد دومة بالحبس سنةً مع الشغل والنفاذ في القضية المقيدة برقم 4894 لسنة 2026 جنح التجمع الخامس، بعد إدانته بتهمة “نشر وإذاعة أخبار كاذبة في الداخل والخارج من شأنها تكدير الأمن العام وإلقاء الرعب بين الناس”. وبحسب ما أوردته المبادرة المصرية للحقوق الشخصية في بيانها الصادر يوم النطق بالحكم، فإن أصل القضية يعود إلى دفاع دومة العلني عن حقوق المحتجزين وحديثه عن استخدام الإضاءة الدائمة وسيلةً لتعذيب نزلاء مجمع سجون بدر، وهو ما لخّصته المبادرة بوصف القضية بأن “التهمة إذاعة الضوء الساطع”. وكانت المبادرة قد نبّهت في الثاني من يونيو إلى موعد النطق بالحكم، مذكّرةً بأن دومة طلب خلال جلسات محاكمته فتح تحقيقٍ في ما رواه عن تعذيب المحتجزين. ولم نرصد خلال الشهر فتح أي تحقيقٍ رسمي في الواقعة التي رواها.
ويكتسب الحكم على دومة دلالةً مضاعفة حين يُقرأ في سياقٍ أوسع رصدته المنظمات الحقوقية خلال الشهر نفسه. ففي بيان معهد القاهرة لدراسات حقوق الإنسان وأربع عشرة منظمة أخرى موقّعة معه، الصادر في الثامن من يونيو قبيل انعقاد مجلس الشراكة المصري الأوروبي، ورد اسم دومة ضمن أمثلةٍ على سياسةٍ متّبعة تقوم على إعادة اعتقال من جرى الإفراج عنهم أو ملاحقتهم في قضايا جديدة، إلى جانب الباحث والصحفي إسماعيل الإسكندراني والمعتقل سيد مشاغب. وأوردت المنظمات أن نحو ستة آلاف شخصٍ أُحيلوا إلى المحاكمة أمام دوائر الإرهاب خلال فترة ثمانية أشهر امتدت بين أواخر 2024 ومايو 2025، كثيرٌ منهم بعد فتراتٍ مطوّلة من الحبس الاحتياطي، وهو ما يضع حكم دومة في إطار نمطٍ من توظيف القضاء أداةً في مواجهة التعبير والرأي.
وفي السابع من يونيو جدّدت نيابة أمن الدولة العليا حبس المحامي محمد أبو الديار لمدة خمسة عشر يومًا إضافية على ذمة القضية رقم 4502 لسنة 2026 حصر أمن دولة عليا، على خلفية اتهامه بالانضمام إلى جماعةٍ أُسست على خلاف القانون و”نشر أخبار كاذبة” واستخدام حسابٍ على مواقع التواصل في ترويجها. وأوضحت المبادرة المصرية في بيانها الصادر في الثامن من يونيو أن الملاحقة جاءت على خلفية التحاق أبو الديار بلجنة الدفاع عن سجناء الرأي، ضمن هجمةٍ أمنية طالت عددًا من أعضاء اللجنة. وكان أبو الديار قد حضر سابقًا بصفته القانونية ممثلًا عن متهمين من أعضاء حملةٍ سياسية، قبل أن يُدرَج هو نفسه على ذمة القضية، وهو ما وثّقته زاوية ثالثة في تغطيتها لإدراج السياسي أحمد طنطاوي وعددٍ من أعضاء حملته على قوائم الاتهام، في قضيةٍ تتقاطع مع أحكام قانون مباشرة الحقوق السياسية التي تمنع المحكوم عليهم بعقوباتٍ سالبة للحرية من الترشح مستقبلًا.
