في 2 سبتمبر 2026، انقلب أتوبيس ركاب على طريق دهب إلى نويبع في جنوب سيناء، عند منطقة «طلعة الصاعدة»، مخلفًا 22 وفاة و28 مصابًا، بينهم مواطنون أردنيون. وكان الطريق قد شهد أعمال تطوير ورفع كفاءة على مراحل؛ ففي بيان لمجلس الوزراء صدر في 21 سبتمبر 2023، عرض وزير النقل أعمال تطوير قطاعات من الطريق البالغ طوله نحو 77 كيلومترًا، بهدف تسهيل حركة الشاحنات والبضائع من ميناء نويبع وإليه، وخدمة الحركة السياحية وتأمين الطريق من الحوادث. وتوضح هذه الخلفية أن السؤال عن السلامة لا ينفصل عن تقييم أثر أعمال التطوير المعلنة، مع ضرورة التمييز بين كل مرحلة وتاريخ تنفيذها.
وقبل ذلك، في 11 أغسطس 2026، شهد طريق الدواويس بالإسماعيلية تصادم سيارتي نقل تقلان عمالًا باليومية. أعلنت النيابة العامة، في بيانها التالي للحادث، وفاة 18 شخصًا وإصابة 30، ثم ارتفعت حصيلة الوفيات إلى 19 وفق متابعة صحفية في 15 أغسطس. وقالت النيابة إن انفجار الإطار الخلفي الأيمن لإحدى المركبتين أدى إلى اختلال توازنها وتصادمها مع السيارة الأخرى، مع استمرار التحقيقات. وأعقب الواقعة تحرك حكومي لمراجعة الحالة الفنية للطريق وإجراءات السلامة عليه. وفي 25 أغسطس، بعد أسبوعين، وقع تصادم آخر على الطريق نفسه نُقل إثره 17 مصابًا إلى المستشفى، بينهم عمال، وفق تصريحات هيئة الرعاية الصحية بالإسماعيلية.
رغم إنفاق مئات المليارات على إنشاء الطرق والكباري ورفع كفاءة الشبكة القائمة خلال العقد الأخير، تسببت حوادث الطرق في وقوع 44,940 وفاة و476,126 إصابة جراء حوادث الطرق خلال الفترة من 2019 إلى 2025، وفقًا لمجموع بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.
وارتفعت الوفيات بنسبة 10.8%، والإصابات بنسبة 10.7% خلال عام واحد، إذ سجلت البلاد 5,829 وفاة و84,553 إصابة جراء حوادث السيارات خلال 2025، مقابل 5,260 وفاة و76,362 إصابة في 2024، كذلك ارتفع معدل الوفيات من 4.9 إلى 5.4 حالة لكل 100 ألف نسمة، ومعدل الإصابات من 71.7 إلى 78.4 إصابة لكل 100 ألف نسمة.
وكانت أعداد الوفيات قد انخفضت في العام السابق 2024، بنسبة 10.3% مقارنة بعام 2023، من 5,861 إلى 5,260 وفاة، بينما ارتفع عدد المصابين خلال الفترة نفسها من 71,016 إلى 76,362 مصابًا، وبذلك لم يتحول تراجع الوفيات إلى اتجاه مستقر؛ إذ عاد المؤشر إلى الصعود في 2025، في الوقت الذي استمر فيه عدد الإصابات في الارتفاع.
وفي التفاصيل، تظهر جداول الأعمار في نشرة 2025 أن الفئة من 15 إلى أقل من 25 عامًا سجلت أعلى حصيلة بين المصابين، بواقع 29,101 إصابة، وبين المتوفين، بواقع 1,580 وفاة. وهذه الفئة تختلف عن الأطفال دون 15 عامًا. وجغرافيًا، سجلت الدقهلية أعلى عدد إصابات بواقع 17,975، بينما تصدرت القاهرة الوفيات بواقع 779 حالة. وبلغ معدل قسوة الحوادث، أي عدد الوفيات لكل 100 مصاب، نحو 6.9، وهو قريب من مستوى العام السابق. وتلفت النشرة إلى عدم ورود بيانات إصابات بورسعيد والأقصر عقب انضمام مستشفياتهما إلى منظومة التأمين الصحي الشامل، ولذلك لا يجوز تفسير غياب بياناتهما باعتباره انعدامًا للإصابات.
تصاعد الحوادث رغم المشاريع الضخمة
شهدت شبكة الطرق المصرية منذ 2014 توسعًا في الإنفاق وأعمال الإنشاء والتطوير. وفي عرض حكومي خلال مؤتمر «حكاية وطن» في أكتوبر 2023، حدد وزير النقل تكلفة مشروعات الطرق والكباري للفترة 2014 إلى 2024 بنحو 530 مليار جنيه، ضمن برنامج أوسع للنقل. ويشمل الرقم الطرق والكباري، ولا يمثل تكلفة إنشاء الطرق الرئيسية الجديدة وحدها. وتضمن العرض إنشاء نحو 7 آلاف كيلومتر من الطرق الجديدة، وتطوير شبكة الطرق القائمة ومحاورها، والوصول بطول الشبكة الرئيسية إلى نحو 30.5 ألف كيلومتر، إلى جانب إنشاء 935 كوبريًا.
ورغم انخفاض أعداد الوفيات من 7,762 في 2022 إلى 5,260 في 2024، لكن الإصابات ارتفعت من 55,991 في 2022 إلى 76,362 في 2024، قبل أن يرتفع المؤشران في 2025.
