بلغت مديونيات الهيئة القومية للأنفاق مستوياتٍ قياسية تجاوزت حاجز الـ2 تريليون جنيه في منتصف عام 2026، بالتزامن مع موافقة مجلس النواب المصري، في يونيو المنقضي، على قرض جديد بقيمة 3 مليارات و902 مليون و430 ألف يورو، حصلت عليه الهيئة لتمويل الخطين الثاني والثالث لشبكة القطار الكهربائي السريع، باتفاق مع بنوك أوروبية بضمان وكالة ائتمان الصادرات الألمانية «هيرمس».
وجاء ذلك بعد ثلاثة أشهر من موافقة البرلمان على أربع اتفاقيات تمويلية بقيمة 332 مليون دولار لاستكمال مشروع القطار الكهربائي الخفيف (LRT)؛ وكانت الهيئة قد حصلت في نوفمبر 2024 على قروض وتسهيلات ائتمانية من بنك أبوظبي التجاري والبنك العربي بقيمة 4.5 مليار جنيه، لتمويل مشروعي المونوريل والقطار الكهربائي الخفيف (LRT).
واستحوذت الهيئة على نحو 60% من إجمالي القروض والتسهيلات الائتمانية للهيئات الاقتصادية في الموازنة العامة للعام المالي 2026/2027، بواقع 257.727 مليار جنيه من إجمالي 459.253 مليار جنيه؛ فيما بلغ إجمالي القروض التي حصلت عليها وزارة النقل لتنفيذ عدد من المشروعات القومية لصالح هيئتي السكك الحديدية ومترو الأنفاق وحدهما، حتى مارس 2026، نحو 18 مليار دولار، وفق تصريحات تلفزيونية لوزير النقل كامل الوزير.
ومنذ سنوات تعاني الهيئة، المنشأة بـالقانون رقم 113 لسنة 1983، خسائر مالية متتالية؛ إذ بلغت نحو مليار و300 مليون جنيه في العام المالي 2021-2022، بحسب الدكتور طارق جويلي رئيس مجلس إدارتها، فيما بلغت الخسائر في العام 2022-2023 نحو 1.896 مليار جنيه، مقابل ارتفاع الالتزامات طويلة الأجل ومستحقات الموردين إلى 105.5 مليار جنيه بحلول العام المالي 2023-2024، بزيادة 31.2 مليار جنيه عن العام السابق، وفقًا لـتقارير إعلامية.
وكشف البيان الإحصائي لمشروع الموازنة العامة للدولة أن خسائر الهيئة القومية للأنفاق في العام المالي 2024-2025 تزيد على 44 مليار جنيه، وتصدّرت الهيئة قائمة الأكثر تكبدًا للخسائر بين 59 هيئة اقتصادية في البيان الإحصائي للهيئات الاقتصادية للعام المالي 2026/2027، لتسجّل وحدها نحو 66.3% من إجمالي خسائر تلك الهيئات، المقدّرة بنحو 96.9 مليار جنيه.
في المقابل، تُظهر البيانات الرسمية أن إيرادات الهيئة بلغت في العام المالي 2021-2022 نحو 3.166 مليار جنيه، بينما بلغت تكلفة النشاط نحو 651 مليون جنيه، موزعة بين أجور بقيمة 193 مليون جنيه ووقود وخامات وقطع غيار بنحو 458.2 مليون جنيه، وحققت الهيئة أرباحًا بنحو 2.515 مليار جنيه؛ وفي العام 2022-2023 حققت صافي ربح بنحو 3.536 مليار جنيه، وفي العام 2023-2024 اقتربت أرباحها من 3 مليارات جنيه، وبلغت قيمة أرباحها في العام المالي 2024-2025 نحو 4.350 مليار جنيه.
وتواجه الهيئة فجوة تمويلية كبيرة، إذ بلغت مصروفاتها نحو 74 مليار جنيه بينما لم تتجاوز إيراداتها 8.8 مليار جنيه، بما يعني خسائر قدرها 63 مليار جنيه في الموازنة المقبلة؛ وبلغ إجمالي تقديرات موازنة القومية للأنفاق للعام المالي 2026/2027 نحو 430 مليارًا و823 مليون جنيه، مقابل 351 مليارًا و127 مليون جنيه في العام المالي السابق 2025/2026، مسجّلة زيادة قدرها 79 مليار جنيه بنسبة نمو بلغت 22.7%.
