عقب ثلاثة أشهر من الشلل الإداري والمالي، داخل المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية بحلوان، نتيجة عدم تعيين رئيس جديد، أعلنت وزارة التعليم العالي في الثاني من يونيو 2026 ندب الدكتور باسم نبوي بقرار من الوزير عبدالعزيز قنصوة، للقيام بعمل رئيس المعهد، لحين صدور قرار رسمي بتعيين رئيس جديد.
وبدأت الأزمة في الثالث من مارس الماضي، وأدت إلى تعطل صرف الحوافز والبدلات الخاصة بالباحثين والعاملين، إلى جانب عرقلة القرارات داخل المجالس العلمية، وتأخر تنفيذ وإبرام بعض الاتفاقيات البحثية المحلية والدولية، نتيجة غياب المسؤول المخول بالتوقيع المالي والإداري، بحسب بيان، نشرته الصفحة الرسمية للمعهد، في 31 مايو الماضي، قبل أن تحذفه لاحقًا. وتورد النسخة المحفوظة من المنشور بداية الأزمة في 3 مارس؛ أما تاريخ نشره وحذفه فيستندان إلى توثيق معدّة التقرير.

وكشفت مصادر أكاديمية في المعهد لـ"زاوية ثالثة" أن نحو 500 من الأكاديميين والإداريين والعمال بالمعهد وفروعه والمراصد الفلكية والجيوفيزيقية التابعة له، تأثروا بشكل مباشر خلال تلك الأزمة، بعد توقف صرف الحوافز والمكافآت والبدلات منذ مارس الماضي، والتي كانوا يعتمدون عليها في مواجهة التزاماتهم المعيشية، بينما اقتصر ما تقاضوه خلال تلك الفترة على الرواتب الأساسية، التي تبدأ من 3000 جنيه للعمال والإداريين ولا تتجاوز 16 ألف جنيه بالنسبة لأعضاء هيئة التدريس بالمعهد، مشيرة إلى أنه حتى السائقين لم يجدوا قيمة تجديد تراخيص المرور لسيارات العمل أو متطلبات التشغيل.
الأمر لم يقتصر على العاملين فقط، إذ تؤكد مصادرنا حالة الشلل التي أصابت ميزانية المعهد ومشروعاته البحثية والإنشائية، فقد انتهت بالفعل إجراءات عدد من المناقصات الخاصة بالأجهزة العلمية والإنشاءات، لكن صرف مستحقاتها أو استكمال تلك التعاقدات توقف تمامًا طيلة ثلاثة أشهر لغياب المسؤول المخول بالاعتماد المالي، وسط تخوفات من فقدان جزء كبير من الموازنة قبل إغلاق السنة المالية الحالية 2025/2026 في 30 يونيو، وبالتالي تراكم ديون ومستحقات على المعهد خلال العام المالي المقبل، مما يهدد خطط البحث العلمي والتوسع في إنشاء المراصد والمحطات البحثية الجديدة.
"هناك إنشاءات وتعاقدات تابعة للمعهد تقدر قيمتها بنحو 60 مليون جنيه، تعطلت بسبب خلو منصب رئيس المعهد أو القائم بأعماله، كما ترتبط الأراضي المخصصة للمعهد في محافظات مختلفة، من بينها أسوان وجنوب سيناء ومدينة السادس من أكتوبر، باشتراطات زمنية للتنمية والإنشاء، وهو ما تعطل على مدار الفترة الماضية"، بحسب مصدر مطلع في نادي هيئة البحوث.
لم تُرفق بالمادة حسابات ختامية أو قائمة تفصيلية بقيمة كل تعاقد، لذا يظل مبلغ 60 مليون جنيه تقديرًا منسوبًا إلى المصدر. أما المخاوف بشأن نهاية السنة المالية فتتعلق بإمكان تنفيذ الإنفاق والالتزامات في موعدها، ولا تثبت وحدها إلغاء جميع الاعتمادات أو ضياعها بالفعل.
