بعد «صفر متأخرات»: ديون البترول تتجاوز 1.6 تريليون جنيه.. هل انتهت الأزمة أم تغير عنوانها؟

رغم سداد متأخرات الشركاء الأجانب، بلغت ديون قطاع البترول 1.6 تريليون جنيه بنهاية يونيو 2026.
كولاج توضيحي لمصفاة نفط وبرميل وسجل حسابات، عن ديون قطاع البترول في مصر

بسنت نور الدين

تستحوذ الهيئة المصرية العامة للبترول (EGPC) على الجزء الأكبر من الضمانات السيادية الحكومية، وتمثل ديونها والتزاماتها قصيرة الأجل أحد أبرز المخاطر المالية على الموازنة العامة، إذ تحصل منفردة على نحو 58-60% من إجمالي الضمانات الصادرة عن وزارة المالية، بقيمة بلغت نحو 3.1 تريليون جنيه وفق رصيد سبتمبر 2025، وهو ما قدّره صندوق النقد الدولي بنحو 18% من الناتج المحلي الإجمالي.

وبنهاية يونيو 2026، وصل إجمالي مديونية قطاع البترول في مصر إلى 1.6 تريليون جنيه، بحسب ما أعلن المهندس كريم بدوي، وزير البترول والثروة المعدنية، ردًا على سؤال من الرئيس عبد الفتاح السيسي، ضمن جلسة «مسيرة الطاقة المصرية.. إنجازات وطنية وآفاق المستقبل» في منتدى مصر 2026، التي عُقدت في الـ22 من أكتوبر الجاري.

وقبيل بعثة صندوق النقد الدولي في نوفمبر 2025، سددت وزارة المالية 451.8 مليار جنيه للهيئة المصرية العامة للبترول، تضمنت 166 مليار جنيه تعويضات متأخرة مستحقة للدعم، و13.6 مليار جنيه من التزامات وزارتي الكهرباء والمياه، وأكثر من 98 مليار جنيه دفعتها عن ضمانات ديون الهيئة؛ تمهيدًا للمراجعة الخاصة بصندوق النقد الدولي، واستكمال صرف القرض البالغة قيمته 8 مليارات دولار.

إثر ذلك تمكنت الهيئة بحلول يونيو 2026 من سداد المتأخرات المستحقة لشركات الطاقة الأجنبية بالكامل، بعدما بلغت ذروتها نحو 6.1 مليار دولار في 30 يونيو 2024، بحسب تصريحات وزير البترول كريم بدوي، مما دفع الشركات إلى ضخ استثمارات جديدة في أنشطة الاستكشاف والإنتاج.

وكان الوزير قد أعلن في مارس 2026 عن تعهدات استثمارية تتجاوز 19 مليار دولار على مدار السنوات الثلاث المقبلة، أعادت الحكومة تأكيدها مع إعلان التسوية الكاملة في يونيو، من بينها: 8 مليارات دولار من شركة «إيني» الإيطالية، و5 مليارات من «بي بي» البريطانية، و4 مليارات من «أباتشي» الأمريكية، ومليارا دولار من «أرسيوس إنرجي»، المشروع المشترك بين «بي بي» بحصة 51% و«إكس آر جي»، الذراع الاستثمارية لمجموعة أدنوك الإماراتية، بحصة 49%.

وتعد المستحقات المتأخرة للشركاء الأجانب التزامات تجارية للهيئة العامة للبترول، ناتجة عن شراء حصة الشريك بالدولار، وهي ليست قروضًا سيادية، كما لا تُحسب ضمن الدين الخارجي الذي تجاوز 166 مليار دولار بنهاية يونيو 2026، لكن صندوق النقد يعدّها أحد أكبر مخاطر المالية العامة لأن الدولة تضمنها.

وخلال مراجعاته الأخيرة، حذر الصندوق من العبء المالي لهذه الضمانات على الموازنة العامة، داعيًا، ضمن خطة استدامة أوضاع الهيئة، إلى خفضها بنسبة 25% خلال العام المالي 2026/2027، عبر زيادة مستويات الإنتاج وتعديل أسعار الطاقة وتعزيز آليات التحصيل.

