الرعاية التلطيفية في مصر: فجوة خدمات وغياب سياسات وآلام بلا علاج

خدمات محدودة وغياب للتغطية التأمينية يحولان دون حصول مرضى في مصر على الرعاية التلطيفية وتخفيف الألم.
Picture of آية ياسر

آية ياسر

يعيش آلاف المرضى المصريين مع الألم يوميًا، في غرف المستشفيات الحكومية والخاصة، وفي البيوت التي تحولت إلى وحدات رعاية غير معلنة، لكون منظومة الرعاية لا تعترف بعد بحقهم في الرعاية التلطيفية، باعتبارها أحد أكثر أشكال الرعاية الصحية إنسانية، والتي لا تزال خارج الحسابات المؤسسية في مصر، ومحصورة في مبادرات محدودة، أو في أقسام بعينها، غالبًا داخل مؤسسات علاج السرطان.

وفي وقتٍ تضع فيه الرعاية التلطيفية جودة حياة المريض في صدارة الأولويات، وتعترف بأن تخفيف الألم الجسدي والنفسي والاجتماعي للمريض ليس ترفًا، بل حقًا أصيلًا؛ فإن هذا الحق لا يزال غائبًا عن ملايين المرضى، في بلد تتزايد فيه معدلات الإصابة بالأمراض المزمنة، التي تُشكّل نسبة 84% من الوفيات، – وخاصة أمراض القلب، السكر، وضغط الدم، بحسب منظمة الصحة العالمية -، ويتقدم فيه متوسط العمر إلى حوالي 72-73 سنة.

تُعرّف منظمة الصحة العالمية الرعاية التلطيفية بأنها نهج يهدف إلى تحسين جودة حياة المرضى – وأسرهم – الذين يواجهون أمراضًا مهددة للحياة، من خلال الوقاية من المعاناة وتخفيفها، عبر التشخيص المبكر والعلاج المتكامل للألم والمشكلات الجسدية والنفسية والاجتماعية والروحية، غير أن هذا المفهوم لا يزال ملتبسًا في الوعي المجتمعي والطبي على حد سواء، حيث يُخلط كثيرًا بين مفهومي الرعاية التلطيفية ورعاية المراحل المتقدمة أو رعاية المحتضرين؛ ففي حين تبدأ الرعاية التلطيفية منذ لحظة تشخيص المرض العضال أو المزمن، ويمكن تقديمها بالتوازي مع العلاج الشافي أو الموجّه للمرض، بينما تتركز رعاية المراحل المتقدمة على المرضى الذين استُنفدت لديهم الخيارات العلاجية، وتهدف إلى تخفيف الألم وصون الكرامة في نهاية الحياة

وتقدّر الصحة العالمية أن نحو 56.8 مليون شخص حول العالم يحتاجون إلى الرعاية التلطيفية سنويًا، إلا أن 14% فقط يحصلون عليها فعليًا، ويتمركز معظمهم في الدول مرتفعة الدخل، أما في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل، حيث يعيش نحو 80% من المحتاجين لهذه الرعاية، فإن الغالبية تواجه المرض والألم دون دعم كافٍ.

وتشير التقديرات إلى أن المرضى في عامهم الأخير من الحياة لا يمثلون سوى 45% من إجمالي المحتاجين للرعاية التلطيفية، بينما يعيش الباقون سنوات طويلة مع أمراض مزمنة ومعقدة، مثل أمراض القلب والأوعية الدموية (39%)، والسرطان (34%)، والأمراض التنفسية المزمنة (10%)، والإيدز (6%)، والسكري (5%)، إضافة إلى أمراض عصبية ومناعية متقدمة، وهذه الأرقام تكشف أن الرعاية التلطيفية ليست مرتبطة فقط بالموت، بل بالحياة اليومية لملايين البشر، وبقدرتهم على التعايش مع المرض، كما يُجنبهم ذلك الدخول المتكرر إلى أقسام الطوارئ والعناية المركزة، ويحسّن تجربة المرضى وأسرهم داخل المنظومة الصحية.

