أجرى الحوار: شيماء حمدي
تصوير: حيدر قنديل
في حوار مع “زاوية ثالثة”، يتناول النائب البرلماني السابق أحمد الطنطاوي مساره السياسي وتجربته داخل البرلمان وخارجه، متوقفًا عند محطات رئيسية في مسيرته، وفي مقدمتها تجربة “تحالف الأمل” وما أعقبها من تطورات سياسية وقانونية. كما يحدثنا عن كواليس اجتماعه بـ”قيادة سياسية” في الدولة لتحذيره من استمرار التحالف وعن الضربات الأمنية التي لاحقته منذ تحالف الأمل” ومن ثم ” تيار الأمل”
يطرح “الطنطاوي” في حديثه تصورًا واضحًا لطبيعة المعارضة السياسية، مؤكدًا أن جوهرها لا يتمثل في البقاء داخل المؤسسات أو الاكتفاء بالخطاب، بل في السعي إلى تقديم بديل حقيقي قادر على المنافسة وتغيير موازين القوى، لا مجرد إدارة الهوامش المتاحة.
ويتطرق في حديثه إلى طبيعة العلاقة بين السلطة والمعارضة، وحدود المجال السياسي في مصر، وما يصفه بمحاولات ضبط الحركة السياسية داخل مساحات محددة سلفًا، إضافة إلى رؤيته لآليات العمل داخل التحالفات المعارضة، وأسباب تعثر بعضها، وعلى رأسها الحركة المدنية الديمقراطية.
كذلك يقيم تجربة الحوار الوطني، ويوضح موقفه من المشاركة السياسية في ظل القيود القائمة وكواليس انسحابه من حزب الكرامة بسبب المشاركة في الحوار، ورؤيته للدستور والتعديلات الدستورية، وموقفه من ترشحه في الانتخابات الرئاسية القادمة 2030.
لنبدأ من حوار “زاوية ثالثة”، الأخير مع النائب البرلماني السابق والمحامي زياد العليمي وقد ذكر اسمك في سياق الحديث عن تحالف الأمل، هل تود التعليق على الأمر؟
أرى أن من واجبي تقديم بعض التوضيح والتصحيح. هناك ميل دائم داخل بنية السلطة في مصر إلى عدم وجود ما يُمكن وصفه بـ”الرجل الثاني”، إذ يجري الدفع نحو نموذج يقوم على مركزية القرار في شخص واحد وصوت واحد ورؤية واحدة، مع حساسية واضحة تجاه أي شخصية قد يُنظر إليها باعتبارها مركزًا بديلًا أو موازيًا.
لكنني أفضّل العودة إلى أصل الموضوع، لأن ما جرى كان جزءًا من واحدة من أربع تجارب كبرى شاركت فيها بهدف محاولة تقديم بديل سياسي حقيقي لهذه السلطة، وهو ما أعتبره جوهر مفهوم المعارضة بالنسبة لي. فلا يمكنني وصف حزب أو ائتلاف أو تحالف بأنه “معارضة” إذا لم يطرح نفسه كبديل محتمل للسلطة؛ وإلا فإنه يتحول إلى مجرد كيان ينسّق معها أو يعمل داخل هوامشها، أو إلى تيار يعمل كجزء غير معلن من بنيتها.
زياد العليمي: لا معارضة حقيقية بلا نظام حكم واضح المعالم.. ومصر لا تملك الاثنين
تحالف الأمل بدأ في سياق ما بعد إغلاق المجال السياسي تدريجيًا، فقد دفعتني قضية التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير، رغم وجود حكم قضائي، وما اعتبرته مخالفة صريحة للدستور ولمواد قانون مجلس النواب ولائحته الداخلية، إلى طرح سؤال جدي حول جدوى استمرار العمل المعارض داخل البرلمان في تلك المرحلة.
ثم جاءت التعديلات الدستورية عام 2019، لتعمّق هذا الإحساس، فوجدت نفسي أكثر اندفاعًا للقيام بواجبي السياسي داخل البرلمان وخارجه، من خلال مخاطبة الرأي العام، والتواصل مع الأحزاب والقوى السياسية، ومحاولة الدفع نحو بدائل سياسية أكثر جدية، رغم إدراكي لتعقيدات السياق وضيق المجال العام.
من هنا بدأت النقاشات داخل تكتل (25-30) الذي كان يضم عددًا من المعارضين داخل البرلمان وكنت واحدًا منهم، وأوضحت للزملاء حينها بشكل مباشر أنه لا معنى لاستمرارنا إلا إذا كنا سنسعى لتقديم بديل حقيقي للأغلبية في الانتخابات المقبلة، بمعنى أن نكون طرفًا سياسيًا يسعى لتغيير المعادلة وليس مجرد البقاء داخلها.
لكن الرأي الغالب داخل التكتل كان يميل إلى تصور مختلف، يقوم على أن الأولوية هي الحفاظ على المقاعد البرلمانية، باعتبار أن هذا هو الحد الأقصى الممكن في تلك المرحلة، وأن كل نائب مسؤول عن محاولة إعادة انتخابه، بينما تتولى الأحزاب والقوى السياسية الأخرى مهمة التغيير السياسي إن أرادت.
أختلفت مع هذا التصور بشكل واضح، وكنت أرى أن الاكتفاء بدور الحفاظ على الوجود البرلماني، دون محاولة تقديم بديل أو فتح الطريق لوجوه جديدة وشباب أكثر قدرة.
من هذا المنطلق، كنت أرى أن دورنا كأقلية سياسية داخل البرلمان يجب أن يكون واضحًا: نحن نعبّر عن الرأي الآخر، ندافع عنه بكل قوة، لكن في اللحظة الانتخابية يجب أن نسعى إلى أن نصبح أغلبية، وإذا نجحنا نحاسب أمام الناس، وإذا لم ننجح فهذه إرادة الناخبين، بشرط أن تتم العملية في إطار قانوني سليم وانتخابات حرة ونزيهة.
دار نقاش طويل حول هذا الأمر، وفي النهاية قال لي زملائي في تكتل (25-30) ” جرب”، وكان التقدير العام داخل التكتل، عند كثيرين، عدم نجاح فكرة تجميع المعارضة في إطار واحد أو أن تتحول إلى بديل سياسي قادر على المنافسة.
بدأت بعد ذلك سلسلة من النقاشات في لقاءات جمعتني بثلاثة من الأصدقاء؛ هم حسام مؤنس وتامر هنداوي ومحمود حبيب، وكانت هذه اللقاءات مطوّلة، ويمكن وصفها بأنها أقرب إلى عصف ذهني سياسي مفتوح، وقد خلصت هذه النقاشات إلى فكرة مركزية، وهي ضرورة التواصل مع “الحركة المدنية الديمقراطية” باعتبارها الإطار الذي يضم أحزاب المعارضة، ومحاولة بناء تحالف سياسي معها.
في تلك المرحلة، كان المشهد يتكوّن فعليًا من محورين رئيسيين: الأول هو تكتل (25-30)، والثاني هو أحزاب الحركة المدنية، مع وجود مساعٍ لبحث إمكانية دمج هذه المسارات في إطار سياسي أوسع وأكثر تنظيمًا. لاحقًا، توسّعت النقاشات حول الفكرة، وجرى الاتفاق على تصور أكثر تركيبًا يقوم على أربعة أضلاع لهذا التحالف.
الضلع الأول، تمثل في النواب الذين تمكنوا بالفعل من الفوز بثقة الناخبين في انتخابات صعبة، وإن لم تكن أصعب من الظروف التي تلتها. هذا الضلع كان يشمل نواب تكتل (25-30) وغيرهم من النواب الذين يتمتعون باستقلالية حقيقية في قرارهم السياسي، بحيث يكون واضحًا أنهم أصحاب قرارهم، لا يتحركون بتوجيه أو وصاية من أي جهة.
الضلع الثاني تمثل في “الحركة المدنية الديمقراطية”، إلى جانب أي حزب سياسي يطرح نفسه كبديل حقيقي للسلطة، لا تابع لها ولا شريك في إدارتها، بل طرف مستقل يسعى لتغيير المعادلة السياسية القائمة.
ثم أضفنا ضلعين آخرين في إطار توسيع الفكرة: الثالث شمل شخصيات عامة ذات حضور وتأثير، خاصة من لديهم خبرات في مواقع المسؤولية العامة والإدارة، وهم ما يُشار إليهم عادةً بـ”التكنوقراط”، إلى جانب شخصيات مستقلة غير منتمية حزبيًا ولا منضوية تحت أي تحالف سياسي قائم. أما الضلع الرابع فكان يمثل شريحة من شباب 25 يناير، الذين ظلوا متمسكين بفكرة التغيير، وأصروا على الاستمرار رغم الإحباطات، ولم يفقدوا إيمانهم أو “يتلوثوا” سياسيًا بالمعنى الذي كان يُخشى منه.
وخلال النقاشات، تطور التصور إلى فكرة أن هذا الضلع الأخير يمكن وصفه بأنه “من بقي على قيد الأمل” من هذا الجيل، وهو ما مهّد لاحقًا لتسمية التحالف نفسها.