وبلغ إجمالي رصيد الضمانات السيادية لمصر نحو 32% من الناتج المحلي بنهاية يونيو 2025، فيما تشير التقديرات إلى أن إجمالي القروض المضمونة من الدولة قد يصل إلى نحو 6.2 تريليون جنيه خلال العام المالي الحالي، مع استحواذ هيئة البترول على نحو 60% منها، وسط توقعات بارتفاع الضمانات الحكومية إلى 6.9 تريليون جنيه خلال العام المالي المقبل، بما يعادل نحو 28.1% من الناتج؛ وهي نسبة تتراجع رغم ارتفاع القيمة الاسمية للضمانات، بفعل نمو الناتج المحلي الاسمي مع التضخم.

فيما تواجه الهيئة عجزًا تشغيليًا وفجوة تمويلية، كونها تشتري المنتجات البترولية أو حصة الشركاء بالدولار الأمريكي وفقًا للأسعار الدولية، بينما تبيعها محليًا بالجنيه المصري مدعومة أو بأسعار أقل، كما تعاني من تأخر سداد الجهات الحكومية لمستحقاتها، خاصة قطاع الكهرباء، وبالتالي تلجأ إلى تسهيلات ائتمانية وقروض قصيرة ومتوسطة الأجل لتغطية الاحتياجات التشغيلية وسداد مستحقات الشركاء الأجانب وشراء الوقود.

ويفيد تقرير المراجعة السابعة لبرنامج تسهيل الصندوق الممدد، الصادر في 13 أغسطس 2026، بأن تسوية متأخرات الهيئة تجاه شركات النفط والغاز الأجنبية دُعّمت بقروض خارجية حصلت عليها الهيئة من مؤسسات دولية بضمان حكومي، إلى جانب التحويلات الموازنية المباشرة، وفي المقابل لم تنشر الحكومة المصرية أو الصندوق تفاصيل عن أسماء المقرضين أو أسعار الفائدة أو مدد السداد.

وسبق أن أقر مجلس الوزراء في مارس 2025 حزمة إصلاحات للهيئة العامة للبترول، شملت تخصيص 75 مليار جنيه من الموازنة لسداد المتأخرات، ومثلها للشركة القابضة لكهرباء مصر.

وخلال مايو 2026، حصلت الهيئة على تمويل بقيمة 800 مليون دولار، ضمن برنامج العمل السنوي لعام 2026 بين الحكومة المصرية والمؤسسة الدولية الإسلامية لتمويل التجارة التابعة لمجموعة البنك الإسلامي للتنمية، البالغة قيمته الإجمالية 1.5 مليار دولار.

وفي سبتمبر الماضي، حصلت شركتا «مصر للبترول» و«التعاون للبترول» على قرضين بإجمالي 24 مليار جنيه، بواقع 14 مليارًا من بنك قناة السويس للأولى و10 مليارات من بنك قطر الوطني للثانية، بضمانة من وزارة المالية ولمدة ثلاث سنوات، لتغطية اعتمادات مستندية لاستيراد منتجات بترولية لصالح الهيئة، بحسب ما نقلته «الشروق» عن مصادر مطلعة.

وتسعى هيئة البترول لاقتراض نحو 850 مليون دولار من تحالف يضم بنوك أبوظبي التجاري والمشرق وستاندرد تشارترد، لحساب شركة «بل» التي أسستها الهيئة خصيصًا للحصول على هذا التمويل، لمدة ثلاث سنوات، بضمان عقود وشحنات تصدير تابعة للهيئة، بحسب تقارير صحفية.

كيف تراكمت ديون الهيئة؟

بدأت متأخرات مستحقات شركات البترول الأجنبية في الظهور عامي 2004 و2005، بقيمة بلغت نحو 610 ملايين دولار، نتيجة تجاوز استهلاك السولار والمازوت والبوتاجاز والبنزين حجم الإنتاج المحلي، ما دفع الوزارة إلى شراء حصة الشريك الأجنبي واستيراد الكميات المتبقية لتلبية احتياجات السوق.