وكانت مدة القائم بأعمال رئيس المعهد، الدكتور طه رابح، قد انتهت في 3 مارس 2026، وفق رواية العاملين والمنشور المحفوظ، دون صدور قرار بتعيين رئيس جديد أو تجديد تكليف القائم بالأعمال، حتى 2 يونيو الجاري، إذ انتظر أعضاء هيئة التدريس والعاملين في المعهد لأسابيع عقب ذلك، على أمل صدور قرار من وزارة التعليم العالي، قبل أن يجتمع رؤساء الأقسام في أبريل الماضي ويقرروا مخاطبة وزير التعليم العالي بشكل رسمي لشرح تداعيات الفراغ الإداري، خاصة مع توقف الاعتمادات المالية وعدم القدرة على توقيع أي مستندات مالية أو إدارية، بحسب ما تحكي إحدى عضوات هيئة التدريس بالمعهد، طلبت عدم ذكر اسمها، لـ"زاوية ثالثة".
إثر ذلك توجه وفد من رؤساء الأقسام في المعهد إلى وزارة التعليم العالي والبحث العلمي وطلبوا مقابلة الوزير، الدكتور عبد العزيز قنصوة، إلا أنهم لم يتمكنوا من ذلك، لكن سمح لهم بمقابلة الدكتور وليد خالد محمد الزواوي، أمين مجلس المراكز والمعاهد والهيئات البحثية بوزارة التعليم العالي والبحث العلمي، والذي أعطاهم وعودًا بحل الأزمة، لكن طال انتظارهم، وبالتزامن تقدموا في 19 مايو الماضي، بشكوى رسمية جماعية إلى مجلس الوزراء، مقدمة من رؤساء الأقسام العلمية بالمعهد ورئيس نادي هيئة البحوث (مقيدة برقم 12302092)، قبل أن يتم حفظ الشكوى لاحقًا بدعوى استكمال البيانات، وفقًا للأستاذة بالمعهد.
تقول: "لم تتم عملية شراء الأجهزة التي كان من المفترض شراؤها هذا العام، والمشروعات الإنشائية تعطلت، ما يعني تراجع القدرة البحثية للمعهد وتأخير تنفيذ العديد من البرامج العلمية، لعدة أشهر والذي ستكون له آثار تمتد لسنوات".
تكليف مؤقت وأسئلة حول استمرارية الإدارة
ورغم حالة الارتياح التي شعر بها العديد من العاملين في معهد البحوث الفلكية والجيوفيزيقية، عقب تكليف قائم بأعمال رئيس المعهد، الذي بدا كانفراجة للأزمة التي دامت ثلاثة أشهر، وتلقيهم وعود مطمئنة بصرف مستحقاتهم المتأخرة وحل الأمور العالقة، إلاّ أن القرار أثار في الوقت نفسه انتقادات في الأوساط الأكاديمية بين كبار الأساتذة، والذين تساءلوا عن سبب اختيار وزير التعليم العالي والبحث العلمي، له من خارج المعهد، مستبعدًا جميع الكفاءات العلمية والإدارية به، بحسب ما كشفت مصادر لـ"زاوية ثالثة".
وبحسب السيرة الواردة في مادة التقرير، شغل الدكتور باسم سيد نبوي إبراهيم رئاسة قسم العلوم الجيوفيزيقية بالمركز القومي للبحوث، وحصل على بكالوريوس العلوم في الجيولوجيا من جامعة أسيوط، والماجستير من جامعة القاهرة، والدكتوراه من جامعة عين شمس، واستكمل زمالة ما بعد الدكتوراه في محاكاة المكامن بالمدرسة العليا للأساتذة في فرنسا. وتذكر التغطية المنشورة عند إعلان تكليفه أنه يشغل درجة أستاذ منذ عام 2017.
من جانبه يرى الدكتور رشاد القبيصي، الرئيس الأسبق للمعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية والمدير السابق لشعبة مركز البيانات الدولي في اللجنة التحضيرية لمنظمة معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية، أن قرار تكليف رئيس للمعهد من خارج المؤسسة يثير تساؤلات داخل الأوساط الأكاديمية، رغم عدم وجود أي تحفظ شخصي على الدكتور باسم نبوي من الناحية العلمية أو المهنية.
