من يسد فجوة الدواء بعد إغلاق جمعيات كانت تخدم آلاف المرضى غير القادرين؟

هيئة الدواء أغلقت مؤسسة “الدواء للجميع” التي خدمت 10 آلاف مريض شهريًا بأدوية قيمتها 4 ملايين جنيه طوال 13 عامًا، في إطار قرار يُلزم الجمعيات الأهلية بتراخيص لا آلية فعلية لإصدارها حتى الآن، وسط 40 مليون مواطن خارج مظلة التأمين الصحي الشامل ودون بديل حكومي معلن.
Picture of آية ياسر

آية ياسر

في 26 يونيو 2026، تعرضت مؤسسة “الدواء للجميع” الخيرية لوقف نشاطها وتشميع مقرها، وإصدار قرار من قِبل لجنة من هيئة الدواء المصرية بوقف استلام أو تسليم الأدوية حتى إشعار آخر، الأمر الذي أثار استياءًا واسعًا في أوساط الصيادلة ومؤسسات المجتمع المدني، وألقى بظلاله على آلاف المرضي غير القادرين، الذين لم تشملهم مظلة التأمين الصحي وقرارات العلاج على نفقة الدولة، أو يواجهون صعوبة في الحصول على بعض الأصناف الدوائية الضرورية، لنقصها في الصيدليات.

ويعود نشاط المؤسسة إلى مبادرة كانت قد انطلقت في عام 2006 بهدف الحد من إهدار الأدوية وتوفير العلاج لغير القادرين، قبل أن تتحول في عام 2013 إلى مؤسسة أهلية مشهرة رسميًا بوزارة التضامن الاجتماعي، وتتوسع تدريجيًا حتى أصبحت تمتلك ثمانية فروع تقدم خدماتها لآلاف المستفيدين يوميًا، عبر  منظومة لتنظيم استقبال الأدوية وإعادة توجيهها إلى المرضى المحتاجين.

وفي وقت سابق من العام الجاري تفاجأت المؤسسة بخطاب من وزارة التضامن الاجتماعي يطالبها بتوفيق أوضاعها مع هيئة الدواء المصرية باعتبارها الجهة المختصة بتنظيم تداول الدواء، ما دفع المؤسسة إلى التقدم بعدد من المقترحات لتقنين نشاطها ووضعه تحت إشراف الهيئة، بما يضمن استمرار الخدمة في إطار قانوني، قبل أن تفاجئ بقرار وقف النشاط. 

وبحسب الصيدلاني وليد شوقي، رئيس مجلس إدارة مؤسسة الدواء للجميع، فإن هيئة الدواء أبلغت الجمعيات والمؤسسات الأهلية العاملة في مجال الدواء بوقف نشاطها في استقبال الأدوية وتوزيعها، دون تقديم بديل يضمن استمرار حصول المرضى على العلاج، مشيرًا إلى أن الهيئة أوقفت تعامل هذه الجمعيات مع شركات توزيع الدواء، عبر إغلاق حساباتها على النظام الإلكتروني الخاص بالشركات، ولم يقتصر القرار على وقف استقبال التبرعات الدوائية، وإنما شمل أيضًا منع الجمعيات من صرف الأدوية الموجودة لديها للمرضى.

ويكشف عن أن حملة التفتيش الأخيرة انتهت بتحرير لجنة من هيئة الدواء، محضرًا ضد المؤسسة تضمن اتهامات بإدارة مخزن غير مرخص، وحيازة أدوية مجهولة المصدر، وأدوية مدرجة ضمن جداول المخدرات، موضحًا أن القضية لا تزال منظورة أمام النيابة.

يقول لـ”زاوية ثالثة”: “المؤسسة طالبت هيئة الدواء بوضع أي اشتراطات رقابية تراها ضرورية لضمان جودة الأدوية وآليات تداولها، إلا أنها لم تتلق استجابة، وعندما سألنا عن مصير المرضى بعد وقف النشاط لم نحصل على إجابة، وقيل لنا فقط: توقفوا عن العمل الآن ثم نتفاهم لاحقًا”.