وتفاقمت الأزمة بعد عام 2011، لترتفع المتأخرات إلى نحو 6.3 مليار دولار، مدفوعة بارتفاع أسعار النفط العالمية وتوجيه الموارد المالية إلى استيراد الوقود، وانعكس ذلك على توافر الإمدادات، إذ لم يكن مخزون الوقود يكفي أكثر من يومين، بينما أحجمت الشركات الأجنبية عن ضخ استثمارات جديدة، ولم تُوقَّع اتفاقية بترولية واحدة من 2011 حتى نوفمبر 2013.

وفي نهاية عام 2013 استقرت مستحقات الشركاء الأجانب المتأخرة عند 6.3 مليار دولار، ثم تراجعت بعد دفعات متتالية إلى نحو 3.5 مليار دولار في منتصف 2015، وإلى 2.9 مليار بنهاية أغسطس من العام نفسه بعد سداد نحو 600 مليون دولار خلال شهر واحد، ثم انخفضت إلى 2.7 مليار دولار بنهاية أكتوبر 2015.

وعاودت المستحقات الارتفاع إلى 3.4 مليار دولار بنهاية يونيو 2016، رغم سداد مصر 100 مليون دولار خلال السنة المالية 2015/2016، قبل أن تتراجع إلى نحو 2.3 مليار دولار بنهاية يونيو 2017، فـ1.2 مليار في 2018، ونحو 900 مليون دولار بنهاية يونيو 2019.

غير أن جائحة كورونا، ثم الحرب الروسية الأوكرانية وخروج الاستثمارات الأجنبية غير المباشرة وتراجع الاحتياطي الأجنبي، أعادت تراكم المستحقات، لتصل إلى 6.1 مليار دولار في 30 يونيو 2024 وفق وزارة البترول، و6.2 مليار دولار في أكتوبر من العام نفسه بحسب صندوق النقد الدولي.

ومع إعلان صفقة رأس الحكمة مع الإمارات بقيمة 35 مليار دولار في فبراير 2024، بدأت الحكومة تسريع وتيرة سداد المستحقات، مدعومة لاحقًا بمخصصات حزمة إصلاحات مارس 2025.

وبحلول ديسمبر 2025، تراجعت المتأخرات إلى نحو ملياري دولار وفق صندوق النقد الدولي. وفي يناير 2026، أعلن رئيس الوزراء مصطفى مدبولي أن الحكومة سددت نحو 5 مليارات دولار، مستهدفة خفض المتبقي إلى 1.2 مليار دولار بحلول يونيو من العام نفسه، مع الالتزام بسداد الفواتير الشهرية بانتظام، وبحلول مارس 2026 انخفض المتبقي إلى نحو 1.3 مليار دولار بحسب الوزارة.

وتسارعت وتيرة السداد في الأشهر الأخيرة؛ إذ تراجع الرصيد المتبقي إلى 714 مليون دولار في أبريل، ثم إلى 440 مليونًا في مايو، قبل إعلان سداد الدفعة الأخيرة في 10 يونيو 2026، أي قبل الموعد المستهدف بنحو ثلاثة أسابيع.

ورغم تسوية المتأخرات المستحقة للشركاء الأجانب، تشير مديونية القطاع البالغة نحو 1.6 تريليون جنيه بنهاية يونيو 2026 إلى أن أعباء المديونية لم تنتهِ بقدر ما تغير شكلها.

وفي السياق ذاته، أكد الوزير أهمية تعزيز التعاون والشراكة بين الشركات المصرية والأجنبية، والالتزام بسداد المستحقات المالية لاستعادة ثقة المستثمرين وتشجيع ضخ استثمارات جديدة، داعيًا إلى توفير بيئة مستقرة وجاذبة للاستثمارات، مع توسيع مشاركة القطاع الخاص في أنشطة البترول والغاز والتعدين.