وتعقيبًا يقول خبير في سلامة الطرق، فضل عدم ذكر اسمه، إن وفاة شخص واحد تفرض مسؤولية سياسية وأخلاقية على الجهات المعنية، فما بالك بعشرات الآلاف من الضحايا، مؤكدًا أن هذه الأرقام تجعل من الصعب التعامل مع الحوادث باعتبارها وقائع فردية، وتفرض تحديد المسؤوليات ووضع سياسات قابلة للقياس والمساءلة.
وفي المقابل، يشير إلى أن الفترة نفسها شهدت، وفق الأرقام، إنفاق مئات المليارات على الطرق، متسائلًا عن مدى انعكاس هذا الإنفاق على مؤشرات السلامة وكيفية توجيهه وتنفيذه.
ويقول إن تقييم كفاءة الإنفاق يحتاج إلى دراسة مستقلة، خصوصًا مع محدودية البيانات التفصيلية المتعلقة بمسارات الأموال والتعاقدات وآليات التنفيذ والمقاولات من الباطن، ويصف نقص البيانات بأنه أشبه بـ«الصندوق الأسود»: أموال ضخمة أنفقت على القطاع، لكن المعلومات المتاحة عن تفاصيل إنفاقها وأثرها على السلامة لا تزال محدودة، لافتًا إلى أن المشكلة يمكن تلخيصها في عبارتين: «لا شفافية ولا مساءلة»، معتبرًا أن غيابهما يحول دون تقييم نتائج الاستثمارات الضخمة في قطاع الطرق.
الفئات الأكثر تضررًا
ويشير الخبير إلى أن آثار ضعف منظومة السلامة لا تتوزع بالتساوي بين مستخدمي الطرق، وإنما تتحمل الفئات الأكثر عرضة للخطر نصيبًا أكبر منها، وفي مقدمتها العمالة غير الرسمية.
ويقول إن عمالًا زراعيين وصناعيين لا يزالون ينقلون في ظروف غير آمنة، عبر سيارات نقل أو ميكروباصات مكتظة، بما قد يحول حادثًا واحدًا إلى واقعة جماعية تحصد أعدادًا كبيرة من الضحايا.
كذلك يمثل الأطفال والشباب، بحسب الدراسات والبيانات التي يستند إليها، فئة رئيسية بين ضحايا حوادث الطرق، التي تعد من الأسباب الرئيسية للوفاة في بعض الفئات العمرية. وتتضاعف الخسارة في مصر، وفق تقديره، بسبب التركيبة السكانية، إذ إن نحو 60% من المصريين تحت سن الثلاثين.
ويقدر الخبير الخسائر الاقتصادية الناجمة عن حوادث الطرق بما يتراوح بين 3% و5% من الناتج المحلي الإجمالي، معتبرًا أن هذه النسبة تعكس تكلفة اقتصادية واجتماعية كبيرة تتجاوز أثر الحوادث المباشر. وهو تقدير يورده في المقابلة، وليس حسابًا جديدًا لتكلفة حوادث 2025 أجرته هذه المادة.
ويشير الخبير إلى أهمية الانضمام إلى الميثاق الأفريقي للسلامة على الطرق، معتبرًا أن الالتزامات الدولية تتيح آليات للمتابعة والمساءلة وخفض الوفيات. وتظهر قائمة الاتحاد الأفريقي المحدثة في 22 مايو 2026 أن مصر لم تكن قد وقعت الميثاق أو صدقت عليه أو انضمت إليه، فيما دخل الميثاق حيز النفاذ في مارس 2026. وعدم ظهور مصر ضمن الدول الأطراف لا يثبت وحده أنها أعلنت رفض الانضمام، لكنه يحدد وضعها في أحدث قائمة تحققت منها «زاوية ثالثة». ويرى الخبير أن الأهداف القابلة للقياس والتقارير الدورية ضرورية لمتابعة حالة السلامة وجودة الطرق.
الأرقام تضع الحكومة أمام مسؤولياتها
يقول النائب فريدي البياضي لـ«زاوية ثالثة» إن نجاح مشروعات الطرق لا يُقاس بعدد الكيلومترات التي تم رصفها ولا بحجم الأموال التي أُنفقت، وإنما بعدد الأرواح التي تم إنقاذها.
ويوضح البياضي أن الأرقام الرسمية تدين أداء الحكومة؛ ففي عام 2025 ارتفع عدد الوفيات بسبب حوادث الطرق إلى 5,829 وفاة مقابل 5,260 وفاة في 2024، بزيادة 10.8%، كذلك ارتفع عدد المصابين إلى 84,553 مصابًا مقابل 76,362 مصابًا، بزيادة 10.7%، مشيرًا إلى أن البلاد تفقد نحو 16 إنسانًا كل يوم، ويُصاب مواطن على الطرق كل ست دقائق تقريبًا.
ويضيف: «الأخطر أن عدد المصابين ارتفع من 71 ألفًا في 2023 إلى أكثر من 84 ألفًا في 2025؛ أي بزيادة تقارب 19% خلال عامين فقط، وفي المقابل، أعلنت وزارة النقل أن تكلفة مشروعات الطرق والكباري خلال الفترة من 2014 إلى 2024 بلغت نحو 530 مليار جنيه».