وفي الثامن من يونيو طالبت المبادرة المصرية المستشار وجدي عبد المنعم، رئيس الدائرة الثانية جنايات بدر، بإخلاء سبيل الشاب محمد وليد عبد المنعم البالغ من العمر إحدى وعشرين سنة، الذي نظرت الدائرة أولى جلسات محاكمته في التاسع من يونيو على ذمة القضية 2806 لسنة 2024 حصر أمن الدولة. وبحسب المبادرة، تضم القضية تسعة متهمين، اثنان منهم في العمر نفسه تقريبًا متهمان بتأسيس وقيادة “جماعة إرهابية”، وسبعة آخرون متهمون بالانضمام إليها، بينهم ثلاثة أطفال في المرحلة الإعدادية وأربعة شبابٍ أكبرهم يبلغ الحادية والعشرين. وأوضحت المبادرة أن محمد وليد، وهو من ذوي الإعاقة الشديدة، قضى عامين في مقر احتجازٍ غير مجهّز لاستقباله، في مخالفةٍ لنص المادة 38 من القانون رقم 10 لسنة 2018 بشأن حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، التي تُلزم السلطات بتوفير كود الإتاحة والتيسيرات المعقولة في أماكن الاحتجاز، وفي تجاهلٍ لنص المادة 387 من تعليمات النيابة العامة التي تُلزم أعضاء النيابة بمراعاة ظروف المتهمين. وأضافت أن دفاع الشاب لم يتمكّن حتى موعد الجلسة من الاطلاع على أوراق القضية والأدلة المنسوبة إليه، وأن موكّلها أوضح للنيابة عدم وجود سابق معرفةٍ بينه وبين أيٍّ من المتهمين الآخرين، وربطت بين احتجازه وبين تضامنه مع فلسطين بوصفه أصل الواقعة، مطالبةً باستمرار محاكمته وهو مخلى سبيله حفاظًا على حياته بموجب المادة 46 من قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة.
وفي الحادي عشر من يونيو أصدرت منظماتٌ حقوقية موقّعة بيانًا طالبت فيه بقبول طعن المحامي الحقوقي محمد الباقر ورفع اسمه من قوائم “الإرهابيين”، مستنكرةً استمرار إدراجه على هذه القوائم. والباقر أحد أبرز المحامين المدافعين عن حرية التعبير في مصر، ويأتي البيان امتدادًا لمسارٍ قضائي طويل ظل خلاله اسمه مدرجًا على القوائم رغم انقضاء العقوبة الصادرة بحقه، بما يترتب عليه من قيودٍ على الحقوق المدنية والسياسية والمالية.
“الاحتجاز التعسفي يتفشى، مصر ترد بمزيد من الاعتقالات”
نشرت هيومن رايتس ووتش تعليقًا استهلّته بمشهد من معرض الصور الذي نظّمته لجنة الدفاع عن سجناء الرأي في مقر حزب سياسي بالقاهرة في الثاني عشر من مايو، حين اجتمع ذوو معتقلين لتبادل المظالم والمطالبة بالإفراج عن أبنائهم، فإذا بالأمن يشنّ في الليلة ذاتها حملة اعتقالات طالت محمد أبو الديار ووفاء المصري وحنان الطنطاوي من هيئة الدفاع.
وخلصت المنظمة إلى أن ردّ السلطات المصرية على الاحتجاز التعسفي هو مزيد من الاعتقالات، مؤكدةً أن هذا النمط يكشف مقاربة منهجية تعتمد القمع استجابةً لأي مطالبة بالعدالة، لا استثناءً منفردًا. وأشارت إلى أن اعتقال المدافعين عن سجناء الرأي يُجسّد ما وصفته بـ”نفاق صارخ”، في وقت تدّعي فيه الحكومة إحراز تقدم حقوقي أمام شركائها الدوليين.
حرية التعبير
تصدّر ملف حرية التعبير مشهد الشهر، إذ التقت عنده ثلاث وقائع رصدناها في محور الحبس الاحتياطي من زاويةٍ مختلفة. فالحكم على أحمد دومة في الثالث من يونيو وقع على كاتبٍ وشاعرٍ بسبب كلامه، واحتجاز الطبيبة أمنية سويدان في السابع عشر جاء عقابًا على نشر شهادةٍ مهنية، وملف المحامي محمد الباقر يخص أحد أبرز المدافعين عن حرية التعبير في البلاد. وتجمع هذه الوقائع الثلاث بين العمل القانوني والكتابة والشهادة المهنية بوصفها جميعًا أشكالًا للتعبير لاحقتها السلطة.
ووفق بيان معهد القاهرة والمنظمات الموقّعة في الثامن من يونيو، نقلًا عن لجنة حماية الصحفيين، ظلت مصر تحتجز ثمانية عشر صحفيًا خلف القضبان خلال عام 2025، محافظةً على موقعها بين أسوأ دول العالم احتجازًا للصحفيين، مع استمرار الاعتقالات الانتقامية للصحفيين وأفراد أسرهم. وأورد البيان ضمن أمثلة إعادة الاعتقال اسم الباحث والصحفي إسماعيل الإسكندراني، الذي أعيد توقيفه على خلفية منشوراتٍ على مواقع التواصل، وهو ثاني صحفيٍّ مصري يخضع لمسارٍ من الملاحقة المتصلة بعمله الصحفي والبحثي. ونثبت هذه الأرقام والأمثلة بوصفها سياقًا ورد في بيانٍ صدر خلال يونيو.