ويوضح أن المؤسسة ، التي تعمل منذ نحو 13 عامًا في مجال جمع الأدوية وإعادة توزيعها، تخضع لرقابة وزارة التضامن الاجتماعي، وكانت تخدم شهريًا ما لا يقل عن 10 آلاف مريض، نظير رسوم إدارية تعادل 10% فقط من قيمة الدواء، إضافة إلى توفير الأدوية للقوافل الطبية والمبادرات الصحية ومراكز الإيواء، مؤكدًا أن المرضى المتضررين يعانون في الغالب من أمراض مزمنة مثل السكري وارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب، وكثير منهم لا يتمتعون بأي تغطية تأمينية، أو لا تشمل التغطية الأدوية التي يحتاجونها، أو يواجهون نقصًا في الأدوية داخل المنظومة الحكومية.

ويؤكد أن المؤسسة كانت تطبق منظومة متكاملة للتحقق من سلامة الدواء قبل صرفه، تشمل فحص العبوات، والتأكد من صلاحيتها، واستبعاد أي دواء يتطلب الحفظ المبرد إذا تعذر التحقق من ظروف تخزينه، فضلًا عن إعدام الأدوية منتهية الصلاحية، إضافة إلى متابعة الحالة الصحية للمريض للتأكد من فعالية العلاج.

ويضيف: “المؤسسة كانت تعتمد في توفير العلاج للمرضى، على مزيج من التبرعات المالية والتبرعات العينية من الأدوية، وبلغ متوسط قيمة الأدوية التي كانت توزعها شهريًا نحو أربعة ملايين جنيه، في حين كانت المشتريات المباشرة تمثل نحو 400 ألف جنيه فقط، بينما يأتي الجزء الأكبر من خلال التبرعات الدوائية، وهو ما يجعل استمرار النشاط مستحيلًا في ظل وقف استقبال تلك التبرعات، لاسيما أن تبرعات شركات الأدوية محدودة، وتقتصر على أصناف ضعيفة التداول أو أدوية تقترب من انتهاء صلاحيتها”.

ويُبيّن أن المؤسسة تقدمت إلى هيئة الدواء بمقترحات بديلة، تضمنت إنشاء منظومة لجمع الأدوية من خلال صناديق داخل الصيدليات وتحت إشراف مباشر من مفتشي الهيئة، مع إتاحة الرقابة الكاملة على عمليات الجمع والفرز والتوزيع، إلا أن هذه المقترحات قوبلت بالرفض.

وإثر الإيقاف حاولت المؤسسة إنقاذ المرضى المنتفعين من خدماتها، عبر شراء الأدوية من مواردها المالية المحدودة لتعويض حظر التبرعات العينية، لكنها واجهت إيقاف هيئة الدواء لتعاملاتها مع شركات توزيع الأدوية، عبر السيستم الإلكتروني، وبالتزامن اشترطت الهيئة أن تتقدم المؤسسة بطلب للحصول على ترخيص لإنشاء صيدلية جمعية تعاونية”، وهو ما شرعت المؤسسة بالفعل في اتخاذ إجراءاته، بتكلفة أولية لا تقل عن 150 ألف جنيه، لكن رئيسها يؤكد أن ذلك لا يمثل حلًا لأزمة فائض الأدوية التي يريد المواطنون التبرع بها.

ويشدد على أن إنشاء الصيدلية التعاونية سيسمح بشراء الأدوية من شركات التوزيع، لكنه لن يوفر آلية لاستقبال الأدوية الفائضة لدى المواطنين بعد شفاء المرضى أو وفاتهم، وهي الكميات التي كانت تمثل جزءًا مهمًا من منظومة إعادة الاستخدام بعد فحصها والتأكد من صلاحيتها، مطالبًا بتوفير آلية بديلة تضمن استمرار وصول الدواء إلى المرضى، وعدم إهدار كميات كبيرة من الأدوية الصالحة للاستخدام التي كان يمكن الاستفادة منها بدلًا من التخلص منها.