وفي مصر، لا تزال الرعاية التلطيفية تُقدَّم بشكل محدود ومعزول، دون استراتيجية وطنية واضحة، أو دمج حقيقي في مستويات الرعاية الصحية المختلفة، ويقتصر وجودها في الغالب على بعض مؤسسات علاج السرطان، أو مبادرات فردية تقودها جمعيات أهلية، بينما تغيب عن معظم المستشفيات العامة، ووحدات الرعاية الأولية.

ويأتي ذلك في سياق صحي ضاغط، يتمثل في تزايد معدلات الأمراض المزمنة، وارتفاع متوسط العمر، ونقص أسرة المستشفيات، لا سيما أسرة العناية المركزة، فضلًا عن العبء المالي المتزايد على الأسر، وتشير تقديرات إلى أن واحدًا من كل خمسة مصريين ينزلق إلى دائرة الفقر بسبب الإنفاق الصحي خصوصًا في المراحل المتقدمة من المرض، حيث ترتفع التكاليف دون تحسن موازٍ في جودة الحياة.

ورغم أن الرعاية التلطيفية يمكن أن تسهم في خفض هذه التكاليف، وتخفيف الضغط عن المستشفيات، فإنها لا تزال غائبة عن برامج مثل التأمين الصحي الشامل، الذي يُفترض أن يشكل مظلة للرعاية المتكاملة.

وتوجد فجوة هائلة بين الاحتياج والخدمات المتاحة في مصر؛ إذ توجد 17 عيادة فقط للرعاية التلطيفية على مستوى الجمهورية، تتركز غالبيتها في القاهرة، وتوجد 312 وحدة وعيادة لعلاج الألم، أكثر من نصفها في القاهرة والإسكندرية، وغالبها يتبع القطاع الخاص، ولا يتجاوز عدد عيادات طب المسنين 43 عيادة، معظمها أيضًا في القطاع الخاص، تغيب خدمات الرعاية التلطيفية تمامًا عن محافظات كاملة، من بينها القليوبية، الشرقية، الفيوم بني سويف، مطروح، شمال وجنوب سيناء، والبحر الأحمر، تكاد خدمات «الهوسبيس» – المتخصصة في رعاية نهاية الحياة – تقتصر على ثلاث مؤسسات أهلية فقط على مستوى الجمهورية، وفقًا لدليل «خدمات الرعاية التلطيفية ورعاية الحالات المتقدمة في مصر»، الصادر في مايو 2025 عن مشروع «الناصح» بالتعاون مع الجمعية المصرية لدارسي العلوم الصحية ومؤسسة شمسية لإدارة الأنظمة الصحية.

بدورها تشير سارة الشافعي، مديرة مشروع «الناصح» والباحثة الرئيسية في الدليل، إلى أن المعلومات حول مقدمي خدمات الرعاية التلطيفية في مصر شحيحة، وأن حتى بعض الأطباء والمتخصصين يفتقرون إلى فهمٍ واضحٍ لمفهوم الرعاية التلطيفية، وهو ما دفع الفريق البحثي إلى إعداد دليلٍ موجَّهٍ للمرضى والمهتمين، يهدف إلى تسهيل الوصول إلى هذه الخدمات عند الحاجة.

وتوضح لـ"زاوية ثالثة" أن الرعاية التلطيفية تعني «الرعاية الشاملة» التي تركز على تحسين جودة حياة المريض، لا على علاج المرض فقط، ويعد تسكين الألم يُعد جزءًا أساسيًا منها، وهي تشمل أي مريض يعاني من مرضٍ صعبٍ أو معقدٍ يؤثر على أجهزة الجسم المختلفة وحالته النفسية، سواء كان في مرحلة متقدمة أو لا، ولا يعني ذلك بالضرورة أن المريض في مرحلة الاحتضار، إلاّ أن هذا المنظور الشامل يكاد يغيب عن مصر بسبب محدودية الإمكانيات وعوامل أخرى، ما يؤدي إلى إهمال الجوانب النفسية والمعيشية للمريض، مثل التغذية والتنفس والقدرة على التعايش مع المرض.