وتلك الفجوة بين الإيرادات والمصروفات، البالغة نحو 65 مليار جنيه، إلى جانب حجم مديونية الهيئة، دفعت النائب البرلماني محمود سامي الإمام إلى إطلاق تحذير تحت قبة البرلمان من أزمة مالية حقيقية تستلزم إعادة هيكلة شاملة للهيئة، ووضع رؤية واضحة لمصادر السداد قبل إضافة أي التزامات جديدة، في ظل ارتفاع أعباء الديون على الدولة.
ويرى النائب أن المؤشرات المالية للهيئة تؤكد صعوبة استمرار تصنيفها هيئةً اقتصادية، في ظل اتساع الفجوة بين الإيرادات والمصروفات واستمرار الاعتماد على الاقتراض لتمويل مشروعاتها؛ فإيراداتها لا تتجاوز 8.8 مليار جنيه مقابل مصروفات تقترب من 74 مليار جنيه، منها نحو 63 مليار جنيه فوائد ديون، معتبرًا أن هذه الأرقام تجعل من غير الواقعي توقّع قدرة الهيئة على تغطية التزاماتها في الأجلين القريب والمتوسط، خاصة مع استمرار تنفيذ مشروعات جديدة تستلزم اقتراضًا إضافيًا.
ويؤكد لـ«زاوية ثالثة» أن جزءًا كبيرًا من الأزمة يعود إلى تحويل الهيئة من جهة خدمية إلى هيئة اقتصادية، رغم أن طبيعة عملها لا تسمح بتحقيق عوائد مالية مباشرة تكفي لتغطية تكلفة التمويل، مقترحًا إعادة هيكلتها وإعادتها إلى الموازنة العامة للدولة، باعتبار أن مشروعاتها تستهدف أغراضًا اجتماعية وتنموية، مثل تنمية مناطق جديدة وتشجيع الاستثمار الصناعي والزراعي وتحفيز انتقال السكان إلى مجتمعات عمرانية جديدة، وهي منافع تعود على الاقتصاد بصورة غير مباشرة ولا تدرّ إيرادات مباشرة على الهيئة نفسها.
يقول: «الهيئة تشرف حاليًا على أربعة مشروعات رئيسية كثيفة رأس المال، هي مترو الأنفاق والمونوريل والقطار الكهربائي الخفيف والقطار الكهربائي السريع، وهذه المشروعات تتطلب استثمارات ضخمة لا يمكن استردادها من خلال أسعار التذاكر، حتى مع الزيادات الأخيرة، ما يجعل استمرار تصنيف الهيئة هيئةً اقتصادية أمرًا غير عملي».
ويشدد النائب على أن محدودية الموارد تفرض إعادة ترتيب أولويات الإنفاق، إذ ينبغي أن يحظى استكمال مشروعات مترو الأنفاق بالأولوية القصوى لأنه يخدم ملايين المواطنين مباشرة، بينما كان يمكن تأجيل بعض المشروعات الأخرى، مثل المونوريل وبعض مراحل القطار الكهربائي السريع، لحين تحسّن الأوضاع المالية.
ويضيف: «المرحلة الثانية من مشروع القطار الكهربائي السريع، التي تربط مناطق أكثر احتياجًا، كان ينبغي أن تحظى بالأولوية قبل تنفيذ المرحلة الأولى، ومشروع المونوريل يثير تساؤلات بشأن جدواه في ظل تنفيذه بمسارات تمر بمناطق لا تزال منخفضة الكثافة السكانية».
ولا يردّ النائب ارتفاع خسائر الهيئة إلى ضعف الإيرادات التشغيلية بقدر ما يربطه بأعباء خدمة الديون، إذ تكاد قيمة الخسائر تعادل قيمة الفوائد المستحقة على القروض، بما يعكس، بحسب تقديره، تجاوز حجم الاقتراض القدرةَ المالية للهيئة على السداد.