وأصدرت مؤسسة حرية الفكر والتعبير ورقة بحثية بعنوان “جيل زد والقيود على حرية التعبير في الجامعات المصرية”، رصدت تحولات المشاركة الطلابية في ظل القيود المتصاعدة على الجامعات المصرية منذ 2013.
اعتمدت الورقة على استبيان إلكتروني شمل 49 مشاركًا من طلاب وخريجي جامعات حكومية وخاصة من بينها القاهرة والإسكندرية وعين شمس والجامعة الأمريكية، إلى جانب تسع مقابلات مع طلاب شاركوا في الحراك الداعم لفلسطين. وأظهرت النتائج قدرًا لافتًا من التقارب في التقييمات السلبية بصرف النظر عن الجامعة، إذ غلبت الآراء السلبية حول البيئة الجامعية ومساحات التعبير والاتحادات الطلابية.
وتكشف الورقة أن جيل زد يرى الجامعة المصرية مؤسسةً بعيدة عن التوقعات، فيما يلجأ إلى مسارات بديلة للتعبير والمشاركة في مقدمتها وسائل التواصل الاجتماعي، في ظل فراغ الفضاء الجامعي من أي حراك منظم. وتُدرج الورقة هذا التحول في سياق انكماش المجال العام الذي طال الجامعات بعد 2013، حين جرى تفريغ الاتحادات الطلابية من دورها وتحويل الحرم الجامعي إلى فضاء خاضع للضبط الأمني.
حين يحذرك من اشتراه: الاتصالات تنبه من برمجيات إسرائيلية دفعت مصر ملايين الدولارات لاستخدامها
الحقوق الرقمية والرقابة على الإنترنت
رصدنا في الحادي عشر من يونيو واقعةً رقمية مباشرة، إذ أعلنت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية عودة موقعها إلى العمل بكامل كفاءته بعد تعرّضه لهجمةٍ إلكترونية استهدفت حجبه وتعطيل الوصول إليه، استمرت يومًا ونصف اليوم. ويأتي هذا الهجوم على موقع إحدى أبرز المنظمات الحقوقية في توقيتٍ تتكرّر فيه عمليات حجب المواقع المستقلة، ومنها موقع زاوية ثالثة الذي سبق حجبه أكثر من مرة، بما يجعل تعطيل الوصول إلى المحتوى الحقوقي والصحفي نمطًا متّصلًا لا حادثًا منفردًا.
وعلى مستوى الرصد والتحليل، تناولت أوراق مؤسسة حرية الفكر والتعبير آليات مراقبة وزارة الداخلية لمستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، وتدخلات لجنة الشكاوى بالمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في المحتوى الرقمي، وهي موادٌ تضيء البنية المؤسسية للرقابة على الفضاء الرقمي في مصر. ويلتقي هذا الرصد مع ما أوردته المنظمات الموقّعة على بيان معهد القاهرة في الثامن من يونيو من أن الاستهداف امتد حتى إلى القُصّر بسبب نشاطهم في الألعاب الإلكترونية على الإنترنت، بما يكشف اتساع رقعة المراقبة الرقمية لتطال فئاتٍ لا صلة لها بالعمل السياسي أو الصحفي.
وتتكامل أدوات التضييق الرقمي في هذا المشهد بين الحجب والهجوم التقني والمراقبة. فحجب المواقع المستقلة، الذي طال زاوية ثالثة للمرة الثانية خلال أقل من شهر، يقطع وصول القارئ إلى المحتوى من مصدره، بينما يستهدف الهجوم التقني تعطيل المواقع من الداخل كما جرى مع موقع المبادرة المصرية في الحادي عشر من يونيو، فيما تعمل المراقبة على تتبّع المستخدمين وما ينشرونه. وتشترك هذه الأدوات الثلاث في النتيجة نفسها، وهي تضييق المساحة المتاحة للتعبير وتداول المعلومات عبر الإنترنت، وتحويل الفضاء الرقمي من نافذةٍ بديلة عن الإعلام التقليدي إلى ساحةٍ خاضعة لأشكالٍ متعددة من الرقابة والتعطيل.