تقول: "الصورة الذهنية السائدة في مصر تربط الرعاية التلطيفية بمرضى السرطان فقط، بسبب بدايات هذا التخصص داخل مؤسسات علاج الأورام، إلا أن هذا الربط غير دقيق، إذ إن الهدف الأساسي هو تحسين جودة حياة المرضى المصابين بأمراضٍ مزمنةٍ أو معقدة، مثل «ألزهايمر» أو التصلب المتعدد، من خلال فريقٍ متكاملٍ يضم أطباءً، وأخصائيي علاجٍ طبيعي، ودعمًا نفسيًا، وإعادة تأهيل، وأخصائيين اجتماعيين"، لافتة إلى أن الرعاية التلطيفية لا ينبغي أن تكون مجزأةً بين جهات متعددة، حفاظًا على راحة المريض.

وتُعد رعاية المحتضرين جزءًا من الرعاية التلطيفية يختص بالمرحلة الأخيرة من المرض، بينما يفترض أن تبدأ الرعاية التلطيفية منذ المراحل المبكرة للأمراض الصعبة التي تؤثر على أكثر من جهاز في الجسم، بحسب الباحثة التي تؤكد أن النموذج الأمثل يتمثل في وجود قسمٍ للرعاية التلطيفية داخل كل مستشفى يتعامل مع الأمراض الصعبة، مشيرة إلى أن مستشفى الشهيد أحمد شوقي لطب المسنين، الذي يضم قسمًا داخليًا وعياداتٍ خارجيةً للرعاية التلطيفية، يعد من النماذج القليلة في القطاع الحكومي، خارج نطاق مراكز ومستشفيات علاج الأورام.

وعن موقع مصر عالميًا، قالت الشافعي إن تصنيف منظمة الصحة العالمية لعام 2020 يضع مصر في مرتبةٍ متوسطةٍ، حيث تُقدَّم الرعاية التلطيفية من خلال مبادراتٍ فرديةٍ ومؤسساتٍ منعزلة، دون أن تكون جزءًا من استراتيجيةٍ وطنيةٍ شاملةٍ لوزارة الصحة، على غرار الطب الوقائي أو العلاجي، مضيفة أن بعض الدول العربية، خاصةً دول الخليج والأردن، ودولًا أفريقيةً كزامبيا وأوغندا، تمتلك أنظمةً للرعاية التلطيفية أفضل من مصر، مؤكدةً أن العقبة ليست في التكلفة، بل في التنظيم، إذ إن الرعاية التلطيفية تسهم في تقليل الضغط على أقسام الطوارئ والعناية المركزة، وبالتالي تخفض الإنفاق الصحي.

وتكشف مديرة "الناصح" أن من أبرز ما لفت انتباهها خلال إعداد الدراسة شدة المركزية، حيث تتركز معظم الخدمات في القاهرة، تليها الإسكندرية، بينما تكاد تنعدم في الأقاليم، إلى جانب انتشار «عيادات الألم» بشكلٍ أكبر مما كان متوقعًا، رغم عدم كفايتها. كما أشارت إلى أن عبء «الهوسبيس» أو رعاية الحالات المتأخرة تتحمله في الأساس منظمات المجتمع المدني، في ظل غياب إطارٍ قانونيٍّ ينظم هذا النشاط، ما يدفع هذه المؤسسات إلى العمل تحت مسمى «دور ضيافة».

