وزارة الأوقاف تُجمّد التعاملات العقارية في ثلاث محافظات بوثيقة عمرها 400 عام

أصدرت مصلحة الشهر العقاري منشورًا جمّد البيع والشراء والتسجيل على أكثر من 400 ألف فدان في دمياط والدقهلية وكفر الشيخ، استنادًا إلى حجة وقف يعود تاريخها للقرن السابع عشر تنسبها هيئة الأوقاف إلى أمير عثماني
Picture of آية ياسر

آية ياسر

في مايو الماضي، وجد آلاف المواطنين في دمياط والدقهلية وكفر الشيخ أنفسهم عاجزين عن بيع شققهم أو تسجيل عقودهم أو استكمال ملفات التصالح على منازلهم، بعدما أصدرت مصلحة الشهر العقاري والتوثيق قرارًا بوقف جميع التعاملات على ما بين 420 و441 ألف فدان موزعة على المحافظات الثلاث، تشمل مناطق استراتيجية مثل رأس البر ودمياط الجديدة وميناء دمياط وبحيرة البرلس، وامتدت تداعياته لتطال الملكيات القانونية المستقرة وملف التصالح في مخالفات البناء والمشروعات التنموية الجارية هناك.

القرار يستند إلى حجة وقف تاريخية تعود، وفق الرواية الرسمية، إلى عام 1008 هجرية، تدّعي بموجبها هيئة الأوقاف ملكية تلك الأراضي باعتبارها وقفًا خيريًا يعود إلى العصر العثماني. غير أن المحكمة الإدارية العليا انتهت في يونيو 2025 إلى عدم وجود سند تاريخي أو مساحي لهذه الحجة، ولجنة حكومية خلصت عام 2001 إلى النتيجة ذاتها في 106 صفحات — وهو نزاع ظلّ يُحسم قضائيًا لصالح الأهالي منذ ثمانينيات القرن الماضي، قبل أن يُعاد فتحه اليوم بقرار إداري واحد، فيما تتصاعد التحركات البرلمانية والقضائية الرافضة للقرار والمشككة في أساسه التاريخي والقانوني.

المنشور الفني رقم 8 لسنة 2026، الصادر في 6 مايو الجاري

وفي تحرك قانوني سريع، تقدم المحامي الدكتور أحمد يحيى فايد بطعن قضائي مستعجل أمام محكمة القضاء الإداري برأس البر، ضد وزير العدل ورئيس هيئة الأوقاف ووزير الأوقاف ومساعد وزير العدل لشؤون الشهر العقاري، مطالبًا بوقف تنفيذ وإلغاء القرار الإداري رقم 5038 لسنة 2026 والمنشور الفني رقم 8 الصادرين بشأن وقف التعامل على الأراضي محل “حجة وقف الأمير مصطفى عبد المنان” بمحافظات دمياط والدقهلية وكفر الشيخ.

وبحسب ما ورد بالطعن، خالف القرار أحكام القضاء النهائية، مستندًا إلى حكم المحكمة الإدارية العليا الصادر في يونيو 2025، والذي انتهى إلى عدم وجود سند تاريخي أو مساحي لحجة الوقف، وعدم ورودها في السجلات الرسمية أو المكلفات أو الدفاتر المساحية على مدار قرون، فضلًا عن عدم ثبوت وضع يد هيئة الأوقاف على تلك الأراضي.

كذلك أشار إلى وجود ملكيات ثابتة للدولة ولأهالٍ مسجلة ومشهرة، وأراضٍ سبق تخصيصها بمراسيم خديوية وملكية، ودفع الطاعن بأن القرار استند إلى صورة ضوئية من حجة سبق أن اعتبرتها المحكمة “والعدم سواء”، بما يفقد القرار سببه القانوني، مستعرضًا التسلسل التاريخي لملكية الأراضي، التي خضعت للأملاك الأميرية منذ عهد محمد علي، ثم للإصلاح الزراعي، قبل تسليم أجزاء منها لمحافظة دمياط، مشيرًا إلى كتاب صادر عن هيئة الأوقاف عام 1995 الذي يفيد برفع الحظر عن التصرفات في الأراضي محل النزاع، وقد اعتبر أن إعادة فرض الحظر بعد أكثر من ثلاثين عامًا يمثل إساءة لاستعمال السلطة.