ويقول لـ"زاوية ثالثة" إن المعهد يضم كوادر علمية وإدارية مؤهلة لشغل المنصب، معتبرًا أن اختيار مسؤول من خارج المعهد قد يُفهم على أنه تجاهل للكفاءات الموجودة داخله، وهو ما كان يمكن تجنبه عبر تكليف أحد الأساتذة العاملين بالمؤسسة لحين الانتهاء من إجراءات التعيين الدائم.
ويشير إلى أن أزمة الفراغ الإداري التي عاشها المعهد كان يمكن تفاديها لو جرى البدء مبكرًا في إجراءات اختيار الرئيس الجديد قبل انتهاء مدة القائم بالأعمال السابق، إذ أن الإجراءات المعتادة تتضمن الإعلان عن الوظيفة، وفحص طلبات المتقدمين، وإجراء المقابلات الشخصية، وإعداد قائمة مختصرة بالمرشحين قبل استكمال الموافقات اللازمة وإصدار القرار النهائي.
ويحذر القبيصي من أن آثار الأزمة لم تقتصر على الجوانب الإدارية والمالية، بل امتدت إلى النشاط البحثي نفسه، مبديًا تخوفه من أن تعجز الإدارة الجديدة عن معالجة ملفات تراكم مشروعات وإنشاءات وتعاقدات مؤجلة خلال فترة قصيرة، في ظل اقتراب نهاية السنة المالية، مشيرًا إلى أن المسؤول القادم من خارج المعهد سيحتاج إلى وقت أطول للتعرف على تفاصيل الملفات الفنية والإدارية المعقدة المرتبطة بعمل المؤسسة.
ويعد المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية أحد أقدم المؤسسات العلمية في الشرق الأوسط وأفريقيا، إذ ترجع جذوره في حلوان إلى المرصد الذي أُنشئ عام 1903، ويتولى مهام استراتيجية تشمل رصد الزلازل عبر الشبكة القومية، وإعداد الحسابات الفلكية لبدايات الشهور الهجرية، ومتابعة الأقمار الصناعية والحطام الفضائي، إلى جانب إجراء الدراسات الجيوفيزيقية المرتبطة بالمشروعات القومية والبنية التحتية.
وتختلف الحسابات الفلكية التي ينتجها الباحثون عن القرار الديني الرسمي بشأن ثبوت رؤية الهلال؛ فالإشارة إلى دور المعهد تتعلق بالجانب العلمي والحسابي من هذه العملية.
وتورد البيانات التعريفية التي استندت إليها المادة على موقع مجلس المراكز والمعاهد والهيئات البحثية بوزارة التعليم العالي نحو 281 من أعضاء هيئة البحوث ومساعديهم، يعاونهم أكثر من 356 من الأخصائيين والفنيين والإداريين والخدمات المعاونة. هذه أرقام تعريفية غير مؤرخة داخل المادة، وليست كشفًا محدثًا للعاملين في يونيو 2026؛ كما تختلف عن تقدير المصادر لعدد المتضررين مباشرة من أزمة المستحقات.
تعطيل الاعتمادات المالية
في السياق ذاته يشرح الدكتور صلاح محمد محمود، الرئيس الأسبق للمعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية، أن إجراءات اختيار رئيس المعهد تتم عبر لجنة يشكلها مجلس الإدارة، تتولى الإعلان عن الوظيفة وفحص المتقدمين وفق معايير محددة قبل رفع الترشيحات النهائية إلى الجهات المختصة.
ويكشف أن لجنة الاختيار التي كانت قائمة منذ عهد الرئيس السابق للمعهد تعرضت لتغييرات بعد انسحاب أحد أعضائها، وكان من الممكن استكمالها بأحد الأعضاء الاحتياطيين، إلا أنه جرى إعادة تشكيلها بالكامل، ما أثار اعتراضات من بعض أعضاء هيئة التدريس وأدى، بحسب روايته، الطعن على تشكيل اللجنة إلى تعطيل عملها وعدم مباشرتها إجراءات اختيار رئيس جديد.
يقول لـ"زاوية ثالثة": "تعثر إجراءات التعيين لا يبرر استمرار الفراغ الإداري، حيث يمتلك وزير التعليم العالي والبحث العلمي صلاحية إصدار قرار بتكليف أحد الأساتذة أو القيادات العلمية بتسيير أعمال المعهد لحين الانتهاء من إجراءات اختيار الرئيس الجديد، وهو ما تأخر لثلاثة أشهر."