وتشدد الشافعي على ضرورة وضع إطارٍ قانونيٍّ واضحٍ للرعاية المنزلية و«الهوسبيس»، وتنظيم صرف أدوية الألم من خلال إجراءاتٍ أبسطَ ونظامٍ أكثر كفاءةً، مع الحفاظ على الضوابط اللازمة، داعية إلى إدراج الرعاية التلطيفية كتخصصٍ أكاديميٍّ مستقلٍّ في الجامعات، ودمجها تدريجيًا في النظام الصحي، بدءًا بتدريب أطباء الأسرة في الوحدات الصحية على تقديم خدمات الرعاية التلطيفية الأولية.

تخفيف معاناة مرضى الأورام

يواجه مرضى السرطان ضغوطًا مركبة تشمل أبعادًا جسديةً ونفسيةً واجتماعيةً، وأحيانًا روحية، نتيجة المرض وتبعاته العلاجية، إذ يعانون من آلام شديدة، وقيء متكرر، وقرح فراش، وضعف عامّ، والتهاباتٍ متكررةٍ، وأنيميا حادة، إلى جانب معاناةٍ نفسيةٍ تتمثل في الاكتئاب والغضب والحزن ورفض الواقع، فضلًا عن أعباءٍ اجتماعية ناتجة عن تكاليف العلاج وفقدان مصدر الدخل، بعض المرضى يمرون أيضًا بأزمةٍ روحية، تتجلى في التساؤلات الوجودية والاعتراض أو العتاب، ما يضع المريض وأسرته تحت ضغوطٍ نفسية شديدة، بحسب الدكتور ناصر عيسى، عضو مجلس أمناء جمعية «جلوبال لرعاية مرضى الأورام» (Global Cancer Care).

يقول لـ"زاوية ثالثة": "إن دور الرعاية التلطيفية يتمثل في التخفيف من وطأة المرض عبر التعامل مع هذه الجوانب مجتمعةً، من خلال السيطرة على الأعراض الجسدية الناتجة عن المرض أو العلاج الكيماوي، وتقديم الدعم النفسي، والمساندة الاجتماعية، بما يساعد المريض وأسرته على تجاوز الأزمة بأقل قدرٍ ممكنٍ من المعاناة".

ويؤكد عيسى أن خدمات الرعاية التلطيفية في مصر لا تزال غير كافيةٍ، خاصةً في المحافظات، موضحًا أن الفكرة حديثة نسبيًا ولم تحظَ بعدُ بالانتشار المطلوب. ولفت إلى أن بعض المستشفيات الكبرى ومعاهد الأورام بدأت في تقديم «عيادات الألم» كجزءٍ من الرعاية التلطيفية، إلا أن هذه العيادات تعاني نقصًا حادًا في الأدوية المسكنة، خاصةً المورفين، نتيجة القيود الصارمة المفروضة على صرفه.

وعلى مدار السنوات الماضية، برز دور المجتمع المدني والقطاع الخاص كفاعل محتمل في سد الفجوة في خدمات الرعاية التلطيفية ورعاية الحالات المتقدمة؛ إذ تمكن عدد من المؤسسات الصحية الخيرية أو الخاصة من دمج الرعاية التلطيفية ضمن خدماتها، سواء في المستشفيات أو الرعاية المنزلية، واستطاعت بعض منظمات المجتمع المدني تقديم الدعم النفسي والاجتماعي، والمساعدة المادية، لمرضى المراحل المتقدمة.

وفي عام 2005، عرفت مصر للمرة الأولى مفهوم الرعاية التلطيفية، حين بدأ نشاط جمعية «جلوبال كانسر كير» في مصر، المتخصصة في تقديم الخدمات لمرضى السرطان، والتي تضم ثلاث فروع، وتنظم زيارات منزلية دورية للاطمئنان على المرضى، وتقديم الخدمات الطبية اللازمة لهم داخل منازلهم، بما في ذلك الكشف الطبي، وتعليق المحاليل، وتوفير علاج الألم، إلى جانب التدخل الاجتماعي والنفسي عند الحاجة، فيما يُعرف باسم «الهوسبيس المتنقل» (Mobile Hospice)، كما تدير «وحدة الرعاية النهارية» (Day Room)، حيث يستقبل المقر المرضى القادرين على الحركة لقضاء يومٍ كاملٍ في أنشطةٍ ترفيهيةٍ واجتماعيةٍ، وتناول الطعام جماعيًا، مع إتاحة الكشف الطبي وتقديم العلاجات غير الكيماوية أو الإشعاعية، وتنظيم رحلات ترفيهية وندوات تثقيفية للمرضى وأسرهم والمتطوعين حول أساليب التعامل النفسي والطبي مع المرض.