ويعقب متسائلًا: كيف ننفق مئات المليارات، ثم ترتفع أعداد القتلى والمصابين؟ وأين أثر هذا الإنفاق على سلامة المواطن؟
ويؤكد البياضي أنه ليس ضد إنشاء الطرق، ولكن ضد اختزال الطريق في طبقة أسفلت أو كوبري ولافتة افتتاح، لافتًا أن الطريق الآمن يعني تصميمًا هندسيًا سليمًا، وصيانة دورية، وإضاءة وحواجز وعلامات تحذيرية، ومعالجة للنقاط السوداء، ورقابة حقيقية على الشاحنات وشركات النقل، وفحصًا فنيًا جادًا للمركبات، وضبطًا للسرعات وساعات عمل السائقين، واستجابة إسعافية سريعة.
ويرفض البياضي أن تختزل الحكومة كل كارثة في «خطأ السائق»، ثم يُعاقَب موظف صغير وينجو المسؤول الكبير، مؤكدًا أن «المسؤولية مسؤولية منظومة كاملة؛ وكل مسؤول كان يملك سلطة منع الكارثة ولم يستخدمها يجب أن يخضع للمحاسبة السياسية والإدارية والجنائية.»
ويلفت عضو مجلس النواب إلى أنه تقدم مؤخرًا بسؤال برلماني إلى رئيس مجلس الوزراء ووزراء النقل والداخلية والتنمية المحلية عقب فاجعة طريق دهب إلى نويبع مطالبًا بالكشف عن آخر مراجعة هندسية للطريق، وحالة الأتوبيس وسجل صيانته، ومدى التزام الشركة المشغلة بمعايير السلامة وساعات القيادة، وكذلك إعلان خريطة محدثة للنقاط شديدة الخطورة على شبكة الطرق والجدول الزمني لمعالجتها.
وفي أوقات سابقة، تقدم البياضي، بطلبات إحاطة عاجلة عقب تكرار الحوادث على الطريق الدائري الإقليمي، إلى جانب أدوات رقابية سابقة بشأن تدهور بعض الطرق وتأخر أعمال الصيانة، مطالبًا بإصدار كشف حساب كامل عن المليارات التي أُنفقت، وخطة معلنة لوقف نزيف الطرق، ومحاسبة المسؤول الكبير قبل التضحية بكبش الفداء الصغير.
ويتفق معه في هذا الصدد، الخبير في سلامة الطرق، إذ يرى ألا ينبغي تقييم تطوير الطرق بعدد الكيلومترات المنفذة أو الكباري المنشأة فقط، وإنما بمدى ملاءمة التصميم لمستخدمي الطريق، فقد يؤدي إنشاء طريق أو كوبري داخل منطقة سكنية إلى تحسين حركة المرور وربط المدن، لكنه قد يزيد في المقابل مخاطر الدهس والوفيات بين المشاة والأطفال وكبار السن إذا لم يراعِ حركة السكان بين جانبي الطريق.
ويحذر من أن توسعة الطرق وإنشاء الكباري قد يخلقان لدى السائقين انطباعًا بإمكانية القيادة بسرعات مرتفعة، خصوصًا في ظل محدودية أدوات الرقابة على السرعات في بعض المواقع.
ويرى أن المشكلة لا تتعلق بوجود القوانين فقط، وإنما بمدى تطبيقها وفاعلية أدوات الرقابة، كما يعتبر أن تعديلات قانون المرور ركزت بدرجة كبيرة على رفع قيمة العقوبات، من دون إحداث تغيير نوعي كافٍ في منظومة قواعد المرور والسلامة.
ويؤكد أن «الأخطاء الهيكلية في طريقة إدارة الملف» تمثل جوهر المشكلة، معتبرًا أن أداء مصر في السلامة على الطرق لا يزال دون المستوى المطلوب مقارنة بالمعايير الدولية.
وتؤكد الحكومة من جهتها أن البلاد سجلت تقدمًا كبيرًا في جودة الطرق؛ إذ أعلن المركز الإعلامي لمجلس الوزراء تقدم مصر 100 مركز إلى المرتبة 18 عالميًا، ونسب هذا الترتيب إلى مؤشر جودة الطرق. ويُعرض الرقم هنا بوصفه بيانًا حكوميًا عن جودة البنية التحتية، وليس ترتيبًا مستقلًا لسلامة الطرق أو انخفاض وفياتها، وهما مجالان لا يقيسهما المؤشر نفسه.
وتربط الحكومة هذا التقدم بالمشروع القومي للطرق. وتورد وثيقة «حكاية وطن»، المنشورة لدى مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار، مشروعات إنشاء لنحو 5 آلاف كيلومتر بتكلفة 127 مليار جنيه، ورفع كفاءة محاور تتجاوز 6.4 ألف كيلومتر بتكلفة 165 مليار جنيه. وتتعلق هذه الأرقام بنطاق وفترة العرض الحكومي الوارد في الوثيقة، فلا تُجمع تلقائيًا مع رقم 530 مليار جنيه الأوسع، ولا تُعامل بوصفها فاتورة إضافية مستقلة عنه.
ما أسباب حوادث الطرق؟
من جانبه، يقول أستاذ هندسة الطرق بجامعة بني سويف، الدكتور عبد الله أبو خضرة، لـ«زاوية ثالثة»، إن أسباب حوادث الطرق ترتبط بثلاثة عناصر رئيسية: العنصر البشري، والمركبة، والطريق. ويستند إلى تحليل سابق ينسبه إلى الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، يوزع الأسباب بواقع نحو 70% للعنصر البشري، و26% للمركبة، و4% للطريق. ولم تحدد المقابلة السنة الإحصائية لهذا التوزيع؛ لذلك يرد باعتباره أساسًا لتفسيره، وليس نتيجة جديدة مستخرجة من نشرة 2025.