في الثامن عشر من يونيو، أصدرت مؤسسة حرية الفكر والتعبير ورقة بحثية بعنوان “مسارات جديدة لحجب الحقيقة.. قيم الأسرة المصرية كمبرر لحظر النشر”، رصدت توظيف النائب العام مفهوم “حماية القيم الأسرية” مبررًا لإصدار قرارات حظر النشر، في توسع مستحدث يتجاوز الأسباب التقليدية المرتبطة بسرية التحقيقات. وتحلل الورقة النصوص التشريعية ذات الصلة في قانوني العقوبات والإجراءات الجنائية وقانون جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، مقارنةً إياها بالممارسة الفعلية، وتخلص إلى أن هذه القرارات تنتهك حقوقًا أساسية في حرية التعبير والإعلام وحق الجمهور في المعرفة، وأن توظيف “القيم الأسرية” يُشكّل ذريعة مطاطة تفتقر إلى ضوابط قانونية واضحة.
اللاجئون في مصر

اللاجئون السودانيون: الموت في الاحتجاز وتصاعد الترحيل
نشرت وكالة رويترز تحقيقًا وثّق معاناة اللاجئين السودانيين داخل السجون المصرية وتصاعد عمليات الترحيل، مستندًا إلى روايات خمسةٍ وأربعين لاجئًا وسبعة محامين وثمانية من المدافعين عن حقوق اللاجئين. وجعل التحقيق من قصة النذير الصادق، الطالب الثانوي السوداني البالغ من العمر ثمانية عشر عامًا، مدخلًا إلى نمطٍ أوسع؛ فقد فرّ الشاب من الحرب الأهلية في السودان بحثًا عن الأمان، قبل أن يفارق الحياة متأثرًا بالتهاب رئوي بعد أكثر من ثلاثة أسابيع في سجنٍ مكتظ بالقاهرة، تعرّض خلالها للضرب والابتزاز على يد سجناء آخرين، بحسب أصدقائه وأقاربه.
ووثّقت رويترز ثلاث حالات وفاةٍ للاجئين سودانيين في السجون المكتظة هذا العام، هم النذير الصادق، وشابٌّ في الثلاثين توفي بعد اثنتين وسبعين ساعة من احتجازه، ورجلٌ مصابٌ بالسكري في السابعة والستين. وقال اثنان من المسؤولين الأمنيين إن تسعة سودانيين لقوا حتفهم أثناء الاحتجاز دون تفصيلٍ لظروف الوفاة. ونقل التحقيق عن عشرة محتجزين سابقين أن اللاجئين ينامون بالتناوب لضيق المكان، ويتعرّضون للضرب والظروف الصحية المزرية، فيما روت لاجئة إريترية تعرّضها لاعتداءٍ جنسي عنيف داخل الزنزانة، مدعومةً بسجلٍّ طبي من مستشفى في القاهرة.
وفي تفاصيل واقعة النذير، أوقفته حافلةٌ صغيرة أمام منزله بمدينة بدر في الثامن عشر من يناير مع ثلاثةٍ من أصدقائه، واقتاده رجالٌ بملابس مدنية. واحتُجز مع أكثر من مئةٍ وأربعين سجينًا في زنزانةٍ مساحتها ستةٌ وثلاثون مترًا مربعًا، يأكل خبزًا وجبنًا ويشرب من خرطومٍ في مبنى المراحيض، بعد أن سُرقت سترته فبات يرتجف في ليالي القاهرة الباردة. وحين اشتكى لوالدته من التهابٍ في صدره وطلب دواءً قيل إنه غير متوفّر في الزنزانة، اتصل ضابطٌ في اليوم التالي ليبلغ الأسرة بوفاته، وسجّل مكتب النائب العام سبب الوفاة التهابًا رئويًا. وفي اليوم نفسه رُحّل من احتُجزوا معه إلى وادي حلفا الحدودية، في رحلةٍ وصفها أحدهم بثماني عشرة ساعة مقيّدًا بالسلاسل دون طعامٍ أو ماء.
ويضع التحقيق هذه الوقائع في سياق حملةٍ تصفها منظماتٌ حقوقية بأنها الأوسع من نوعها. فقد قال ثلاثة مسؤولين أمنيين إن السلطات رحّلت أكثر من خمسة آلافٍ وخمسمئة شخص منذ نوفمبر، مقابل نحو مئة عملية ترحيلٍ رسمية سنويًا في 2023 و2024. ووصف كريم عنارة من المبادرة المصرية للحقوق الشخصية نطاق الحملة بأنه غير مسبوق ومخالفٌ لالتزامات مصر الدولية، معتبرًا أن الحماية التي صانت اللاجئين لعقودٍ قد انهارت، ومحذّرًا من أن اللائحة التنفيذية لقانون اللجوء المنشورة في الشهر نفسه لا توفّر حمايةً كافية من الإعادة القسرية، وأن أسبابها الموسّعة لرفض الطلبات تنطوي على خطر تقنين الحملة الأمنية.
