على بعد مئات الكيلومترات من مدينة العلمين الجديدة، حيث تعقد الحكومة اجتماعاتها من مقرها الصيفي الساحلي، يجلس موظف وزارة الصحة “محمود راشد” في صالة شقته بعين شمس، وأمامه ورقة وقلم، بينما تحيط به زوجته وطفلاه (8 و11 عامًا). ليست الورقة لخطط العطلة، بل لحسابات أدق: كم يقتطع يوم واحد على البحر من راتبه الشهري؟
في أبريل الماضي، رفع رئيس الوزراء مصطفى مدبولي الحد الأدنى للأجور إلى 8000 جنيه بزيادة قدرها 1000 جنيه، اعتبارًا من أول يوليو 2026. لكن الزيادة جاءت في خضم موجة تضخم لم تنته، بل أبطأت فقط. يقول الأكاديمي والخبير الاقتصادي الدكتور حسن الصادي لـ”زاوية ثالثة” إن تراجع معدلاته بنسب طفيفة لا يعني توقف ضغطه على المواطن.
انتهزت أسرة “محمود” انتهاء السنة الدراسية، فقرر اصطحابها إلى الإسكندرية ليومٍ واحد، مموّلاً المصيف من بند المصروفات الدراسية الذي وفّره بعد إغلاق الفصل.
سافرت الأسرة الأربعة بالقطار “درجة ثانية مكيفة”. أول المفاجآت كان إيجار الشقة اليومي في البيطاش: 600 جنيه، بينما لم يتخيل “محمود” أن يتجاوز 400. وأسعار الإيجار اليومي في الإسكندرية تتفاوت تفاوتًا حادًا بحسب الموقع؛ تبدأ من 500 جنيه في العجمي والبيطاش والهانوفيل، وتتراوح بين 700 و3000 جنيه في ميامي والعصافرة وسيدي بشر، وبين 1500 و5000 جنيه في المعمورة والمندرة، وتصل إلى ما بين 2500 و6000 جنيه في الشقق المطلة على البحر في جليم وسان ستيفانو وستانلي، وفق ما يقول سمسار الشقق أحمد عواد لـ”زاوية ثالثة”.
لم يُضِع “محمود” وقتًا في الاستراحة، وتوجّه بأسرته مباشرةً إلى شاطئ شهر العسل العام في نهاية الشارع الذي يحمل الاسم ذاته، اختيارًا مقصودًا لتفادي تكاليف الشواطئ الخاصة والفنادق والقرى الشاطئية. وهذا الخيار لا يبدو مستغربًا في ضوء أرقام يحصل عليها “زاوية ثالثة” من الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء: الشواطئ الخاصة تستحوذ على نحو 88% من إجمالي الشواطئ المصرية مقابل 12% فقط للبلاجات العامة، وفي الإسكندرية تحديدًا تبلغ النسبة 93%، فيما تصل في مطروح إلى 98%.
عند بوابة شاطئ شهر العسل، كانت المفاجأة الثانية بانتظار “محمود”: التذكرة الرسمية 5 جنيهات، لكن موظفي الشاطئ طالبوا بـ20 جنيهًا للفرد، محتجّين برفع الإدارة للسعر. وحين استقرت الأسرة على الرمال، اكتشف أن التذكرة لا تشمل كرسيًا أو شمسية أو طاولة، فدفع 100 جنيه إضافية لتأجيرها.
الإدارة المركزية للسياحة والمصايف بالإسكندرية أكدت لـ”زاوية ثالثة”، في رد رسمي على مخاطبتها، أن تذكرة الدخول تتراوح بين 5 و50 جنيهًا وتشمل كرسيًا لكل فرد وشمسية ودورات مياه وغرف تغيير ملابس. لكن ما يصفه رواد الشواطئ يختلف عن هذه الصورة.