ويرى “فايد” أن القرار تسبب في شلل واسع بحركة التسجيل والتوثيق والعقارات، وأضر بحقوق المواطنين والمحامين، فضلًا عن غموض نطاق الأراضي المشمولة بالحظر وغياب سقف زمني واضح له، مطالبًا بوقف تنفيذ القرار بشكل عاجل لما يترتب عليه من أضرار يتعذر تداركها، ثم إلغائه نهائيًا مع ما يترتب على ذلك من آثار قانونية.

ومن المقرر أن تنظر المحكمة أولى جلسات الطعن في 13 يونيو المقبل فيما يؤكد “فايد”  أن القرار تسبب في شلل كامل بحركة البيع والشراء والتسجيل العقاري وتعطيل توكيلات البيع والإدارة، وإثبات التاريخ على عقود الإيجار، فضلًا عن توقف المصالحات في مخالفات البناء، في دمياط وكفر الشيخ والدقهلية، محذرًا من تداعيات اجتماعية وقانونية واسعة نتيجة التشكيك في ملكيات مستقرة منذ سنوات طويلة. 

يقول لـ”زاوية ثالثة”: “توقيت إعادة طرح حجة الوقف يثير تساؤلات، خاصة مع وجود أحكام قضائية ولجان فنية سابقة انتهت إلى عدم صحة ادعاءات الأوقاف بشأن الوقف، والنزاع أُثير أكثر من مرة منذ ثمانينيات القرن الماضي، وكانت الأحكام تصدر ضد هيئة الأوقاف، قبل أن يعاد فتح الملف مجددًا بعد سنوات”. موضحًا أن “هيئة الأوقاف لم تقدم سوى صور ضوئية للحجة دون أصل رسمي معتمد، بينما انتهت بعض التقارير إلى أن الأراضي التي يُفترض أن الوقف كان قائمًا عليها لم تعد موجودة جغرافيًا نتيجة تغيرات الساحل عبر قرون”.

 

صورة من الطعن المستعجل على القرار الإداري رقم 5038 لسنة 2026 والمنشور الفني رقم 8
صورة من الطعن المستعجل على القرار الإداري رقم 5038 لسنة 2026 والمنشور الفني رقم 8

 

نوصي للقراءة: نزع الملكية بـ”التحايل”… هل خدعت الحكومة سكان القاهرة التاريخية؟

وثيقة مشكوك في صحتها 

وتستند الرواية الرسمية، في النزاع إلى صورة حجة وقف تاريخية تعود إلى عام 1008 هجرية، مسجلة بالمحكمة الشرعية بالمحلة الكبرى، وتنسب إلى الأمير مصطفى عبد المنان، أحد أمراء الدولة العثمانية، وتعتبرها الأوقاف سندًا قانونيًا لملكية الأراضي باعتبارها وقفًا خيريًا، بينما يشكك البعض في صحة الحجة، مستندين إلى غياب الأصل الرسمي، والاعتماد على صور ضوئية فقط، فضلًا عن عدم وجود إشارات واضحة للحجة في السجلات والمساحات التاريخية على مدار قرون، وغياب السند المساحي وعدم ثبوت وضع يد الهيئة على الأراضي محل النزاع.

وتعتقد الدكتورة أسماء حسنين، الباحثة في التاريخ الحديث والحضارة الإسلامية، أن الوثيقة المتداولة تثير شكوكًا كبيرة حول صحتها، لأن التسلسل الزمني الوارد في الوثيقة غير منطقي تاريخيًا، إذ أنها تربط بينه وبين السلطان الظاهر برقوق، رغم أن الأخير ينتمي إلى العصر المملوكي وتوفي عام 801 هجريًا، بينما تشير المصادر التاريخية إلى أن  مصطفى عبد المنان عاش في العصر العثماني، وولد، وفق بعض الروايات، سنة 1027 هجريًا، أي بعد وفاة برقوق بما يزيد على قرنين.

وتوضح في حديثها لـ”زاوية ثالثة” أن المصادر التاريخية التي تناولت شخصية الأمير مصطفى عبد المنان، ومنها كتابات “الحموي”، تذكر أنه كان من أعيان دمشق وعاش فيها طوال حياته، كما دُفن إلى جوار والده في دمشق، وهو ما يثير تساؤلات إضافية حول ارتباطه بأراضٍ شاسعة داخل مصر على النحو المتداول حاليًا، مشيرة إلى أن ظهور الوثيقة وتداولها في هذا التوقيت، بالتزامن مع الجدل البرلماني وطلبات الإحاطة المقدمة بشأن الوقف، يعزز الشكوك المثارة حولها، خاصة مع عدم تداولها أو الاستناد إليها تاريخيًا طوال العقود السابقة في النزاعات المتعلقة بالأراضي.

