أقرت وزارة النقل مؤخرًا زيادة جديدة بأسعار تذاكر قطارات السكك الحديدية ومترو الأنفاق، بنسبة 25%، وذلك بعد أقل من أسبوعين من رفع أسعار المحروقات بنسبة 30%، إثر تداعيات الحرب المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران.
القرار أثار استياءًا واسعًا، إذ يتزامن مع ضغوط اقتصادية مضاعفة على المصريين نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة، فيما بررته الحكومة، بأنه يأتي ضمن سياسة “إعادة تسعير تدريجي” لخدمات النقل العام، بما يتناسب مع الارتفاع المتواصل في تكاليف التشغيل، وعلى رأسها الوقود والكهرباء.
وأفادت الوزارة، في بيان رسمي، برفع أسعار تذاكر المترو لتصل إلى 10 جنيهات حتى 9 محطات بدلاً من 8 جنيهات (زيادة 25%)، و12 جنيهاً حتى 16 محطة بدلاً من 10 جنيهات (زيادة 20%)، مع الإبقاء على سعر 15 جنيهاً حتى 23 محطة، و20 جنيهاً للرحلات الأطول.
وفيما يخص السكك الحديدية، تقرر زيادة أسعار تذاكر القطارات بنسبة 12.5% للخطوط الطويلة و25% للخطوط القصيرة، مع توجيه الزيادات بشكل أكبر نحو القطارات المكيفة ودرجات السفر الأعلى، مقابل زيادات محدودة على قطارات الدرجة الثالثة التي يعتمد عليها قطاع واسع من المواطنين في مختلف المحافظات.
وفي تصريح، زاد من حالة الاستياء، وفقًا لمراقبين، نفى الفريق كامل الوزير، وزير النقل والمواصلات، إمكانية خفض أسعار التذاكر حال تراجع سعر الوقود، مؤكدًا أن ذلك لن يحدث في القطاعات التي تعاني في الأساس من عجز مالي في تغطية احتياجاتها التشغيلي، لافتًا في تصريحات تلفزيونية إلى أنه قد يتم تمديد أجل الزيادات الأخرى المقررة في فترة لاحقة.
ووفقًا لتقارير صحفية تسعى الحكومة إلى جمع 3 مليارات جنيه إضافية خلال العام المالي الجاري (2026-2027)، إذ تستهدف الزيادات الأخيرة، إلى تحقيق إيرادات إضافية تقدر بملياري جنيه، لتصل إلى 12 مليار جنيه، مقابل 9.5 مليار جنيه العام المالي الماضي. كذلك يتوقع أن ترتفع إيرادات الهيئة القومية للأنفاق بنحو مليار جنيه إضافي، لتسجل 6.5 مليار جنيه بنهاية العام، مقابل 5 مليارات و800 مليون جنيه في العام المالي السابق، فضلًا عن رفع إيرادات بقطاع عربات النوم، تبلغ نحو 1.8 مليار جنيه.

غضب في البرلمان
في أول تحرك برلماني تقدمت النائبة مها عبد الناصر، عضو مجلس النواب عن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، ببيان عاجل إلى رئيس مجلس الوزراء ووزير البترول، في 27 مارس، بشأن الزيادة الجديدة في أسعار تذاكر السكك الحديدية ومترو الأنفاق، مؤكدة أنها تأتي في توقيت اقتصادي ضاغط، مشيرة إلى أن أسعار تذاكر المترو شهدت زيادات تراكمية كبيرة منذ 2014.
وقالت النائبة إن المترو يمثل وسيلة النقل الأساسية لملايين المواطنين، وأن أي زيادة في أسعاره تنعكس مباشرة على تكلفة المعيشة اليومية، ورغم إقرارها بوجود تحديات اقتصادية وارتفاع تكاليف التشغيل عالميًا، تساءلت في بيانها، عن استمرار تحميل المواطن العبء الأكبر دون حماية كافية.