كانت الاجتماعات التحضيرية تُعقد داخل مقار الأحزاب المشاركة في الحركة المدنية في ذلك الوقت، واستمرت لفترة أطول مما كان متوقعًا، وخلال هذه المرحلة، اقترح الزميل حسام مؤنس التوسع في دائرة اللقاءات لتشمل شخصيات أخرى، من بينهم النائب السابق زياد العليمي، إلى جانب عدد من الشخصيات التي كانت، في تقديري، تفكر في الاتجاه نفسه وتشارك الهمّ العام بشأن البلد، سواء من داخل العمل السياسي أو من ذوي الخبرات العامة.
جرت لقاءات متعددة مع مجموعات متنوعة من السياسيين والحزبيين والشباب المستقلين، إلى أن بدأت فكرة تجميع هذه الأطراف في اجتماعات تحضيرية مشتركة داخل مقار أحزاب الحركة المدنية. لكن هذه الاجتماعات امتدت أكثر مما كان ينبغي، في تقديري.
وكنت أرى ضرورة إصدار ملخص أو بيان توضيحي يُنشر للرأي العام حول ما يجري، حتى لا تظل المساحة ضبابية قابلة للتأويل أو التضليل. وكنت أضغط في هذا الاتجاه بشكل واضح، على قناعة بأن غياب المعلومة الرسمية يفتح الباب أمام روايات غير دقيقة أو خيالية عن طبيعة ما يحدث.
في المقابل، كان بعض الزملاء يرون بحسن نية ضرورة الانتظار حتى الوصول إلى توافق نهائي قبل الإعلان، بينما كنت أرى أن التأجيل الطويل يحمل مخاطرة حقيقية. في نهاية تلك المرحلة، جاء الاجتماع الأخير، وكنت قد طلبت قبل انعقاده، عبر مجموعة المراسلة المشتركة بيننا، أن يتم صياغة البيان التأسيسي مسبقًا بشكل واضح، بحيث يُعرض في الاجتماع ويُقرّ.
في الاجتماع أعلنت بالفعل موافقتي على البيان دون تعديل، لكني فوجئت بأن أحد رؤساء الأحزاب وهو من قام في الأساس بصياغة البيان وكان أحد أسباب التأجيل والتعطيل في الإعلان، بدأ في إثارة اعتراضات عليه، رغم أنه كان قد أمضى وقتًا طويلًا سابقًا في صياغته، ولم تكن هناك تعديلات جوهرية من باقي الأطراف.
ومع ذلك، وضع ملاحظات متتالية عليه، بطريقة بدت لي أنها تؤدي عمليًا إلى مزيد من التأجيل وإعادة النقاش من البداية، بما أعطاني انطباعًا واضحًا بأن هناك ميلًا لتعطيل عملية الإعلان أو إطالة أمدها دون مبرر حقيقي.
وأؤكد هنا أن كثيرًا من الحاضرين في ذلك الاجتماع كانوا من الشخصيات التي نحترم تاريخها ودورها في العمل الوطني، وبعضهم يمتد تاريخه النضالي إلى ما قبل جيلنا نفسه، وهو ما لا يمكن إنكاره أو التقليل منه بأي حال، لكن آخرون غير ذلك.
أشرت صراحة إلى محاولة تعطيل إصدار البيان، وذكرت إنني صبرت طويلًا، وإنني لا أملك علاقات شخصية أو روابط خاصة تجعلني أتحفظ على قول ما يحدث في الاجتماعات، أو على توضيح من كان سببًا في تعطيل هذا المسار.
انتهى الاجتماع الأخير بالاتفاق على تحديد موعد تقريبي لإعلان التحالف، وتكليف عدد من الحاضرين بالترتيبات اللوجستية، مثل اختيار قاعة مناسبة، على أن يكون الاسم المطروح “تحالف الأمل” اسمًا مبدئيًا قابلًا للنقاش والتعديل حتى لحظة الإعلان. تم هذا التوافق رغم وجود محاولات متكررة للتأجيل ومدّ الوقت بشكل متعمد من البعض. وأقول ذلك لا كحكم على هذه التجربة وحدها، بل استنادًا إلى أنماط تكررت لاحقًا في تجارب سياسية أخرى.
بعد ساعات من الاجتماع ومع بزوغ الفجر، بدأت تصلني أخبار القبض على عدد من الزملاء في مكتب خدمة المواطنين، وأقرب أصدقائي، شعرت أن ما يجري يتجاوز تمامًا أي توقع سابق، لأنني كنت أتصور – حتى في أسوأ السيناريوهات – أن الحساب سيكون على موقفي الشخصي أو على ما أقوله أو أفعله أنا، لا أن يمتد إلى الدائرة الأقرب من الزملاء والأصدقاء الذين شاركوني العمل اليومي.
ما لم أكن أتخيله أن هؤلاء الذين استمروا لاحقًا لفترات تتراوح بين سنتين وثلاث سنوات داخل القضية، سيجدون أنفسهم في هذا المسار دون محاكمات واضحة في حينه، ومع اتهامات ثقيلة تم تداولها في بعض وسائل الإعلام، وصلت إلى توصيفات شديدة الخطورة مثل محاولات قلب نظام الحكم أو الخيانة أو العمالة.
وهي اتهامات ظهرت في صحف رسمية، وعلى ألسنة بعض الكتّاب في الصحافة القومية، بما يعكس حجم التصعيد الإعلامي في تلك المرحلة. وهي عكس الاتهامات التي وجهت إليهم في التحقيقات. كان من بين هؤلاء زياد العليمي وحسام مؤنس، حيث وُجهت إليهم اتهامات في سياقات أخرى داخل نفس الملف أو ما ارتبط به، رغم اختلاف طبيعة الأدوار والوقائع.
قيل إن اجتماع جمع بينك وبين الرجل الثاني للتحذير من هذا التحالف، فماذا عن كواليس هذا الاجتماع؟
خلال فترة الإعداد لهذا التحالف والاجتماعات التنسيقية، تلقيت اتصالًا من رئيس مجلس النواب، الذي دعاني إلى لقاء في مكتبه، فذهبت إليه وجلست معه، وكان هذا جزءًا من قناعتي الشخصية السياسية التي تميل إلى ما يمكن وصفه بـ“منطق رجل الدولة”، أي أن الخلاف السياسي، مهما بلغ حدّته، لا ينبغي أن يتحول تلقائيًا إلى قطيعة شاملة.
ورأيت أن من واجبي، في أكثر من محطة سابقة، بما فيها ملف تيران وصنافير، أن ألتقي بمسؤوليها، وأحذر مما أراه مخاطر، وأطرح بدائل لتجنب ما أعتبره أخطاءً تاريخية قد تترتب عليها آثار طويلة المدى.
دعاني رئيس مجلس النواب حينها، وطرح عليّ سؤالًا مباشرًا: هل أنت تعمل على تأسيس تحالف للمعارضة بهدف دخول الانتخابات القادمة؟ فأجبته بنعم، وعندما سألني عن مكوناته، أوضحت أنه يضم نوابًا داخل البرلمان، إلى جانب أحزاب سياسية وشخصيات عامة مستقلة.
سألني أيضًا إن كان لذلك أي علاقة بعمل المجلس، فأكدت له أن الأمر لا يتعلق بأعمال المجلس، وإنما هو نشاط سياسي في إطار الحياة العامة، فأوضح أنه يسأل فقط للاستفهام، فبادرت بسؤاله عمّا إذا كان في ذلك أي تعارض مع واجباتي كنائب أو أي مخالفة قانونية، وجاء الرد بالنفي.
بعد أيام، تلقيت دعوة أخرى منه لاجتماع، وخلاله أُبلغت بأن هذا التحالف لا يُنظر إليه باعتباره فكرة مفضلة أو مرحبًا بها، فكان ردي واضحًا بأن هذا قرار سياسي مستقل، وأن من حقنا بل من واجبنا كمعارضة أن نسعى لتغيير الواقع السياسي القائم، في ظل عدم الرضا عن أداء الأغلبية البرلمانية. وأكدت أن وظيفة المعارضة الجادة لا يمكن أن تقتصر على التكيف مع الوضع القائم أو التعايش معه، بل يجب أن تتجاوز ذلك إلى تقديم بديل سياسي حقيقي، حتى لو كان ذلك في إطار تنافسي مباشر مع السلطة القائمة.
فالمقصود بالرجل الثاني في النظام السياسي هو رئيس البرلمان الذي دستوريًا يحل محل رئيس الجمهورية إذا غاب، لكن ما ذكره الزميل في حواره دون توضيح قد يسبب إساءة فهم، بسبب طبيعة البنية السياسية السائدة، إذ يُفترض تلقائيًا أن هذا المفهوم يرتبط بدلالات أمنية أو بمراكز نفوذ سيادية، وهو عكس الحقيقة، الرجل الثاني دستوريًا الذي اجتمعت معه كان رئيس البرلمان.
خالد علي: ما بعد يناير أسوأ سياسيًا واقتصاديًا من عهد مبارك (حوار)
ماذا عن تفاصيل الضربة الأمنية التي لاحقت اجتماعات تحالف الأمل؟
تم القبض على خمسة من زملائي في مكتب خدمة المواطنين وأصدقائي المقربين، لم أكن أتعامل مع الأمر باعتباره حدثًا منفصلًا عن مسار التحالف، بل بدا لي أنه جزء من سياق أوسع مرتبط بمحاولة إنهاء هذا المسار في مهده.
بالتوازي، كان الحديث يدور عن القبض على حسام مؤنس وزياد العليمي، باعتبارهما من المشاركين في الاجتماعات، إلى جانب خمسة من الزملاء من دائرتي المباشرة، والذين أصبحوا لاحقًا جزءًا من القضية.