ويوضح أن غياب رئيس المعهد أدى إلى تعطيل عدد كبير من الإجراءات المالية والإدارية، وأثر على بعض أبحاث رصد الزلازل والمخاطر الزلزالية، ومراقبة الحطام الفضائي والأقمار الصناعية، ومتابعة التفجيرات والمحاجر، ورصد التفجيرات النووية، والبحث عن المياه الجوفية، والحسابات الخاصة ببدايات الأشهر الهجرية ورصد الظواهر الفلكية المختلفة، في مرصد حلوان، وجميع الفروع والمراكز البحثية التابعة للمعهد في مصر، ومنها مركز رصد الزلازل بأسوان، ومراكز برج العرب والغردقة والواحات، وعشرات المحطات البحثية.
ويضيف: "معظم الأنشطة الميدانية التي ينفذها الباحثون تعتمد على موافقات مالية وإدارية تتطلب توقيع رئيس المعهد، بما في ذلك مأموريات صيانة محطات الزلازل، ومتابعة الحركات الأرضية، والدراسات الجيوفيزيائية، ومشروعات البحث عن المياه الجوفية، وهو ما أدى إلى تباطؤ سير العمل وعدم تنفيذه بالمعدلات المطلوبة".
ويشير إلى أن الأزمة تزامنت مع نهاية السنة المالية، ما تسبب في تعطل إجراءات شراء أجهزة علمية جديدة وصيانة المعدات والسيارات وإتمام بعض المناقصات والتعاقدات، موضحًا أن جزءًا كبيرًا من الاعتمادات المالية المخصصة للمعهد، يقدرها بنحو 60% ، لم تُصرف حتى وقت حديثه إلى التقرير، بسبب غياب جهة الاعتماد المختصة. وهذه نسبة تقديرية يوردها محمود، وليست حصيلة حساب ختامي منشور، كما أنها تختلف عن تقدير مصدر نادي هيئة البحوث لقيمة تعاقدات وإنشاءات بنحو 60 مليون جنيه.
ويتفق معه الدكتور السيد عبد العظيم، أستاذ ديناميكية الأرض بالمعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية ومدير مركز بحوث الزلازل الإقليمي بأسوان، حول كون خلو منصب رئيس المعهد أدى إلى حالة من الشلل الإداري والمالي امتدت إلى جميع المراكز البحثية والإقليمية التابعة للمعهد، طيلة ثلاثة أشهر، كون الرئيس هو جهة الاعتماد الأولى لكافة الإجراءات المالية والإدارية، ما أدى لوقف صرف المكافآت ومستحقات العاملين، وشراء مستلزمات التشغيل، وإبرام التعاقدات الجديدة، وتنفيذ المشروعات البحثية والاستشارية، فضلًا عن توقيع بروتوكولات واتفاقيات التعاون.
يقول لـ"زاوية ثالثة": "الأزمة أثرت بشكل مباشر على النشاط البحثي للمعهد، إذ تعطل تنفيذ العديد من المشروعات العلمية، كما توقفت مشاركة الباحثين في المؤتمرات العلمية والسفريات الدولية المرتبطة بالأبحاث والتعاون الأكاديمي".
ويشير مدير مركز بحوث الزلازل الإقليمي بأسوان، إلى أن المشروعات الممولة من جهات داعمة للبحث العلمي، ومنها هيئة تمويل العلوم والتكنولوجيا والابتكار (STDF)، واجهت صعوبات في استكمال إجراءاتها بسبب الحاجة إلى موافقات رسمية لا يمكن إصدارها خلال فترة غياب رئيس للمعهد أو من يتولى تسيير أعماله.
ويشرح أن لجنة اختيار القيادات البحثية كانت موجودة بالفعل، وتم إعادة تشكيلها بقرار من مجلس إدارة المعهد، إلا أن مباشرة عملها تتطلب صدور تكليف وزاري يخول لها مباشرة إجراءات فحص ملفات المرشحين وإجراء المقابلات الشخصية وتقييم المتقدمين وترتيبهم وفق معايير محددة، قبل رفع قائمة مختصرة إلى الجهات المختصة لاتخاذ القرار النهائي بشأن التعيين، وهو مسار يقول إنه ظل متعثرًا خلال الأزمة. ويتعلق هذا الحديث باختيار رئيس دائم، وهو أمر مختلف عن التكليف المؤقت المعلن في 2 يونيو.