وتؤكد “أسماء” أن أي حسم نهائي في هذه القضية يحتاج إلى مراجعة علمية دقيقة للوثيقة من المتخصصين في التاريخ والوثائق والمخطوطات، إلى جانب الفحص القانوني والقضائي، للتحقق من مدى صحتها واتساقها مع الوقائع التاريخية المعروفة.

حجة وقف الأمير مصطفى عبد المنان
حجة وقف الأمير مصطفى عبد المنان

وبحسب مصدر قانوني مطلع على القضية، فضل عدم ذكر اسمه، فإن وزارة الأوقاف تدعي أن 90 % من أراضي محافظة دمياط تابعة لها، رغم أن 99 ٪ من أراضي رأس البر والسنانية وكفر البطيخ وكفر سعد تم تمليكها للمواطنين بموجب عقود مسجلة وبيعات من مصلحة الأملاك الأميرية، وسبق أن رفض القضاء، الدعاوى المقامة من الأوقاف وقام بتثبيت ملكية الأهالي، إذ صدرت أحكام عديدة ضد الأوقاف في ناحية رأس البر والسنانية وكفر البطيخ وكفر سعد، تأسيسًا على عدم وجود تكليف بإسم وقف المنان وأن الأوقاف لم تضع يدها على أية أراضي في هذه المناطق في أي وقت من الأوقات، كما أن حجة الوقف مطموسة المعالم والحدود.

ويؤكد الخبير القانوني صدور حكم نهائي بات عام 1997 ضد الأوقاف في الدعوى المرفوعة من هيئة المجتمعات العمرانية ضد وزير الأوقاف ورئيس مجلس إدارة هيئة الأوقاف وقضت المحكمة بمنع تعرض الأوقاف لكامل المساحة محل الدعوى والتي تشمل كامل مساحة رأس البر والسنانية وكفر البطيخ وصولاً إلى جمصة ، وقد تم تأييد هذا الحكم من محكمة الاستئناف ومن محكمة النقض، كما صدرت عدة مخاطبات من الأوقاف للشهر العقاري عام 1995 لرفع الحظر الخاص بوقف المنان عن البيعات والعقود المسجلة الصادرة من جهات حكومية.

ويشير إلى أنه في عام 1999 صدر تكليف من اللجنة التشريعية بمجلس الوزراء لمصلحة الخبراء بوزارة العدل لتشكيل لجنة من الخبراء لبحث مشكلة الأوقاف مع محافظات دمياط والدقهلية وكفر الشيخ ، وانتهت لجنة الخبراء إلى الآتي: لم تقدم الأوقاف أصل الحجة أو أصل التقرير الهندسي المطبق لها، لا يوجد تكليف بإسم ذلك الوقف، هذه الحجة غير معلاة على المراجع المساحية الحديثة أو القديمة، الأوقاف لم تقدم ما يفيد تسجيل هذه الحجة أو ما يفيد وضع يدها أو تعاملها مع واضعي اليد أو أصحاب التكليف في أي فترة زمنية.

 

نوصي للقراءة: فوضى السوق العقاري في مصر: شركات تبيع وحدات على أراضٍ غير مسجلة باسمها


حماية الملكيات 

 يرى الدكتور عباس الزعفراني، العميد السابق لكلية التخطيط العمراني بجامعة القاهرة، أن التعامل مع ملف وقف الأمير مصطفى عبد المنان يجب أن ينطلق من حماية حقوق المواطنين والأوضاع القانونية المستقرة، بحيث تكون الأولوية لعدم الإضرار بالأفراد الذين استقرت أوضاعهم القانونية منذ سنوات طويلة، سواء عبر التعاقدات الرسمية أو أوضاع اليد التي كان القانون المصري يعترف بها في فترات سابقة.

يقول لـ”زاوية ثالثة”: “وزارة الأوقاف، وفقًا لأحكام القانون، تُعد ناظرًا على الوقف وليست مالكًا حقيقيًا له، وتتمثل وظيفة الوزارة الأصلية  في إدارة الأوقاف وتنفيذ شروط الواقفين لصالح المستحقين أو الأغراض المخصصة لها، وليس التعامل معها باعتبارها ملكية خاصة بالوزارة نفسها”.