ويضيف أن نسبة مساهمة العنصر البشري في وقوع الحوادث قد تكون، من وجهة نظره، أكبر من الـ70%، لأن قائد المركبة لا تقتصر مسؤوليته على طريقة القيادة، وإنما تمتد إلى التأكد من صلاحية المركبة وسلامتها، من خلال إجراء الصيانة الدورية، وتغيير الإطارات والأجزاء التي تحتاج إلى الاستبدال في المواعيد المحددة.
ويشير أبو خضرة إلى أن العنصر البشري يرتبط كذلك بمدى الالتزام بقواعد المرور، سواء فيما يتعلق بالسرعات المقررة، أو السير في الاتجاه الصحيح والحارة المخصصة، أو الالتزام بالتعليمات الخاصة بالقيادة في الظروف الجوية والبيئية المختلفة، ويؤكد أن ظروف مثل الشبورة والضباب والرياح المحملة بالرمال تؤثر في مدى الرؤية، وتستوجب الالتزام بالسرعات التي تحددها النشرات المرورية، والتي تكون أقل من السرعات المقررة في الظروف العادية.
ويضيف أن استخدام الهاتف المحمول أثناء القيادة والانشغال بالمكالمات أو الرسائل يمثل أحد السلوكيات الخطرة التي تزيد احتمالات وقوع الحوادث، إلى جانب القيادة في حالات الإرهاق والإجهاد، أو تحت تأثير الكحوليات أو أي مواد تؤثر في التركيز والقدرة على الاستجابة.
ويشدد كذلك على ضرورة ترك مسافة أمان مناسبة بين المركبات، موضحًا أن توقف السيارة لا يحدث فور الضغط على المكابح، وإنما يسبقه وقت يستغرقه السائق في رؤية الخطر واستيعابه واتخاذ قرار الاستجابة، ثم مسافة أخرى تتطلبها عملية توقف المركبة فعليًا، وهي مسافة ترتبط بصورة مباشرة بسرعة القيادة.
ويرى أن الوعي والثقافة المرورية يمثلان أحد أهم العوامل في الحد من الحوادث، موضحًا أن المسؤولية لا تقع على قائدي المركبات وحدهم، وإنما تشمل جميع مستخدمي الطريق، بما في ذلك المشاة، باعتبارهم جزءًا أساسيًا من منظومة السلامة المرورية.
ويقول أستاذ هندسة الطرق إن مصر شهدت خلال السنوات الأخيرة «طفرة غير مسبوقة» في جودة الطرق، مشيرًا إلى أن تصنيف جودة الطرق قفز بنحو 100 مركز، من المركز 118 إلى المركز 18، مع استهداف الوصول إلى المراكز العشرة الأولى، ويؤكد أن هذا التطور في البنية التحتية يحتاج إلى أن يوازيه تطور مماثل في الوعي والثقافة المرورية لدى المواطنين.
ويوضح أن من أبرز إجراءات رفع مستويات السلامة فصل حركة النقل الثقيل عن السيارات الملاكي في عدد من الطرق ذات الأحمال المرورية المرتفعة، إلى جانب إنشاء حارات خرسانية مخصصة للنقل الثقيل، وإلغاء التقاطعات السطحية من خلال إنشاء الكباري والأنفاق، بما يقلل نقاط التعارض بين المركبات ويرفع مستوى الأمان على الطرق.
ويشير إلى إدخال منظومة النقل الذكي (ITS) على عدد من الطرق، موضحًا أن الهدف منها هو تحقيق قدر أكبر من التحكم في حركة النقل، ومراقبة السرعات والأوزان ومستويات السلامة والأمان، والاستفادة بصورة أكثر كفاءة من شبكة الطرق.
ويضيف أن تحسين البنية التحتية، خلال الفترة الماضية، تزامن مع تطوير منظومة التشغيل والرقابة وتطبيق القانون، لافتًا إلى دور وزارة الداخلية في استخدام الأكمنة الثابتة والمتحركة والرادارات، إلى جانب رقمنة الإجراءات المرورية، بما يسمح برصد المخالفات وتسجيل بيانات المركبات وإخطار أصحابها بها.
كذلك يشير إلى استمرار حملات التوعية المرورية عبر وسائل الإعلام، وفي المدارس والجامعات والمساجد والكنائس، إلى جانب برامج التدريب المهني لقائدي المركبات، خصوصًا سائقي الحافلات السياحية وسيارات الأجرة والشاحنات والنقل العام، بهدف رفع كفاءتهم وتحسين سرعة الاستجابة والتعامل مع المتغيرات المختلفة على الطريق.
ويؤكد أبو خضرة أن تطبيق القانون الرادع يمثل محورًا أساسيًا في مواجهة السلوكيات الخطرة على الطرق، مشيرًا إلى تغليظ العقوبات على عدد من المخالفات، إلى جانب استمرار حملات الرقابة، ومنها الحملات التي تستهدف الكشف على قائدي المركبات للتأكد من عدم القيادة تحت تأثير الكحوليات أو المواد التي تؤثر في سلامة القيادة.
ويلفت إلى أن طبيعة الطريق نفسها يجب أن تكون حاضرة عند تحليل أسباب الحوادث، موضحًا أن القيادة في المناطق الجبلية تختلف عن القيادة على الطرق المستوية، خصوصًا في المناطق التي تتضمن منحدرات شديدة، إذ تتطلب هذه الطرق الالتزام بسرعات محددة وقواعد قيادة تتناسب مع طبيعتها. ويضيف أن تجاوز السرعة المناسبة في المنحدرات قد يؤدي إلى فقدان قائد المركبة السيطرة عليها، مهما كانت إمكانات المركبة وتجهيزاتها.