ويطرح الإمام خيارين لمعالجة الأزمة؛ يتمثل الأول في إعادة الهيئة إلى وضعها كجهة خدمية تتحمل الموازنة العامة للدولة ديونها والتزاماتها التمويلية، بينما يقوم الثاني على فصل المصروفات التشغيلية عن أعباء التمويل، بحيث تغطي إيرادات التذاكر تكاليف التشغيل اليومية كالأجور والطاقة والصيانة، في حين تتحمل الدولة تكلفة الفوائد باعتبارها ناتجة عن مشروعات ذات طبيعة قومية وتنموية لا يمكن تقييمها وفق معايير الربحية التجارية.
وسبق أن تحولت الهيئة القومية للأنفاق، في عام 2020، من هيئة خدمية إلى هيئة اقتصادية هادفة للربح تمتلك موازنة مستقلة عن الموازنة العامة للدولة، بما يتيح لها استثمار أموالها عبر أنشطة تغطي تكاليف النفقات والصيانة خارج موازنة الدولة.
غير أن الحكومة المصرية عمدت في 2025 إلى إعادة هيكلة الهيئات الاقتصادية، وخفّضت عددها إلى 30 هيئة من أصل 59، ليُضمّ بعضها إلى الموازنة العامة للدولة.
نوصي للقراءة: 332 مليون دولار جديدة للقطار الخفيف: لماذا تستدين مصر رغم تحذيرات السيسي؟

خلل في ترتيب أولويات الإنفاق
بلغت التكلفة الإجمالية لتمويل مشروع القطار الكهربائي الخفيف (LRT) نحو 1.6 مليار دولار، عبر حزمة من القروض الدولية والمساهمات المحلية خلال الفترة من يناير 2019 حتى مارس 2026؛ منها 1.239 مليار دولار للـمرحلتين الأولى والثانية، عبر اتفاقيتين تمويليتين تشملان قرضًا بقيمة تعادل نحو 674 مليون دولار تقريبًا، وقرضًا من وزارة التجارة الصينية بقيمة 53 مليون دولار، بشروط سداد طويلة تبلغ نحو 20 عامًا وفترات سماح تتراوح بين سنتين وعشر سنوات بفوائد ميسّرة بين 1.8% و2%؛ وفي سبتمبر 2023 وافق بنك التصدير والاستيراد الصيني على تمويل إضافي بقيمة 400 مليون دولار لتغطية تكاليف المرحلة الثالثة من المشروع.
فيما قُدّرت التكلفة الإجمالية لمشروع المونوريل بنحو 4.5 مليار يورو، واعتمد المشروع على قرض دولي بقيمة 1.88 مليار يورو مقدَّم من تحالف بنوك عالمية بقيادة «جي بي مورغان»، بضمانة وكالة الصادرات البريطانية التي ساهمت وحدها بنحو 1.7 مليار جنيه إسترليني؛ كما اقترضت الهيئة القومية للأنفاق نحو 5 مليارات جنيه من بنوك مصرية محلية في عام 2025، لتغطية الأعمال الإنشائية والمدنية التي تنفذها شركتا «أوراسكوم للإنشاءات» و«المقاولون العرب».
وبلغ إجمالي قروض مشروع القطار الكهربائي السريع، لربط العاصمة الإدارية الجديدة ومنطقة العين السخنة بالإسكندرية والبحر الأبيض المتوسط، نحو 2.9 مليار يورو، شملت تمويلات عبر مؤسسات دولية بنحو 2.26 مليار يورو، وقرضًا مباشرًا من البنك الإسلامي للتنمية بقيمة 318 مليون يورو.
وأصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي القرار رقم 145 لسنة 2023 بالموافقة على اتفاقيات التمويل الخاصة بمشروع الخط الأول لشبكة القطار الكهربائي السريع، وتضمّنت قروضًا من عدة بنوك أوروبية بضمان هيئة تنمية الصادرات الألمانية بمبلغ 1.99 مليار يورو، إضافة إلى قرض بضمان هيئة تنمية الصادرات الإيطالية بقيمة 268.8 مليون يورو، لتغطية تكلفة إنشاء الخط الأول للشبكة.