ويشير عيسى إلى أن الرعاية التلطيفية المتكاملة تصل إلى ما بين 8% و10% فقط من المرضى الذين يحتاجونها في مصر، ما يعني أن نحو 90% من المرضى محرومون من هذه الخدمة، مؤكدًا أن هذا العجز يستدعي التوسع في إنشاء وحدات «هوسبيس» ونشر الفكرة في الجامعات والمستشفيات والمؤسسات الخيرية على مستوى المحافظات.

ويُبيّن أن الرعاية التلطيفية لم تحظَ بعدُ بالاهتمام الكافي داخل القطاع الطبي، موضحًا أن بعض الأطباء يحصلون حاليًا على درجاتٍ علميةٍ في «إدارة الألم»، وهي جزءٌ محدودٌ من الرعاية التلطيفية، في حين أن المفهوم الأشمل يشمل الرعاية النفسية والاجتماعية إلى جانب العلاج الطبي، منتقدًا غياب التدريب الكافي للأطباء وأطقم التمريض على التعامل النفسي والإنساني مع المرضى، في ظل الزحام وضغط العمل داخل المستشفيات، الأمر الذي يضاعف معاناته ويؤثر سلبًا على استجابته العلاجية، داعيًا إلى إدراج برامج تدريبية متخصصة لطواقم التمريض والأطباء حول مبادئ الرعاية التلطيفية والتواصل الإنساني مع المرضى.

وفي هذا السياق يشيد ببعض النماذج الإيجابية، مثل مستشفى «بهية» ومستشفى 57357، لالتزامهما بتقديم رعايةٍ تراعي الحالة النفسية للمريض وتوفر بيئةً إنسانيةً داعمةً، معتبرًا أن تعميم هذه التجارب يمثل خطوةً أساسيةً لتطوير منظومة الرعاية التلطيفية في مصر.

وفي مصر، يتم صرف المسكنات الأفيونية بصرامة وبوصفات طبية خاصة ومُشدّدة، حيث تُعتبر من المواد الخاضعة للرقابة بسبب احتمالية تسببها في الإدمان، وتتطلب وصفة طبية مختومة من الطبيب المعالج، مع تحديد الجرعات والمواعيد بدقة، وتخضع لرقابة صارمة من هيئة الدواء المصرية ومكافحة المخدرات لضمان استخدامها العلاجي ومنع إساءة استخدامها أو تداولها بدون ترخيص، مما يعرض المخالفين لعقوبات قانونية صارمة

غير أن الشروط المنظمة لصرف المسكنات الأفيونية تُعد أحد أكبر العوائق أمام الرعاية التلطيفية في مصر؛ فالتشريعات الحالية لا تميز بشكل كافٍ بين الاستخدام الطبي المنضبط لهذه الأدوية في حالات الألم المزمن، وبين إساءة الاستخدام، ما يفرض قيودًا صارمة على الكميات المصروفة، ويُلزم المرضى بإجراءات مرهقة ومتكررة.

ورغم أن الهدف المعلن هو مكافحة الإدمان، فإن النتيجة العملية غالبًا ما تكون حرمان المرضى المحتاجين فعليًا من علاج الألم، أو اضطرارهم إلى تحمّل معاناة يمكن تجنبها، وفي ظل غياب نظم رقمية متكاملة لتتبع صرف الأدوية، تستمر البيروقراطية الورقية في تعقيد المشهد، بدلًا من إدارته بفعالية.