وفي جانب آخر، يرى أبو خضرة أن الحد من الحوادث يرتبط كذلك بتفعيل بدائل النقل الأخرى، وفي مقدمتها السكك الحديدية والنقل النهري، بما يساهم في تخفيف الأحمال والكثافات المرورية عن الطرق.
ويوضح أن زيادة الاعتماد على السكك الحديدية في نقل البضائع يمكن أن تخفف الضغط على شبكة الطرق، وتحد من معدلات استهلاكها، وتطيل عمرها الافتراضي، فضلًا عن خفض الكثافات المرورية، وهو ما ينعكس بدوره على معدلات الحوادث.
ويشير إلى التوسع في تطوير شبكة السكك الحديدية وإنشاء خطوط السكك الحديدية السريعة، معتبرًا أن زيادة الطاقة الاستيعابية للنقل بالسكك الحديدية ستسمح بتحويل جزء كبير من حركة الركاب والبضائع بعيدًا عن الطرق البرية، بما يحقق أثرًا إيجابيًا على السلامة المرورية.
كما يلفت إلى أهمية النقل النهري باعتباره أحد البدائل القادرة على استيعاب أحمال كبيرة مقارنة بالنقل البري، مشيرًا إلى أعمال تطوير الموانئ النهرية وتطهير مجرى نهر النيل وتطوير الأهوسة والممرات المائية، بما يسمح بزيادة مساهمة النقل النهري في نقل البضائع.
ويؤكد أن تطوير منظومة النقل بصورة متكاملة، من خلال الطرق والسكك الحديدية والنقل النهري، لا يقتصر أثره على تحسين حركة التنقل، وإنما يساهم أيضًا في رفع مستويات السلامة على الطرق، وتقليل الكثافات المرورية، والحفاظ على البنية التحتية، وخفض تكاليف النقل والتلوث.
ويؤكد على أن تطوير شبكة النقل يستهدف في النهاية تخفيف أعباء التنقل عن المواطنين، والحفاظ على سلامتهم وسلامة الممتلكات العامة والخاصة، مشددًا على أن تحقيق ذلك يتطلب تكامل تطوير البنية التحتية مع رفع الوعي المروري، والالتزام بالقواعد، والرقابة الفعالة، وتطبيق القانون.
أخطر الطرق
تكشف النشرات السنوية الرسمية للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء بشأن نتائج حوادث السيارات والقطارات عن جداول تفصيلية للنقاط التي يصنفها الجهاز ضمن «النقاط الأكثر خطورة على الطرق»، موزعة بحسب الطرق والمحافظات التي تمر بها.
تغطي قائمة نشرة 2023 نحو 67 طريقًا، بينما تمتد قائمة 2024 إلى 70 طريقًا. لكن شكل الجدولين يختلف، ولا يتيح طرح عددين إجماليين باعتبارهما تغيرًا موثقًا في مواقع الخطورة: فجدول 2023 يضع أوصاف المواقع الخطرة بجوار أعمدة لطول الطريق وعدد نقاط الإسعاف والسيارات، بينما يسرد جدول 2024 مواضع الخطورة نصيًا، بما فيها قطاعات ممتدة وطرق توصف بأنها خطرة بأكملها. لذلك لا تُعامل أعداد نقاط الإسعاف باعتبارها أعدادًا للمواقع الخطرة، ولا يساوي تغير عدد البنود تحسنًا مؤكدًا في السلامة.
وفي جدول 2023، ترد أرقام 53 للطريق الدولي الساحلي، و34 لطريق القاهرة إلى أسوان الصحراوي الغربي، و27 للقاهرة إلى الإسكندرية الزراعي، و26 للطريق الحر، و21 لدائري القاهرة الكبرى، و18 لكل من الدائري الإقليمي وطريق الجلالة إلى الزعفرانة والغردقة والقصير، في عمود عدد النقاط على الطريق ضمن بيانات نقاط الإسعاف. أما مواضع الخطورة نفسها فترد في خانة وصفية منفصلة. ومن أمثلتها مداخل قرى وتقاطعات ودورانات على الطريق الساحلي، ومواقع قرب سنديون وقها وطوخ على الزراعي، وقطاعات حول مداخل الدائري الإقليمي ومخارجه.
وفي نشرة 2024، تظهر مجددًا مواضع على طرق القاهرة إلى الإسكندرية الزراعي والصحراوي، والقاهرة إلى أسوان الصحراوي الغربي، والدولي الساحلي، ودائري القاهرة الكبرى. وتشمل القائمة، مثلًا، مدخل سموحة ومطار النزهة على الزراعي، ومناطق قرب العامرية وعبد القادر على الصحراوي، ومواضع قرب المرج والخصوص وباسوس على الدائري. كما تورد قطاعات كاملة أو مسافات بين علامات كيلومترية، وهو ما يجعل عدّ كل اسم باعتباره نقطة منفردة أسلوبًا غير موحد للمقارنة بين الطرق أو السنوات.
ولا تقتصر هذه النقاط على نطاق جغرافي واحد، وإنما تنتشر على طرق تمر بمحافظات مختلفة من الجمهورية، من الدلتا والقاهرة الكبرى إلى الصعيد وسيناء والوادي الجديد ومطروح، بما يعكس اتساع نطاق النقاط التي يصنفها الجهاز ضمن المناطق الأعلى خطورة على شبكة الطرق.