كذلك انتقدت الاعتماد المتكرر على رفع الأسعار دون سياسات حماية اجتماعية واضحة، معتبرة أن بدائل مثل الاشتراكات ليست كافية، داعية إلى مراجعة النهج الحالي، وتحقيق توازن بين الإصلاح الاقتصادي وقدرة المواطنين على تحمل الأعباء.
ويتفق معها النائب فريدي البياضي، عضو مجلس النواب ونائب رئيس الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، إذ يعتبر الزيادات الأخيرة تأتي في إطار نهج حكومي مستمر لرفع الدعم تدريجيًا، وليست ناجمة فقط عن التأثر بأسعار الطاقة العالمية.
يقول "البياضي" لـ"زاوية ثالثة": "الدولة لا تتحمل جزءًا من الأعباء، بل تنقل التكلفة بالكامل إلى المواطنين، في ظل غياب معلومات واضحة بشأن حجم مخزون الوقود أو تكلفة التشغيل الفعلية، ويمثل غياب الشفافية أزمة رئيسية، ولا تتوفر بيانات دقيقة حول ميزانيات وتكاليف تشغيل مرافق النقل العام"، مشيرًا إلى أن النواب تقدموا بطلبات إحاطة للمطالبة بإتاحة المعلومات، خاصة في ظل التطورات الإقليمية، إلا أنها لم تلق استجابة.
ويعتقد البياضي أن برامج الحماية الاجتماعية، لا تتناسب مع حجم الزيادات المتتالية في الأسعار، مشيرًا إلى أن آثار هذه السياسات تنعكس بشكل واضح على تآكل الطبقة الوسطى وزيادة الضغوط على الفئات الأقل دخلًا، في ظل عدم وجود إجراءات تعويضية كافية لمواجهة معدلات التضخم المرتفعة.
ويلفت البياضي إلى أن عدد من نواب البرلمان طالبوا مرارًا بإجراء دراسات جدوى لمشروعات الطرق والنقل لمعرفة حجم الاستفادة المتوقعة من هذه المشروعات، ورفضوا بعض القروض مؤخرًا لعدم توافر بيانات كافية بشأن جدواها الاقتصادية والاجتماعية.
ويبلغ إجمالي القروض التي حصلت عليها وزارة النقل لتنفيذ عدد من المشروعات القومية، حتى مارس 2026، نحو 18 مليار دولار، وفقا لتصريحات تلفزيونية لوزير النقل، كامل الوزير، موضحًا أن القروض سيتم توجيهها إلى هيئتي السكك الحديدية ومترو الأنفاق فقط، وأن آخر القروض التي ستلجأ إليها الوزارة، ستكون لصالح القطار السريع والخط السادس للمترو.
النائبة سناء السعيد، عضو مجلس النواب، لا تعتبر تحريك أسعار المواصلات في مصر بأنه نتيجة مباشرة للتوترات الإقليمية، بل تعزيها إلى توجه الدولة التدريجي نحو إلغاء الدعم عن الطاقة، ما يؤدي إلى رفع الأسعار على المواطنين، مؤكدة أن تثبيت مرتبات المواطنين في مقابل ارتفاع مستمر للأسعار يضع الأسر أمام ضغوط اقتصادية متزايدة، لدرجة أن شريحة الطبقة الوسطى تكاد تتآكل، فيما ترتفع معدلات الفقر.
تقول لـ"زاوية ثالثة": "ارتفاع الأسعار يشمل جميع الخدمات الأساسية، بما فيها المواصلات العامة والكهرباء والمياه وأنبوبة البوتاجاز، وهذه الزيادات تتسبب في إجهاد المواطنين دون وجود رؤية واضحة لموازنة أثرها على القدرة الشرائية، بينما أي سياسة لرفع الأسعار يجب أن تكون مدعومة بدراسة مجتمعية كاملة للظروف الاقتصادية للمواطنين، مع تثبيت الأسعار أو رفع المرتبات بما يتناسب مع ارتفاع التكاليف".