ويؤكد أن أي حديث عن استرداد أراضٍ أو منازعة المواطنين بشأنها يجب أن يراعي وجود مستحقين للوقف من عدمه، موضحًا أنه إذا وُجد أصحاب حقوق مثبتة أو ورثة مستحقون للوقف، فمن الواجب البحث عن صيغة قانونية تحقق التوازن بين حقوقهم وحقوق المواطنين الحاليين المقيمين على الأرض أو الحائزين لها منذ عقود، أما إذا لم يكن هناك مستحقين واضحون، فلا يجوز الإضرار بالأوضاع القانونية المستقرة للناس.

ويشير إلى أن جزءًا كبيرًا من الأراضي المتنازع عليها انتقلت ملكيتها أو حيازتها عبر سنوات طويلة، سواء من خلال وضع اليد أو عبر تخصيصات وتعاقدات مع جهات حكومية، وهو ما خلق مراكز قانونية واجتماعية مستقرة لا يمكن تجاهلها فجأة بقرارات إدارية، محذرًا من أن تجاهل هذه الاعتبارات قد يؤدي إلى ظلم فئات واسعة من المواطنين.

ويعتبر أن تدخل هيئة الأوقاف في بعض المشروعات العمرانية والتنموية قد يؤدي أحيانًا إلى تعطيل التنمية، مستشهدًا بحالات سابقة شهدت نزاعات بين الأوقاف والجهات التنفيذية حول أراضٍ جرى تطويرها أو إعادة استخدامها لخدمة السكان والمجتمع.

ويعتقد أن الأزمة الحالية تكشف إشكالية أوسع تتعلق بطبيعة إدارة ملف الأوقاف في مصر، وحدود دور وزارة الأوقاف بوصفها جهة إشراف وإدارة، لا جهة ملكية مباشرة، مؤكدًا أن حسم النزاع يتطلب مراجعة قانونية وتاريخية دقيقة، تراعي حقوق المستحقين الأصليين، إن وُجدوا، وفي الوقت نفسه تحافظ على الاستقرار العمراني والاجتماعي وحقوق المواطنين القائمين على هذه الأراضي منذ أجيال.

فيما يعتبر إبراهيم عز الدين، مدير السياسات في ديوان العمران، أن ما يحدث يعكس حالة من التخبط الإداري وغياب الشفافية في إتاحة المعلومات المتعلقة بالسياسات العامة في مصر، موضحًا أن منشور الشهر العقاري الخاص بوقف التعامل على الأراضي أثار حالة من القلق والارتباك بين الملاك، وفتح الباب أمام انتشار شائعات ومخاوف تتعلق بإمكانية فقدان الملكية أو عدم القدرة على التصرف في العقارات مستقبلًا.

يقول لـ”زاوية ثالثة”: “الصورة لا تزال غير واضحة بالكامل فيما يتعلق بالمشروع، خاصة في ظل وجود نزاع قائم بين هيئتي الأوقاف والإسكان حول ملكية الأرض محل المشروع السكني”، مشيرًا إلى أن الأصل القانوني يفترض عدم تأثر الملاك بأي نزاع إداري أو قانوني يتعلق بملكية الأرض، طالما أن عقودهم مستقرة منذ سنوات وأوضاع الملكية الخاصة بهم قائمة بصورة قانونية، مؤكدًا أن حماية هذه المراكز القانونية المستقرة تمثل أحد المبادئ التي يفترض أن يكفلها القانون، حتى في حال انتقال ملكية الأصول أو تبعيتها بين جهات الدولة المختلفة.

وتأتي الأزمة في سياق أوسع يتعلق بحصر وتوثيق أصول هيئة الأوقاف وتعظيم الاستفادة الاقتصادية منها، إذ وجّه الرئيس عبد الفتاح السيسي، في 16 مايو الماضي، بالاستمرار في حصر وتوثيق جميع أملاك وأصول هيئة الأوقاف لتعظيم استثمارها الاستغلال الأمثل، بهدف دعم الاقتصاد الوطني وضمان تحقيق أقصى عائد للوقف بما يخدم مقاصده الشرعية والاجتماعية.