ويرى النائب البرلماني ضياء الدين داوود أن الفجوة الكبيرة بين إيرادات الهيئة القومية للأنفاق ومصروفاتها تعكس في جوهرها خللًا في ترتيب أولويات الإنفاق العام، مؤكدًا أن اعتراضه على التوسع في عدد من المشروعات القومية يعود إلى ما يصفه بـ«فقه الأولويات»، وهو الموقف الذي تبنّته المعارضة، وفي مقدمتها تكتل (25-30)، منذ بدء تنفيذ هذه المشروعات في حكومتي المهندس شريف إسماعيل والدكتور مصطفى مدبولي.
ويؤكد لـ«زاوية ثالثة» أن الدولة، بعد سنوات من الاضطرابات السياسية، كانت بحاجة إلى توجيه مواردها بصورة أكبر نحو الاستثمار في الصحة والتعليم وبناء القدرات البشرية باعتبارها أساس التنمية المستدامة، بدلًا من التوسع في مشروعات تعتمد بدرجة كبيرة على مكونات مستوردة؛ ويرى أن ضعف الاستثمار في الصناعة والتعليم والبحث العلمي أبقى الاعتماد على الخارج في تنفيذ المشروعات الكبرى، بما رفع تكلفتها وزاد الحاجة إلى الاقتراض بالعملة الأجنبية.
يقول: «مشروعات النقل الحديثة، مثل القطار الكهربائي السريع والمونوريل، تمثل من حيث المبدأ وسائل نقل متطورة يحتاج إليها المجتمع، إلا أن توقيت تنفيذها وحجم التوسع فيها كانا محل خلاف، نظرًا لاعتمادها على تمويل خارجي مرتفع الكلفة، وأصبحت أعباء خدمة الدين تستحوذ على نسبة كبيرة من استخدامات الموازنة العامة، بما يحدّ من قدرة الدولة على توجيه الموارد إلى قطاعات أخرى».
ويشدد داوود على أن مشروعات النقل الجماعي لا ينبغي تقييمها بمنطق الربحية المباشرة، لأنها تمثل التزامًا أساسيًا على الدولة، وتسهم في تحسين كفاءة الحركة الاقتصادية وتقليل الاختناقات المرورية ورفع إنتاجية المواطنين؛ ويضرب مثالًا بمترو الأنفاق، معتبرًا أن غيابه كان سيؤدي إلى شلل مروري واقتصادي في القاهرة، لدوره في تسهيل انتقال المواطنين إلى أماكن العمل والخدمات.
وفي المقابل، يرى أن التوسع في المشروعات الجديدة يجب أن يخضع لتقييم دقيق لقدرة الدولة المالية ولأولوياتها التنموية، موضحًا أن تحقيق حلم إنشاء مشروعات مثل المونوريل والقطار الكهربائي يجب أن يرتبط بمدى استعداد الاقتصاد لتحمّل تكلفتها، وبقدرتها على خدمة أعداد كبيرة من المواطنين بكفاءة.
وبشأن استمرار الاقتراض لاستكمال المشروعات القائمة، يؤكد أن ما دخل منها بالفعل حيز التنفيذ ينبغي استكماله، لأن وقفه بعد إنفاق مليارات الجنيهات سيؤدي إلى إهدار الاستثمارات المنفقة، كما أن تشغيله قد يحقق جزءًا من العوائد الاقتصادية والاجتماعية المرجوة؛ لكنه يرى في الوقت نفسه أن التوسع في إطلاق مشروعات جديدة يحتاج إلى مراجعة شاملة، داعيًا إلى إعادة النظر في فلسفة الإنفاق والاستدانة، وإخضاع المشروعات الكبرى لمزيد من التشاور والدراسة قبل اتخاذ قرارات تنفيذها.
ويعتبر أن المشكلة لا تقتصر على الهيئة القومية للأنفاق وحدها، وإنما ترتبط بنهج أوسع في التخطيط الاقتصادي يقوم على تنفيذ مشروعات كثيفة التكلفة تعتمد على النقد الأجنبي، بينما تتأخر عوائدها الاقتصادية المباشرة مقارنة بمشروعات إنتاجية كالموانئ والمناطق الصناعية التي يمكن أن تولّد إيرادات وفرص عمل في فترات زمنية أقصر.