وتعتقد النائبة أن زيادة أسعار النقل والمواصلات سيؤدي إلى ارتفاع كبير في معدلات التضخم، ويؤثر بالسلب على القدرة الشرائية للأسر، وأن استمرار هذه السياسات سيجعل المواطن البسيط هو المتضرر الرئيس، مشيرة إلى أن دعم الدولة للمواصلات يجب أن يتركز على الفئات الأكثر حاجة، بدل أن يتحمل المواطن البسيط تبعات أي تضارب بين القرارات والخطط الحكومية.
نوصي للقراءة: تسعيرة النقل في مصر: صراع الأجرة والوقود

زيادة تاريخية
منذ افتتاح المترو في 27 سبتمبر 1987، اعتمد تشغيله على السعر الموحد الرمزي، بسعر تذكرة 10 قروش، شهدت زيادات طفيفة على مدار عقدين، تراوحت بين 25 قرشًا إلى 75 قرشًا في 2002، ووصلت إلى جنيه واحد في 2006 لأي عدد من المحطات من حلوان إلى المرج أو عبر الخط الثاني، حتى مارس 2017، حينما تقرر رفع الأسعار للمرة الأولى إلى 2 جنيه، لتبدأ بعدها مرحلة جديدة كليًا من التسعير القائم على عدد المحطات والمناطق، إذ قسّمت وزارة النقل في 2018 محطات المترو إلى مناطق تختلف في تسعيرها، التي ارتفعت إلى 3 جنيهات لعدد 9 محطات، وخمسة جنيهات لعدد 16 محطة، وأكثر و7 جنيهات لـ16 محطة.
ومع بداية تشغيل الخط الثالث من مترو الأنفاق في يونيو 2019 ، ارتفعت أسعار التذاكر في المنطقة الأولى بعدد 9 محطات 5 جنيهات، والمنطقة الثانية بعدد 16 محطة 7 جنيهات وما يزيد عن ذلك سعر التذكرة عشرة جنيهات واستمرار ثبات تذكرة الخطين الأول والثاني.
وفي العام 2020، تحولت هيئة الأنفاق المالكة للمترو من هيئة خدمية إلى هيئة اقتصادية هادفة للربح تمتلك موازنة مستقلة عن الموازنة العامة للدولة، بشكل يتيح لها استثمار أموالها من خلالها أنشطة تغطي تكاليف النفقات والصيانة خارج موازنة الدولة، وتوالت بعد ذلك زيادات الأسعار لتتراوح في 2020 بين 3 إلى 7 جنيهات كشريحة أولى، وبين 5 إلى 10 جنيهات كشريحة ثانية، بنسب ارتفاع بلغت 40 إلى 67%.
وفي مارس 2022، استحوذت الهيئة القومية للأنفاق على 51% من أسهم الشركة المصرية لإدارة وتشغيل مترو القاهرة، وخلال العام 2024، رفعت الوزارة سعر تذكرة المترو مرتين، الأولى في شهر يناير، لتتراوح بين 6 جنيهات للمنطقة الواحدة و15 جنيهًا لأكثر من 23 محطة، وفي أغسطس من العام نفسه زادت أسعار التذاكر إلى 8 جنيهات للمنطقة الواحدة وحتى 20 جنيهًا كأعلى سعر للتذكرة، وفي عام 2025، تم تطبيق زيادة جديدة على الأسعار، وفق عدد المحطات لتبلغ 8 جنيهات حتى 9 محطات، 10 جنيهات حتى 16 محطة، 15 جنيهًا من حتى 23 محطة، 20 جنيهًا للمحطات الأكثر عددًا.
وفي 27 مارس الماضي، رفعت وزارة النقل أسعار التذاكر لعدد المحطات حتى 9 محطات لتصبح 10 جنيهات بدلًا من 8 جنيه، وزادت سعر التذكرة لعدد المحطات حتى 16 محطة لتبلغ 12 جنيها بدلًا من 10 جنيه، مع تثبيت أسعار تذاكر المحطات الأكثر عددًا.
