عشر سنوات مع صندوق النقد رفعت دين مصر من 46 إلى 164 مليار دولار

مصر خاضت أربعة برامج مع صندوق النقد منذ 2016 بإجمالي تمويل 20.51 مليار وحدة حقوق سحب خاصة، والدين الخارجي ارتفع 250% من 46 إلى 164 مليار دولار في 12 عامًا، والتزامات السداد للصندوق ستستمر حتى 2046، بينما تستعد الحكومة لإعلان برنامج اقتصادي وطني يُفترض أن يقلص الاعتماد على الاقتراض الخارجي
Picture of شيماء حمدي

شيماء حمدي

تستعد مصر للمراجعة الثامنة والأخيرة لبرنامجها الحالي مع صندوق النقد الدولي، المقرر عقدها في نوفمبر المقبل 2026 أو بعده، وهي المرحلة الأخيرة من برنامج تسهيل الصندوق الممدد (EFF) الذي بدأ في ديسمبر 2022، بعد أن مرّ بعدد من المراجعات والتعديلات التي رفعت حجم التمويل المتفق عليه.

ومع اقتراب البرنامج من مراجعته الأخيرة، بدأت الحكومة الإعداد لمرحلة ما بعده، إذ وجّه الرئيس عبد الفتاح السيسي الحكومة إلى إعداد برنامج اقتصادي وطني يحدد أولويات الاقتصاد المصري بعد انتهاء برنامج الإصلاح مع الصندوق. وفي نهاية يوليو 2026، ترأس رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي اجتماعًا لمتابعة إعداد محددات البرنامج الاقتصادي الوطني للمرحلة المقبلة.

وكانت الحكومة قد أعلنت أنها لا تنظر إلى نهاية برنامج صندوق النقد باعتبارها نهاية لمسار الإصلاح الاقتصادي، وإنما انتقالًا إلى برنامج وطني يمتد إلى ما بعد 2026. وقال مدبولي إن الحكومة تعمل على خطة تفصيلية حتى عام 2030 تستهدف الحفاظ على معدلات النمو وخفض التضخم والبطالة وتعزيز البعد الاجتماعي، مع التركيز على قطاعات من بينها الصناعة والسياحة والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات.

وأُقر البرنامج الحالي رسميًا في 16 ديسمبر 2022 بقيمة أصلية بلغت 3 مليارات دولار (2.35 مليار وحدة حقوق سحب خاصة) ولمدة 46 شهرًا، ثم وافق الصندوق في مارس 2024 على زيادته بنحو 5 مليارات دولار ليرتفع إجمالي التمويل المتفق عليه إلى نحو 8 مليارات دولار (6.11 مليار وحدة حقوق سحب خاصة).

10 سنوات من قروض صندوق النقد الدولي

لم تكن اتفاقية عام 2022 بداية علاقة مصر الحديثة بصندوق النقد الدولي. ففي نوفمبر 2016 أقر الصندوق برنامجًا لمصر بقيمة 8.597 مليار وحدة حقوق سحب خاصة (نحو 12 مليار دولار)، واستمر البرنامج حتى يوليو 2019، وتزامن مع تنفيذ حزمة واسعة من الإجراءات الاقتصادية، في مقدمتها تحرير سعر الصرف.

ومع تداعيات جائحة كورونا، عادت مصر إلى الصندوق في مايو 2020، وحصلت على نحو 2.772 مليار دولار عبر أداة التمويل السريع، ثم حصلت في يونيو من العام نفسه على 3.764 مليار وحدة حقوق سحب خاصة ضمن ترتيب الاستعداد الائتماني، ليصل إجمالي تمويلات عام 2020 إلى نحو 5.8 مليار وحدة حقوق سحب خاصة. وفي ديسمبر 2022 أُقر البرنامج الحالي بقيمة أصلية بلغت 2.35 مليار وحدة حقوق سحب خاصة، قبل أن يُرفع في مارس 2024 إلى 6.112 مليار وحدة (نحو 8 مليارات دولار). وبذلك يصل إجمالي التمويل المتفق عليه في البرامج الأربعة منذ عام 2016 إلى نحو 20.51 مليار وحدة حقوق سحب خاصة.