عقدنا اجتماع بعد الهجمة الأمنية، أتذكر أنني خرجت من محطة المترو وسرت لمسافة طويلة في اتجاه مقر الاجتماع، وأنا في حالة ثقل شديد، قبل أن أصل إلى قاعة تضم عددًا من الشخصيات الوطنية التي جاءت وهي تحمل قناعة بأن ما حدث لزملائنا لا يجب أن يؤدي إلى التراجع، بل إلى الاستمرار في المحاولة.
وفي هذا السياق، دار نقاش طويل انتهى بتدخل من الدكتور عبد الجليل مصطفى، الذي قال لي عبارته الشهيرة: “إياك أن تتقهقر إذا كان قدرك أن تتقدم”.
كنت في تلك اللحظة أشعر بحزن عميق، لأن حتى تكتل (25-30)، في تقديري، لم يقم بالدور الذي كنت أتصوره في تلك المرحلة، سواء من حيث دعم المسار أو إصدار بيان واضح يحدد طبيعة ما يجري، ويؤكد أن ما يتم هو محاولة لتشكيل تحالف سياسي وليس شيئًا آخر.
وفي هذه المرحلة، وجدت نفسي أمام ضغط مباشر، من بينها ما طرحه الدكتور عبد الجليل مصطفى، و“واجب المسؤول” في تحمل تبعات القرار السياسي، غير أن الحركة المدنية نفسها، لاحقًا، دخلت في حالة توقف فعلي، ما خفف من حدة هذا الاختبار مؤقتًا، بعدما قررت بعض أطرافها تعليق نشاطها أو إعادة التموضع في اتجاهات سياسية مختلفة.
وبالتالي، دخلت الحركة في حالة من الجمود استمرت حتى عام 2022، حين جاءت دعوة رئيس الجمهورية للحوار الوطني، وهو ما أعاد فتح قنوات التواصل السياسي مرة أخرى، ودفع إلى عقد أول اجتماع للحركة المدنية بعد سنوات من التوقف، في محاولة لإعادة توحيد صفوف المعارضة من جديد. ومن هنا بدأت مرحلة جديدة، تختلف في طبيعتها وتفاصيلها، وتشمل تجارب متعددة كنت طرفًا فيها.
لماذا سعيت إلى تأسيس تحالف الأمل رغم أنك بالفعل كنت جزءا من تكتل داخل البرلمان؟ وماذا عن موقف أبناء المعارضة داخل التكتل البرلمان؟
تحالف الأمل كان أكبر من تكتل (25-30)، لكنه في الوقت نفسه جرى التعامل معه، من منظور السلطة، باعتباره تحركًا سياسيًا ينبغي احتواؤه سريعًا، خاصة مع وجود تصور بأن تحريكي لهذا المسار قد يجعل منه نقطة مركزية يجب إيقافها أو إضعافها قبل أن تتوسع.
كان هناك اتجاه لدى الأغلبية داخل التكتل يرى أن ما نقوم به يُعد رفعًا لسقف المواجهة مع السلطة، وأن هذا المسار قد يترتب عليه عدم السماح لنا أصلًا بالعودة إلى البرلمان في أي مرحلة لاحقة. بل إن بعض الرسائل التي وصلت إليّ لاحقًا كانت أكثر وضوحًا في هذا المعنى، ومفادها أن “الحفاظ على المواقع الحالية يمكن أن يكون ممكنًا حتى مع اختلافات سياسية حادة، لكن الانتقال إلى فكرة بناء بديل سياسي واسع وتوحيد المعارضة قد يعني عمليًا أن فرص العودة إلى البرلمان لن تكون قائمة”.
وكانت الخلاصة التي قيلت لي صراحة في هذا السياق إن محاولة تشكيل بديل سياسي شامل وتغيير خريطة التمثيل البرلماني قد تؤدي إلى استبعادنا نحن أنفسنا من المشهد الانتخابي القادم، بصرف النظر عن طبيعة الخلافات أو التباينات السياسية القائمة.
في ضوء ذلك، كان موقفي واضحًا ومحددًا، وهو ما أدى إلى حالة من القطيعة السياسية مع زملائي داخل التكتل، وكنت أرى أن مفهوم “التكتل” في جوهره يعني العمل المشترك طويل الأمد، وبذل جهد مستمر على مدار سنوات لمحاولة الحفاظ على قدر من التنسيق بين أطراف مختلفة، مع السعي إلى عدم تفكك هذا الإطار أو انهياره رغم اختلاف الرؤى.
لكن هذه اللحظة كانت، في تقديري، لحظة اختبار حقيقي بين رؤيتين مختلفتين: رؤية تعتبر أن الواجب الأساسي هو تقديم بديل سياسي واضح يسعى لتغيير المعادلة القائمة، ورؤية أخرى ترى أن الأولوية هي الحفاظ على الوجود البرلماني داخل الممكن المتاح، حتى لو كان ذلك على حساب فكرة التحول إلى بديل شامل. وقد كان يُقال أحيانًا في هذا السياق: “نحن لسنا مجلس إدارة للمعارضة”.
مها عبد الناصر: يجب وقف المشاريع غير الضرورية لصالح تلبية احتياجات المواطنين (حوار)
هل تم منعك بالفعل من الإدلاء بشهادتك داخل المحكمة عما يخص تحالف الأمل؟
كان المشهد الأخير في تجربة تحالف الأمل داخل قاعة المحكمة. هناك حاولت أن أقدم شهادتي حول حقيقة ما جرى، كما بادر عدد من رؤساء الأحزاب إلى كتابة شهاداتهم بشجاعة، مؤكدين أن ما كان يجري هو محاولة لتأسيس تحالف سياسي انتخابي، لا التنظيم الذي أُطلق عليه لاحقًا اسم “خلية الأمل”.
وقبل بدء المحاكمة، تقدمت بطلب إلى رئيس مجلس النواب لرفع الحصانة البرلمانية عني حتى أمثل أمام جهات التحقيق وأتحمل مسؤوليتي كاملة، إلا أن هذا الطلب لم تتم الاستجابة له.
ورغم ذلك، حضرت أولى جلسات المحاكمة، وتشاورت مع الأستاذ المحامي خالد علي، الذي سألني هل لديك تحفظات في القول أمام المحكمة بأنك المسؤول عن هذا التحالف، فكان ردي واضحًا: “هذا ما أطلبه بالفعل”.
وبالفعل، وقف خالد علي في مرافعته وأكد أن المتهمين كانوا يجتمعون من أجل تأسيس تحالف سياسي انتخابي مشروع، وأنه إذا كانت التحريات تصفه بـ”خلية إرهابية”، فإن من يعتبره قائدًا لهذا التحالف موجود داخل قاعة المحكمة ومستعد للإدلاء بشهادته، وهو النائب أحمد الطنطاوي.
قيل ذلك وأنا حاضر داخل القاعة، إلى جانب زملائي ورفاق دربي، ومن بينهم حسام مؤنس وزياد العليمي، بالإضافة إلى عدد من الشباب الذين لم تكن لهم أي صلة مباشرة بالتحالف، لكنهم أُدرجوا ضمن القضية. ورغم وجودي واستعدادي للإدلاء بشهادتي، فإن المحكمة رفضت الاستماع إليها. وأقول ذلك ليس من باب تسجيل موقف شخصي أو مجاملة لأحد، وإنما انطلاقًا من قناعة بأن الحقيقة يجب أن تُقال كما هي، دون انتقائية أو مجاملة لأي طرف داخل النخبة السياسية.
من يجامل الأشخاص على حساب الحقيقة يقع في الخطأ ذاته الذي يُؤخذ على السلطة حين تدافع عن المقربين منها بمعزل عن الوقائع أو الكفاءة. ومن ثم، فإن واجب المعارضة، في تقديري، هو ألا تعيد إنتاج الممارسات التي تنتقدها، وأن تظل منحازة للحقيقة مهما كانت كلفتها.
النائب فريدي البياضي: مصر تواجه كارثة ديون تاريخية.. أين ذهبت القروض؟ (حوار صحفي)
هل ترى تراجع الحركة المدنية عن استكمال تحالف الأمل كان لحظة خذلان، أم أن المشكلة كانت أعمق من ذلك؟
أعتقد أن القضية تتجاوز فكرة الخذلان إلى أزمة بنيوية داخل الحركة المدنية نفسها، وهي أزمة جعلتها غير مؤهلة للقيام بدور سياسي مؤثر أو كبير. هذه الأزمة تتمثل في التهرب من الإجابة عن سؤالين جوهريين: من هم أعضاء الحركة المدنية؟ وكيف تُتخذ القرارات داخلها؟
بعد انتخابات الرئاسة عام 2023، تواصل معي اثنان من رؤساء أحزاب الحركة المدنية وأبلغاني بوجود توجه لإعادة هيكلة الحركة، وطلبا مني تولي منصب الأمين العام بعد مشاورات داخلية وتشكيل لجنة لإعداد تصور جديد. حينها أوضحت أن الأمر لا يتعلق بوضع شروط، وإنما بالحاجة إلى إجابات واضحة عن هذين السؤالين إذا كان الهدف هو بناء عمل سياسي ناجح ومثمر.