ويبرز الطريق الدائري الإقليمي بصورة خاصة في البيانات الرسمية، إذ تكرر إدراج عدد من النقاط الواقعة عليه ضمن قائمة النقاط الأكثر خطورة خلال أعوام 2022 و2023 و2024، وتشمل هذه النقاط مواقع في نطاق القاهرة والجيزة والقليوبية والفيوم والشرقية، مع تكرار بعض النقاط أو القطاعات من عام إلى آخر.
خلل هيكلي
يقول الخبير في سلامة الطرق، فضل عدم ذكر اسمه، إن السنوات العشر الأخيرة شهدت ضخ استثمارات ضخمة في قطاع الطرق، شملت إنشاء طرق وتوسعتها وإنشاء كباري وإدخال تقنيات وأدوات جديدة، وهو ما أحدث تطورًا ملحوظًا في البنية التحتية، لكن هذا التطور لم ينعكس بالقدر نفسه على مؤشرات السلامة، إذ استمرت أعداد الوفيات والإصابات في الارتفاع، خصوصًا بين فئات بعينها، بما يستدعي تقييم العلاقة بين تصميم الطرق واستخدامها وأنماط الحوادث والضحايا.
ويوضح لـ«زاوية ثالثة» أن المشاة يمثلون نحو 28% من وفيات الحوادث وفق الدراسات التي يستند إليها، من دون تحديد سنة هذا التقدير، ويرى في ذلك مؤشرًا على قصور تصميم الطرق وآليات العبور. وللمقارنة مع بيانات محددة زمنيًا، تسجل نشرة الإحصاء لعام 2025 وفاة 2,132 من المشاة من إجمالي 5,829 وفاة، أي نحو 36.6% بحساب «زاوية ثالثة». ولا تُعامل النسبتان كسلسلة واحدة من دون توحيد السنة والمصدر والتعريف. ويضيف الخبير أن مستخدمي وسائل النقل العام وشبه العام يواجهون مخاطر كبيرة، في ظل اعتماد مصريين كثيرين على الميكروباصات وبعض الحافلات الأقل التزامًا بمعايير السلامة.
ويرى أن حجم الخسائر البشرية يفرض التعامل مع السلامة على الطرق باعتبارها قضية تتجاوز تطوير البنية التحتية، مشيرًا إلى أن مصر تسجل آلاف الوفيات سنويًا، إلى جانب أعداد كبيرة من المصابين.
وفي رده على تحميل العنصر البشري المسؤولية الرئيسية، يشير الخبير إلى نسبة أخرى متداولة في تحليلات سابقة، تبلغ 76%، ثم يعترض على اختزال التفسير في السائق. وهذه النسبة، مثل تقدير 70% الذي أورده أبو خضرة، لا تُقدم هنا باعتبارها توزيعًا موحدًا وحديثًا لأسباب حوادث 2025؛ فسنوات القياس ومنهجيته لم تتحدد في المقابلتين. ويقول الخبير إن حصر المسؤولية في الخطأ البشري يتجاهل جوهر «نهج النظام الآمن».
ويشير الخبير إلى أن «الاستخدام الآمن للطريق» يشمل عوامل مثل القيادة تحت تأثير الكحول، وعدم استخدام أحزمة الأمان والتشتت أثناء القيادة، وهي سلوكيات يفترض أن تحد التشريعات والرقابة من آثارها. لكنه يرى أن تقييم مصر وفق المعايير الدولية يكشف عن فجوات في عدد من هذه المؤشرات، وفق التقرير العالمي لمنظمة الصحة العالمية.
ويشرح أن النهج ظهر في مواجهة تصور يحمل الأفراد وحدهم مسؤولية الحوادث، بينما ينطلق من حقيقة أن الإنسان معرض للخطأ، وأن المطلوب ليس منع الخطأ بصورة مطلقة، وإنما تصميم الطرق والمركبات والأنظمة بحيث تحد من نتائجه القاتلة.
ويقول إن السؤال لا ينبغي أن يتوقف عند «لماذا أخطأ السائق؟»، بل يمتد إلى سبب سماح البيئة المحيطة بتحول الخطأ إلى حادث مميت، موضحًا أن الطريق الآمن يفترض أن يقلل آثار الأخطاء البشرية بدلًا من افتراض عدم وقوعها.
تعدد الجهات يضعف المساءلة
ويرى الخبير أن أحد الحلول الأساسية يتمثل في إنشاء كيان أعلى للسلامة على الطرق، يتمتع بصلاحيات تتجاوز الجهات المختلفة المعنية بالملف، بحيث تكون هناك جهة محددة يمكن مساءلتها عن نتائج سياسات السلامة.
ويقول إن تعدد الجهات المسؤولة، بين وزارة النقل ووزارة الداخلية والأحياء وغيرها، إلى جانب اختلاف تبعية الطرق، يعقد تحديد المسؤولية عن أوجه القصور والحوادث.