وفي مقابل ذلك، نفت الهيئة العامة للاستعلامات وجود حملةٍ واسعة، مؤكّدةً أن الترحيل لا يتم إلا بإجراءاتٍ قانونية وضماناتٍ قضائية وعند مخالفة القانون أو تهديد الأمن القومي، وأن الحوادث الفردية لا تعكس سياسة الدولة في بلدٍ يضم ملايين السودانيين يدرسون ويعملون ويستفيدون من الخدمات العامة. أما المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، التي يتجاوز المسجّلون لديها في مصر مليونًا ومئة ألف معظمهم سودانيون، فأكدت أن عمليات الإعادة إلى السودان لا ينبغي أن تتم في الظروف الراهنة، نظرًا لاستمرار الصراع والوضع الإنساني اللذين لا يسمحان بعودةٍ آمنة ومستدامة.
قانون بفلسفة أمنية وترحيل قسري لا يتوقف
في أول يونيو، نشرت زاوية ثالثة تقريرًا يرصد اللائحة التنفيذية لقانون لجوء الأجانب التي صدرت في الجريدة الرسمية بعد تأخر عام كامل عن الموعد الذي حدده القانون، لتبدأ نقل إدارة ملف يطال أكثر من 1.1 مليون لاجئ وطالب لجوء مسجلين تدريجيًا من المفوضية السامية للأمم المتحدة إلى لجنة دائمة تتبع وزارة الداخلية.
وكشف التقرير أن مسودة اللائحة اكتملت في ديسمبر 2025 وعُرضت على الأجهزة المختصة في يناير 2026 بالتزامن مع تصاعد خطاب الكراهية ضد اللاجئين وتوسع الحملات الأمنية بحقهم، دون أن تُطرح للنقاش مع المختصين في وزارة الخارجية أو مع المفوضية الأممية التي اكتفت حين تواصلت معها زاوية ثالثة بالقول إنها “تُجري مراجعة للائحة” دون أي تقييم أولي. وفي تصريح حصري لزاوية ثالثة، وصف نور خليل، مدير منصة اللاجئين في مصر، القانون بأنه “معيب تشريعيًا” ومخالف للدستور والالتزامات الدولية، مؤكدًا أن اللائحة لا تستطيع إصلاح هذه العيوب لأن قوتها التشريعية أدنى من القانون الأصلي، وأن القانون واللائحة معًا انطلقا من “فلسفة أمنية” لا من إطار حمائي كما تقتضي المعايير الدولية.
وفي الخامس والعشرين من يونيو، أصدرت منصة اللاجئين في مصر ورقة سياسات بعنوان “من تقنين الغموض إلى تقويض الحماية.. كيف يعيد قرار رئيس مجلس الوزراء ولائحته التنفيذية هيكلة اللجوء في مصر أمنيًّا”، طالبت فيها بوقف دخول القانون ولائحته حيز التطبيق الفعلي. وحددت المنصة جملةً من الإشكاليات: أن اللائحة تُحيل عددًا كبيرًا من المسائل الجوهرية إلى قرارات لاحقة لا سيما ما يخص الأمانة الفنية التي ستُدير الملف فعليًا وستحتاج سنوات لبناء كوادرها وإجراءاتها؛ وأن المدد الزمنية لفحص الطلبات تبدو غير واقعية في ضوء الأعداد الهائلة؛ وأن الجهات المعنية وأصحاب المصلحة لم يطّلعوا على اللائحة إلا بعد صدورها، وأن عملية إعدادها جرت في إطار أمني مغلق.
وفي الرابع والعشرين من يونيو، أصدرت المنصة بيانًا عاجلًا بعنوان “أوقفوا سياسات الدفع للخلف والترحيل القسري للاجئين وطالبي اللجوء السودانيين”، وثّق فيه تدهورًا حادًا في أوضاع الفارين من الحرب في السودان الذين، بدلًا من تلقي الحماية، باتوا عرضةً للترحيل القسري والاحتجاز التعسفي. ووثّقت المنصة 12 حالة وفاة داخل مراكز الاحتجاز السابقة للترحيل، واستمرار ترحيل الآلاف عبر الحدود الجنوبية دون منحهم فرصة الوصول إلى مكتب المفوضية للتسجيل، وهو ما يُجردهم من الحماية القانونية ويضع حياتهم في خطر مباشر. وأكدت المنصة أن إجبار السودانيين على العودة إلى منطقة نزاع مسلح نشط يُشكّل انتهاكًا صارخًا لمبدأ “عدم الرد القسري” (Non-refoulement) الذي يحظر تمامًا رد أي شخص إلى بلد قد يتعرض فيه للتعذيب أو التهديد المباشر لحياته. وطالبت المنصة بوقف الحملات الأمنية فورًا، وفتح تحقيق مستقل في وفيات الاحتجاز، ووقف ممارسات الإكراه على “العودة الطوعية”.