فيما ترى النائبة أميرة صابر قنديل، عضوة مجلس الشيوخ، أن تقييم أداء الهيئة القومية للأنفاق يجب أن ينطلق من طبيعتها بوصفها هيئة خدمية، موضحةً أن الهدف الأساسي لمرافق النقل العام ليس تحقيق الأرباح وإنما تقديم خدمة عامة للمواطنين، ومعتبرةً أن تحقيق فائض مالي أمر إيجابي إذا حدث، لكنه ليس المعيار الرئيسي للحكم على أدائها.
وتشير إلى فرص غير مستغلة لتعزيز الإيرادات بعيدًا عن رفع أسعار التذاكر، عبر التوسع في استثمار الأصول التجارية التابعة لمرافق النقل، مثل المساحات المخصصة للمحال التجارية والمطاعم والكافيهات والخدمات المختلفة داخل المحطات، إضافة إلى الإعلانات، موضحةً أن شبكات نقل عام كثيرة في دول أخرى تعتمد بصورة كبيرة على هذه المصادر لتحقيق إيرادات إضافية، وترى أن الاستفادة من هذه الأدوات لا تزال دون المستوى المطلوب في مصر.
تقول لـ«زاوية ثالثة»: «رفع أسعار خدمات النقل لم ينعكس بالضرورة على تحسين جودة الخدمة»، مستشهدةً بما وصفته بتراجع مستوى الصيانة في الخط الأول لمترو الأنفاق، ومؤكدةً أن تحسين كفاءة التشغيل والصيانة يجب أن يسير بالتوازي مع أي زيادات في أسعار التذاكر.
وفيما يتعلق بسياسة الاقتراض، تؤكد النائبة أن المشكلة لا تكمن في الاقتراض بحد ذاته، وإنما في حجمه وفي أولويات توجيه الاستثمارات، مشيرةً إلى أن مصر تجاوزت، من وجهة نظرها، الحدود الآمنة للاستدانة، بينما وُجّهت استثمارات ضخمة إلى مشروعات قد لا تمثل الأولوية القصوى في المرحلة الحالية.
وتوضح أن مشروعات البنية التحتية تمثل ركيزة أساسية لدعم الاقتصاد وتعزيز الاستثمار وربط المحافظات وتحسين حركة النقل، إلا أن تقييمها يجب أن يستند إلى مفهوم «الفرصة البديلة»؛ أي مقارنة ما يمكن تحقيقه من عائد اقتصادي واجتماعي إذا وُجّهت الموارد نفسها إلى مجالات أو مشروعات أخرى أكثر إلحاحًا أو تأثيرًا، وهو ما ترى أنه ينبغي أن يكون حاضرًا عند اتخاذ قرارات التوسع في مشروعات النقل كثيفة التكلفة.
نوصي للقراءة: تسعيرة النقل في مصر: صراع الأجرة والوقود

نزيف الخسائر رغم زيادات الأسعار
على مدار السنوات الـ20 الماضية، شهدت أسعار تذاكر مترو الأنفاق التابع للهيئة زيادات متتالية بلغت ذروتها في عام 2026، لكن ذلك لم يوقف نزيف الخسائر؛ فمنذ افتتاح المترو في 27 سبتمبر 1987، اعتمد تشغيله على السعر الموحّد الرمزي بقيمة 10 قروش للتذكرة، ثم شهد زيادات طفيفة على مدار عقدين تراوحت بين 25 و75 قرشًا في 2002، ووصلت إلى جنيه واحد في 2006 لأي عدد من المحطات، من حلوان إلى المرج أو عبر الخط الثاني، حتى مارس 2017 حين تقرر رفع الأسعار للمرة الأولى إلى جنيهين، لتبدأ بعدها مرحلة جديدة كليًا من التسعير القائم على عدد المحطات والمناطق؛ إذ قسّمت وزارة النقل في 2018 محطات المترو إلى مناطق تختلف في تسعيرها، فارتفعت إلى ثلاثة جنيهات لعدد 9 محطات، وخمسة جنيهات لعدد 16 محطة، وسبعة جنيهات لـ32 محطة فأكثر.