ويشير إلى أن الدراسات الدولية توصي بأن يتبع كيان السلامة على الطرق أعلى سلطة في الدولة، سواء مجلس الوزراء أو رئاسة الجمهورية، بما يمنحه القدرة على مساءلة مختلف الوزارات والجهات المعنية. أما تبعيته لوزارة واحدة، مثل النقل، فقد تحد من قدرته على مساءلة جهات أخرى؛ فمثلًا، إذا تأخرت الاستجابة الطبية أو سيارات الإسعاف، فمن يملك مساءلة وزارة الصحة؟
ويشدد على أن المطلوب ليس مجلسًا استشاريًا جديدًا، وإنما كيان تنفيذي يتمتع بصلاحيات حقيقية للتنسيق والمساءلة، وهو ما يتطلب إرادة سياسية ووعيًا عامًا بأهمية إدارة السلامة على الطرق باعتبارها ملفًا مؤسسيًا، لا مجموعة حوادث منفصلة. ويُقرأ هذا المطلب في ضوء أن ملف مصر الصادر عن منظمة الصحة العالمية عام 2023 يسجل بالفعل وجود جهة وطنية قائدة واستراتيجية للسلامة على الطرق؛ ومن ثم ينصب اعتراض الخبير على فعالية الصلاحيات والتنسيق والمساءلة، لا على نفي وجود ترتيبات مؤسسية أصلًا.
فاتورة ديون ثقيلة
ولا تنفصل مناقشة كفاءة الإنفاق عن أعباء تمويل قطاع النقل، مع التمييز بين ديون القطاع كله وتكلفة مشروعات الطرق. ففي تصريحات تلفزيونية في مارس 2026، قدر وزير النقل كامل الوزير قروض مشروعات وزارته بنحو 18 إلى 20 مليار دولار، وقارنها بدين خارجي يدور حول 160 مليار دولار، لتبلغ النسبة في عرضه نحو 12% إلى 12.5%. وفي جلسة برلمانية في يونيو 2026، تحدث عن 14 مليار دولار؛ وقارنت منصة «متصدقش» هذا الرقم برصيد الدين الخارجي في ديسمبر 2025، البالغ 163.9 مليار دولار، فبلغت النسبة نحو 8.5%. إنها تصريحات ومقارنات في تواريخ مختلفة، وليست نطاقًا إحصائيًا واحدًا لرصيد حالي موحد.
وفي تصريحات بتاريخ 30 أغسطس 2026، قال الوزير إن مشروعات الطرق والكباري والموانئ الجافة لا تُمول بالقروض، وإن القروض التنموية تُستخدم للجرارات والقطار الكهربائي السريع والمترو، بحد أقصى 30% من تكلفة المشروعات. وتربط الوزارة التمويل بالمكونات المستوردة، مثل القطارات وأنظمة الإشارات والتحكم وماكينات حفر الأنفاق، وتقول إن بعض الاتفاقيات تتضمن فترات سماح قد تصل إلى عشر سنوات وسدادًا يصل إلى أربعين عامًا. وهذا هو تفسير الوزارة لآليات التمويل، ولا يجعل مجمل ديون هيئات النقل دينًا مخصصًا للطرق وحدها.
وفي قراءة نشرتها منصة «متصدقش» للحساب الختامي للهيئات الاقتصادية عن 2023/2024، بلغت ديون هذه الهيئات نحو 2.43 تريليون جنيه، منها 466.7 مليار جنيه على هيئات النقل بعد استبعاد هيئة قناة السويس، أي نحو 19.2%. ويتعلق هذا الرقم برصيد ديون هيئات في سنة مالية محددة، ويشمل أنشطة نقل أخرى، فلا يقارن مباشرة بتكلفة إنشاء الطرق أو بالقروض الجديدة المستهدفة في سنة لاحقة.
وفي المقابل، تستحوذ هيئات النقل على النصيب الأكبر من القروض الجديدة المستهدفة في موازنة 2026/2027؛ إذ تستهدف اقتراض نحو 321.9 مليار جنيه، تمثل 70.1% من إجمالي القروض المستهدف اقتراضها من جانب الهيئات الاقتصادية، منها 170.8 مليار جنيه قروضًا محلية وما يعادل 151.9 مليار جنيه قروضًا خارجية.
وبحسب القراءة نفسها لبيانات الضمانات الحكومية، بلغ الرصيد الصافي للضمانات الصادرة حتى 30 سبتمبر 2025 نحو 5.29 تريليون جنيه، استحوذت القومية للأنفاق والسكك الحديدية على نحو 13% منه، أي التزامات مضمونة تقارب 675 مليار جنيه. وهذا مقياس للضمانات، وليس مجموعًا جديدًا يضاف إلى الأرصدة السابقة. وتظل مديونيات السكك الحديدية التاريخية وتسوياتها، إلى جانب الاقتراض لتجديد الأسطول والبنية الأساسية والإشارات، جزءًا من سياق التمويل الأوسع الذي يحتاج إلى فصل حساباته عن الإنفاق على الطرق.
ونقلت منصة «متصدقش»، في مراجعتها لتصريحات الوزير، عن ملاحظات الجهاز المركزي للمحاسبات لعام 2024/2025 أن وزارة المالية سددت نحو 38.7 مليار جنيه من أقساط وفوائد ديون الهيئة القومية للأنفاق التي عجزت عن سدادها. وتبين هذه الملاحظة، وفق المصدر، صلة التزامات بعض هيئات النقل بالخزانة العامة. ولا تعني أن المبلغ أُنفق على الطرق أو أنه يجوز ضمه مرة أخرى إلى أصل الديون والضمانات السابقة.