موجات زيادة أسعار التذاكر لم تقتصر على مترو الأنفاق فحسب؛ بل امتدت أيضًا إلى قطارات السكك الحديد؛ إذ شهدت أسعار تذاكر القطارات في مصر، خاصة الرحلات طويلة المسافة والوجه البحري، زيادات متسارعة خلال العقد الأخير، مع قفزات ملحوظة في أسعار الدرجة الأولى بالقطارات المكيفة والفاخرة.
أقرت الحكومة المصرية زيادة أسعار تذاكر القطارات المكيفة بدءًا من يوليو 2015، بزيادة قدرها 20 جنيهًا للدرجة الأولى و10 جنيهات للدرجة الثانية للرحلات الكاملة، وفي أبريل 2016 ارتفعت الأسعار مجددًا، بنسبة وصلت 100%، لتصبح قيمة تذكرة المسافر من أسوان إلى القاهرة والعكس 135 جنيهًا بدلًا من 67 جنيهًا، قبل أن ترتفع مجددًا في أغسطس 2024 بنسب تراوحت بين 12.5% و25% لتشمل كافة الخطوط، وأخيرًا أقرت النقل زيادة جديدة بنسبة 12.5% للخطوط الطويلة و25% للخطوط القصيرة.
وبالنسبة للرحلات الطويلة على خط (القاهرة – أسوان)، ارتفعت أسعار الدرجة الأولى في القطار الإسباني من نحو 80 جنيهًا في عام 2016 إلى 200 جنيه في عام 2024، كما قفزت أسعار قطارات الدرجة الأولى من 145 جنيهًا في 2016 إلى نحو 335 جنيهًا في 2024، قبل أن ترتفع مجددًا عقب الزيادة الأخيرة في مارس 2026، حتى تصل إلى 430 جنيهًا.
أما القطارات الروسية، التي دخلت الخدمة لأول مرة في يوليو 2020، بأسعار أقل نسبيًا، تراوحت عند تشغيلها بين 25 و50 جنيهًا للرحلات متوسطة المسافة، وارتفعت خلال العام نفسه لتصل إلى 130 جنيهًا لأسوان، مع زيادة تراوحت بين 25% و83 % للمكيف.
وفي عام 2024 قفز سعر الدرجة الأولى إلى 335 جنيهًا، والإسباني العادي لحوالي 200 جنيه، قبل أن تشهد زيادات أخرى في مارس 2027 بنسبة 12.5%، ليبلغ سعر تذكرة الدرجة الأولى من قطار القاهرة - أسوان 430 جنيهًا، والدرجة الثانية 280 جنيه.
أما تذاكر الدرجة الأولى من قطارات "التالجو" الفاخرة الخدمة، خط القاهرة/الإسكندرية فكانت تبلغ في 2022 نحو 150 إلى 200 جنيه، وفي يناير 2026 كانت أسعار الدرجة الأولى تبلغ 350 جنيهًا بدلًا من 275 جنيه، بينما تذكرة الدرجة الثانية فسجلت 750 جنيهًا بدلًا من 550 جنيه.
وفي مارس الماضي ارتفعت إلى 400 جنيه للدرجة الأولى و275 للدرجة الثانية، وتراوحت قيمة تذكرة خط القاهرة/أسوان بين 500-700 جنيه في 2016، والتي ارتفعت إلى 1000 جنيه للدرجة الأولى و750 جنيهًا للدرجة الثانية في مارس 2026.
نوصي للقراءة: ارتفاع أسعار تذكرة المترو.. زيادة 20 ضعفًا في 7 سنوات

ضغوط مُضاعفة
تحريك أسعار تذاكر مترو الأنفاق والسكك الحديدية، جاء بعد أقل من شهر من زيادة تعريفة النقل العام والخاص في قطاع النقل العام والجماعي بمختلف محافظات مصر، إذ أعلنت محافظة القاهرة، في 10 مارس الماضي، تم تعديل تعريفة عدد من خطوط النقل الجماعي، وتراوحت الزيادات بين جنيه وثلاثة جنيهات بحسب نوع الخط والمسافة، وارتفعت تعريفة الميني باص العادي من 18 جنيهًا إلى 19 جنيهًا، بينما زادت تعريفة الميني باص المكيف من 22 جنيهًا إلى 25 جنيهًا.