وركزت التوجيهات على إنشاء خرائط مساحية ورقمية وقاعدة بيانات متكاملة لكافة الأصول والممتلكات للوصول إلى حصر دقيق ومنع التعديات، وطرح الفرص الاستثمارية الواعدة بالتعاون مع كبرى الشركات المتخصصة والمطورين العقاريين لرفع القيمة الاقتصادية لأصول الهيئة، بجانب استغلال الأصول لتتوافق مع مشروعات التنمية الشاملة للدولة، مثل تطوير مناطق القاهرة التاريخية وتحويلها إلى مزارات حضارية جاذبة.

 

نوصي للقراءة: ترام الإسكندرية.. التطوير أسرع من أحكام القضاء


تحركات برلمانية
 

من جانبه، تقدم النائب ضياء الدين داود، عضو لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية بمجلس النواب، منتصف مايو، ببيان عاجل إلى رئيس مجلس النواب استنادًا إلى المادة 134 من الدستور، بشأن الأزمة.

وأوضح أن القرار استند إلى مراسلات صادرة عن وزارة العدل بشأن وقف أي إجراءات لحين الانتهاء من حصر الأراضي، معتبرًا أن ذلك يمثل اعتداءً على حقوق الملكية والانتفاع، وتعطيلاً لقوانين التصالح في مخالفات البناء وتقنين وضع اليد، فضلًا عن الإضرار بمبدأ سيادة القانون، مشيرًا إلى أن النزاع ممتد منذ أكثر من 30 عامًا، وقد حُسم عبر تقارير فنية رسمية عام 2001 أكدت ملكيات الدولة والأهالي استنادًا إلى سجلات تاريخية وأعمال مساحية ووثائق رسمية.

وحذر من آثار خطيرة للقرار، شملت شللًا في خدمات الشهر العقاري، وتعطيل عشرات الآلاف من طلبات التصالح، ووقف توصيل المرافق وتراخيص المحال، وتجميد مشروعات واستثمارات كبرى في المحافظات الثلاث، بما يهدد الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، مطالبًا بإلغاء المنشور فورًا، ووقف منازعات هيئة الأوقاف مع المواطنين والمحافظات، وإعادة الانضباط القانوني للملف.

ويؤكد “داود” أن الأزمة تمثل تهديدًا مباشرًا للمراكز القانونية المستقرة للمواطنين، وأن النزاع القائم يهدر حجية الأحكام القضائية السابقة التي صدرت بشأنه، معتبرًا أنه لا وجود قانوني ثابت لهذا الوقف لكون هيئة الأوقاف لم تمارس، على مدار نحو 400 عام، أيًا من مظاهر الملكية أو الإدارة أو تحصيل الريع على الأراضي محل النزاع.

يقول لـ”زاوية ثالثة”: “الدولة مارست حقها الكامل في البيع والتصرف والاستغلال لتلك الأراضي عبر عقود طويلة، سواء قبل ثورة يوليو 1952 أو بعدها، والخرائط المساحية الحديثة وفك الزمام المصري منذ عام 1906، ثم خرائط مصر الحديثة عام 1932، رسخت أوضاع الملكية القائمة”.

ويضيف: “المنشور الفني الصادر عن مصلحة الشهر العقاري تسبب في آثار سلبية واسعة، أبرزها وقف أكثر من 50 ألف طلب تصالح في مخالفات البناء، ما يعطل تطبيق القانون رقم 168 لسنة 2025، إلى جانب تعطيل إجراءات تقنين أوضاع واضعي اليد وفق القانون رقم 164 لسنة 2025”.

ويشير “داود” إلى أن تداعيات القرار امتدت إلى شلل كامل في حركة البيع والشراء والتأجير، وتعطيل تأسيس الشركات وإتمام عمليات البيع، محذرًا من أن الأزمة قد تهدد مراكز اقتصادية واجتماعية مستقرة، وتعرض مواطنين لمخاطر قانونية واجتماعية، فضلًا عن تهديد السلم والاستقرار الاجتماعي في المحافظات المعنية.

ويقول البرلماني المصري إن “تقرير حكومي أُعد عام 2001 في 106 صفحات بواسطة لجنة من خبراء مصلحة الخبراء، انتهى إلى عدم وجود أثر قانوني للحجة محل النزاع في مواجهة الدولة أو الأفراد، معتبرًا أن هذا التقرير سبق أن حسم منازعات مشابهة لصالح المواطنين والمحافظات.”