ويرى الدكتور زهدي الشامي، الخبير الاقتصادي، أن وصول مديونية قطاع البترول إلى نحو 1.6 تريليون جنيه يمثل مديونية ضخمة للغاية، ويستدعي مراجعة شاملة لأوضاع القطاع والسياسات التي أدت إلى تراكم هذه الالتزامات.

ويربط أزمة المديونية بما وصفه بتراجع الإنتاج في بعض الحقول الواعدة، ومن بينها حقل ظهر، إلى جانب تراكم المديونيات على مدار سنوات، وهو ما انعكس، بحسب تقديره، على إحجام بعض المستثمرين والشركات الأجنبية عن التنقيب في مصر.

ويعتبر أن الأزمة تعكس أخطاء جسيمة في متابعة الإنتاج والإشراف على الحقول القائمة، إلى جانب تراكم الديون وتأثيرها على الاستثمار في قطاع النفط، مشيرًا إلى أن استمرار تدخل الدولة لسداد متأخرات القطاع من خلال قروض بضمانات حكومية يزيد أعباء المديونية الخارجية، خاصة أن مستحقات قطاع البترول مرتبطة بالدولار.

ويقول لـ«زاوية ثالثة» إن "تحول هيئة البترول إلى جهة مدينة بهذا الحجم يثير التساؤلات حول أسباب وصول القطاع إلى هذه المديونية، وكيفية تحول التوقعات السابقة بتحول مصر إلى دولة مصدرة ومركز للطاقة إلى الاعتماد على استيراد الغاز والنفط".

ويحذر من أن هذه الأوضاع قد تنعكس أيضًا على التعاقدات الجديدة في قطاع البترول، متسائلًا عن جدوى بعض الشروط التي تمنح الشركاء الأجانب حصصًا مرتفعة في الاكتشافات الجديدة، مقابل حصة محدودة للشريك المصري.

ويدعو إلى مراجعة حقيقية لسياسات البترول، خاصة مع تحول مصر من دولة مصدرة للطاقة إلى مستورد صاف للغاز والنفط، وبالتالي تنعكس تقلبات الأسعار العالمية عليها اقتصاديًا بالسلب.

ويشرح أن مصر كانت مُصدرًا صافيًا للبترول منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي، بعد استعادة حقول سيناء ودخول استثمارات أجنبية إلى القطاع، قبل أن يتحول وضعها إلى مستورد صاف للبترول مع تراجع الإنتاج ونضوب بعض الموارد.

ويضيف: "مصر تحولت لاحقًا إلى تصدير الغاز، ثم أعلنت تحقيق الاكتفاء الذاتي بعد اكتشاف حقل ظهر، إلا أن هذا الوضع لم يستمر، إذ أصبحت البلاد، تواجه فجوة بين احتياجاتها وإنتاجها من الغاز".

ويتابع: "الاحتياجات المحلية تصل إلى نحو 6 مليارات قدم مكعبة يوميًا، مقابل إنتاج يقارب 4 مليارات، ما يعني وجود فجوة تقدر بنحو ملياري قدم مكعبة يتم تعويضها بالاستيراد"، لافتًا إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا يمثل ضغطًا إضافيًا على مصر.

ويؤكد الخبير الاقتصادي أن استمرار الاقتراض بضمان حكومي يضغط على تكلفة الاقتراض السيادي والتصنيف الائتماني لمصر، ويمثل عبئًا على المالية العامة، مشيرًا إلى أن المشكلة لا تكمن فقط في حجم الدين الخارجي، وإنما في أعباء خدمته مقارنة بالصادرات وإيرادات النقد الأجنبي.

ويحذر من أن استمرار الضغوط التمويلية قد يقود إلى مزيد من القيود على الاقتراض، وفي مراحل الأزمات قد تلجأ الدول إلى حلول مثل مبادلة الديون بالأصول.

رسائل سلبية إلى المستثمرين

يثير حصول الهيئة المصرية العامة للبترول على قروض أو تسهيلات ائتمانية جديدة لسداد مستحقات الشركات الأجنبية تساؤلات مهمة، لا سيما بعد إعلان الحكومة الوصول إلى «صفر مديونية» تجاه شركاء الاستثمار الأجانب في يونيو 2026.