وفي أواخر يوليو الماضي، أتم الصندوق المراجعة السابعة لبرنامج مصر، بالتزامن مع المراجعة الثانية لتسهيل الصلابة والاستدامة، معتبرًا أن الاقتصاد المصري أظهر تحسنًا في مؤشرات الاستقرار الكلي مدفوعًا بتسارع النمو وتراجع التضخم وارتفاع الاحتياطيات الدولية، ورأى أن مصر أصبحت في وضع أقوى لمواجهة الصدمات الخارجية مقارنة بفترات سابقة. لكن هذه الصورة، المستندة إلى مؤشرات الاقتصاد الكلي وقدرة الدولة على إدارة الضغوط الخارجية والحفاظ على الاستقرار المالي، تبدو مختلفة عند النظر إلى أثر هذه السياسات على المواطنين.

ووفقًا لتقرير أعدّته «زاوية ثالثة» في وقت سابق، رأى خبراء اقتصاديون أن تحسن مؤشرات الاقتصاد الكلي لا يعني بالضرورة تحسن الأوضاع المعيشية، في ظل استمرار ارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية وارتفاع تكلفة الخدمات الأساسية، إلى جانب زيادة أعباء الدين وخدمته. ورأى الخبراء الذين تحدث إليهم التقرير أن اختبار قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات لا ينبغي أن يقتصر على قدرة الدولة على توفير النقد الأجنبي أو الوفاء بالتزاماتها المالية، وإنما يمتد إلى قدرة الأسر على تحمّل آثار الأزمات والإصلاحات، وقدرة القطاعات الإنتاجية على توفير فرص عمل ودخول حقيقية تحافظ على مستوى المعيشة.

وبالتوازي مع برامج الاقتراض والإصلاح، شهد الدين الخارجي لمصر مسارًا متأرجحًا اتخذ اتجاهًا صاعدًا على المدى الطويل. فوفق البيانات الرسمية للبنك المركزي المصري، ارتفع الدين الخارجي من 46.1 مليار دولار بنهاية السنة المالية 2013/2014 إلى 161.2 مليار دولار بنهاية 2024/2025، بزيادة قدرها نحو 115.2 مليار دولار، أي 250% خلال نحو 12 عامًا. ومع دخول مصر المرحلة الأخيرة من برنامجها الحالي، لم يتوقف مسار الارتفاع؛ إذ أظهرت أحدث بيانات البنك المركزي المتاحة وصول الدين الخارجي إلى نحو 163.9 مليار دولار بنهاية الربع الثاني من السنة المالية 2025/2026، بزيادة تقارب 2.7 مليار دولار خلال ستة أشهر.

 

عصير القصب: أكادُ من فرط الغلاء أذوب

كيف يمكن لمصر الاستغناء عن صندوق النقد؟

لا تنتهي التزامات مصر تجاه صندوق النقد الدولي بانتهاء برنامجها الحالي في 2026؛ فالمراجعة الثامنة والأخيرة تعني انتهاء البرنامج من حيث المراجعات وصرف التمويل فحسب، دون أن تعني انتهاء القروض المستحقة على مصر للصندوق. ووفق جدول المدفوعات المتوقع الصادر عن الصندوق، ستواصل مصر سداد التزاماتها حتى عام 2046، بإجمالي مدفوعات متوقعة يبلغ نحو 9.93 مليار وحدة حقوق سحب خاصة، تشمل أصل القروض إلى جانب الفوائد والرسوم والتقييمات.

ووحدة حقوق السحب أصل احتياطي دولي أنشأه الصندوق عام 1969، وليست عملة قائمة بذاتها ولا تُتداول في الأسواق كالدولار أو اليورو، وإنما وحدة حسابية يستخدمها الصندوق في قروضه ومدفوعاته مع الدول الأعضاء، تُحسَب قيمتها يوميًا بناءً على سلة من خمس عملات رئيسية (الدولار الأمريكي واليورو والرنمينبي الصيني والين الياباني والجنيه الإسترليني)، وتُراجَع أوزانها كل خمس سنوات. وبحسب آخر سعر رسمي صادر عن الصندوق في 18 أغسطس 2026، تعادل الوحدة الواحدة نحو 1.37 دولار أمريكي، وهو سعر يتغير يوميًا مع تحركات أسعار صرف العملات المكوّنة للسلة.