وبينما يؤكد الرئيس السيسي أمام المفوض السامي للاجئين أن مصر تستضيف أكثر من 10.5 مليون وافد بينهم 1.1 مليون لاجئ مسجل داعيًا إلى مزيد من الدعم الدولي، يتقاطع هذا الخطاب مع موجة ترحيل موثّقة تطال أفرادًا يحملون وثائق حماية سارية، في مشهد يكشف الفجوة بين ما تُعلنه الدولة وما تمارسه على أرض الواقع.
العمال والنقابات والأجور
ارتبط أبرز تطورٍ عمّالي رصدناه في يونيو بالمستوى التشريعي الدولي. ففي السابع عشر من الشهر دعت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية الحكومة المصرية إلى تسريع اعتماد وتطبيق اتفاقية العمل اللائق في اقتصاد المنصات، بعد أن أقرّ مؤتمر العمل الدولي في دورته الرابعة عشرة بعد المئة، بتوافق الدول الأعضاء ومن بينها مصر، هذه الاتفاقية الخاصة بحماية العاملين عبر المنصات الرقمية حول العالم. وتكتسب الدعوة أهميتها من اتساع قطاع العمل عبر التطبيقات في مصر وهشاشة أوضاع العاملين فيه من سائقين وعمّال توصيل، وغياب إطارٍ قانوني وطني يحمي حقوقهم في التأمين والأجر العادل والحماية من الفصل.
ويأتي هذا التطور على خلفية موجة احتجاجاتٍ عمّالية تصاعدت في مصر منذ مطلع 2026، شملت قطاعات الغزل والنسيج والسيراميك والصناعات المعدنية والغذائية، وتركّزت مطالبها حول التطبيق الفعلي للحد الأدنى للأجور ووقف الاستقطاعات وصرف الرواتب المتأخرة. وكانت منظمة العمل الدولية قد أصدرت تقرير لجنة الخبراء لعام 2026 بشأن تطبيق معايير العمل الدولية في مصر، محذّرةً من تقويض الحق في التنظيم النقابي وارتفاع معدلات عمالة الأطفال واستمرار مخاوف العمل الإجباري. ويلتقي ذلك مع ما أوردته المنظمات الموقّعة على بيان معهد القاهرة في الثامن من يونيو من أن التدخلات التي تقودها الدولة في قطاعاتٍ اقتصادية رئيسية تتّسم بالغموض وتهميش السلطات المدنية وممثلي العمال، بما يقوّض الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للعاملين وأسرهم والمجتمعات المهمّشة. وفي توصيف هذه الموجة، رصدت تقارير عمّالية مستقلة خلال الأشهر الأولى من 2026 إضراباتٍ واعتصاماتٍ في مصانع الغزل والنسيج والسيراميك والسكر والصناعات المعدنية، توحّدت مطالبها حول تطبيق الحد الأدنى للأجور فعليًا ووقف الاستقطاعات وصرف الرواتب والعلاوات المتأخرة، في مواجهة تضخمٍ متسارع وتراجعٍ في القدرة الشرائية. وواجهت بعض الإدارات هذه التحركات بإجراءاتٍ تأديبية شملت الفصل التعسفي وفتح تحقيقاتٍ داخلية، ووصلت في حالاتٍ إلى استدعاءاتٍ أمنية وإلقاء القبض على عددٍ من المشاركين. ونثبت هذا التوصيف بوصفه خلفيةً للمشهد العمّالي في 2026، لا بوصفه وقائع وقعت تحديدًا خلال يونيو.