ومع بداية تشغيل الخط الثالث من مترو الأنفاق في يونيو 2019، ارتفعت أسعار التذاكر في المنطقة الأولى (9 محطات) إلى 5 جنيهات، وفي المنطقة الثانية (16 محطة) إلى 7 جنيهات، وما زاد على ذلك إلى عشرة جنيهات، مع ثبات تذكرة الخطين الأول والثاني؛ ثم توالت الزيادات لـتتراوح في 2020 بين 3 و7 جنيهات كشريحة أولى، وبين 5 و10 جنيهات كشريحة ثانية، بنسب ارتفاع بلغت 40% إلى 67%.
وفي مارس 2022، استحوذت الهيئة القومية للأنفاق على 51% من أسهم الشركة المصرية لإدارة وتشغيل مترو القاهرة؛ وخلال عام 2024 رفعت الوزارة سعر تذكرة المترو مرتين، الأولى في يناير لتتراوح بين 6 جنيهات للمنطقة الواحدة و15 جنيهًا لأكثر من 23 محطة، وفي أغسطس من العام نفسه زادت أسعار التذاكر إلى 8 جنيهات للمنطقة الواحدة وحتى 20 جنيهًا كأعلى سعر، وفي عام 2025 طُبّقت زيادة جديدة وفق عدد المحطات لتبلغ 8 جنيهات حتى 9 محطات، و10 جنيهات حتى 16 محطة، و15 جنيهًا حتى 23 محطة، و20 جنيهًا للمحطات الأكثر عددًا.
وفي 27 مارس الماضي، رفعت وزارة النقل أسعار التذاكر حتى 9 محطات لتصبح 10 جنيهات بدلًا من 8، وزادت سعر التذكرة حتى 16 محطة لتبلغ 12 جنيهًا بدلًا من 10، مع تثبيت أسعار المحطات الأكثر عددًا؛ وأفادت الوزارة في بيان رسمي برفع أسعار تذاكر المترو إلى 10 جنيهات حتى 9 محطات بدلًا من 8 (زيادة 25%)، و12 جنيهًا حتى 16 محطة بدلًا من 10 (زيادة 20%)، مع الإبقاء على 15 جنيهًا حتى 23 محطة، و20 جنيهًا للرحلات الأطول.
ووفقًا لـتقارير صحفية، تسعى الحكومة إلى جمع 3 مليارات جنيه إضافية خلال العام المالي الجاري 2026-2027، إذ تستهدف الزيادات الأخيرة تحقيق إيرادات إضافية تُقدّر بملياري جنيه لتصل إلى 12 مليار جنيه، مقابل 9.5 مليار جنيه في العام المالي الماضي؛ كذلك يُتوقع أن ترتفع إيرادات الهيئة القومية للأنفاق بنحو مليار جنيه إضافي لتسجّل 6.5 مليار جنيه بنهاية العام، مقابل 5 مليارات و800 مليون جنيه في العام المالي السابق، فضلًا عن رفع إيرادات قطاع عربات النوم إلى نحو 1.8 مليار جنيه.
نوصي للقراءة: مترو وقطار وبنزين.. المصريون يدفعون فاتورة ثلاث زيادات في شهر

اقتراض حاد
يعزو الدكتور كريم العمدة، أستاذ الاقتصاد السياسي، الفجوة الكبيرة بين إيرادات الهيئة القومية للأنفاق ومصروفاتها إلى العجز المالي المزمن الذي تعانيه، وإلى سياسة تمويل مشروعاتها عبر الاقتراض، موضحًا أن طبيعة مشروعاتها، بوصفها مشروعات بنية تحتية ضخمة، تفرض استثمارات رأسمالية مرتفعة وتكاليف تشغيل وصيانة كبيرة، بما يجعلها تعتمد على قروض ضخمة، غالبًا بالعملة الأجنبية، لتمويل تنفيذ خطوط المترو والقطارات الكهربائية والمونوريل.