كذلك شهدت بعض خطوط الحافلات الكبيرة زيادات تتراوح بين جنيهين وثلاثة جنيهات، خصوصًا الخطوط التي تربط القاهرة بالمحافظات المجاورة، وفي محافظات أخرى مثل الغربية والمنوفية والسويس، أعلنت الإدارات المحلية تعليق لوحات في المواقف تتضمن التعريفات الجديدة، مع زيادات تراوحت في المتوسط بين 10% و20% في أسعار الحافلات والنقل الجماعي.
أما في قطاع النقل الخاص، ارتفعت تعريفة سيارات السرفيس والأجرة بنسب متفاوتة تراوحت بين 15% و20% حسب الخطوط والمسافات؛ ففي القاهرة، زادت تعريفة بعض خطوط السرفيس الداخلية نحو 2 إلى 5 جنيهات للرحلة، وجرى تعديل تعريفة التاكسي الأبيض، إذ ارتفع سعر فتح العداد من 11 جنيهًا إلى 13 جنيهًا، وسعر الكيلومتر من 5 جنيهات إلى 6 جنيهات.
الزيادات الأخيرة في أسعار النقل والمواصلات، جاءت بعد إعلان الحكومة المصرية، في 10 مارس الماضي، رفع أسعار عدد من المنتجات البترولية وغاز تموين السيارات، وذلك للمرة الثالثة خلال عام.
ويوضح الدكتور محمد سعد الدين، خبير الطاقة ووكيل مجلس إدارة غرفة البترول والتعدين، أن تأثير زيادة أسعار الوقود على تكلفة النقل لا يكون بنفس نسبة الزيادة المعلنة، إذ يمثل الوقود جزءًا محدودًا من إجمالي التكلفة التشغيلية، التي تشمل أيضًا الصيانة والإهلاك وأجور العمالة، مٌبينًا أن الزيادة المنطقية في تعريفة النقل يجب أن تُحتسب وفق نسبة مساهمة الوقود في التكلفة الإجمالية، بينما الواقع يظهر أن بعض الزيادات المطبقة تتجاوز هذا الإطار، ولا تعكس بدقة نسب الزيادة الفعلية في عناصر التكلفة.
يقول لـ"زاوية ثالثة": إن "فصل تكلفة تشغيل وسائل النقل عن تقلبات أسعار الطاقة ممكن في حالة تدخل الدولة عبر آليات الدعم، بحيث تتحمل جزءًا من الزيادة بدلاً من تحميلها بالكامل للمستهلك".
ويعتقد وكيل مجلس إدارة غرفة البترول أن الزيادات الحالية في أسعار الوقود مؤقتة، وترتبط بعوامل استثنائية، منها التوترات الجيوسياسية وارتفاع أسعار النفط عالميًا وسعر الدولار وتكاليف الشحن والتأمين، مشيرًا إلى أن هناك فجوة تاريخية بين تكلفة إنتاج الوقود وسعر بيعه محليًا، نتيجة استمرار سياسات الدعم لعقود، أدت إلى صعوبة الوصول إلى التسعير العادل تدريجيًا، وهو ما يفسر - في رأيه- تكرار الزيادات خلال السنوات الأخيرة.