السؤال الأول كان يتعلق بهوية الحركة المدنية. فمن خلال تجربتي السابقة، خاصة في تحالف الأمل، رأيت أن بعض الأحزاب التي كانت محسوبة على الحركة انتقلت لاحقًا إلى مربع السلطة، وشاركت في تحالفاتها وحصلت على مقاعد برلمانية، ثم استمرت في تقديم نفسها بوصفها جزءًا من المعارضة. لذلك كان سؤالي: كيف تُعرَّف عضوية الحركة؟ وهل يمكن أن يجمع طرف واحد بين موقع الشريك في السلطة وموقع المعارض لها في الوقت نفسه؟
في تقديري، المعارضة الحقيقية ليست مجرد رفع سقف الخطاب السياسي أو إطلاق التصريحات التي ترضي الجمهور، وإنما هي السعي لترجمة هذا الخطاب إلى فعل سياسي منظم وتقديم بديل حقيقي. أما الاكتفاء بالكلام دون محاولة تغيير الواقع، فهو يختلف عن مفهوم المعارضة الذي أؤمن به.
أما السؤال الثاني فكان يتعلق بآلية اتخاذ القرار داخل الحركة، حيث كانت القرارات تُبنى عمليًا على الإجماع الكامل، بما يعني أن اعتراض حزب واحد أو حتى شخصية واحدة يمكن أن يعطل موقفًا يخص الجميع. وبرأيي، فإن هذا الأسلوب أدى إلى شلل سياسي، لأن غياب الإجماع كان يعني غياب القرار، بينما يتحرك كل طرف منفردًا رغم بقائه تحت مظلة ائتلاف واحد.
لذلك طرحت أن يكون اتخاذ القرار بالأغلبية، سواء كانت أغلبية بسيطة أو أغلبية موصوفة بحسب طبيعة القرار، لأن التجربة أثبتت أن آلية الإجماع عطلت مشاريع مهمة، وفي مقدمتها تحالف الأمل الذي تأخر الإعلان عنه لأشهر بسبب اعتراض طرف واحد.
وكان موقفي واضحًا: لا ينبغي محاسبة أحد على مواقفه السابقة، لكن يجب أن يكون تعريف العضوية في الحركة المدنية قائمًا على أن أعضاءها يقدمون أنفسهم باعتبارهم بديلًا للسلطة، لا شركاء أو تابعين لها. وإذا اختار أي طرف موقعًا سياسيًا مختلفًا، فمن الطبيعي أن يعبر عن هذا الموقع بوضوح، لأن الجمع بين أدوار متناقضة يربك المشهد السياسي ويضعف مصداقية المعارضة أمام الرأي العام.
أشرت إلى تواصل حدث معك لدخول مجلس أمناء الحركة المدنية، لماذا لم تكتمل هذه الخطوة؟
أرى أن السياسي لا يُحاسب فقط على أخطائه المباشرة، وإنما يُحاسب أيضًا إذا سمح لنفسه بأن يُستدرج أو يُستخدم في مسارات لا تخدم ما تعهد به أمام الناس. من يمنحه المواطنون ثقتهم يجب أن يتحلى باليقظة والقدرة على قراءة المشهد، لأن المسؤولية السياسية لا تقتصر على حسن النية، وإنما تشمل حسن التقدير أيضًا.
لذلك، عندما أرى أن بعض المواقف السياسية يتبعها بعد فترة وجيزة تحقيق مكاسب أو منافع لأصحابها، يصبح من حقي أن أتساءل: كيف يمكن أن أقبل بإدارة كيان يكفي أن يكون فيه شخص واحد لديه رغبة معينة أو حسابات خاصة أو تقدير مختلف حتى يعطل عمل الجميع؟ هذه، في تقديري، أزمة هيكلية لا يمكن تجاهلها.
وبين هذه المحطات، كانت الحركة المدنية قد دخلت بالفعل في حالة من الجمود منذ تجربة تحالف الأمل، واستمر هذا الوضع حتى جاءت دعوة رئيس الجمهورية في 26 أبريل 2022 لإطلاق الحوار الوطني تحت شعار أن الوطن يتسع للجميع وأن الاختلاف في الرأي لا يفسد للوطن قضية.
كانت تلك لحظة أزمة حقيقية، ومن وجهة نظري اعتادت السلطة في مثل هذه اللحظات أن تطرح دعوات للحوار عندما تشعر بوجود ضغوط أو تحديات، لكن التجارب السابقة لم تمنحني انطباعًا بأنها كانت جادة بالقدر الكافي في تحويل هذه الدعوات إلى عملية سياسية حقيقية. ومع ذلك، كنت أعتقد أن المعارضة في تلك اللحظة كانت تمتلك فرصة للضغط من أجل تحويل الدعوة من إطارها الشكلي إلى مسار ينتج نتائج ملموسة.
لهذا السبب، تعاملت مع المبادرة بإيجابية، وبادرت إلى دعوة أحزاب الحركة المدنية للاجتماع، وقدمت لهم مشروع بيان يمثل إطارًا سياسيًا موحدًا يمكن الإعلان عنه والتفاوض مع السلطة على أساسه، بهدف وضع أسس واضحة لحوار وطني حقيقي، يقوم على التفاوض والإصلاح وإنتاج مخرجات سياسية، لا أن يتحول إلى مجرد جلسات استماع أو نقاشات عامة، وهو ما أرى أن التجربة انتهت إليه في صورتها النهائية. وفي هذا السياق، صدر البيان المقترح في الثامن من مايو، باعتباره محاولة لتوحيد موقف المعارضة وصياغة رؤية مشتركة يمكن البناء عليها في إدارة الحوار والدفع نحو نتائج عملية.
أحمد دومة عن ديوانه “كيرلي”.. كتبته في السجن فرارًا من الهزيمة أو الانفجار
كيف تعاملتم مع دعوة الحوار الوطني عام 2022؟ وما تقيمك لهذه التجربة؟
في عام 2022، وبعد نحو ثلاث سنوات من دخول الحركة المدنية في حالة من الجمود منذ تجربة تحالف الأمل، جاءت دعوة رئيس الجمهورية في 26 أبريل لإطلاق الحوار الوطني. في ذلك الوقت، كنت أتولى رئاسة حزب الكرامة، ورأيت أن المسؤولية الوطنية تفرض على المعارضة ألا تكتفي بالتشكيك في المبادرة أو مقاطعتها، وإنما أن تحاول تحويل ما قد يبدو دعوة شكلية إلى حوار سياسي مؤسسي حقيقي ينتهي إلى نتائج عملية وقابلة للتنفيذ.
وانطلاقًا من هذا التصور، دعوت أحزاب الحركة المدنية إلى الاجتماع، وأعددت مسودة بيان تتضمن إطارًا عامًا للتفاوض مع السلطة، يحدد قواعد ومحددات الحوار الوطني، مستلهمًا تجارب الدول التي مرت بأزمات سياسية واستخدمت الحوار كوسيلة للوصول إلى تسويات وإصلاحات حقيقية.
ورغم ذلك، امتنعت ثلاثة أحزاب عن التوقيع على البيان، وهي الأحزاب التي كانت قد شاركت في الانتخابات البرلمانية عام 2020 إلى جانب السلطة، ثم شارك أحد رؤسائها في الانتخابات الرئاسية عام 2023 في إطار ما أراه دورًا سياسيًا محددًا، كما عادت هذه الأحزاب لاحقًا للمشاركة في انتخابات البرلمان عام 2025 بدعم من السلطة أو في إطار تحالفاتها.
في المقابل، وقع على البيان سبعة أحزاب، إلى جانب عدد من الشخصيات الوطنية والرموز السياسية، بما عكس وجود إرادة لدى قطاع من المعارضة لتوحيد الموقف قبل الدخول في أي حوار. وأتذكر أنني عندما طُرح موضوع التوقيع، طلبت منح الجميع مهلة ثماني وأربعين ساعة للرجوع إلى أحزابهم والتشاور داخل مؤسساتهم، حتى يكون كل من يوقع ملتزمًا بما يوقع عليه سياسيًا وأخلاقيًا، ولا يتحول البيان إلى مجرد إعلان رمزي.
كما قلت بوضوح للحاضرين إن أحدًا لا ينبغي أن يغضب من هذا الحرص، لأن تجربة تحالف الأمل كانت لا تزال حاضرة في الأذهان، ولم تكن تجربة سعيدة من حيث الالتزام الجماعي والاستمرار حتى النهاية. ولذلك، كان موقفي واضحًا: من يرى أنه لن يستطيع الالتزام بما يتضمنه البيان، فمن الأفضل ألا يوقع عليه من البداية، حتى لا تتكرر الأخطاء نفسها، أما ما جرى بعد ذلك من تطورات فقد أصبح معروفًا للجميع.
لماذا تراجعت عن المشاركة في الحوار الوطني رغم تأييدك المبدئي ومن ثم الاستقالة من حزب الكرامة ثم السفر إلى لبنان؟
أعتقد أن نقطة البداية الحقيقية كانت بيان الثامن من مايو، الذي لم يكن مجرد إعلان سياسي، وإنما وثيقة وضعت محددات واضحة لحوار وطني جاد، تستند إلى تجارب الدول التي مرت بأزمات مشابهة. كان التصور أن تُشكَّل أمانة لإدارة الحوار من شخصيات وطنية تحظى بالثقة، بحيث تسمي السلطة نصف أعضائها وتسمي المعارضة النصف الآخر، بما يضمن قدراً من التوازن والاستقلالية.