ويوضح أن مشروعات النقل الجماعي تختلف عن المشروعات التجارية، إذ يصعب أن تحقق أرباحًا مالية مباشرة بسبب طبيعتها الخدمية؛ فحتى مع رفع أسعار التذاكر تبقى الإيرادات غير كافية لتغطية تكاليف الإنشاء والتشغيل وخدمة الديون، مبينًا أن العائد الأساسي لهذه المشروعات يتمثل في العائد الاجتماعي وتحسين خدمات النقل للمواطنين لا في تحقيق أرباح مالية، ولافتًا إلى أن تحقيق فائض مالي لن يكون ممكنًا في الأجل القريب ما دامت الهيئة مستمرة في تنفيذ استثمارات رأسمالية واسعة.
يقول لـ«زاوية ثالثة»: «استمرار توسع الهيئة في تنفيذ خطوط ومشروعات جديدة يؤدي بطبيعته إلى زيادة الالتزامات المالية والديون، بينما تظهر العوائد الاقتصادية والاجتماعية لهذه المشروعات على المدى الطويل، لكن وقف الاقتراض سيؤدي بالضرورة إلى توقف تنفيذ مشروعات جديدة أو استكمال المراحل الجاري تنفيذها، وهو ما ينعكس على خطط التوسع في شبكات النقل».
وفيما يتعلق بتحويل الهيئة القومية للأنفاق إلى هيئة اقتصادية عام 2020، يوضح العمدة أن الهدف من هذا التحول رفع كفاءة الإدارة وزيادة الاعتماد على الموارد الذاتية ومنح الهيئة قدرًا أكبر من الاستقلال المالي والإداري، بما يشمل إعداد دراسات الجدوى والاقتراض باسمها بدلًا من الاعتماد المباشر على الموازنة العامة للدولة.
إلا أنه يرى أن هذا التحول لم يغيّر جوهر الأزمة المالية، لأن الهيئة ما زالت تنفّذ مشروعات حكومية ضخمة تحتاج إلى تمويل مستمر، موضحًا أن نقل الدين من الموازنة العامة إلى الهيئة لا يعني اختفاء الالتزامات المالية، إذ تظل الدولة مسؤولة بصورة غير مباشرة عن هذه الديون باعتبار الهيئة جهة حكومية.
ويربط خسائر عدد من الهيئات الاقتصادية العاملة في قطاع النقل، وفي مقدمتها الهيئة القومية لسكك حديد مصر والهيئة القومية للأنفاق، بارتفاع تكاليف الإنشاء والصيانة والتشغيل والاعتماد على الاقتراض، لكنه يشدد في الوقت ذاته على أن كفاءة الإدارة عامل مهم لا يمكن إغفاله، داعيًا إلى إعادة هيكلة الإدارة وتعزيز الرقابة على أداء مجالس الإدارات وآليات الإنفاق، بما يسهم في تحسين كفاءة إدارة هذه المرافق إلى جانب معالجة التحديات التمويلية التي تواجهها.
ويرى أستاذ الاقتصاد السياسي أن مفهوم أولويات الإنفاق يظل نسبيًا يختلف باختلاف المناطق والفئات المستفيدة، إذ يرتبط تقييم أي مشروع بطبيعة المستفيدين منه وأهدافه التنموية؛ ويضرب مثالًا بمترو الأنفاق في القاهرة الكبرى الذي يخدم الكثافة السكانية الأكبر والنشاط الاقتصادي الرئيسي في البلاد، بينما يسهم المونوريل في ربط المدن الجديدة بالعاصمة ويُعدّ من وسائل النقل الجماعي السريعة والصديقة للبيئة، في حين تكون لسكان المحافظات الأخرى أولويات مختلفة.
وفي الوقت نفسه، يشير إلى أن الحكومة، عند اتخاذ قرار تنفيذ هذه المشروعات، تستند، بحسب المفترض، إلى دراسات جدوى تحدد احتياجات التنمية وجدوى الاستثمار، معتبرًا أن هذه الرؤية يمكن أن تبرّر التوسع في شبكات النقل الحديثة، حتى وإن كانت محل نقاش مجتمعي بشأن ترتيب الأولويات.