فيما يشير الدكتور ناصر عيسى، إلى أن القيود المفروضة تهدف إلى منع سوء الاستخدام، إلا أن المتضرر الأكبر هو مريض السرطان الذي يعاني آلامًا شديدة، موضحًا أن بدائل مثل الترامادول والكودايين متوفرة بدرجاتٍ متفاوتة، بينما تندر لاصقات المورفين وأدوية مثل: (MST)، ولا تُصرف غالبًا إلا في مراحل متأخرةٍ جدًا من الألم. وشدد على ضرورة تطوير برامج علاج الألم داخل المستشفيات، وتسهيل إجراءات الصرف، مع ضمان الضوابط اللازمة.

وكذلك تُمثل الرعاية التلطيفية جزءًا أساسيًا من علاج الأورام لدى الأطفال، إذ تركز بالأساس على علاج الأعراض المصاحبة للمرض أو للعلاج، وعلى رأسها الألم، باعتباره من أكثر الأعراض تأثيرًا على الطفل المريض، وتشمل التعامل مع مختلف الأعراض بهدف تخفيف معاناته، بحسب الدكتور معتز الزميتي، المدير الطبي ونائب المدير العام لمستشفى سرطان الأطفال 57357، مؤكدًا أن الرعاية التلطيفية تُعد التزامًا أخلاقيًا ومهنيًا على مقدمي الخدمة الصحية تجاه الطفل المريض، مؤكدًا أن هذا النهج مطبق في مستشفى 57357 منذ يوم افتتاحه في 7 يوليو 2007، حيث كان العلاج التلطيفي جزءًا أصيلًا من منظومة العمل منذ البداية.

ويوضح الزميتي لـ"زاوية ثالثة" أن مستشفى 57357 يوفر جميع الخدمات التي يحتاجها الطفل خلال فترة العلاج التلطيفي، لافتًا إلى أن بعض الحالات قد يستدعي قرار الفريق الاستشاري إدراج علاج كيماوي أو إشعاعي، أو حتى تدخل جراحي، ضمن برنامج الرعاية التلطيفية، بحسب حالة المريض واحتياجاته الصحية، بينما الطفل الذي يحتاج إلى الحجز الداخلي يتم استقباله داخل المستشفى.

يقول: "إن الرعاية التلطيفية في المستشفى تُقدم من خلال أقسام داخلية وعيادات خارجية، إلى جانب توفير زيارات منزلية لبعض الحالات التي يمكنها تلقي الرعاية التلطيفية في المنزل، حيث يتولى فريق متخصص متابعة هؤلاء الأطفال وتقديم الدعم اللازم لهم خارج إطار المستشفى"، مشيرًا إلى أن البرنامج العلاجي يتضمن دعمًا نفسيًا وسلوكيًا وروحانيًا.

ويضيف: "الرعاية لا تقتصر على الطفل وحده، بل تمتد لتشمل أسرته، إدراكًا لما تتحمله من أعباء نفسية خلال رحلة المرض، والتغذية العلاجية تُعد جزءًا أصيلًا من بروتوكولات العلاج داخل المستشفى، وبالتالي فهي مكون أساسي من مكونات الرعاية التلطيفية المقدمة للأطفال".

ويشدد الزميتي على ضرورة التفرقة بين العلاج التلطيفي ورعاية المحتضرين (End of Life Care)، موضحًا أن العلاج التلطيفي، بحكم تعريفه، لا يعالج سبب المرض، وإنما يخفف من أعراضه، وبالتالي لا يرتبط بشكل مباشر بزيادة نسب الشفاء، لكنه يظل عنصرًا بالغ الأهمية في تحسين جودة حياة المريض وتقليل معاناته الجسدية والنفسية، سواء كانت الأعراض ألمًا أو مشكلات تنفسية أو هضمية.