وفي هذا الإطار، جرى التوافق داخل المعارضة على ترشيح الدكتور محمد غنيم لتولي منصب الأمين العام للحوار، وكُلفت شخصياً بالتواصل معه وإقناعه بالمهمة. وبعد نقاشات مطولة وافق، استناداً إلى الضمانات التي قدمتها له بشأن جدية المسار وإمكانية أن يتحول إلى حوار حقيقي ينتج حلولاً عملية للأزمة السياسية.
وفي المقابل، كان لي موقف معلن داخل الاجتماعات برفض بعض الأسماء المطروحة لإدارة الحوار، وعلى رأسها الأستاذ ضياء رشوان، وأوضحت وقتها أسباب هذا الموقف بكل صراحة أمام المشاركين. لكن ما حدث لاحقاً، في تقديري، هو أن السلطة نجحت في استدراج المعارضة إلى الانشغال بالتفاصيل الإجرائية، حتى جرى إفراغ الحوار من مضمونه السياسي وتحويله إلى جلسات استماع أو نقاشات عامة، بدلاً من أن يكون عملية تفاوضية تنتهي إلى التزامات ونتائج قابلة للتنفيذ.
وأحمّل السلطة المسؤولية الأولى عن ذلك باعتبارها تعاملت مع الحوار بوصفه تكتيكًا سياسيًا ومناورة لإدارة الأزمة، لكنني في الوقت نفسه أرى أن المعارضة تتحمل جانبًا مهمًا من المسؤولية لأنها قبلت بهذا المسار ولم تتمسك بالشروط التي كانت كفيلة بتحويل الحوار إلى فرصة حقيقية للإصلاح، وهو ما اعتبرته ثاني أكبر خيبات أملي بعد تجربة تحالف الأمل.
لهذا وصلت إلى قناعة بأن آلية اتخاذ القرار داخل الحركة المدنية لا تؤهلها لأن تكون ندًا حقيقًا للسلطة أو معبرًا عن تطلعات المواطنين، رغم كامل تقديري لتاريخ الكثير من رموزها ونضالاتهم الوطنية. لذلك قررت الابتعاد عن الحركة المدنية وعن رئاسة الحزب، حتى لا أكون عقبة أمام من اختاروا المشاركة في الحوار دون ضمانات، ولأنني رفضت أن أكون جزءاً من مشهد يمنح العملية السياسية مظهراً تعددياً دون مضمون حقيقي.
وخلال تلك الفترة غادرت البلاد لفترة قصيرة للتفرغ للدراسة والاطلاع على تجارب انتقالية في دول أخرى، بهدف الاستفادة من خبراتها في إدارة التحولات السياسية. ومع اقتراب الانتخابات الرئاسية، أعلنت نيتي الترشح بصورة تدريجية لإتاحة المجال أمام التنسيق بين قوى المعارضة، انطلاقاً من قناعتي بأن الانتظار حتى اللحظة الأخيرة وإدارة السياسة بمنطق المماطلة يضيع الفرص ولا يصنع بديلاً.
وقبل عودتي إلى مصر، فوجئت بالقبض على عمي وخالي وأربعة عشر من أصدقائي وجيراني، في ثالث واقعة يجري فيها استهداف أشخاص مقربين مني بسبب مواقفي السياسية. ورغم النصائح التي تلقيتها بالبقاء خارج البلاد، كان قراري العودة، لأنني أؤمن بأن من يدعو الناس إلى تحمل المسؤولية لا يجوز له أن يغادر ويترك الآخرين يدفعون الثمن وحدهم، وأن ما أطالب به هو الاحتكام إلى العدالة وليس الخضوع للانتقام السياسي.
بعد عودتك عدت للمرة الثالثة للتحالف مجددًا مع الحركة المدنية ولم يتم التوافق، لماذا؟
بعد عودتي، بادرت بالتشاور مع مختلف أطراف المعارضة حول الاستحقاق الرئاسي، وكانت المفارقة التي أدهشتني أن أكثر شخصين رفضا من حيث المبدأ فكرة خوض الانتخابات الرئاسية، عندما دعوت إلى مناقشة من هو الأكفأ والأقدر على خوض المعركة، هما نفسيهما اللذان أعلنا ترشحهما لاحقًا. بل إن أحدهما استكمل السباق الانتخابي وكانت رسالته الأساسية أنه ليس مرشح السلطة.
ولم تتوقف المفارقة عند هذا الحد، فقد عُقدت اجتماعات معروفة ومتداولة، جرى لاحقًا تسريب روايات مغرضة وغير صحيحة عنها من بعض من حضروها، وهو أمر أراه مؤسفًا. صحيح أن أغلب المشاركين خرجوا ونفوا تلك الروايات، لكن ذلك لم يمنع تداول معلومات لا تمت للحقيقة بصلة. ومع ذلك، فضلت في حينها ألا أرد أو أدخل في سجال إعلامي، إيماناً مني بأن المرحلة كانت تتطلب التركيز على الهدف السياسي لا على الخلافات الجانبية.
عدت بعدها إلى الحوار مع قيادات المعارضة، وقلت لهم إن هناك شخصين يُحسبان على الحركة المدنية قد أعلنا رغبتهما في الترشح، وإنه من الأفضل أن يُحسم الأمر بصورة مؤسسية. ورغم أنني لم أكن عضواً في الحركة المدنية إلا بصفتي السابقة رئيسًا لحزب الكرامة، وحتى بعد تركي رئاسة الحزب كنت قد أعفيت نفسي من عضوية أمانتها العامة لأنني كنت أعلم أن تمسكي بالقواعد التي أطالب بها لن يكون محل توافق، فإن البعض ظل يعتبرني محسوباً عليها.
لذلك طرحت اقتراحًا واضحًا يقوم على الاحتكام إلى التصويت داخل الحركة المدنية لاختيار مرشح واحد يلتزم الجميع بدعمه. وقلت إن من يقبل بنتيجة التصويت يصبح مرشح الحركة المدنية، أما من لا يريد الالتزام فله كامل الحرية في أن يخوض الانتخابات بصفته مرشح حزبه أو مرشحًا مستقلاً، لكن ينبغي أن يكون هناك التزام جماعي بقرار المؤسسة.
غير أن الحركة المدنية لم تتمكن من اختيار مرشح موحد، بسبب الخلل نفسه الذي سبق أن تحدثت عنه، وهو أن آلية اتخاذ القرار بالإجماع كانت تمنح شخصًا واحدًا القدرة على تعطيل إرادة الجميع، سواء لأنه غير مقتنع أو لأنه لا يملك قرار الموافقة أو ينتظر توجيهات أخرى. وأنا أقول ذلك من باب الصراحة التي تلتزم الأدب، ولا أتحدث إلا عن وقائع شهد عليها من كانوا أطرافًا فيها.
وفي النهاية، لم تسمِّ الحركة المدنية مرشحًا رسميًا، بينما أعلنت عشرة أحزاب دعم حقي في الترشح. وكان طلبي منها واضحًا: إذا كنتم تعتبرون هذه المعركة معركة للتغيير السلمي الديمقراطي وبناء دولة القانون والمؤسسات، فلتنخرطوا فيها بصورة كاملة، ولتدعوا أنصاركم إلى تحرير التوكيلات والمشاركة الفاعلة، فبإمكانكم أن تقدموا أكثر من ذلك بكثير.
ومع ذلك، كنت أدرك حدود قدرات كل طرف، ولم أطلب من أحد ما يفوق استطاعته أو ما لا يستطيع تحمله، وانتهى الأمر عند هذا الحد.
وبعد انتهاء الانتخابات، طُرحت عليَّ مجددًا فكرة المشاركة في إعادة هيكلة الحركة المدنية، لكنني عدت لطرح السؤالين نفسيهما اللذين سبق أن تمسكت بهما: من هي مكونات الحركة المدنية؟ وكيف يُتخذ القرار داخلها؟ ولم أتلق إجابة واضحة عنهما، فتوقف الحديث ولم يُستكمل هذا المسار.
عقب الانتخابات ومنعي من الترشح، اتفقت مع مجموعة من الزملاء على تدشين مسار سياسي جديد، يقوم على تأسيس حزب سياسي يكون نواة لتحالف أوسع، ومن ثم العمل على بناء جبهة وطنية تضم مختلف القوى الراغبة في التغيير الديمقراطي.
وخلال المؤتمر الذي أُعلن فيه هذا التوجه، أوضحنا أننا سنمنح أنفسنا مهلة أسبوعين لإجراء مشاورات واسعة قبل اتخاذ القرار النهائي بشأن الشكل التنظيمي للمشروع، على أن يُحسم الأمر بعد انتهاء تلك المهلة بصورة واضحة.
غير أن تطورات السابع من أكتوبر وما تبعها من أحداث إقليمية فرضت واقعًا سياسيًا مختلفًا، فقررنا عقد اجتماع مصغر أصدرنا في ختامه كلمة مصورة، أعلنا خلالها، بالتوازي مع نشر نتائج استطلاع للرأي أُجري داخل الحملة الانتخابية، أننا سنتجه إلى تأسيس حزب يحمل اسم “تيار الأمل”.
وكان التصور أن يكون الحزب نقطة انطلاق لبناء تيار مجتمعي أوسع يضم المواطنين الذين يؤمنون بأهداف التغيير لكنهم لا يرغبون في الانخراط المباشر في العمل الحزبي، على أن يمثل هذا التيار قاعدة لبناء جبهة سياسية واسعة تضم مختلف القوى الديمقراطية.