هل ثمة حلول؟
ويطرح الخبير «نهج النظام الآمن» (Safe System Approach) باعتباره أحد النماذج التي تتبناها دول عدة، ويقوم على خمسة محاور رئيسية: السرعات الآمنة، والاستخدام الآمن للطرق، والمركبات الآمنة، والطرق الآمنة، والاستجابة الفعالة بعد وقوع الحوادث. وبحسب الخبير، أظهرت الدراسات أن تطبيق هذا النهج يمكن أن يسهم في خفض الوفيات والإصابات بنسب تتراوح بين 30% و40%، فيما اقتربت بعض الدول والمدن التي تبنته من تحقيق «صفر وفيات» في مناطق محددة. وتظل هذه النسب تقديرات يوردها الخبير لتجارب مختلفة، وليست توقعًا مضمونًا لنتائج تطبيق النهج في مصر.
ويشير إلى أن تقييم أداء مصر يمكن مقارنته بالمعايير الدولية الواردة في التقرير العالمي عن حالة السلامة على الطرق الصادر عن منظمة الصحة العالمية، والذي يكشف، بحسب قراءته، عن فجوات بين السياسات والممارسات المصرية وهذه المعايير.
ويعد الخبير السرعات المطبقة في المناطق ذات الكثافة المرتفعة من المشاة إحدى أبرز هذه الفجوات، فالدراسات الدولية توصي، بحسب قوله، بألا تتجاوز السرعة 30 كيلومترًا في الساعة في المناطق السكنية وحول دور العبادة والمستشفيات والمدارس والجامعات، بينما تصل أقل سرعة مقترحة من الإدارة العامة للمرور، وفق ما اطلع عليه، إلى 50 كيلومترًا في الساعة في بعض هذه المناطق. ويجب التمييز بين توصية السرعة الآمنة حول المشاة والحد القانوني العام؛ فملف منظمة الصحة العالمية لعام 2023 يسجل حدًا أقصى حضريًا عامًا يبلغ 60 كيلومترًا في الساعة مع إمكانية تعديله محليًا.
ولا تقتصر المشكلة، بحسب الخبير، على الصيانة الدورية للمركبات، وإنما تشمل مدى توافر تجهيزات السلامة الأساسية، مشيرًا إلى غياب أحزمة الأمان عن كثير من مقاعد الميكروباصات وبعض وسائل النقل التي تخضع لإشراف الدولة. ويعني ذلك، في رأيه، أن قطاعات واسعة من مستخدمي الطرق لا تتمتع بالحد الأدنى من معايير السلامة المتعارف عليها دوليًا.
ويربط الخبير جانبًا من هذه المشكلة بالضغوط الاقتصادية، إذ قد تؤدي تكلفة تجهيز المركبات بوسائل أمان أعلى إلى زيادة أسعارها، بينما تدفع الظروف الاقتصادية بعض مالكي المركبات إلى تأجيل الصيانة أو استبدال المكونات الأساسية، مستشهدًا بحادث طريق دهب إلى نويبع الأخير، الذي أثيرت خلاله مشكلة متعلقة بإطار المركبة، موضحًا أن الضغوط الاقتصادية قد تدفع إلى تأجيل الصيانة، من دون أن يعني ذلك تعمد السائقين تعريض أنفسهم أو الآخرين للخطر. ولا تقدم الإشارة إلى مشكلة الإطار هنا بوصفها نتيجة نهائية لتحقيقات حادث دهب، بل باعتبارها المثال الذي ساقه الخبير في حديثه عن الصيانة.
ويضيف أن توسيع الالتزامات الدولية يجب أن يواكبه تنفيذ قابل للقياس. ويسجل ملف منظمة الصحة العالمية عن مصر لعام 2023 الانضمام إلى اثنتين من الاتفاقيات الأساسية السبع للأمم المتحدة في مجال السلامة على الطرق. وهذا وصف مؤرخ ببيانات ذلك الملف، وليس تحديثًا يوميًا لوضع كل اتفاقية. أما الميثاق الأفريقي، فتظل قائمة الاتحاد الأفريقي المؤرخة في 22 مايو 2026 المرجع المحدد زمنيًا لعدم ظهور مصر ضمن الدول الأطراف، كما سبق توضيحه.
ويخلص إلى أن استمرار ارتفاع الحوادث والوفيات لا يمكن تفسيره فقط بالأخطاء الفردية للسائقين، وإنما يرتبط أيضًا بـ«أخطاء أو مشكلات هيكلية وسياساتية في طريقة إدارة ملف السلامة على الطرق في مصر».
وأخيرًا.. تكشف الأرقام أن أزمة السلامة على الطرق في مصر لا يمكن اختزالها في حادث هنا أو خطأ سائق هناك، فخلال سنوات شهدت إنفاقًا ضخمًا على إنشاء الطرق وتوسعتها ورفع كفاءة الشبكة، ظل آلاف المصريين يسقطون سنويًا بين قتيل ومصاب، فيما عادت الوفيات إلى الارتفاع في 2025 بعد تراجعها خلال العام السابق، واستمرت النقاط المصنفة رسميًا ضمن الأكثر خطورة في الظهور على الطرق نفسها أو قطاعات متقاربة منها.
وبينما تقدم الحكومة تحسن ترتيب مصر في مؤشرات جودة الطرق باعتباره دليلًا على نجاح مشروعات البنية التحتية، تشير أرقام الضحايا إلى أن جودة الطريق بمعناها الهندسي لا تكفي وحدها لقياس سلامته، فالطريق الآمن هو الذي يحد من آثار الخطأ البشري، ويحمي المشاة والركاب والعمال، وتخضع مركباته للصيانة والفحص، وتراقب سرعات مستخدميه، وتُعالج نقاط الخطورة فيه قبل أن تتحول إلى مواقع لحوادث جماعية.