ويرى الدكتور جودة عبد الخالق، أستاذ الاقتصاد ووزير التموين الأسبق، في حديثه لـ«زاوية ثالثة»، أن الخروج من دائرة الاعتماد المتكرر على صندوق النقد لا يتحقق بمجرد انتهاء برنامج التمويل الحالي، وإنما يتطلب تغييرًا في بنية الاقتصاد يقلّل حاجة الدولة إلى الاقتراض الخارجي عند كل أزمة. ويضع في مقدمة هذا التغيير كبح الاحتكارات وتعزيز المنافسة، مع تفعيل أجهزة تنظيم الأسواق ومنحها القدرة على مواجهة الممارسات الاحتكارية، بما يرفع كفاءة الإنتاج وقدرة المنتج المحلي على المنافسة.

ويشدد عبد الخالق على ضرورة تحقيق قدر أكبر من استقرار سعر صرف الجنيه، وإعادة بناء هيكل الإنتاج لتقليل الاعتماد على الواردات والمدخلات الأجنبية، عبر توجيه الاستثمارات إلى الفجوات ذات الأهمية الاستراتيجية وزيادة الترابط بين القطاعات الإنتاجية، بحيث لا تنتقل الصدمات الخارجية مباشرة إلى الاقتصاد المحلي. ويرى أهمية الاستفادة بصورة أكبر من عضوية مصر في منظمة التجارة العالمية لتحسين شروط التعامل مع الأسواق الخارجية، ويضيف أن ضبط الإنفاق الحكومي وإعادة النظر في هيكل الجهاز الإداري للدولة يمثلان جزءًا من الإصلاح المطلوب، مؤكدًا أن الاستغناء عن الصندوق لا يعني فقط زيادة موارد النقد الأجنبي، وإنما بناء اقتصاد أكثر إنتاجًا وتنوعًا وأقل تعرضًا للصدمات، بحيث يصبح الخروج من دائرة الاقتراض نتيجة لإصلاح هيكلي أوسع ينتهي بقدرة الدولة على تمويل احتياجاتها من مواردها الذاتية.

ولا يفصل عبد الخالق إصلاح الاقتصاد عن إصلاح الإدارة المحلية، معتبرًا أن المحليات أحد الملفات التي تحتاج إلى تغيير جذري، إذ يرى أن غياب المجالس المحلية المنتخبة يحرم المواطنين من آلية مباشرة لمحاسبة المحافظ ورئيس المدينة ورئيس الحي، ويضعف الرقابة على القرارات والإنفاق والخدمات على المستوى المحلي.

ولم تشهد مصر انتخابات لمجالسها المحلية منذ عام 2011، أي منذ نحو 15 عامًا، رغم أن هذا الاستحقاق يُعد الخامس دستوريًا منذ عام 2013 بعد الاستفتاء على الدستور وانتخابات الرئاسة ومجلسي النواب والشيوخ، وتتولى خلال هذه الفترة هيئات تنفيذية مهام المجالس المحلية دون وجود مجالس منتخبة تراقب أداء المحافظين. وتعود قضية الانتخابات المحلية إلى الواجهة حاليًا مع مناقشة لجنة الإدارة المحلية بمجلس النواب مشروع قانون جديد للإدارة المحلية، يهدف إلى إعادة تشكيل المجالس وإجراء انتخابات مباشرة لها على مستويات إدارية متعددة، من القرى والأحياء وصولًا إلى المحافظات، بما يعزز اللامركزية ويوسّع المشاركة السياسية المحلية، وذلك عقب توجيهات صدرت عن الرئيس عبد الفتاح السيسي باستكمال الاستحقاق الدستوري الخاص بانتخابات المجالس المحلية.