ويشير إلى أن أزمة اختيار رئيس جديد للمعهد لم تكن وليدة الأشهر الأخيرة، إذ أن إجراءات تفعيل اللجنة واختيار القيادة الجديدة متوقفة منذ فترة طويلة، وكان يؤكد، قبل إعلان التكليف في 2 يونيو، أن الحاجة العاجلة تتعلق على الأقل بتكليف قائم بأعمال أو مسؤول لتسيير شؤون المعهد لحين الانتهاء من إجراءات التعيين الرسمية.
ويقع المقر الرئيسي للمعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية في منطقة حلوان بالقاهرة، ويتبعه عدد من المراصد الفلكية مثل مرصد القطامية الفلكي في صحراء القطامية ومرصد المسلات المغناطيسي بالفيوم ومرصد أبوسمبل المغناطيسي في جنوب مصر.
ومن بين مشروعات التوسع المخطط لها مرصد فلكي على جبل الرجوم في جنوب سيناء، طُرح باعتباره مرصدًا أكبر وبديلًا مستقبليًا للقطامية. وتوضح معلومات منشورة في أبريل 2025 أن الموقع كان يخضع لاختبارات رصد بيئي وفلكي تمتد عامين لتقييم ملاءمته قبل استكمال المشروع. لذلك فإن التخوف من تأثير التعطل المالي على المشروع لا يكفي للجزم بأن غياب رئيس المعهد ثلاثة أشهر هو وحده سبب عدم اكتمال بنائه، أو أن موعدًا نهائيًا معلنًا للإنشاء قد انقضى.
كما يوجد بالمعهد المركز الرئيسي للشبكة القومية لرصد الزلازل، ويتبعه عدد من المراكز الفرعية للزلازل على مستوى الجمهورية (الغردقة، مرسى علم، الواحات الخارجة، برج العرب) لاستقبال بيانات الزلازل من 80 محطة، وفق الأرقام التعريفية الواردة في المادة، بالإضافة إلى المركز الإقليمي للزلازل بأسوان والذي يتبعه 15 محطة لرصد الزلازل وعدد من محطات البيزومترات. ولا تمثل هذه الأرقام حصرًا مستقلًا للمحطات العاملة في يونيو 2026، ولا تُجمع تلقائيًا لاستنتاج عدد إجمالي من دون التحقق من نطاق كل شبكة.
كما يضم المعهد في مقره بحلوان المرصد الشمسي ومحطات الطيف الشمسي والإشعاع الشمسي والطاقة الشمسية ومحطة رصد وتتبع الأقمار الصناعية، ويوجد بالمعهد مركز تجميع بيانات المحطات الدائمة للنظام العالمي لتحديد المواقع ( GPS) لمراقبة تحركات القشرة الأرضية على المستوى المحلي والإقليمي والدولي، ويضم المعهد مختبرًا لقياس الخواص المغناطيسية للصخور.
إضعاف منظومة الرصد والإنذار المبكر
من جانبه يعتبر عالم الكواكب المصري الأمريكي، الدكتور عصام حجي، أن الأزمة التي شهدها المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية بمثابة تهديد يتجاوز حدود الخلافات الإدارية، لما للمعهد من دور حيوي في حماية المواطنين من المخاطر الطبيعية.
يقول لـ"زاوية ثالثة": "منذ 30 عامًا كنت طالبًا متدربًا في هذا المعهد العريق، الذي أسهم عبر عقود في إنتاج أبحاث ودراسات ساعدت مصر على مواجهة العديد من المخاطر الطبيعية، من بينها الزلازل والعواصف الشمسية وغيرها من الظواهر التي يرصدها من خلال شبكات علمية متخصصة".