نُدرة الوحدات المتخصصة

الرعاية التلطيفية تهدف بالأساس إلى السيطرة على الأعراض المزعجة وتحسين جودة حياة المرضى المصابين بأمراض مهددة للحياة، وليس إلى الشفاء من المرض ذاته، وفقًا للدكتورة إلهام عارف، مديرة وحدة الرعاية التلطيفية بمستشفى الشهيد أحمد شوقي وأستاذة طب المسنين بكلية طب جامعة عين شمس، والتي تُبين أن المرض المهدد للحياة لا يعني بالضرورة أن الوفاة وشيكة خلال أيام أو أسابيع، لذا فإن المريض قد يعيش مع هذا المرض لمدة سنة أو أكثر، لكن متوسط عمره المتوقع يكون أقصر من الطبيعي، وفي هذه الحالات، يكون هدف الرعاية التلطيفية هو التحكم في الألم والأعراض الجسدية والنفسية المصاحبة للمرض، بما يسمح للمريض بممارسة حياته بأفضل صورة ممكنة.

تؤكد لـ"زاوية ثالثة" أن الرعاية التلطيفية لا تقتصر على مرضى السرطان، رغم شيوع هذا الاعتقاد، مشيرة إلى أن هناك العديد من الأمراض الأخرى التي تستدعي هذا النوع من الرعاية، مثل: مرض الزهايمر في مراحله المتقدمة، ومرض باركنسون المتقدم، إضافة إلى حالات الفشل العضوي كالفشل الكبدي أو الكلوي أو ضعف عضلة القلب الشديد.

توضح أن وحدة مستشفى الشهيد أحمد شوقي تُعد من الوحدات النادرة المتخصصة في هذا المجال داخل مستشفيات طب المسنين، مؤكدة أن عدد الأماكن التي تقدم خدمات رعاية تلطيفية متكاملة في مصر لا يزال محدوداً للغاية، وتعزي ذلك إلى عدة عوامل، من بينها نقص توافر أدوية علاج الألم بالتركيزات والجرعات المناسبة، وهو ما يمثل تحدياً حقيقياً أمام تقديم الخدمة، وقد يمنع بعض الجهات من التوسع فيها.

وتُبيّن أن وحدة الرعاية التلطيفية بمستشفى الشهيد أحمد شوقي، تقدم الوحدة أكثر من مستوى للخدمة؛ إذ يمكن متابعة بعض المرضى من خلال العيادات الخارجية طالما أن حالتهم العامة مستقرة وتسمح بذلك، أما إذا استدعت الحالة الحجز بسبب أعراض شديدة لا يمكن السيطرة عليها خارجياً، فيتم إدخال المريض إلى الوحدة الداخلية التي تضم 13 سريرًا، ويكون الهدف من الإقامة هو السيطرة المؤقتة على الأعراض المزعجة، تمهيدًا لعودة المريض إلى منزله واستكمال علاجه هناك، مضيفة أن هناك خدمة ثالثة تقدمها الوحدة، تتمثل في تدخل فريق الرعاية التلطيفية لمتابعة المرضى المحجوزين في أقسام أخرى داخل مستشفى الدمرداش، سواء في قسم الأورام أو غيره من الأقسام، وذلك من خلال وضع خطة علاجية متكاملة بالتنسيق مع الفريق الطبي المعالج.

وحتى الآن لا توجد في مصر برامج تدريبية مستقلة ومتخصصة في الرعاية التلطيفية للأطباء، إذ تُدرَّس هذه المفاهيم – إن دُرست – ضمن تخصصات أخرى مثل الأورام أو التخدير، كما يفتقر التمريض، والصيادلة، والأخصائيون النفسيون والاجتماعيون، إلى برامج تدريبية مخصصة تؤهلهم للعمل ضمن فرق رعاية تلطيفية متكاملة، ويؤدي هذا النقص إلى غياب الرعاية التلطيفية عن وحدات الرعاية الأولية، حيث يمكن – نظريًا – تقديم خدمات أساسية لتخفيف الألم ودعم المرضى، قبل أن تتفاقم حالتهم وتستدعي تدخلًا أكثر تكلفة.