خمس ركائز لبرنامج وطني حقيقي

بحسب ما أعلنته الحكومة المصرية، يتجه البرنامج الاقتصادي الوطني لمرحلة ما بعد صندوق النقد إلى تحديد أولويات جديدة للاقتصاد، مع التركيز على تقليل الاعتماد على الاقتراض وزيادة قدرة الاقتصاد على توليد موارده من الداخل. وتشمل أبرز ملامحه خفض أعباء الدين الخارجي وإعادة هيكلته، والتوسع في التمويل الميسر، وزيادة الاستثمار المباشر، وتسريع برنامج الطروحات الحكومية، ودعم القطاعات الإنتاجية، خصوصًا الصناعة والزراعة، بما يساعد على زيادة الصادرات وتقليل الاعتماد على الواردات. كما يتضمن، وفق التصريحات المعلنة، تعميق التصنيع المحلي وتوطين الصناعات، ورفع كفاءة المصانع وزيادة معدلات تشغيل الطاقات الإنتاجية، وتنشيط قطاع السياحة باعتباره مصدرًا رئيسيًا للنقد الأجنبي، وربط التدريب الفني باحتياجات سوق العمل. وعلى مستوى السياسات النقدية، يُتوقع استمرار مرونة سعر الصرف مع سياسة نقدية توازن بين خفض التضخم ودعم النمو، وتؤكد الحكومة أن البرنامج سيُطرح للحوار المجتمعي قبل إعلانه رسميًا، على أن يتضمن مستهدفات واضحة ومؤشرات قابلة للقياس وآليات للمتابعة.

ويطرح الباحث الاقتصادي إلهامي الميرغني مجموعة من الركائز التي يرى أنها يمكن أن تشكل أساسًا لبرنامج وطني يقلّ فيه اعتماد مصر على الاقتراض الخارجي وتدفقات الأموال الساخنة، وتزداد قدرتها على تمويل التنمية من مواردها المحلية. ويأتي في مقدمتها، وفق حديثه لـ«زاوية ثالثة»، زيادة معدلات الادخار المحلي بما يوفّر مصادر تمويل أكبر للاستثمارات، إلى جانب توجيه مزيد من الاهتمام إلى الزراعة والصناعة باعتبارهما قطاعين إنتاجيين قادرين على خلق فرص عمل وزيادة القيمة المضافة وتوفير النقد الأجنبي عبر زيادة الصادرات وتقليل الواردات.

ويقترح الميرغني كذلك إعادة هيكلة النظام الضريبي عبر زيادة الاعتماد على الضرائب المباشرة والتصاعدية على الدخول والثروة وتفعيل الضرائب العقارية، مع تقليل الاعتماد على ضرائب الاستهلاك والقيمة المضافة، بما يرفع مساهمة الإيرادات الضريبية في تمويل الموازنة ويقلل الحاجة إلى الاقتراض. وفي ملف أصول الدولة، يرى ضرورة وقف بيع الأصول والشركات المملوكة للدولة والاتجاه بدلًا من ذلك إلى وضع خطط لتشغيلها وتعظيم العائد منها، كما يدعو إلى وقف تنفيذ المشروعات التي لا تمثل أولوية ملحّة، وألا يبدأ تنفيذ أي مشروع جديد قبل دراسة جدوى واضحة تحدد العائد الاقتصادي وفترة استرداد رأس المال والتدفقات النقدية المتوقعة. وبحسب الميرغني، يمكن لهذه الإجراءات أن تتيح لمصر الاعتماد بصورة أكبر على الموارد المحلية والاستثمار المباشر، وتقليل اعتمادها على القروض وتدفقات الأموال الساخنة.

 

القرض أسرع من القطار: كيف تجاوزت ديون «القومية للأنفاق» تريليوني جنيه؟

البداية الحقيقية من الإنتاج لا من الاستقرار المالي فقط

يرى الباحث الاقتصادي والعمالي حسن البربري، في حديثه لـ«زاوية ثالثة»، أن انتهاء برنامج مصر الحالي مع صندوق النقد لا يعني انتهاء العلاقة بين الطرفين، باعتبار أن مصر عضو في الصندوق ولها حصة فيه زادتها خلال العامين الماضيين، ويعتبر أن ما يحدث قد يكون محاولة لاستكشاف شكل جديد للتعاون مستقبلًا حتى مع إعلان التوجه نحو برنامج وطني.