البيئة والمياه والمناخ
تركّز ملف البيئة والمياه في يونيو حول المخاوف المتصلة بموسم الأمطار الذي يبلغ ذروته في حوض النيل الأزرق بين يونيو وسبتمبر. فمع اقتراب الذروة، تصاعدت في مطلع الشهر تحذيراتٌ من سيناريو فيضانٍ محتمل في حال اجتماع ثلاثة شروط، هي امتلاء خزان سد النهضة إلى مستوًى عالٍ، وعدم تشغيل التوربينات بكامل طاقتها، وهطول أمطارٍ تفوق المعدل، بما قد يدفع إلى إطلاق كمياتٍ كبيرة من المياه في فتراتٍ قصيرة ويرفع خطر الفيضانات في السودان ثم مصر، على غرار ما جرى في الموسم السابق. وتتقاطع هذه المخاوف مع وضعٍ مائي هيكلي تأتي فيه مصر على رأس الدول الأكثر جفافًا، إذ يعتمد أكثر من 97% من مواردها المائية المتجددة على مصادر من خارج حدودها، مع عجزٍ مائي سنوي يقدَّر بنحو 21 مليار متر مكعب يُسدّ جزءٌ منه باستيراد أكثر من 60% من الاحتياجات الغذائية.
ويحمل هذا الملف بعدًا حقوقيًا مزدوجًا. فمن جهةٍ يتصل بالحق في المياه الذي تقرّ الدولة نفسها بأنه حقٌّ أساسي من حقوق الإنسان، ومن جهةٍ أخرى يتصل بما سبق أن أُثير من توقعاتٍ رسمية بزيادةٍ مرتقبة في أسعار مياه الشرب استنادًا إلى ارتفاع تكاليف الصيانة وإدارة الموارد، بما يضع كلفة الحصول على المياه الآمنة في مواجهةٍ مباشرة مع القدرة الشرائية لمحدودي الدخل. ونثبت تحذيرات الفيضان بوصفها مخاوف طُرحت داخل يونيو، فيما يبقى ملف الأسعار والوضع المائي الهيكلي سياقًا لفهم البعد الحقوقي للملف.
العلاقات المصرية الأوروبية وملف حقوق الإنسان
في الخامس عشر من يونيو انعقدت في لوكسمبورغ الدورة الحادية عشرة لمجلس الشراكة بين مصر والاتحاد الأوروبي، وترأّسها كايا كالاس، الممثلة العليا للاتحاد للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، والدكتور بدر عبد العاطي، وزير الخارجية والتعاون الدولي وشؤون المصريين بالخارج، بمشاركة المفوضة المعنية بشؤون المتوسط دوبرافكا شويكا وثمانية من وزراء خارجية الاتحاد. واستعرض المجلس، بحسب البيان المشترك الصادر عقب الاجتماع، التقدّم المحرز في إطار الشراكة الاستراتيجية الشاملة المعتمدة في مارس 2024، وبنى على القمة الأولى للقادة المنعقدة في أكتوبر 2025، وتناول ملفات الشرق الأوسط والهجرة غير النظامية ودعم استضافة اللاجئين والتعاون الإقليمي. وفي ملف فلسطين، رحّب الجانبان باعتماد قرار مجلس الأمن رقم 2803 لسنة 2025، وجدّدا التزامهما بحل الدولتين على خطوط الرابع من يونيو 1967. وفي ملف الهجرة، اتفق الجانبان على مواصلة معالجة الهجرة غير النظامية بصورةٍ منسقة ومسؤولة، ودعم الانتقال نحو نظام لجوءٍ وطني يحترم حقوق المهاجرين واللاجئين وفق المعايير الدولية، وتعزيز المسارات المنظمة والآمنة بما في ذلك تفعيل شراكة المواهب. وأقرّ الجانبان بدور المجتمع المدني والقطاع الخاص في تنفيذ الشراكة، ووردت الإشارة إلى سيادة القانون وحقوق الإنسان ضمن صياغاتٍ عامة تؤكد مواصلة الحوار والتعاون مع إيلاء اهتمامٍ خاص للأشخاص في أوضاعٍ هشة وحقوق النساء والفتيات.
وكان هذا الانعقاد قد سبقه في الثامن من يونيو بيانٌ وقّعته خمس عشرة منظمة، وحذّر البيان مؤسسات الاتحاد الأوروبي من “تبييض” سجل السلطات المصرية، ورأى أنه بعد عامين على إطلاق الشراكة الاستراتيجية والشاملة لم يتحقق تقدّمٌ ذو معنى في حقوق الإنسان أو الديمقراطية أو سيادة القانون، رغم أن التقدّم في هذه الملفات قُدّم شرطًا أساسيًا لحزمة المساعدات المالية الأوروبية البالغة خمسة مليارات يورو، التي صُرفت دفعتها الأولى البالغة مليار يورو في منتصف يناير 2026.