شهادة قيد مؤسسة الدواء للجميع الخيرية بوزارة التضامن الاجتماعي

 

وتعود الأزمة إلى مخاطبات رسمية غير منشورة، صدرت عن الوحدة المركزية للجمعيات والعمل الأهلي، التابعة لوزارة التضامن الاجتماعي، تضمنت توصيات الاجتماع المنعقد بين الوزارة وهيئة الدواء المصرية بتاريخ 26 أبريل 2026، بشأن تنظيم إجراءات ممارسة الجمعيات والمؤسسات الأهلية لنشاط توزيع الأدوية.

وترتب على تلك التوصيات توجيهات مباشرة لمديريات التضامن الاجتماعي والجمعيات الأهلية، باستثناء نشاط الدواء أو التبرع به من لوائح النظام الأساسي للجمعيات والمؤسسات الأهلية مستقبلًا، مع إلزام الجمعيات القائمة بالفعل بتوفيق أوضاعها وعدم ممارسة أي نشاط يتعلق بتجميع أو توزيع الأدوية إلا بعد الحصول على التراخيص اللازمة من هيئة الدواء المصرية، إلى جانب حصر الكيانات العاملة في هذا المجال تمهيدًا لاتخاذ الإجراءات القانونية حيالها.

قرار نقل تبعية مؤسسة الدواء للجميع الخيرية إلى الوحدة المركزية للجمعيات والعمل الأهلي
قرار نقل تبعية مؤسسة الدواء للجميع الخيرية إلى الوحدة المركزية للجمعيات والعمل الأهلي

 

نوصي للقراءة: مبادرة سحب الأدوية منتهية الصلاحية تتعثر: أرقام هيئة الدواء لا تعكس ما تراه الصيدليات

توقف توفير الأدوية لآلاف المرضى

التداعيات المترتبة على وقف نشاط توزيع الأدوية بالجمعيات الأهلية ومؤسسات المجتمع المدني، وما تمثله من تهديد لاستمرار حصول آلاف المرضى غير القادرين، خاصة أصحاب الأمراض المزمنة، على العلاج، دفعت بالنائب أحمد علاء فايد، عضو مجلس النواب عن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، إلى إطلاق صرخة تحذير، عبر أروقة البرلمان، في مايو المنقضي. 

وفي طلب إحاطة تقدم به إلى رئيس مجلس الوزراء ووزيرة التضامن الاجتماعي، كشف النائب عن أن توصيات الاجتماع المشترك بين وزارة التضامن الاجتماعي وهيئة الدواء المصرية، الذي عُقد في 26 أبريل 2026، اشترطت حصول الجمعيات على تراخيص من هيئة الدواء لممارسة نشاط توزيع الأدوية، مع استبعاد هذا النشاط من لوائح الجمعيات مستقبلًا، إلا أن عددًا من الجمعيات، فوجئت بعدم وجود آلية تتيح الحصول على تلك التراخيص، مع مطالبتها بتغيير نشاطها، ما أدى لتوقف هذه الجمعيات عن توفير الأدوية المجانية أو منخفضة التكلفة لآلاف المواطنين بشكل شهري، خاصة من أصحاب الأمراض المزمنة الذين يعتمدون بشكل أساسي على هذه الكيانات في الحصول على علاجهم، في ظل ظروف اقتصادية ومعيشية صعبة، وارتفاع تكلفة الأدوية داخل السوق.

وقال النائب: “غياب فترة انتقالية مناسبة، وعدم وجود آلية واضحة ومعلنة لتقنين الأوضاع، يضع هذه المؤسسات بين خيارين: إما التوقف الفوري عن تقديم الخدمة، أو الاستمرار تحت طائلة المساءلة القانونية، ما يثير التساؤلات حول أسباب عدم إتاحة التراخيص من قبل هيئة الدواء المصرية حتى الآن، وما إذا كان ذلك يرجع إلى اعتبارات تنظيمية أو فنية أو تشريعية، ولماذا لم يتم الإعلان عن إطار واضح يحدد شروط وضوابط ممارسة هذا النشاط بشكل قانوني يضمن سلامة الدواء، واستمرارية تقديم الخدمة”.