وكانت رؤيتنا أن هذه الجبهة يمكن أن تستوعب الحركة المدنية نفسها إذا قررت مستقبلًا إعادة هيكلة أوضاعها وتجاوز المشكلات التي عطلت أدائها، بحيث تصبح جزءاً من إطار وطني أشمل يجمع كل المؤمنين بالتغيير السلمي. غير أن هذا المسار واجه عراقيل مبكرة، إذ اصطدمت محاولة تأسيس حزب “تيار الأمل” بإجراءات حالت دون إتمام تأسيسه، وهي الأزمة التي ما زلنا نواجه آثارها حتى اليوم.
هل ترى أن ما آلت إليه الحركة المدنية وأعضائها كان أمراً متوقعاً، أم أن الأزمة عابرة؟
المواقع القيادية ليست مجرد مسميات للتشريف، وإنما هي مسؤولية يتحملها أصحابها وعبء كبير، خصوصًا في الظروف التي تمر بها البلاد. وأنا لا أرى أن المشكلة تكمن في أعضاء الحركة المدنية أو في قياداتها بقدر ما تكمن في طريقة عملها وآلية اتخاذ القرار داخلها. فجميع الاختبارات السياسية الكبرى التي واجهتها الحركة لم تتمكن من تحقيق الأهداف التي أعلنت أنها تسعى إليها، وليس المقصود هنا إصدار أحكام قاسية، وإنما توصيف موضوعي للنتائج التي انتهت إليها التجربة.
وأعتقد أن هذا الوضع لن يتغير إلا إذا حسمت الحركة سؤالين أساسيين: من هم أعضاء الحركة المدنية؟ وكيف يتم اتخاذ القرار داخلها؟ لأن استمرار العمل بمنطق الإجماع أو ما يسمى بـ”التوافق” يجعل اتخاذ أي قرار فعلي أمراً شبه مستحيل، وقد أثبتت تجارب سياسية عديدة أن آلية الإجماع كثيرًا ما تؤدي إلى تعطيل المؤسسات بدلاً من تفعيلها.
وبطبيعة الحال، فإن العاملين في المجال السياسي معرضون للإصابة والخطأ، وقد يصدر بيان غير موفق أو يُتخذ موقف قابل للنقد، لكن المهم أن تكون الأخطاء ناتجة عن حركة سياسية حقيقية يجري تصحيحها مع الوقت، لا أن تتحول حالة الجمود إلى وضع دائم.
واليوم تُعد الحركة المدنية العنوان الأبرز الذي يضم قطاعًا واسعًا من المعارضة المصرية، لكنها في الوقت نفسه تضم أطرافًا لا تقدم نفسها باعتبارها معارضة بالمعنى الكامل، وهو ما يخلق حالة من الالتباس. كما أن أحدًا لا يستطيع احتكار تمثيل المعارضة، والدليل على ذلك أنني شخصيًا، وكذلك “تيار الأمل”، لسنا جزءًا من الحركة المدنية.
وأنا لا أتمنى للحركة المدنية الفشل، كما أنني لا أتمنى للسلطة الفشل أيضًا كنت دائمًا أردد أننا نعارض ولا نعاند، وأن دورنا هو تقديم البديل لا تمني الإخفاق للآخرين، لأن فشل السلطة سيدفع ثمنه المواطن، بينما نجاح أي إصلاح حقيقي ستعود ثماره على المجتمع كله.
لكن يبقى السؤال المطروح أمام الحركة المدنية: هل هي مستعدة لمراجعة تجربتها واستخلاص الدروس منها من أجل تطوير نفسها؟ وهل لديها استعداد للاستفادة من الخبرات الدولية وتجارب الشعوب الأخرى التي مرت بظروف مشابهة في مسارات الإصلاح وبناء دولة القانون والمؤسسات؟
فنحن لسنا أول مجتمع يواجه مثل هذه التحديات، ولا حاجة لإعادة اختراع ما سبق أن نجحت فيه تجارب أخرى. إذا ظلت الإجابة على هذه الأسئلة كما هي، فسنظل ندور في الدائرة نفسها، وهو ما لا يخدم أصحاب التاريخ الوطني داخل الحركة، ولا يخدم الحركة الوطنية بشكل عام، لأن بقاء اسم كبير على كيان عاجز عن الحركة لا يمثل إضافة للحياة السياسية.
والحقيقة أنني مندهش أيضًا من طريقة تعامل السلطة مع الحركة المدنية. فهذا الأسلوب يعكس قدرًا من الثقة المفرطة وربما التعالي، لأن المنطق السياسي يقول إن وجود معارضة تعمل داخل إطار سياسي منظم يفترض أن يكون أمرًا تحرص أي سلطة على الحفاظ عليه، باعتباره جزءًا من المشهد السياسي، لا أن يتم التعامل معه بهذه الصورة.
وعندما تصل الأمور إلى هذه المرحلة، فإن على الجميع أن يحسم موقفه بوضوح: هل الهدف هو العمل داخل مساحة آمنة لا تنتج تغييرًا حقيقيًا، بحيث نظل نتحرك في المكان نفسه دون تقدم، أم أن الهدف هو اتخاذ خطوات فعلية إلى الأمام؟
أين يقف تيار الأمل اليوم؟ وهل من الممكن أن نرى تحالفاً سياسياً جديداً يقوده أو يشارك فيه التيار خلال الفترة المقبلة؟
الحديث عن بناء تحالفات جديدة يجب أن يسبقه الاعتراف بأن تيار الأمل، يواجه قيودًا تحول دون ممارسة أبسط حقوقه القانونية والتنظيمية. فهناك “منحنى متصاعدًا من التضييق” على كل خطوة سياسية. فحتى الآن لازلنا ممنوغين من تحرير توكيلات لاستكمال إجراءات تأسيس الحزب، ما دفعنا إلى التقدم بشكاوى بشأن عدم تمكن أعضاء التيار من تحرير التوكيلات اللازمة، ولم نتلقَّ أي رد رسمي على هذه الشكاوى حتى الآن.
الأزمة لا تتعلق فقط بمنع تأسيس الحزب، فهناك عددًا من الزملاء لا يزالون محبوسين، بينما يقدر محامو الحملة أن مئات من المؤيدين والمناصرين تعرضوا لإجراءات قانونية بسبب مشاركتهم في الحملة الرئاسية، وبالنسبة لي، فإن هؤلاء ليسوا مجرد أرقام، بل أشخاص لهم أسر وحياة يدفعون ثمن مواقفهم السلمية. كما أننا ممنوعون حتى من استئجار مقر للحزب، وكثير من أصحاب الأماكن الذين يوافقون في البداية يعودون ويتراجعون عن الاتفاق بعد فترة قصيرة.
وأذكر هنا موقفًا بسيطًا لكنه يلخص طبيعة ما نواجهه. خلال شهر رمضان، كنا أربعة من أعضاء اللجنة التأسيسية متوجهين للقاء مجموعة من مؤسسي تيار الأمل في محافظة الدقهلية لعقد إفطار جماعي ولأن العدد كان كبيرًا، قرر الزملاء استئجار مكان بعيد عن المدينة.
لكننا فوجئنا عند وصولنا قبل موعد الإفطار بأن المكان مغلق، ولم يعد متاحًا لنا استخدامه. تحركنا إلى مقهى آخر، وما إن جلسنا حتى انقطعت الكهرباء بعد حديث دار بين بعض الأشخاص وصاحب المكان، ففضلنا المغادرة حتى لا نضعه في موقف صعب. ثم حاولنا الإفطار في مكان بسيط آخر، لكنه أُغلق أيضًا فلم نجد في النهاية سوى الجلوس على الأرض لتناول إفطارنا.
وقتها اقترح بعض الزملاء أن نستغل المشهد سياسيًا، ونبثه مباشرة ليعرف الناس ما يحدث، لكنني رفضت. لإيماني بأن علينا أن نتصرف بمسؤولية، وألا نحول كل موقف إلى معركة إعلامية.
ولم تتوقف الأمور عند ذلك، فبعدها توجهنا إلى مدينة أجا على أمل أن نجلس في أحد الأماكن العامة المعروفة والمشهورة، لكن إدارة المكان اعتذرت لنا بصورة مفاجئة عن استقبالنا، رغم أن المكان كان يعج بالرواد، بالنسبة لي، لم تكن هذه مجرد واقعة عابرة، بل نموذجاً لما يواجهه تيار الأمل في ممارسة أبسط أشكال العمل السياسي.
لذلك أقول إننا لا نطالب بامتيازات خاصة، وإنما بحقوق طبيعية؛ أن يكون لنا حزب، وأن يكون لنا مقر، وأن نلتقي بأعضائنا ومؤسسينا بصورة عادية، وأن نجتمع أو حتى نفطر معًا في رمضان دون أن يتحول ذلك إلى أزمة. هذه هي طبيعة الواقع الذي نعيشه اليوم، وهو ما يجعل أي حديث عن العمل السياسي أو بناء التحالفات مرتبط أولاً بتوفير الحد الأدنى من حرية التنظيم والعمل العام.
لكن رغم ذلك أتمنى أن نستطيع خلال الفترة القادمة في تكوين جبهة سياسية فاعلة، فما نواجهه من أساليب المنع والتضييق والقمع ثمن المعارضة الجادة، في المقابل هناك من يُوصَفون بأنهم معارضة وتُفصل لهم دوائر انتخابية، وتُترك لهم مساحات ومنصات وساحات للحركة، بل ويُجرى إعدادهم لأدوار أكبر في المستقبل.