ومن ناحيتها، ترى الباحثة الاقتصادية مي قابيل أن اتساع الفجوة بين إيرادات الهيئة القومية للأنفاق ومصروفاتها يرتبط بالتوسع السريع في تنفيذ مشروعات نقل ضخمة دون إتاحة دراسات جدوى واضحة للرأي العام أو للبرلمان والباحثين، سواء من حيث أولوياتها التنموية أو من حيث التكلفة والعائد، موضحةً أن الدولة قد تلجأ إلى الاقتراض إذا كان المشروع يحقق عائدًا اقتصاديًا أو تنمويًا كبيرًا، كما في مشروعات النقل الجماعي التي تخدم ملايين المواطنين، إلا أن عددًا من المشروعات الجديدة، مثل القطار الكهربائي السريع، ما زالت تفتقر، من وجهة نظرها، إلى معلومات معلنة تتيح تقييم حجم المستفيدين منها وجدواها مقارنة ببدائل أخرى، مثل تطوير شبكة السكك الحديدية القائمة.
وتؤكد لـ«زاوية ثالثة» أن تقييم المشروعات العامة يجب أن يستند إلى معيارين أساسيين: الجدوى الاقتصادية وأولوية التنفيذ في ظل محدودية الموارد، معتبرةً أن علم الاقتصاد يقوم على المفاضلة بين احتياجات غير محدودة وإمكانات مالية محدودة، بما يفرض توجيه الاستثمارات إلى المشروعات الأعلى عائدًا والأكثر إلحاحًا.
وترى الباحثة أن تحويل الهيئة القومية للأنفاق إلى هيئة اقتصادية ليس بالضرورة الخيار الأنسب، لأن نجاحه يتوقف على الهدف من إدارتها؛ فإذا كان الهدف تنمويًا وخدميًا، فمن الطبيعي أن تتحمل الدولة جانبًا من العجز باعتباره دعمًا لخدمة المواطنين، أما إذا كانت الهيئة تُدار وفق اعتبارات اقتصادية وتجارية، فمن المفترض أن تحقق إيرادات تغطي توسعاتها، وهو ما لم يتحقق في ظل التوسع الكبير في المشروعات المعتمدة على الاقتراض.
تقول: «المشكلة لا تكمن في الطبيعة القانونية للهيئة بقدر ما تكمن في أسلوب الإدارة والتخطيط، والهيئة لم تحقق كفاءة اقتصادية بعد تحولها، بينما ارتفعت الديون المضمونة من الحكومة، ما زاد الأعباء الواقعة على الموازنة العامة».
وتعتقد الباحثة الاقتصادية أن الخسائر والديون التي تتحملها الهيئة تمثل ضغطًا إضافيًا على الموازنة العامة، لأن الموارد المخصصة لتغطية هذه الأعباء تقلّل قدرة الدولة على الإنفاق في قطاعات أخرى، مضيفةً أن لجوء الدولة إلى الاقتراض لتمويل عجز الموازنة يعني أن زيادة خسائر أي قطاع تؤدي إلى مزيد من الاستدانة، في الوقت الذي تتحمل فيه الأسر أعباء ارتفاع أسعار خدمات النقل دون أن تنجح هذه الزيادات في معالجة الاختلالات المالية.
وتشدد على أن الأزمة تعكس بالأساس مشكلة في الإدارة وأولويات التخطيط، داعيةً إلى إعادة تقييم أولويات الاستثمار في مشروعات النقل وفق معايير واضحة للجدوى الاقتصادية والعائد التنموي، مع تعزيز الشفافية بشأن أسباب اختيار المشروعات وحجم المستفيدين منها، بما يضمن توجيه الموارد العامة إلى الاستخدام الأكثر كفاءة.
ومع تجاوز ديون الهيئة القومية للأنفاق حاجز التريليوني جنيه، واتساع الفجوة بين الإيرادات والمصروفات، تبدو الأزمة أبعد من كونها عجزًا ماليًا عابرًا، لتطرح نقاشًا أوسع بشأن أولويات الإنفاق وآليات تمويل المشروعات القومية ومستقبل الهيئات الاقتصادية التي تقدّم خدمات عامة يصعب إخضاعها لمنطق الربحية.
وبين أصوات مؤيدة لاستكمال المشروعات باعتبارها ضرورة تنموية، وأخرى داعية إلى إعادة ترتيب الأولويات وإعادة هيكلة الهيئة، يبقى التحدي الأبرز تحقيق التوازن بين تطوير شبكة النقل وضمان استدامتها المالية.