من جهته، يرى شهاب أبو زيد، مستشار السياسات ومدير البرامج بمؤسسة "ندى لطرق مصرية آمنة"، أن الزيادات الأخيرة في أسعار الوقود وما تبعها من ارتفاع في تكلفة النقل والمواصلات، تأتي في إطار توجه أوسع لدى الدولة لإعادة هيكلة الاقتصاد وتقليل الإنفاق العام مقابل تعظيم الإيرادات، معتبرًا أن ربطها بالتوترات الإقليمية فقط ينافي الحقيقة، إذ أن الهدف الأعمق يتمثل في تحرير أسعار الوقود لتتوافق مع الأسعار العالمية، مُدللًا على ذلك بأن الزيادة الأخيرة طالت مختلف أنواع الوقود بالقيمة نفسها تقريبًا، رغم اختلاف طبيعة كل منتج.
يقول لـ"زاوية ثالثة": "هذا التوجه قد يكون مفهومًا من منظور سعي الدولة لتحقيق توازن مالي، إلا أنه يثير إشكالية أساسية تتعلق بتوزيع الأعباء، إذ تتحمل الفئات الأقل دخلًا النصيب الأكبر من آثار هذه السياسات، باعتبارها الشريحة الأكبر من مستخدمي وسائل النقل الجماعي، ما يجعلها الأكثر تأثرًا بارتفاع الأسعار"، مؤكدًا أن أي إصلاح اقتصادي يجب أن يتزامن مع سياسات حماية اجتماعية فعالة، تضمن عدم تحميل الفئات محدودة الدخل تكلفة التحولات الاقتصادية بمفردها.
ويؤكد "أبو زيد" على تعزيز الشفافية والمساءلة وإتاحة المعلومات التفصيلية حول حجم الخسائر التي تعلنها هيئات النقل، وأسبابها وآليات حدوثها، بما يتيح فهم مسارات اتخاذ القرار أو مدى كفاءة الإدارة التشغيلية، مشيرًا إلى أن القرارات غالبًا ما تأتي في صورة إجراءات نهائية، مثل رفع أسعار التذاكر أو التوسع في إشراك القطاع الخاص، دون نقاش كافٍ حول البدائل أو جذور المشكلة.
ويؤكد "أبو زيد" أن التحول نحو نموذج اقتصادي يعتمد على التسعير الحر وإدارة المرافق بمنطق ربحي قد يكون خيارًا مطروحًا، لكنه يستلزم في المقابل شبكة حماية اجتماعية قوية تضمن عدم تضرر الأغلبية من المواطنين، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الحالية.
وتظهر البيانات الرسمية أن إيرادات الهيئة القومية للأنفاق بلغت في العام المالي (2021 -2022) نحو 3.166 مليار جنيه، بينما بلغت تكلفة النشاط حوالي 651 مليون جنيه موزعة بين أجور بقيمة 193 مليون جنيه ووقود وخامات وقطع غيار بنحو 458.2 مليون جنيه، وحققت الهيئة أرباح بحوالي 2.515 مليار جنيه، وفي العام (2022 - 2023) حققت الهيئة صافي ربح بحوالي 3.536 مليار جنيه، وفي العام (2023 - 2024) اقتربت الأرباح من 3 مليارات جنيه، وبلغت قيمة أرباحها في العام المالي (2024 - 2025) 4.350 مليار جنيه.
رغم ذلك تواجه الهيئة خسائر مالية بلغت نحو مليار و300 مليون جنيه في العام المالي 2021 - 2022، بحسب الدكتور طارق جويلي، رئيس مجلس إدارتها، فيما بلغت الخسائر في العام التالي 1.896 مليار جنيه، مقابل زيادة الالتزامات طويلة الأجل ومستحقات الموردين إلى 105.5 مليار جنيه بحلول العام المالي 2023 - 2024، بزيادة 31.2 مليار جنيه عن العام السابق، وفقًا لتقارير إعلامية.