وطالب النائب الحكومة بتوضيح أسباب عدم إصدار التراخيص، والإفصاح عن عدد الجمعيات المتأثرة بهذا القرار على مستوى الجمهورية، وحجم المستفيدين من خدماتها، ووضع إطار تنظيمي واضح ومرن يسمح بتقنين أوضاع هذه المؤسسات دون تعطيل دورها المجتمعي، مع منح مهلة انتقالية كافية لتوفيق الأوضاع، وضمان عدم انقطاع الخدمة العلاجية عن المواطنين، خاصة من أصحاب الأمراض المزمنة.

وفي تصريحات لـ”زاوية ثالثة” يكشف النائب عن قيامه بالتواصل مع وزارة التضامن الاجتماعي والتي لم تقدم ردًا واضحًا حول أسباب القرار أو آليات التعامل معه، وحين تواصل مع رئيس هيئة الدواء المصرية، الدكتور علي الغمراوي، أكد له أن أي جهة تلتزم بقواعد ممارسة المهنة لن تتضرر، مبديًا تخوفات الهيئة بشأن سلامة الأدوية المتبرع بها، خاصة فيما يتعلق بظروف التخزين، ومصدر الدواء، ومدى صلاحيته للاستخدام.

يقول: “هذه المخاوف تستحق الاهتمام، إلا أنها لا تبرر وقف النشاط بالكامل، والأزمة الحقيقية تكمن في غياب التنسيق بين الجهات المختلفة، والمطلوب هو تنظيم العمل ووضع ضوابط رقابية تضمن سلامة الدواء واستمرار وصوله إلى المرضى، وليس اللجوء إلى المنع الكامل”. 

ويضيف: “ارتفاع أسعار الأدوية ونقص بعض الأصناف يجعل من الضروري البحث عن حلول عملية تحافظ على حق المرضى في العلاج””، مشيرًا إلى أنه لم يتلق ردًا بشأن ما إذا كانت الحكومة تمتلك خطة بديلة لسد الفجوة التي قد تنشأ في توفير العلاج لغير القادرين بعد وقف نشاط هذه الجمعيات.

فيما تؤكد النائبة نجلاء العسيلي، العضوة بلجنة التضامن الاجتماعي والأسرة والأشخاص ذوي الإعاقة في مجلس النواب، أن قرار وقف توزيع الأدوية من خلال الجمعيات الأهلية، صدر في إطار تنفيذي بين وزارة التضامن الاجتماعي وهيئة الدواء المصرية، ولم يُعرض على مجلس النواب، وبالتالي فإن اللجنة لم تناقشه، معتبرة أن أي قرار بوقف نشاط قائم ينبغي أن يتضمن فترة انتقالية تسمح للمؤسسات باستكمال إجراءات الترخيص، بدلًا من وقف النشاط بصورة فورية، بما يضمن عدم انقطاع الخدمة عن المرضى المحتاجين.

تقول لـ”زاوية ثالثة”: “من حق الدولة وضع ضوابط لتنظيم نشاط الجمعيات العاملة في مجال تداول الأدوية، بما يضمن سلامة المرضى، لكن ذلك يجب أن يصاحبه إعلان واضح لآليات تقنين أوضاع تلك الجمعيات، حتى تتمكن من توفيق أوضاعها والاستمرار في تقديم الخدمة وفقًا للقانون”.

وتطالب وزارتي التضامن الاجتماعي وهيئة الدواء، بتوضيح الإجراءات التنفيذية بشكل كامل، بما يشمل الجهة المختصة بإصدار التراخيص، ومتطلبات الحصول عليها، والجهة التي ستتولى الرقابة على النشاط، حتى لا تظل الجمعيات أمام قرار بالوقف دون معرفة كيفية توفيق أوضاعها، بجانب إعلان آلية واضحة للتعامل مع هذه الأدوية، وتوضيح ما إذا كانت ستُجمع من خلال جهة حكومية أو عبر الجمعيات بعد تقنين أوضاعها، محذرة من أن الاكتفاء بمنع النشاط دون طرح بديل عملي سيؤدي إلى فقدان مورد مهم كان يستفيد منه عدد كبير من المرضى.