أما المعارضة التي تسعى فعلاً إلى تقديم بديل سياسي حقيقي، فهي تواجه الحصار في كل خطوة. وبالنسبة لتيار الأمل، فإن الأمر يتجاوز الحصار العام إلى معاملة خاصة وموجهة ضده، إذ نتعرض لتضييق ممنهج يمنعنا من ممارسة أبسط حقوقنا السياسية والتنظيمية، بدءًا من تأسيس الحزب ووصولًا إلى عقد لقاءات أو التواصل الطبيعي مع أعضائه ومؤيديه.
عمار علي حسن لــ”زاوية ثالثة”… الصحافة مكبلة.. البرلمان مُهندَس.. والحوار الوطني فرصة أُهدرت
هل من الممكن نرى المعارضة في جبهة موحدة خلال الفترة القادمة بما فيها تيار الأمل؟
أأمل ذلك، لكني أرى أن أي حديث عن التحالفات يجب أن يكون عمليًا لا شكليًا. علينا أولاً أن نتفق على مهمة واضحة، ثم نرى من هو المستعد للمشاركة فيها بجدية.
المهمة المقبلة في تقديري ترتبط بمستقبل الدولة المصرية، التي تقف أمام عدة سيناريوهات، وأهمها ما إذا كان سيتم تعديل الدستور مرة أخرى أم لا، لأن هذا القرار سيحدد المسار السياسي في السنوات القادمة.
وأرى أن القوى التي تصف نفسها بالمعارضة وتسعى لأن تكون بديلاً حقيقيًا للسلطة، يجب أن تتوحد حول هدف محدد وبسيط في هذه المرحلة، وهو رفض أي تعديلات دستورية جديدة والإبقاء على الدستور القائم كما هو، بدلاً من الدخول في معارك جانبية.
لسنا الآن بصدد الحديث عن ضرورة إصلاح الدستور أو إزالة ما لحق به من تعديلات في عام 2019، رغم أن ذلك من وجهة نظري أمر واجب، كما أننا لا نتحدث عن حجم الانتهاكات المتعلقة بالحقوق والحريات أو التعليم أو الصحة أو غيرها من الملفات التي يمكن الحديث عنها لساعات.
ما أطالب به الآن هو أمر أكثر بساطة، التوقف عن المطالبة بتعديل الدستور لأنه ليس “كراسة واجب” يتم تعديلها باستمرار كلما اقتضت الظروف السياسية ذلك. والشرعية الأساسية في الدول تقوم على الانتخابات والتداول السلمي للسلطة، بينما تحاول الأنظمة السلطوية المغلقة أن تستبدل هذه الشرعية بما تسميه “شرعية الإنجاز”.
إذا كانت السلطة واثقة من شعبيتها، لكان من الطبيعي أن تترك أحمد الطنطاوي يخوض الانتخابات السابقة في منافسة حقيقية، ولو حتى بمعايير غير مثالية، لكنه لم يطالب سوى بـ”ستارة وصندوق”، ومع ذلك تعرض هو وحملته، للمنع والتضييق والحبس.
ومن هنا أطرح مبادرة أعتقد أن كل معارضة جادة يجب أن تتعامل معها بجدية، وهي تشكيل “جبهة لحماية الدستور”. الهدف منها أن توجه رسالة واضحة إلى السلطة بعدم الإقدام على أي تعديلات دستورية جديدة، وأن تتفق قوى المعارضة مسبقًا على موقف موحد إذا حدث ذلك، بدلاً من تكرار الجدل المعتاد حول المشاركة أو المقاطعة أو انتظار الضمانات.
الهدف واضح بالنسبة لي: الحفاظ على الدستور وضمان مبدأ التداول السلمي للسلطة، وهو الاستحقاق الذي كان ينبغي أن يتحقق منذ سنوات وفق النصوص الدستورية الأصلية. كما أن من واجب المعارضة أن تقدم للناس تقييمًا حقيقيًا لأداء السلطة، وتطلب ثقة المواطنين باعتبارها بديلاً أفضل.
فالسلطة قدمت وعودًا تتعلق بمدد الرئاسة وإدارة الدين العام وتحسين الأوضاع الاقتصادية، ومن حق المواطنين أن يقارنوا بين هذه الوعود والنتائج على أرض الواقع، سواء فيما يتعلق بارتفاع حجم الدين، أو تراجع الإنفاق على الصحة والتعليم، أو السياسات الاقتصادية والاجتماعية المختلفة.
حين يفقد الناس الثقة في السلطة وفي المعارضة معًا، يصبح خطر الانفجار المجتمعي أكبر، ولذلك أرى أن مسؤولية المعارضة الجادة هي تقديم بديل دستوري وسلمي يحافظ على استقرار الدولة ويجنبها أي مخاطر.
وأنا شخصيًا، رغم رغبتي في حدوث تغيير سياسي، أريد أن يتم هذا التغيير في إطار دستوري ومنظم. وأعتقد أن أعظم إنجاز يمكن أن تشهده مصر هو أن يرى المصريون لأول مرة رئيسًا سابقًا يسلم السلطة لرئيس منتخب جديد في انتقال سلمي وديمقراطي. هذا المشهد، في تقديري، لا يمثل إنقاذًا للدولة فقط، بل يمكن أن يكون أيضًا الضمانة الأفضل لجميع الأطراف، بما فيها السلطة نفسها.
هل تتوقع أن تشهد مصر تداولاً سلميًا للسلطة في المستقبل؟
أتمنى ذلك، ولا أفضل الحديث بمنطق التوقعات، لأن المستقبل تحكمه عوامل ومتغيرات كثيرة، لكنني أؤمن بأن مسؤولية المعارضة الوطنية الرصينة هي أن تدفع دائمًا في اتجاه تحقيق التداول السلمي للسلطة بعقل ورشد، حتى لو لم تكن لدى السلطة الحالية رغبة في ذلك.
وأود هنا أن أصحح نقطة جرى ترويجها على نطاق واسع، وهي أنني حُبست بتهمة تزوير التوكيلات، وهذا غير صحيح على الإطلاق، فلم تُوجه إليَّ هذه التهمة أساساً. أنا أول مواطن مصري يُحاكم بتهمة وُصفت بأنها “مخالفة انتخابية”، ومضمونها أنني طلبت من أنصاري طباعة وتداول إحدى أوراق العملية الانتخابية دون إذن من الهيئة الوطنية للانتخابات.
وما زلت متمسكًا بكل ما قلته في مرافعتي أمام المحكمة، وأؤكد أنني لم أرتكب جريمة، ولو عاد الزمن لفعلنا الأمر نفسه. كل ما قمنا به هو مطالبة المواطنين الذين مُنعوا من تحرير توكيلاتهم في مكاتب الشهر العقاري بأن يحتفظوا بهذه التوكيلات لنسلمها إلى الهيئة الوطنية للانتخابات، ونقول لها إن بيانات أصحابها صحيحة وتوقيعاتهم صحيحة، وأن عليها إما إلزام مكاتب الشهر العقاري بتوثيقها أو اعتمادها بنفسها. وبسبب ذلك قضيت عامًا في السجن مع مدير حملتي الانتخابية محمد أبو الديار وعدد من أعضاء الحملة.
هل من الممكن أن تترشح مجددًا لرئاسة الجمهورية في 2030؟
أرى أن واجبي هو الاستمرار في تقديم نموذج لبديل مدني ديمقراطي، لكن هذا البديل ليس بالضرورة أن يتمثل في شخص أحمد الطنطاوي. وإذا سُئلت عما سأفعله في انتخابات 2030، فإجابتي هي نفسها التي قلتها قبل انتخابات 2023: سأدعو الجميع إلى التوافق على الشخص الأقدر على حمل مشروع التغيير.
وعندما أتحدث عن “الأقدر”، فأنا لا أدعي أنني أفضل من الجميع، بل أعرف شخصيًا عشرات الأشخاص الذين أراهم أفضل مني في كثير من الجوانب. لكن للأسف أصبحت أدوات الإعلام الحديثة تعتمد على اجتزاء التصريحات وإخراجها من سياقها لتحقيق الإثارة والانتشار.
وقد حدث ذلك أيضًا عندما عرضت رؤيتي الاقتصادية. ففي ظل وجود عجز كبير في التمويل، كنت أتحدث عن حلول قصيرة ومتوسطة وطويلة الأجل، وأقول بوضوح إن الدولة قد تضطر إلى الاقتراض، لكن الفارق يكمن في كيفية توجيه هذا الدين إلى مشروعات إنتاجية تدر دخلاً يمكن من خلاله سداد الالتزامات وتحقيق عائد يدعم الإنفاق العام، بدلاً من استمرار الدوران في الحلقة نفسها.
كذلك طرحت رؤية متكاملة للإصلاحات الدستورية والإدارية والمالية والمؤسسية، وتحدثت عن إعادة هيكلة إدارة الدولة، لكن البعض اختزل هذا البرنامج في عناوين مثيرة أو تصريحات مبتورة، مثل الحديث عن بيع الطائرة الرئاسية، بينما كانت القضية في حقيقتها جزءًا صغيرًا من مشروع إصلاحي واسع.