وأورد البيان أن قرابة ستة آلاف شخصٍ أُحيلوا إلى المحاكمة أمام دوائر الإرهاب خلال ثمانية أشهر بين أواخر 2024 ومايو 2025، كثيرٌ منهم بعد فتراتٍ مطوّلة من الحبس الاحتياطي، ووثّق حالاتٍ متزايدة من القمع العابر للحدود بحق مصريين في الخارج بما في ذلك داخل دول الاتحاد، ضمنها توظيف آليات التعاون الشرطي الدولي للضغط على معارضين خارج البلاد. وأشار البيان إلى أن الانتهاكات لم تتوقف عند المواطنين والمعارضين، بل طالت المدافعين عن حقوق الإنسان والأكاديميين والنقابات المستقلة والأقليات الدينية، مع إفلاتٍ شبه تام للأجهزة الأمنية من المساءلة. وربط البيان بين استمرار غياب الديمقراطية وبين أن المساعدة المالية الأوروبية مشروطةٌ رسميًا باتخاذ مصر خطواتٍ ملموسة وذات مصداقية نحو احترام الآليات الديمقراطية الفعّالة وسيادة القانون وضمان حقوق الإنسان، في حين جرت الانتخابات التشريعية لعام 2025 في فضاءٍ عام مغلق. وطالبت المنظمات المفوضية الأوروبية وجهاز الخدمة الخارجية بأن يعكسا هذا الوضع في أول تقريرٍ سنوي لهما عن المساعدة المالية لمصر، وبلهجةٍ أشد حسمًا من تلك التي استخدمتها المذكرة التوضيحية الموزّعة على البرلمان والمجلس الأوروبيين في يناير 2026 عند صرف الدفعة الأولى. ويكتسب هذا البيان أهميته من توقيته السابق مباشرةً لانعقاد مجلس الشراكة، ومن كونه أحد أبرز المواقف الحقوقية الجماعية المسجّلة خلال يونيو في ملف العلاقات المصرية الأوروبية.
أقليات دينية
في الثاني والعشرين من يونيو، أعلنت أسرة الصحفي حيدر قنديل، اختطافه من أمام مقر عمله في حي الدقي بالجيزة في السابعة مساءً، على يد قوة من قطاع الأمن الوطني. وفي اليوم نفسه، أشار شقيقه يوسف إلى القبض في الفجر على ستة أشخاص آخرين هم: إسلام عبد الخالق أبو المجد وعمار عبد الخالق أبو المجد وحسين عمار عبد الخالق أبو المجد وأمين أحمد وعمرو عبد الله وفتحي مختار، فيما داهمت قوة أمنية أخرى منزل مصطفى المبارك، مواطن نيوزيلندي متزوج من شقيقة زوجة قنديل، واقتادته إلى جهة مجهولة. وقالت زوجة قنديل أسماء النشار لموقع المنصة إنها ترجّح أن القبض على زوجها جاء ضمن حملة أمنية استهدفت عددًا من المواطنين الشيعة في مصر، فيما أكدت عضوة مجلس نقابة الصحفيين إيمان عوف أن مكان احتجازه لا يزال مجهولًا وأن النقيب يتواصل مع الأجهزة الأمنية.
وأشار إسحاق إبراهيم، مسؤول ملف حرية الدين والمعتقد في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، إلى أن السنوات الأخيرة شهدت تراجعًا ملحوظًا في توقيف الشيعة المصريين، مضيفًا أن قنديل نفسه أبلغه قبيل اختفائه ببدء حملة توقيفات استهدفت عددًا محدودًا من الشيعة، لكن المبادرة لم تتمكن من توثيق تلك الحالات قبل القبض عليه. وكان قنديل قد تعرض في أواخر 2020 للاحتجاز ثمانية أشهر، ثلاثة منها في اختفاء قسري، على ذمة قضية تضمنت اتهامات بـ”ازدراء الأديان” و”تكوين جماعة على خلاف القانون” بسبب انتمائه للمذهب الشيعي، قبل إخلاء سبيله بكفالة وفصله من عمله بتعليمات أمنية. وفي 2021 مُنع من السفر وصودر جواز سفره في المطار.
يُشار إلى أن حيدر قنديل هو المصور الذي أجرى تصوير حوار زاوية ثالثة الموسع مع السياسي أحمد الطنطاوي الذي نشرناه في الثالث والعشرين من يونيو. نتمنى له الحرية العاجلة.
وتُجسّد هذه القضية حالةً مزمنة من التعامل الأمني مع الشيعة المصريين بوصف الانتماء المذهبي تهمةً قائمة بذاتها، في غياب أي إطار قانوني يكفل حرية الاعتقاد الديني خارج المذاهب السنية الأربعة المعتمدة رسميًا.