وتضيف: “الحكومة مطالبة بتوضيح خطتها لسد الفجوة التي قد تنشأ في توفير العلاج للفئات غير القادرة، خاصة المرضى الذين لا تشملهم منظومة التأمين الصحي أو العلاج على نفقة الدولة، أو الذين لا تتوافر أدويتهم داخل المنظومة الحكومية، بجانب مصير الأدوية الصالحة للاستخدام التي يرغب المواطنون في التبرع بها بعد شفاء المرضى أو وفاتهم، والجهة التي ستتولى استقبال هذه الأدوية والاستفادة منها بدلًا من إهدارها”.

وتلفت إلى نيتها توجيه سؤال برلماني إلى الحكومة بشأن القرار، للاستفسار عن آليات الترخيص والرقابة، وخطة التعامل مع الأدوية المتبرع بها، والإجراءات التي ستضمن استمرار حصول المرضى غير القادرين على العلاج دون انقطاع.

وبحسب البيانات الرسمية يبلغ إجمالي عدد المواطنين المسجلين بمنظومة التأمين الصحي نحو 69 مليون مواطن، بينما يصل عدد المسجلين في منظومة “التأمين الصحي الشامل” الجديدة إلى أكثر من 5.4 مليون مواطن، من أصل 109 مليون نسمة، شكلت إجمالي عدد سكان جمهورية مصر العربية بالداخل في منتصف عام 2026.

وعلى مدار عام 2025 بالكامل، فقد استفاد من قرارات العلاج على نفقة الدولة في مصر نحو 2.4 مليون مواطن، في حين بلغ عدد المستفيدين من هذه القرارات نحو 922 ألفًا و675 مواطنًا خلال الربع الأول من عام 2026.

 

نوصي للقراءة: نقص الأدوية يضاعف معاناة مرضى السرطان والفشل الكلوي

مهلة لتوفيق الأوضاع القانونية

من جهته لا يؤيد محمود فؤاد، رئيس جمعية الحق في الدواء، إغلاق الجمعيات التي قدمت خدمات علاجية للمرضى بصورة مفاجئة، مطالبًا بمنحها فترة لتوفيق أوضاعها القانونية، عبر التعاقد مع صيدليات مرخصة أو إنشاء صيدليات تستوفي اشتراطات هيئة الدواء، بما يضمن استمرار تقديم الخدمات دون مخالفة القانون أو الإضرار بسلامة المرضى.

ويعتقد أن مسؤولية توفير الأدوية للمرضى، خاصة غير المؤمن عليهم، يجب أن تتم بالتنسيق مع الجهات الرسمية، داعيًا هيئة الدواء إلى وضع الضوابط الفنية اللازمة، ومساعدة الجمعيات على تصحيح أوضاعها بدلًا من الاكتفاء بإغلاقها، مع التأكيد على رفضه القاطع لفكرة جمع الأدوية من المنازل وإعادة توزيعها تحت أي ظرف.

غير أن الأزمة لا تتعلق بعمل جميع الجمعيات الخيرية، وإنما بمبادرات اعتمدت على جمع الأدوية المتبقية لدى المواطنين وإعادة توزيعها، وهو ما يخالف الاشتراطات الصحية والقانونية؛ إذ أن الجمعيات التي تدير مستشفيات أو تمتلك صيدليات مرخصة تشتري احتياجاتها الدوائية مباشرة من شركات التوزيع، وفق الإجراءات المتبعة في جميع المستشفيات والمؤسسات الطبية الكبرى، مما يضمن سلامة الدواء وجودة تخزينه وتتبع مصدره، بحسب ما يشرح لـ”زاوية ثالثة”.

يقول: “استقبال الأدوية الفائضة من المواطنين وإعادة توزيعها على المحتاجين، فكرة إنسانية، لكنها تنطوي على مخاطر كبيرة، إذ لا يمكن التحقق من ظروف تخزين الدواء أو مدى صلاحيته أو تعرضه للحرارة أو الرطوبة أو انتهاء صلاحيته، فضلًا عن احتمال تداول عبوات مفتوحة أو مجهولة المصدر، بما قد يعرض حياة المرضى للخطر”.

ويدعو أي جهة ترغب في توزيع الأدوية على المرضى غير القادرين، أن تعمل من خلال صيدلية مرخصة يديرها صيدلي، وتحصل على الأدوية مباشرة من شركات الأدوية أو شركات التوزيع بفواتير رسمية، وليس عبر جمع الأدوية من المنازل، ثم تبيع الدواء للمريض بأسعار مخفضة أو تقدمه مجانًا، مع الحفاظ على معايير السلامة والجودة.