ويشرح الدكتور حسام عرفات، أستاذ البترول والتعدين بكلية الهندسة بجامعة القاهرة، ورئيس شعبة المواد البترولية باتحاد الغرف التجارية سابقًا، أن المديونية المستحقة لشركات البترول الأجنبية، والتي بلغت نحو 6.2 مليار دولار في يونيو 2024، جرى التعامل معها على مدار عامين من خلال جدولة وسداد المستحقات، وصولًا إلى الإعلان عن تسويتها بالكامل في يونيو 2026، معتبرًا أن هذا التطور كان أحد العوامل المهمة التي عززت الثقة في قطاعي البترول والتعدين وشجعت على زيادة الاستثمارات.

يقول لـ"زاوية ثالثة": "الأصل أن تؤدي زيادة الإنتاج والإيرادات البترولية إلى تغطية الالتزامات المستحقة ، وليس اللجوء إلى الاقتراض لسداد مديونية قائمة، والإعلان عن اقتراض جديد بعد الوصول إلى صفر مديونية قد يبعث برسائل سلبية إلى المستثمرين، إذا لم يكن هناك تفسير واضح لطبيعة هذه التمويلات وأوجه استخدامها".

ويؤكد أن انخفاض إنتاج الحقول المصرية أدى إلى اتساع الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك، موضحًا أن الإنتاج تراجع من نحو 4.2 مليار قدم مكعبة إلى نحو 3.8 مليار قدم يوميًا، ما اضطر مصر إلى زيادة واردات الغاز لتلبية احتياجات السوق المحلية. وتُظهر أحدث بيانات المتابعة استقرار الإنتاج عند نحو 3.6 مليار قدم مكعبة يوميًا في أغسطس 2026.

ويوضح أن عددًا من الاكتشافات البترولية والغازية التي أعلنت عنها وزارة البترول مطلع عام 2026 كانت احتياطيات موجودة بالفعل في الآبار ولم تدخل حيز الإنتاج في حينها. ولفت إلى أن انتظام سداد مستحقات الشركات الأجنبية ساهم في استعادة نشاطها، ومن ثم الإعلان عن الاكتشافات الجديدة ودخول بعضها مراحل الإنتاج.

ويشير إلى أن مصر تحتاج إلى النفط الخام لتشغيل معامل التكرير وتوفير احتياجات السوق من المنتجات البترولية، مثل البنزين والسولار والمازوت، وبالتالي فإن تصدير المواد البترولية يصبح أكثر صعوبة في ظل وجود عجز محلي يستلزم الاستيراد.

ويضيف: "تراجع الإنتاج المحلي انعكس كذلك على قدرة مصر على التصدير، فالأولوية أصبحت لتوفير احتياجات السوق المحلية، خاصة مع وجود عجز يستلزم الاستيراد من الخارج، وهو ما يحد من الكميات المتاحة للتصدير".

ويشدد على أن تقييم وضع قطاع البترول في مصر لا ينبغي أن يعتمد فقط على إعلان الاكتشافات أو زيادة الاستثمارات، وإنما يجب النظر كذلك إلى تطور الإنتاج الفعلي، وحجم الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك، وقدرة القطاع على الوفاء بالتزاماته دون الاعتماد المتزايد على التمويل الخارجي أو الضمانات الحكومية.

كما يربط بين التوترات المرتبطة بمضيق هرمز وباب المندب واضطرابات حركة النقل البحري وخطوط الإمداد، بما في ذلك المسارات المرتبطة بنقل النفط والمنتجات البترولية، وبين التأثيرات السلبية على حركة التجارة المصرية من النفط والغاز على مستوى الواردات أو الصادرات، لافتًا إلى أن مصر كانت تعتمد، ضمن مصادر أخرى، على واردات من الخليج العربي لتوفير الخام اللازم لعمليات التكرير.