فيما بلغت موازنة هيئة النقل العام بالقاهرة لعام 2025-2026، نحو 6.423 مليار جنيه، ويبلغ حجم التكاليف والمصروفات نحو 4.068 مليار جنيه، موزعة إلى 2.378 مليار جنيه للأجور، و1.690 مليار جنيه لباقي المصروفات، بإجمالي إيرادات 3.585 مليار جنيه، من بينها 1.881 مليار جنيه إعانات؛ قدرت الخسائر بنحو 482.7 مليون جنيه.\
نوصي للقراءة: رفع أسعار الوقود للمرة الـ21 منذ 2019.. الحرب ذريعة والمصريون يدفعون الفاتورة

زيادة الضغوط التضخمية
في السياق يعزي الدكتور خالد الشافعي، الخبير الاقتصادي ورئيس مركز العاصمة للدراسات والأبحاث الاقتصادية، الزيادات الأخيرة في أسعار النقل والمواصلات إلى تداخل الضغوط الخارجية الناتجة عن ارتفاع أسعار الوقود عالميًا، مع السياسات الحكومية المرتبطة بإعادة هيكلة الدعم.
ويتوقع أن تسهم زيادات أسعار النقل والوقود في رفع معدلات التضخم خلال الفترة المقبلة بنسبة تتراوح بين 5% و10% كحد أدنى، ما سينعكس بشكل مباشر على تآكل القدرة الشرائية للأسر، خاصة في ظل ثبات الدخول، مؤكدًا أن هذه الأوضاع ستؤدي إلى ضغوط معيشية متزايدة على مختلف الفئات، لا سيما الطبقات الفقيرة والمتوسطة، في وقتٍ لا تغطي فيه برامج الحماية الاجتماعية وزيادات الأجور المعلنة جميع الفئات.
يقول لـ"زاوية ثالثة": "ضعف الرقابة على قطاع النقل الخاص، يؤدي إلى زيادات غير منضبطة في الأسعار، بينما تظل تسعيرة النقل العام خاضعة لتقديرات الحكومة، التي تعتبرها السعر العادل، رغم وجود شكوك فعلية حول مدى توافقها مع التكلفة التشغيلية الفعلية".
ويشكك الشافعي في استمرار الخسائر المعلنة لقطاعي مترو الأنفاق والسكك الحديد، مؤكدًا ضرورة مراجعة البيانات المالية والإدارية للمرفق، معتبرًا أن الحديث عن خسائر في مرفق حيوي يخدم ملايين المواطنين يوميًا قد يرتبط بسوء إدارة أو ضعف في تعظيم الإيرادات، وليس فقط بارتفاع تكاليف التشغيل.
ويدعو الخبير الاقتصادي إلى ضرورة تبني رؤية اقتصادية شاملة تقوم على تعزيز الإنتاج المحلي، وزيادة الصادرات، وتوطين الصناعات، وتقليل الاعتماد على الواردات، بما يساهم في خفض عجز الموازنة والميزان التجاري، وتحقيق معدلات نمو أعلى تنعكس إيجابيًا على مستوى معيشة المواطنين، بدلًا من الاعتماد على رفع الأسعار كأداة رئيسية للتعامل مع التحديات الاقتصادية.
فيما لا يُبدي الخبير الاقتصادي زهدي الشامي، نائب رئيس حزب التحالف الشعبي الاشتراكي، دهشته تجاه قرارات رفع أسعار النقل والمواصلات، معللًا ذلك بوجود نية لدى الحكومة لذلك منذ فترة، مشيرًا إلى أن أسعار التذاكر في وسائل النقل الجماعي شهدت زيادات تراكمية بشكل غير مسبوق، خلال السنوات العشر الماضية، وتجاوزت القدرة الشرائية للمواطنين، واصفًا ذلك بـ"أسلوب للجباية" لا يراعي ظروف الناس، ولا يصاحبه تعديل للمرتبات أو المعاشات بما يتناسب مع ارتفاع التكاليف.
ويحذر من انعكاسات هذه السياسات على معدلات التضخم، وأسعار السلع والخدمات، مما يؤدي إلى تآكل القدرة الشرائية للأسر، موضحًا لـ"زاوية ثالثة" أن التضخم خلال السنوات الماضية شهد ارتفاعًا مستمر، وأن الوضع الحالي يجعل المواطن محاصرًا بين ارتفاع الأسعار وثبات المرتبات وهبوط قيمة الجنيه، وهو ما يزيد من الضغوط الاقتصادية على الأسرة المصرية.