يقول “رشاد الحشاش”، أحد مرتادي شاطئ العصافرة، إنه دفع 10 جنيهات مقابل استخدام دورة المياه، في شاطئ لا يحتوي على غرف لتغيير الملابس أصلاً. ويروي “أحمد أبو مريم” أن شاطئ جولي العصافرة طالبه بـ150 جنيهًا للفرد يوم الجمعة، بحجة كثافة الإقبال. أما “عيد عيد” فيشير إلى أن شاطئي كرير الشرقي والغربي يحصّلان رسومًا إضافية على تأجير الكراسي والشماسي فوق قيمة تذكرة الدخول.
تتمسك الإدارة المركزية للسياحة والمصايف بأن الخدمات الأساسية مشمولة في التذكرة، فيما تكشف شهادات الرواد عن واقع مغاير على أرض الشاطئ.

ماذا فعل التضخم بالمصيف؟
أمام جراج تويا بالقرب من حديقة عابدين، تنطلق مئات رحلات اليوم الواحد إلى الإسكندرية. التذكرة بالأتوبيس المكيف 400 جنيه للفرد، لكنها لا تشمل سوى الانتقال فقط؛ لا رسوم دخول الشاطئ ولا وجبات. أما المصيف الشامل ليوم واحد فيبدأ من 1500 جنيه للفرد ويتضمن عادةً زيارة قلعة قايتباي ومكتبة الإسكندرية مع رسوم الدخول والشاطئ ووجبة غداء، وفق ما يقول سائق الحافلة عبد العزيز رفعت لـ”زاوية ثالثة”.
عند مدخل الجراج، وقف مدرس التربية الفنية “رؤوف المنسي” يُودّع زوجته وأطفاله الثلاثة المتجهين إلى الإسكندرية. لم يذهب معهم. يقول لـ”زاوية ثالثة”: “لم تعد المقدرة المادية كما كانت من قبل، ومنذ 3 سنوات اتجهت لعمل إضافي بإحدى مطاعم شارع عماد الدين يُحسب أجره يوميًا، بعد فشل مشروع عملت به لسنوات للرسم على ورق البردي وتسويقه للسيّاح”.
بعد 18 عامًا في التعليم، لا يتجاوز راتب “المنسي” 7200 جنيه شهريًا. ورحلة أسرته ستأكل أكثر من ربعه: المواصلات وحدها 1200 جنيه، وواقي الشمس للأطفال 300 جنيه، وشورت السباحة للأولاد 150 جنيهًا؛ وهذا قبل كراسي الشاطئ وزجاجات المياه التي تبدأ من 10 جنيهات والعصائر من 15 جنيهًا والساندوتشات والوجبة الرئيسية التي قد تصل إلى 100 جنيه للفرد.
“جنة سعيد” كانت عائدةً من الإسكندرية حين التقت بها “زاوية ثالثة” عند الجراج. تقول إن رحلة البحر تستلزم أيضًا شنطة حفظ الأطعمة والمشروبات (الكولمان) بـ200 جنيه، ومناشف البحر التي تبدأ من 100 جنيه للقطعة، وألعاب الشاطئ للأطفال بـ50 جنيهًا، فضلاً عن 5 جنيهات للفرد مقابل دورات المياه أو غرف تغيير الملابس.
زوجها “مصطفى مرسي”، الموظف بشركة الغزل، يلخّص ما فعلته الأسرة: أحضروا الطعام والمشروبات وأدوات الطهي من المنزل، واستبعدوا المطاعم والكافيهات، واختاروا شواطئ منخفضة الرسوم مع سقف صارم لمصروفات الأطفال. ومع ذلك يتساءل عن شاطئ النخيل الذي كان مجانيًا قبل ثلاث سنوات، وعن بوابة (8) التي تحصّل 50 جنيهًا بدلاً من الـ30 جنيهًا المُعلنة رسميًا.
على بُعد عشرات الأمتار، تكدّست أسر في حديقة عابدين. من بينها “أم سارة” التي لم يعد البحر خيارًا مطروحًا في بيتها. توجهت بدلاً من ذلك مع زوجها وأطفالها الثلاثة إلى القناطر الخيرية. تقول لـ”زاوية ثالثة” إن يومًا كاملاً هناك مع طعام أُعدّ في المنزل يكلف أقل بكثير من ليلة واحدة في الإسكندرية أو جمصة أو رأس البر بعد احتساب المواصلات والإقامة والمصروفات. والتحدي الأصعب كان إقناع الأطفال بأن القناطر هي “مصيف هذا العام”، بعدما اعتادوا البحر كل صيف.