وفي الأسبوع الأخير من أكتوبر الجاري، ارتفعت أسعار النفط العالمية بأكثر من 3 دولارات للبرميل، إذ سجل خام برنت أعلى إغلاق له منذ نحو ستة أشهر، متأثرًا باضطراب إمدادات الطاقة في الشرق الأوسط، فيما اختتم الخام الأميركي الأسبوع بارتفاع 2.3%.

وقفزت العقود الآجلة لخام برنت عند التسوية إلى 116.72 دولار للبرميل، بزيادة قدرها 3.55 دولارات أي نحو 3.14%، في أعلى مستوى منذ 29 أبريل الماضي، كما ارتفع خام غرب تكساس الوسيط الأميركي إلى 103.27 دولارات للبرميل، بزيادة قدرها 3.80 دولارات، أي ما يعادل 3.8%.

ويعزو أستاذ البترول والتعدين ذلك بدرجة كبيرة إلى العوامل الجيوسياسية، موضحًا أن تطورات الصراعات والتوترات في المنطقة، إلى جانب التصريحات السياسية المتعلقة بالحرب، تؤثر سريعًا في توقعات الأسواق وتحرك أسعار الخام صعودًا أو هبوطًا.

وتعليقًا على هذا الارتفاع، أكد رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، خلال جلسة "مسيرة الطاقة المصرية" ضمن فعاليات منتدى مصر 2026، أن حكومته تواجه ثلاثة احتمالات؛ إما أن تتحمل الزيادة بالكامل عبر الموازنة أو من خلال الاقتراض، بما يزيد الدين العام وأعباء الفوائد التي تتحملها الأجيال المقبلة، وإما أن تُحمّل المواطنين كامل الزيادة في تكلفة الوقود والطاقة.

أما الاحتمال الثالث، في تقديره، فهو الالتزام بالمخصصات المالية المتاحة في الموازنة وشراء المنتجات البترولية وفق الموارد المتوافرة، وهو ما قد يؤدي إلى تلبية نحو 50% إلى 60% فقط من احتياجات المواطنين، بما ينعكس على توافر الوقود وإمدادات الطاقة.

مخاطر الديون وأعباء الموازنة

تواجه المالية العامة في مصر ضغوطًا متزايدة بفعل ارتفاع تكلفة خدمة الدين، وقصر آجال جانب كبير من الدين المحلي، إلى جانب اتساع نطاق الضمانات السيادية التي تمثل التزامات محتملة على الخزانة العامة، وتأتي هذه العوامل في وقت تسعى فيه الحكومة إلى خفض الدين العام وتحسين وضع المالية العامة وتقليص تكلفة الاقتراض.

وتستحوذ مدفوعات الفوائد على أكثر من نصف إيرادات الحكومة العامة، إذ قدّرتها موديز بنحو 59% من الإيرادات خلال السنة المالية 2025/2026، المنتهية في يونيو 2026، مقابل نحو 63% في العام السابق، بينما تشير تقديرات ستاندرد آند بورز إلى نسبة تقترب من 67%. ورغم انخفاض النسبة، فإنها تظل مرتفعة مقارنة بالدول ذات التصنيف الائتماني المماثل، بما يحد من قدرة الحكومة على توجيه موارد أكبر إلى الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية والاستثمار.

وعلى خلفية هذا التحسن التدريجي، رفعت موديز منتصف أكتوبر الجاري تصنيف مصر الائتماني من Caa1 إلى B3 بنظرة مستقبلية إيجابية، متوقعة، في حال استمرار الفوائض الأولية وتراجع تكلفة التمويل، انخفاض فاتورة الفوائد إلى نحو 50% من الإيرادات ونزول الدين إلى ما دون 70% من الناتج بنهاية العقد.

وفي موازنة العام المالي 2026/2027، خصصت الحكومة نحو 2.419 تريليون جنيه لسداد فوائد الدين، من إجمالي مصروفات، دون أقساط الدين، تبلغ نحو 5.178 تريليون جنيه. وفي المقابل، تراجع دين أجهزة الموازنة إلى نحو 81.8% من الناتج المحلي الإجمالي بنهاية يونيو 2026، مقارنة بذروة بلغت نحو 96% في 2023، فيما تستهدف الحكومة مواصلة خفض النسبة إلى نحو 78% بحلول يونيو 2027.