وبحسب القرار رقم 1 لسنة 2010 بشأن إجراءات ترخيص الصيدليات العامة وتنفيذ الاشتراطات الصحية المقررة بالقرار الوزاري رقم 380 لسنة 2009، فإن منح ترخيص صيدلية الجمعية التعاونية يتم بناءً على طلب من رئيس مجلس إدارة الجمعية أو مديرها، وهي تخضع لنفس أحكام الصيدليات العامة عدا شرط المسافة (المائة متر) الذي نصت عليه المادة (30)، وتُخصص لخدمة أعضاء الجمعية، يجب تقديم الطلب إلكترونيًا عبر برنامج الميكنة الخاص بالتراخيص التابع لهيئة الدواء المصرية أو من خلال مديريات الشؤون الصحية.

 

نوصي للقراءة: الحرب تهدد الدواء في مصر: 90% من المواد الخام مستوردة وسلاسل الإمداد تحت الضغط

مخاوف سلامة تخزين الأدوية

رغم تأثير وقف جمع وتوزيع الجمعيات الأهلية ومؤسسات المجتمع المدني للدواء، على آلاف المرضى غير القادرين وغير المسجلين بمنظومة التأمين الصحي، إلاّ أن صيادلة، ومن بينهم الصيدلانية هناء محمد، مؤسسة مبادرة “توفير الدواء”، يحذرون من أن تداول الأدوية خارج الإشراف الصيدلي قد يشكل خطرًا على سلامة المرضى، نظرًا لغياب الخبرة الفنية اللازمة للتعامل مع المستحضرات الدوائية.

وتوضح الصيدلانية أن كثيرًا من المواطنين لا يدركون أن بعض الأقراص تحتاج إلى الحفظ في الثلاجة، أو أن بعض العبوات تصبح غير صالحة للاستخدام بعد فترة معينة من فتحها، وهو ما قد يؤدي إلى صرف دواء فقد فعاليته أو أصبح غير آمن، رغم حسن النية في التبرع به، مشيرة إلى أن الصيدليات المرخصة تخضع لاشتراطات دقيقة تشمل تجهيزات الحفظ، والثلاجات، ودرجات الحرارة، والرقابة الدورية من الجهات المختصة، وقد لا تتوافر هذه الضوابط داخل بعض الجمعيات التي لا تضم كوادر صيدلانية مؤهلة.

تقول لـ”زاوية ثالثة”: “الصيدلي لا يكتفي بصرف الدواء، بل يقدم أيضًا الإرشادات الخاصة بطريقة حفظه واستخدامه، إذ أن كثير من المستحضرات الدوائية لها تعليمات دقيقة، مثل الحفظ بعيدًا عن الضوء أو داخل درجات حرارة محددة، وهي تفاصيل قد يغفل عنها غير المتخصصين، لذا تعتمد مبادرتي التطوعية على الإشراف الصيدلي الكامل في تداول الأدوية”

رغم ذلك ترى أن استمرار الدور المجتمعي للجمعيات في دعم المرضى أمر مهم، لكنه يجب أن يتم في إطار يضمن وجود إشراف فني من متخصصين، مقترحة أن تستعين الجمعيات بصيادلة متطوعين أو موظفين مختصين يتولون فحص الأدوية والإشراف على تخزينها وتوزيعها، بما يحقق التوازن بين العمل الخيري وسلامة المرضى.

وتضيف: “توفير العلاج للفئات غير القادرة يمثل ضرورة إنسانية، إلا أن ذلك يجب ألا يكون على حساب سلامة المريض، مشددة على أن أي منظومة لتوزيع الأدوية المتبرع بها ينبغي أن تكون خاضعة لإشراف مهني متخصص يضمن سلامة التخزين، وصلاحية المستحضرات، والتوعية بطريقة استخدامها”.

وتؤكد أن هناك جمعيات بالفعل تستعين بصيادلة متطوعين، وتطبق معايير مهنية في تداول الأدوية، معتبرة أن هذا النموذج يمكن البناء عليه بدلًا من إسناد المهمة إلى أشخاص ليست لديهم الخلفية العلمية اللازمة.