وارتفع معدل التضخم السنوي في المدن المصرية إلى 13.4% خلال شهر فبراير 2026، مقابل 11.9% في يناير، مدفوعًا بزيادة أسعار المواد البترولية والأغذية، مع ضغوط جيوسياسية إقليمية وبلغ معدل التضخم الشهري 2.8%، في حين سجل التضخم الأساسي نحو 3%.
ويشرح محمد رمضان، الباحث في وحدة العدالة الاجتماعية والاقتصادية بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، أن بند المواصلات يمثل أحد المكونات الأساسية في إنفاق الأسر المصرية، خاصة مع اعتماد غالبية المواطنين على وسائل النقل إلى مناطق العمل التي غالبًا ما تكون بعيدة عن محل السكن، وأي زيادة في هذا البند تؤدي إلى إعادة توزيع ميزانية الأسرة، عبر تقليص الإنفاق على احتياجات أساسية أخرى مثل الغذاء.
ويوضح لـ"زاوية ثالثة" أن هذه السياسات تأتي في إطار أوسع من التوجهات الاقتصادية التي تنقل أثر الصدمات الخارجية، مثل ارتفاع أسعار النفط، مباشرة إلى السوق المحلية، دون وجود آليات كافية لامتصاص هذه الصدمات أو تخفيف أثرها على المواطنين، مؤكدًا أن هذا النهج يساهم في استمرار التضخم عند مستويات مرتفعة لفترات أطول، فيما يُعرف بالتضخم اللزج، وبالتالي سيفاقم الضغوط على الاقتصاد والأسر.
يقول: "الفئات الأكثر تضررًا من هذه الزيادات تشمل العاملين في الاقتصاد غير الرسمي، الذين لا يستفيدون من زيادات الأجور الرسمية، إلى جانب شريحة واسعة من الطبقة الوسطى ذات الدخول الثابتة، إذ يؤدي ارتفاع تكاليف المواصلات إلى زيادة نصيبها من إجمالي الإنفاق، على حساب بنود أخرى مثل التعليم والصحة".
ويؤكد أن وسائل النقل الجماعي، وعلى رأسها مترو الأنفاق، تمثل خدمة حيوية لملايين المواطنين يوميًا، وأن الحفاظ على إتاحتها بأسعار مناسبة يجب أن يكون أولوية، نظرًا لدورها في دعم حركة العمل والإنتاج، مضيفًا أن "برامج الحماية الاجتماعية غير كافية لتعويض الفجوة المتزايدة بين الأجور وتكاليف المعيشة، نظرًا لتراجع القيمة الحقيقية للأجور خلال السنوات الأخيرة نتيجة التضخم وتغير سعر الصرف".
وينتقد التركيز على معالجة الأزمة من منظور مالي ضيق، عبر تقليل الإنفاق العام، بدلًا من تبني سياسات اقتصادية شاملة تستهدف الحد من آثار التضخم على الاقتصاد ككل، مشيرًا إلى أن تحميل المواطنين تكلفة زيادات محدودة في دعم المرافق العامة، مثل مترو الأنفاق، قد يؤدي إلى آثار اقتصادية أوسع، تشمل ارتفاع تكلفة التنقل والإنتاج، بما ينعكس سلبًا على النشاط الاقتصادي.
وتكشف البيانات مسار تصاعدي يرتبط بسياسات رفع الدعم وتحرير أسعار الطاقة، يضغط بشكل مباشر على حياة المواطنين، وبينما تبرر الحكومة هذه الزيادات تارة بارتفاع تكاليف التشغيل وأخرى بالأزمات الدولية والاضطرابات الإقليمية، يتحمل المواطنون العبء الأكبر من التكلفة، دون يشملهم توسع موازٍ في برامج وحزم الحماية الاجتماعية.