 ولا يتوقع “داود” أن تسمح الدولة بالاعتداء على الملكية الخاصة للأفراد أو أملاك الدولة في محافظات دمياط والدقهلية وكفر الشيخ، مرجحًا تشكيل لجنة قومية لمراجعة حجة الوقف ومدى صحتها القانونية والتاريخية، وما إذا كانت هيئة الأوقاف قد مارست أي شكل من أشكال الإدارة الفعلية على تلك الأراضي. 

وفي سياق متصل، أعلن 19 نائبًا تضامنهم مع الأهالي المتضررين  بمحافظات دمياط والدقهلية وكفر الشيخ ضد ما وصفوه بالحجج الواهية لوزارة الأوقاف بمزاعم وقف المنان، وتقدم عدد منهم بطلبات إحاطة برلمانية موجهة إلى رئيس مجلس النواب ووزيري العدل والأوقاف، طالبت بإلغاء المنشور الفني فورًا. فيما اعتبروا القرار تهديدًا لاستقرار الملكيات الخاصة والعامة، ويؤدي إلى شلل واسع في حركة العقارات والخدمات المرتبطة بها، مطالبين بإحالة الملف إلى اللجان البرلمانية المختصة، واستدعاء ممثلين عن وزارات العدل والأوقاف والتنمية المحلية لمناقشة الأسس القانونية والإدارية التي استند إليها القرار.

بدوره يؤكد النائب عبد المنعم إمام، وكيل  لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب المصري، أن قرار وقف التعامل على الأراضي المرتبطة بوقف الأمير مصطفى عبد المنان تسبب في حالة شلل كامل لحركة البيع والشراء، محذرًا من أن تداعياته لا تقتصر على السوق العقاري فقط، وإنما تمتد إلى التشكيك في الملكيات المستقرة منذ سنوات طويلة، بما يحمله ذلك من أبعاد اجتماعية وقانونية مأساوية.

ويشرح أن الاعتراضات البرلمانية تركزت على توقيت إعادة طرح حجة الوقف وما أثارته من علامات استفهام، خاصة في ظل وجود أحكام ولجان سابقة انتهت إلى عدم صحة بعض الادعاءات المتعلقة بالوقف ذاته، مشيرًا إلى أن هذه السوابق القضائية والإدارية كانت تستوجب التعامل مع الملف بصورة مختلفة، بدلًا من تعليق التعاملات على هذا النطاق الواسع من الأراضي.

يقول لـ”زاوية ثالثة”: “الصورة لا تزال غير مكتملة فيما يتعلق بخلفيات القرار، والذي يتطلب عرضًا كاملاً للتفاصيل والمستندات والتاريخ المساحي للأراضي محل النزاع، حتى يمكن تقييم الموقف بصورة دقيقة، بينما غياب هذه المعلومات يفتح الباب أمام مزيد من الجدل والارتباك”.

ويوضح أن البرلمان طالب بحضور ممثلين عن وزارتي العدل والأوقاف إلى مجلس النواب لمناقشة الأزمة بصورة مشتركة، والوقوف على الأسس القانونية والإدارية التي بُني عليها القرار، في ظل حالة الجدل الواسعة التي أثارها داخل المحافظات المتضررة، مشيرًا إلى أن هناك أوقافًا غير مستغلة يمكن إعادة تنظيم استغلالها عبر آليات قانونية، مثل الاستبدال أو غيره من الإجراءات التي تضمن الحفاظ على طبيعة الوقف وتوجيه عوائده إلى الأغراض التي حددها الواقف.

وفي السياق ذاته تقدمت النائبة إيرين سعيد، رئيسة الهيئة البرلمانية لحزب الإصلاح والتنمية، بطلب إحاطة عاجل إلى رئيس الوزراء ووزراء الأوقاف والعدل والتنمية المحلية بشأن الأزمة، متسائلة حول حجة الوقف التي تعود إلى عام 1600 ميلادية، رغم إيداعها بدار الوثائق لأول مرة في فبراير 2026.

وأكدت أن القرار تسبب في شلل إداري وعقاري واسع، شمل تعطيل أكثر من 50 ألف طلب تصالح، ووقف التراخيص والتوثيق وتوصيل المرافق، إضافة إلى تجميد مشروعات واستثمارات بمئات الملايين، بينها تطوير لسان رأس البر وكورنيش السنانية. 