فيما يرى الدكتور علي عبد الله، مدير المركز المصري للدراسات الدوائية والإحصاء، أن تنظيم تداول الدواء يجب أن يخضع بالكامل للقوانين والضوابط المنظمة للمهنة، لكون سلامة المريض تقتضي ألا تُصرف أي عبوة دوائية إلا عبر منظومة صيدلانية مرخصة وتحت إشراف صيدلي، في ظل المطالبات بضبط تداول الدواء ومنع بيعه خارج المؤسسات الصيدلية، سواء عبر التطبيقات الإلكترونية أو غيرها.

ويعتبر أن مشكلة المرضى غير القادرين على شراء العلاج تمثل مسؤولية الدولة في المقام الأول، بينما يقتصر دور الجمعيات الأهلية على تقديم الدعم المالي للمحتاجين، بحيث يتمكنون من شراء الأدوية من الصيدليات المرخصة، بدلًا من تولي الجمعيات بنفسها عمليات تخزين الأدوية أو توزيعها.

رغم ذلك يؤكد أن التجربة التي قدمتها مؤسسة “الدواء للجميع” في جمع الأدوية غير المستخدمة وإعادة توزيعها على المرضى المحتاجين، إنسانية وفريدة، لكنها تظل خارج الإطار المنظم لتداول الدواء، ولحل تلك الإشكالية يعتقد أنه من الضروري أن تتعاون الجمعيات الخيرية مع الصيدليات والأطباء، بحيث تتحقق الجمعيات من استحقاق المريض للمساعدة، ثم تتحمل تكلفة العلاج أو جزءًا منها، بينما يُصرف الدواء من خلال صيدلية مرخصة.

يقول لـ”زاوية ثالثة”: “المعيار يجب أن يكون واحدًا على الجميع، بحيث لا يتم جمع الأدوية في مسجد أو كنيسة أو جمعية خيرية، لأن صرف الدواء ينبغي أن يتم فقط من خلال المؤسسات الصيدلانية المرخصة،  والعديد من الصيادلة يستقبلون بالفعل أدوية يتبرع بها المواطنون بعد شفاء المرضى أو وفاتهم، ثم يفرزونها ويقدمونها مجانًا للحالات غير القادرة”.

ويعتبر أن هناك صورًا أخرى للتكافل يمكن تطويرها، مثل التعاون بين الجمعيات الخيرية والأطباء لتوفير الكشف المجاني للحالات غير القادرة، ثم تتحمل الجمعيات تكلفة الأدوية التي تُصرف من الصيدليات، أو تمويل العلاج مباشرة، أو تحمل قيمة الروشتات الطبية، أو دعم المرضى من أموال الزكاة والصدقات، بما يضمن استمرار حصولهم على العلاج دون مخالفة الضوابط المنظمة لتداول الدواء.

وبين المخاوف من تداول مستحضرات دوائية خارج المنظومة الرقابية، والتحذيرات من انقطاع العلاج عن آلاف المرضى غير القادرين، تبدو الأزمة أبعد من مجرد خلاف حول إجراءات الترخيص؛ فهي تطرح سؤالًا أوسع حول كيفية المواءمة بين متطلبات السلامة الدوائية والحفاظ على أحد مسارات الدعم العلاجي التي اعتمد عليها آلاف المرضى لسنوات. 

وفي ظل استمرار غياب آلية معلنة لتوفيق أوضاع الجمعيات أو توفير بديل رسمي لاستقبال الأدوية الصالحة وإعادة توجيهها، يبقى المرضى الحلقة الأكثر تأثرًا بالقرار، بينما تظل الحاجة قائمة إلى إطار تنظيمي يحقق الرقابة على تداول الدواء دون تعطيل وصول العلاج إلى الفئات الأكثر احتياجًا، أو إهدار كميات من الأدوية الصالحة التي يمكن الاستفادة منها وفق ضوابط مهنية وقانونية واضحة. 

آية ياسر
صحافية وكاتبة وروائية مصرية حاصلة على بكالوريوس الإعلام- جامعة القاهرة.

Search