ويقول البربري إن تبني برنامج وطني حقيقي يتطلب أولًا تحولًا في الهدف الاقتصادي للدولة؛ فبعد سنوات تركزت فيها السياسات على تحقيق الاستقرار المالي والنقدي، يجب أن تنتقل الأولوية إلى إعادة بناء القاعدة الإنتاجية وتحقيق نمو قائم على الإنتاج، بما يوفّر موارد حقيقية لسداد الديون وتمويل التنمية. ويشمل ذلك، بحسب رؤيته، إعادة بناء قطاعات التصنيع والزراعة والدواء والهندسة والإلكترونيات والطاقة المتجددة، على أن يتضمن كل قطاع مكونات قابلة للتصدير لتوفير العملة الأجنبية، وأخرى قادرة على إحلال السلع المستوردة وتقليل الطلب على النقد الأجنبي.

ويضيف أن المرحلة المقبلة تحتاج أيضًا إلى إعادة صياغة سياسة سعر الصرف، بدلًا من الاكتفاء بمرونته وفق آليات السوق، إلى جانب إصلاح السياسة الضريبية وتوسيع القاعدة الضريبية أفقيًا بدل زيادة العبء على الممولين الحاليين، ويرى ضرورة وضع برنامج وطني واضح للأجور والحماية الاجتماعية، بالتزامن مع إعادة توجيه الاستثمار العام نحو قطاعات مثل النقل العام والتعليم والصحة والمياه والبحث العلمي والبنية التحتية الرقمية.

ويشير البربري إلى أن أحد أهم عناصر أي برنامج وطني يجب أن يكون وضع نظام للإنذار المبكر بالأزمات، يتضمن مؤشرات واضحة لقياس قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات، من بينها مستوى الاحتياطيات الأجنبية ومدى تغطيتها للواردات والالتزامات الخارجية، واتجاه الدين الخارجي ونسبته إلى حصيلة الصادرات، على أن تكون هذه المؤشرات أساسًا لقواعد واضحة للتعامل مع الأزمات، خصوصًا أن الاقتصاد المصري تأثر خلال السنوات الأخيرة بصدمات متتالية، من جائحة كورونا إلى الحرب الروسية الأوكرانية والتوترات في المنطقة.

ويختتم البربري بأن تكرار الصدمات الخارجية كشف، من وجهة نظره، محدودية قدرة الاقتصاد المصري على امتصاصها، إذ انتقلت آثارها إلى المواطنين في صورة ارتفاعات في أسعار الكهرباء وتقليص للدعم، بينما اتجهت الدولة إلى توفير موارد تساعدها على الوفاء بالتزاماتها المالية؛ لذلك فإن الانتقال إلى برنامج وطني، بحسب رؤيته، يتطلب إعادة النظر في الخطوط العريضة للسياسة الاقتصادية، إن وُجدت إرادة سياسية حقيقية لبناء اقتصاد أقدر على مواجهة الأزمات.

ووفقًا لجدول المدفوعات وللخبراء الذين تحدثوا في هذا التقرير، فإن انتهاء برنامج صندوق النقد لا يعني أن مصر خرجت من دائرة الديون أو أصبحت مستقلة عن التمويل الخارجي؛ فالالتزامات المستحقة للصندوق ستستمر لسنوات بعد انتهاء البرنامج، بينما يظل الدين الخارجي عند مستويات مرتفعة، ويحتاج الاقتصاد إلى تدفقات مستمرة من النقد الأجنبي للوفاء بالتزاماته وتمويل احتياجاته. وبينما تطرح الحكومة برنامجًا اقتصاديًا وطنيًا للمرحلة المقبلة، يظل الاختبار الحقيقي في قدرته على الانتقال من إدارة الأزمات إلى منع تكرارها؛ ومن التركيز على توفير العملة الأجنبية وسداد الديون إلى بناء قطاعات إنتاجية قادرة على توليدها، ومن الاعتماد على الاقتراض وبيع الأصول إلى زيادة الاستثمار والإنتاج والصادرات، ومن تحميل الأسر تكلفة الإصلاح إلى بناء سياسات تحمي دخولها وقدرتها الشرائية.

شيماء حمدي
صحفية مصرية، تغطي الملفات السياسية والحقوقية، وتهتم بقضايا المرأة. باحثة في حرية الصحافة والإعلام والحريات الرقمية.

Search