هذا ما تسميه الدراسات “تأثير الاستبدال” أو “الهروب من الجودة”: الأسر لا توقف الإنفاق، بل تنزل به درجة تلو درجة. لكن هذا التكيف لا يعكس كفاءة في الإنفاق بقدر ما يُشير إلى تراجع في مستوى الرفاهية وجودة الحياة.
أما “أم آدم”، فقد غاب سؤال المصيف كلياً عن بيتها هذا الصيف. حين حسبت تكلفة رحلة يوم واحد لأربعة أفراد وجدت أنها ستأكل نصف معاشها من زوجها المتوفى. أقنعت أطفالها بأن الأولوية لمصاريف الدراسة، وطوت الموضوع. وفق دراسات أكاديمية، هذا ما يفعله التضخم حين يبلغ ذروته: لا يُغلي الأسعار فحسب، بل يُلغي أسئلة بأكملها من حياة الناس، ومعها تختفي الخروجات العائلية التي كانت متنفسًا، ويتسع أثر العزلة الاجتماعية وتضعف الروابط بين الأفراد.
انهيار عقارات بالإسكندرية: حين يصبح البحر عدوًا والفساد شريكًا

التضخم يضرب خطط الترفيه
حين تضغط موجات التضخم وترتفع تكاليف المعيشة، تكون الأنشطة الترفيهية أول ما تتخلى عنه الأسرة، إذ تتحول الأولوية كلها إلى الغذاء والملبس في ظل تآكل القدرة الشرائية للدخول. يقول أستاذ علم الاجتماع بجامعة أسيوط الدكتور أحمد زين العابدين لـ”زاوية ثالثة” إن تقليص الإنفاق امتد إلى ما هو أبعد من الترفيه ليطال التعليم والرعاية الصحية، في محاولة لإعادة توجيه الموارد المحدودة نحو الاحتياجات اليومية الأكثر إلحاحًا.
ويرى زين العابدين أن شطب الترفيه من ميزانية الأسرة ليس مجرد خفض بند إنفاق، بل انعكاس مباشر على جودة الحياة؛ إذ يرتبط بتصاعد الضغوط النفسية واتساع الخلافات الأسرية وتراجع الشعور بالاستقرار، بما يجعل آثار التضخم تخترق البنية الاجتماعية للأسرة لا أوضاعها الاقتصادية وحدها.
وتذهب الدكتورة مشيرة العشري، أستاذة علم الاجتماع بجامعة دمياط، إلى أن التضخم لا يرفع الأسعار فحسب، بل يُحدث تحولاً في ثقافة الاستهلاك برمّتها؛ فتقليص الإنفاق على الترفيه يصبح أحد أبرز مظاهر التكيف مع الضغوط الاقتصادية، ويُفرز أنماطًا استهلاكية تعتمد على التخطيط المسبق والمقارنة بين الأسعار. وتُشير إلى أن الطبقة الوسطى تحديدًا هي الأكثر سعيًا لابتكار أنماط تمكّنها من التكيف مع تراجع دخولها مع الحفاظ على مكانتها الاجتماعية، ما يدفع كثيرًا من أسرها إلى الموازنة المستمرة بين الإمكانات المالية المحدودة ومتطلبات الظهور الاجتماعي. وتلفت إلى أن هذه التحولات تنعكس على الحالة النفسية والاجتماعية للأفراد المحرومين من الترفيه، الذين يجدون أنفسهم أمام نمط حياة فرضته الظروف ودفعهم إلى التكيف القسري مع محدودية الدخل.
يُطالع “محمود راشد” طفليه وهما يحزمان ألعابهما للعودة إلى القاهرة، مدركًا أن “حسبة البحر” لم تكن مجرد مصروفات طارئة؛ بل حسبة أكلت أكثر من ثلث راتبه الشهري مقابل يوم واحد أمام الموج، فيما تتكفل باقي أيام الشهر بابتلاع ما تبقى.