وتشرح “إيرين” أن القرار أثار حالة واسعة من الارتباك القانوني والمجتمعي، خاصة أن الحجة التي تستند إليها هيئة الأوقاف ليست أصلًا رسميًا، وإنما صورة جرى إثباتها حديثًا في دار الوثائق قبل أشهر قليلة، رغم استقرار الخرائط المساحية والملكيات العقارية في المحافظات الثلاث منذ عقود طويلة.

تقول لـ”زاوية ثالثة”: “المواطنين بنوا مراكز قانونية مستقرة على هذه الأراضي والعقارات عبر سنوات طويلة، في ظل حماية دستورية للملكية الخاصة والعامة، والقرار أحدث حالة من الارتباك بين الأهالي والمستثمرين، بعدما أصبح المواطنون غير قادرين على البيع أو الشراء أو استكمال الإجراءات القانونية الخاصة بأملاكهم، رغم وجود أوضاع قانونية مستقرة منذ سنوات”. 

وتشير إلى حدوث شلل كامل داخل دمياط وكفر الشيخ والدقهلية، نتيجة وقف التصرف في العقارات والأراضي، فضلًا عن تعطيل ملفات التصالح على مخالفات البناء وتقنين الأوضاع، متسائلة حول مدى دستورية القرار، خاصة في ظل وجود حقوق مكتسبة ومراكز قانونية قائمة يحميها الدستور والقانون.

وتتابع “إيرين”: “الأراضي الوقفية في مصر معروفة تاريخيًا ومثبتة بحجج رسمية ومتداولة بين الأجيال، وظهور حجة في عام 2026 بشأن ملكية نحو 7% من مساحة الأراضي الزراعية في مصر، يطرح علامات استفهام عديدة”، معتبرة أن الأمر يحتاج إلى تدقيق قانوني وتاريخي شامل قبل اتخاذ قرارات تمس ملايين المواطنين ومشروعات التنمية القائمة.

وتُبيّن أن الأزمة لا تتعلق فقط بالملكية العقارية، بل تمتد أيضًا إلى المشروعات التنموية الجارية في المحافظات الثلاث، خاصة في مناطق مثل دمياط والمنصورة الجديدة، التي تشهد توسعًا عمرانيًا واستثماريًا كبيرًا، متسائلة عن مصيرها.

نتيجة التحركات البرلمانية عقد وزير الأوقاف أسامة الأزهري، اجتماعًا مع محافظي دمياط والدقهلية وكفر الشيخ، ورئيس مركز التخطيط لاستخدامات أراضي الدولة، لبحث الأزمة في 25 مايو الماضي، وبحسب بيان صادر عن الوزارة فإن الاجتماع أكد عدم المساس بحقوق أصحاب المراكز القانونية المستقرة داخل نطاق الوقف، مع التوجيه باستئناف إجراءات التصالح على مخالفات البناء بصورة عاجلة، تخفيفًا عن المواطنين، فيما تقرر تعويض هيئة الأوقاف بأراضٍ بديلة من أراضي الدولة، بما يحقق التوازن بين حقوق الأهالي والحفاظ على أموال الوقف.

لكن الأزمة ما تزال متصاعدة، خاصة بعد تصريحات الدكتور أسامة رسلان، المتحدث باسم وزارة الأوقاف، نهاية مايو الماضي، أكد خلالها ثبوت الحجة وامتلاك هيئة الأوقاف لها، مع وجود نسخة محفوظة بدار الكتب والوثائق القومية، معلنًا أن لجنة قضائية مشكلة بقرار رئاسي للفصل في النزاعات بين الجهات الحكومية أصدرت توصيات متكررة لصالح هيئة الأوقاف بعد تقديم مستنداتها الأصلية، رافضًا الاعتراف بالأحكام القضائية المتداولة بشأن بطلان الحجة، معتبرًا أنها صدرت نتيجة الطعن على صور المستندات دون الاطلاع على الأصل. 

وبين أحكام قضائية سابقة تشكك في سند الوقف، وتحركات برلمانية وقضائية تطالب بإلغاء القرار، تبقى أزمة “وقف الأمير مصطفى عبد المنان” مفتوحة على احتمالات قانونية وسياسية معقدة، تتجاوز مجرد نزاع عقاري إلى اختبار لقدرة الدولة على الموازنة بين حماية أموال الوقف، وضمان استقرار الملكيات الخاصة والمراكز القانونية القائمة منذ عقود.

آية ياسر
صحافية وكاتبة وروائية مصرية حاصلة على بكالوريوس الإعلام- جامعة القاهرة.

Search