ولا يقتصر التحدي على حجم الدين، وإنما يمتد إلى هيكل استحقاقاته؛ إذ يمثل الدين المحلي نحو ثلاثة أرباع دين أجهزة الموازنة، مع اعتماد ملحوظ على أذون الخزانة قصيرة الأجل التي تتراوح آجالها بين 91 و364 يومًا، فيما لم يتجاوز متوسط أجل الإصدارات المحلية الجديدة 1.1 سنة بنهاية يونيو 2026 وفق تقديرات صندوق النقد الدولي.

ويقدّر الصندوق ذروة الاحتياجات التمويلية الإجمالية للحكومة بنحو 42% من الناتج المحلي في العام المالي 2025/2026، وهي من بين الأعلى عالميًا، بما يرفع احتياجات إعادة التمويل ويجعل الحكومة أكثر تعرضًا لتغيرات أسعار الفائدة والسيولة المحلية.

ويضاف إلى ذلك عبء الضمانات السيادية، التي لا تتحول إلى إنفاق مباشر عند إصدارها، لكنها تصبح التزامًا فعليًا على الخزانة إذا تعثرت الجهات المضمونة عن السداد. ويمثل ارتفاع الضمانات وتركزها في قطاع الطاقة، وعلى رأسها ضمانات هيئة البترول، أحد مصادر المخاطر المالية التي تضعها وكالات التصنيف في حساباتها؛ فاحتمال تحول هذه الالتزامات إلى دين فعلي يرفع أعباء خدمة الدين ويضغط على العجز، وقد يزيد تكلفة الاقتراض السيادي إذا ارتفعت المخاطر التي يراها المستثمرون.

وبحسب بيانات البنك الدولي، المستندة إلى جداول خدمة الدين لدى البنك المركزي، تواجه مصر استحقاقات ديون خارجية بقيمة 60.9 مليار دولار خلال الفترة من يوليو 2026 إلى يونيو 2027، يتحمل البنك المركزي النصيب الأكبر منها بنحو 21.65 مليار دولار، تشمل نحو 19.1 مليار دولار من الودائع والعملات المستحقة عليه ويعود معظمها لدول خليجية، مقابل 16.1 مليار دولار على البنوك التجارية، و12.9 مليار على القطاعات الأخرى، ونحو 10.3 مليار دولار على الحكومة.

وخلال الربع الثاني من عام 2026، ارتفعت مديونية البنك المركزي المصري بنحو 1.1 مليار دولار لتصل إلى نحو 36.85 مليار دولار بنهاية يونيو، كما زادت ديون القطاعات الأخرى غير المصرفية بنحو ملياري دولار مسجلة نحو 23.4 مليار دولار، ليبلغ إجمالي الدين الخارجي 166.75 مليار دولار بنهاية يونيو 2026.

وفيما يبدو، فإن إعلان «صفر مديونية» لم يُنهِ أزمة قطاع البترول بقدر ما أعاد توزيعها؛ فالمتأخرات المستحقة للشركاء الأجانب سُددت، لكن القطاع واصل الاعتماد على القروض والضمانات الحكومية لتمويل احتياجاته.

ومع تراجع الإنتاج وارتفاع فاتورة الاستيراد، تظل الخزانة العامة معرضة لتحمل مخاطر ديون هيئة البترول، التي تستحوذ على النصيب الأكبر من الضمانات السيادية.

وبينما تراهن الحكومة على زيادة الإنتاج لجذب الاستثمارات وخفض المديونية، فإن استمرار الاقتراض لتمويل العجز التشغيلي يعني أن «صفر مديونية» تجاه الشركاء الأجانب لا يساوي بالضرورة «صفر مخاطر» على المال العام.

أضف زاوية ثالثة إلى مصادرك المفضلة على جوجل

Search