ويعتقد أن الأمر يتجاوز الأزمة الإدارية التي أضرت بالباحثين والعاملين في المعهد، مبديًا تخوفه من تعطيل أو إضعاف منظومة الرصد والإنذار المبكر، نتيجة لذلك، مما قد يؤثر في تقديره، على قدرة الدولة في متابعة المخاطر الطبيعية والتعامل معها. ويعبّر ذلك عن تحذير من أثر ضعف التمويل والصيانة على القدرة العلمية، لا عن إثبات توقف جميع محطات الرصد، ولا عن قدرة على تحديد موعد وقوع الزلازل مسبقًا.
فيما يشرح الدكتور حاتم عودة، أستاذ الجيوفيزياء التطبيقية والرئيس الأسبق للمعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية، لـ"زاوية ثالثة" أن صلاحيات رئيس المعهد عنصر أساسي في تسيير العمل اليومي، لأن معظم الأنشطة البحثية والإدارية تعتمد على موافقاته وتوقيعاته الرسمية، باستثناء صرف الرواتب الأساسية التي تتولاها وزارة المالية، فأي نشاط بحثي يحتاج إلى اعتمادات مالية وإجراءات تشغيلية تتطلب توقيعه.
ويُبين أن طبيعة العمل البحثي في المعهد تعتمد على تنفيذ بعثات ميدانية وجمع بيانات وتشغيل معدات وإجراء قياسات في مواقع مختلفة، وهو ما يتطلب توفير وسائل انتقال ومستلزمات تشغيل واعتمادات مالية مستمرة، مشيرًا إلى أن تعطّل هذه الإجراءات ينعكس بصورة مباشرة على سير الأبحاث والمشروعات العلمية.
فيما يؤكد النائب إيهاب منصور، وكيل لجنة القوى العاملة بمجلس النواب، أن الأزمة التي عاشها المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية تتجاوز كونها مجرد فراغ إداري في منصب رئيس المعهد، إذ تتداخل مع تحديات أخرى تتعلق بالتمويل والإمكانات المتاحة للبحث العلمي.
يقول لـ"زاوية ثالثة": "الشكاوى الواردة إليّ من داخل المعهد تتحدث عن تجميد بعض مستحقات العاملين، وتأثر سير العمل البحثي، وعدم القدرة على الوفاء بعدد من الالتزامات الإدارية والعلمية، إلى جانب عدم القدرة على استغلال الأراضي التابعة للمعهد، فضلًا عن تحديات مرتبطة بالإمكانات المادية اللازمة لدعم أعمال الرصد والبحوث، وهذه العوامل مجتمعة تعكس أزمة أوسع في إدارة ملف البحث العلمي".
ويؤكد النائب أن المؤسسات البحثية العاملة في مجالات الفلك والاستشعار عن بعد تؤدي دورًا يتجاوز العمل الأكاديمي، نظرًا لارتباط مخرجاتها بحياة المواطنين وبعمليات التنبؤ بالظواهر الجوية ودعم متخذي القرار، منتقدًا ما وصفه بغياب رؤية واضحة لدى الحكومة تجاه البحث العلمي، الذي يمثل أداة أساسية لمواجهة التحديات الاقتصادية والتنموية. ويتناول حديثه دور المؤسسات العلمية على نحو عام، ولا يجعل المعهد جهة إصدار التنبؤات الجوية التشغيلية.
ورغم تكليف قائم بأعمال رئيس المعهد إلا أن الأزمة تكشف عن ثغرات أعمق تتجاوز شغل منصب قيادي شاغر؛ فتعطل مؤسسة بحثية تضطلع بمهام تتصل برصد الزلازل والظواهر الطبيعية والأقمار الصناعية، لثلاثة أشهر وتأخر تعاقدات واعتمادات بعشرات الملايين من الجنيهات وفق تقديرات المصادر، يطرح تساؤلات حول كفاءة آليات إدارة المراكز البحثية وضمان استمرارية عملها.
وبينما أُسدل الستار مؤقتًا على أزمة الفراغ الإداري، يبقى أثر الأشهر الثلاثة الماضية حاضرًا في المشروعات المؤجلة والاعتمادات المعطلة، كما يبقى السؤال الأوسع قائمًا: إلى أي مدى ما زال البحث العلمي يحظى بالأولوية داخل منظومة صنع القرار في مصر؟