أعتقد أن مصر تمر بأزمة تتطلب البحث الجاد عن مخارج وحلول، وكلما أُغلق باب أمام الإصلاح، ينبغي البحث عن باب آخر، لأن مسؤولية العمل العام تفرض علينا الاستمرار في السعي نحو حلول دستورية وسلمية تفتح المجال أمام انتقال سياسي آمن ومستقر.
إذا ترشّح في الانتخابات الرئاسية 2030 أحد من داخل الأحزاب الموجودة في “الحيز المتاح” هل يمكن أن تدعمه؟
قولًا واحدًا لأ، دعيني أكون واضحًا. أنا قلتُ من قبل، بعد منعي من انتخابات 2023، إنني لا أشارك في تزكية مشهد انتخابي مُعدّ سلفًا، ولا أقبل أن أكون جزءًا من عملية تُقدَّم للناس باعتبارها تنافسًا حرًا، بينما هي في جوهرها أقرب إلى توزيع أدوار. لا يصح أن أطلب من الناس تصديق شيء لا أراه معبرًا عن إرادة سياسية حقيقية وكاملة.
المسألة ليست مسألة أشخاص. قد يكون بعض الأفراد على قدر كبير من الاحترام أو حسن النية، لكن الإشكال عندي يتعلق بطبيعة السياق نفسه: هل نحن أمام منافسة سياسية حقيقية أم أمام مساحة سياسية مُدارة ومحددة سلفًا؟ عندما تكون الحدود مرسومة مسبقًا، وتُحدد فيها فرص الحضور والاستبعاد، يصبح من الصعب التعامل معها بوصفها اختيارًا حرًا كاملًا.
هناك من يرى أن المشاركة، حتى داخل مساحة محدودة، أفضل من المقاطعة، هذا رأي سياسي يُحترم، ولكل طرف تقديره. غير أن المشاركة، حين تُفضي إلى منح شرعية لمشهد لا أراه مكتمل الشروط الديمقراطية، تتحول من فعل سياسي إلى إضفاء غطاء على واقع قائم. وأرى أن في ذلك نوعًا من خداع الناس. والسلطة، في تقديري، تعمل على ملء مقاعد المعارضة بأشخاص مستعدين لأداء أدوار محددة سلفًا، ومضمونة السلوك، ولا يخرجون عن النص المرسوم لهم.#
هل ترى أن المحامي محمد أبو الديار يدفع ثمن قربه أو ارتباطه بك؟
أنا جربت بالفعل أن هناك أشخاصًا دفعوا ثمن قربهم مني، سواء بسبب علاقة شخصية أو قناعة سياسية أو موقف مبدئي. وهذا من أكثر ما آلمتني تجربته. لكن من الخطأ في رأيي اختزال هؤلاء الأشخاص في أنهم “مجرد تابعين لي” أو أنهم يدفعون الثمن لأنهم قريبون من أحمد طنطاوي.
محمد أبو الديار تحديدًا أكبر من هذا التصنيف بكثير. هو ليس تابعًا لأحد، ولا يصح أن يُقدَّم بهذه الصورة؛ لأن في ذلك ظلم له قبل أن يكون إقرارًا بحقيقة ما. وإذا فعلتُ ذلك فأنا لا أنصفه، بل أستغله وأضخم دوري على حسابه، وهذا ما لا أقبله.
وأنا حين أكتب أو أتحدث عنه، فأنا أقصد شخصه وما يمثله من موقف وقناعة، لا بوصفه امتدادًا لي. وكل ما كتبته عنه في لحظة حبسه كان تعبيرًا صادقًا، وأنا ما زلت متمسكًا به، بل وأرى أنه يستحق أكثر من ذلك.
لكن الأهم بالنسبة لي أن القضية ليست شخصًا واحدًا. محمد، في النهاية، يمثل نموذجًا لكل من رفض أن يتخلى عن موقفه أو يتراجع عنه وتحجيجًا فيما يخص دوره في دعم المعتقلين ولجنة سجناء الرأي، فهو صاحب قضية ومبدأ وهو يدفع ثمن ذلك شامخاً مرفوع الرأس.
وفي الوقت نفسه، هناك ألم حقيقي من فكرة أن بعض الناس يُحاسبون أو يُؤذَون فقط لأنهم قريبون مني أو يعملون معي. هذا عبء لا يمكن إنكاره، لكنه واقع يفرض نفسه، ولا يمكن التعامل معه إلا بالاعتراف به وبالتمسك بأن ما يقومون به ليس جريمة، بل موقف.
فيما يخص الأداء السياسي، كيف تنظر إلى وضع الراهن ودور المعارضة داخل البرلمان المصري؟
في أي نظام سياسي طبيعي، الأحزاب هي التي تحسم قرارها الداخلي: من يترشح، ومن يتحالف، وكيف تُدار العملية السياسية داخل البرلمان أو خارجه. وعندما تكون الأحزاب قائمة بذاتها بالفعل، فهي التي تصنع قرارها، وتحاسب نفسها، وتبني تحالفاتها وفق برنامج واضح.
أما عندما يغيب هذا المعنى الحقيقي لاستقلال القرار الحزبي، وتتحول المشاركة السياسية إلى مساحات مُدارة ومحددة سلفًا، بحيث يُقال لهذا الطرف “لك هذه المساحة” ولآخر “لك تلك”، فإننا لا نكون أمام منافسة سياسية كاملة، بل أمام مشهد مُقيد.
المسألة في جوهرها ليست في عدد الأحزاب أو المقاعد، بل في مدى وجود فعل سياسي حقيقي يطابق الخطاب. كثير من البرامج تُقال، لكن السؤال: أين الفعل الذي يثبتها؟ أين القدرة على التغيير الفعلي داخل البرلمان أو في المجال العام؟
حين يصبح الكلام أكبر من القدرة على تحقيقه، أو حين تُطرح شعارات لا يمكن اختبارها في الواقع، يبدأ الناس في فقدان الثقة، ويتحول الأمر إلى ما يشبه “لعبة سياسية” لا تعكس تنافسًا حقيقيًا.
أنا لا أطلب من أحد أكثر مما يستطيع، لكنني أقول ببساطة: من يطرح موقفًا سياسيًا يجب أن يكون قادرًا على تبريره بالفعل، وأن يتحمل نتائجه. أما غير ذلك، فلا ينبغي أن يُقدَّم على أنه ممارسة سياسية مكتملة الأركان.
فيما يخص السياسة الخارجية، كنت في وقت سابق قد أشدت ببعض جوانبها. كيف تنظر إليها اليوم؟
المعارضة ليست وظيفة دائمة، بمعنى أنه عندما نرى أمرًا إيجابيًا، لا يصح أن نمتنع عن الإقرار به لمجرد موقعنا السياسي، كما أنه لا يصح في المقابل أن نلجأ إلى توصيف كل شيء بأنه سلبي على نحو مطلق.
لكن في الوقت نفسه، الإقرار بنقطة إيجابية لا يعني إغفال وجود تقييم عام للأداء السياسي. أي إدارة في العالم لا يمكن أن تكون خالية تمامًا من عناصر الصواب، هذا غير وارد. غير أن الحكم العام يُبنى على الصورة الكلية لا على الجزئيات.
وإذا تحدثنا عن مصر تحديدًا، فهناك إدراك بأن موقعها، بحكم التاريخ والجغرافيا والوزن السكاني، يفرض عليها دورًا أكبر وأثقل مما هو قائم. الإشكال، في تقديري، لا يتعلق بغياب الإمكانات، بل بكيفية إدارتها سياسيًا.
المسألة الجوهرية بالنسبة لي هي حضور المواطن في المعادلة السياسية، لا بوصفه طرفًا هامشيًا أو عبئًا، بل بوصفه عنصرًا فاعلًا في صناعة القرار. فكلما تراجع هذا الحضور، تراجع معه معنى التمثيل السياسي الحقيقي، بصرف النظر عن جودة بعض السياسات هنا أو هناك.
كيف ترى العلاقة بين مصر ودول الخليج، خصوصًا على المستوى السياسي؟
أرى أن هذه العلاقة، في بعض جوانبها، تعاني من اختلال في التوازن، وهو ما يعكس في تقديري تصورًا غير دقيق لطبيعة الإدارة السياسية في المنطقة.
مصر، بحكم تاريخها وموقعها وثقلها السكاني والحضاري، قادرة على أن تكون طرفًا فاعلًا ومؤثرًا في الإطار العربي، لا مجرد طرف يتلقى الدعم أو المساندة. وفي المقابل، فإن لكل دولة عربية مكانتها واحترامها، بصرف النظر عن حجمها أو مواردها، فالعلاقات بين الدول لا تُقاس بهذا الشكل وحده.
لكن الإشكال، كما أراه، أن هذا التوازن في التصور لم يعد حاضرًا بالشكل الكافي، بما أتاح في بعض اللحظات سوء فهم لطبيعة الأدوار والأحجام والنفوذ المتبادل. وهذا ما يجعل بعض التصورات للعلاقة غير منضبطة سياسيًا أو غير دقيقة في التعبير عن الواقع.
وأؤكد في الوقت نفسه أن الخطاب الرسمي في مثل هذه القضايا يجب أن يكون محسوبًا بدقة، لأن ما يُقال في هذا المستوى لا يبقى مجرد رأي عابر، بل يتحول إلى وثيقة تاريخية تُبنى عليها قراءات لاحقة للعلاقات بين الدول والمراحل المختلفة.