وفي السياق نفسه تشير إلهام عارف، إلى أن الرعاية التلطيفية، رغم انتشارها الواسع في الدول المتقدمة ودول الخليج وأفريقيا، لا تزال غير معروفة في مصر بالشكل المتعارف عليه دولياً، معتبرة أن هذا الأمر يرتبط بدرجة كبيرة بالسياسات الصحية وغياب التركيز الكافي من جانب صناع القرار على هذا التخصص، لافتة إلى أن مصر لم يكن لديها حتى وقت قريب تخصص طبي أو شهادة معتمدة في مجال الرعاية التلطيفية ضمن الجامعات أو وزارة الصحة، إلاّ أن جامعة عين شمس حصلت مؤخرًا على موافقة المجلس الأعلى للجامعات لإنشاء دبلوم مهني طبي في الرعاية التلطيفية مخصص للأطباء، وقد بدأ تطبيقه رسميًا، لكن لم تتخرج الدفعة الأولى بعد.

الدعم النفسي للمرضى وأسرهم

تُعد الرعاية النفسية والاجتماعية جزءًا لا يتجزأ من الرعاية التلطيفية، إلا أنها غالبًا ما تُهمّش في الممارسة الطبية؛ فالمرض لا يصيب الجسد وحده، بل يطال نفسية المريض، واستقراره الاجتماعي، وعلاقته بأسرته، وخوفه من المستقبل والموت.

ويعتبر الشقّ النفسي جزءًا جوهريًّا ولا غنى عنه من منظومة الرعاية التلطيفية، ليس فقط لمرضى الأورام، بل لجميع المرضى الذين يعانون أمراضًا مزمنة أو خطيرة بحسب الدكتورة ندى المؤذن، مديرة الجمعية المتكاملة لعلاج الأزمات النفسية والاجتماعية وتأهيل المدمنين، ومدير الجمعية العلمية للعلاج الموجَّه وأبحاث السرطان.

وتوضح المؤذن، المتخصصة في مجال السايكو-أنكولوجي (Psycho-Oncology)، أن لكل مريض سرطان بروتوكولًا علاجيًّا نفسيًّا واجتماعيًّا خاصًّا، يجب أن يكون جزءًا أساسيًّا من الملف الطبي، سواء كان المريض طفلًا أو بالغًا، رجلًا أو امرأةً، مضيفة أنه عند وصول المريض إلى مرحلة الرعاية التلطيفية، والتي غالبًا ما تكون في المرحلتين الثالثة أو الرابعة من المرض، يكون المريض وأسرته في حالة نفسية شديدة السوء، وهو ما يجعل التدخل النفسي والاجتماعي في هذه المرحلة أمرًا حتميًّا وليس اختياريًّا.

تقول لـ"زاوية ثالثة": "إن العمل النفسي في الرعاية التلطيفية لا يقتصر على المريض وحده، بل يشمل الأسرة بأكملها، باعتبارها وحدة متأثرة بشكل مباشر بالمرض، مشيرةً إلى أن الجانب النفسي قد يضاعف الإحساس بالألم الجسدي، وأن عدم الاستقرار النفسي أو وجود اضطرابات نفسية سابقة غير مشخصة، مثل القلق أو اضطرابات الشخصية، يجعل التعامل مع المريض أكثر تعقيدًا ويزيد من حدة معاناته".

وتلفتت إلى أن كثيرًا من المرضى في المجتمعات النامية لم يحصلوا سابقًا على رعاية نفسية، نتيجة الوصم المجتمعي المرتبط بالعلاج النفسي، وهو ما يؤدي إلى اكتشاف اضطرابات نفسية متراكمة بالتزامن مع تشخيص السرطان، مشيرة إلى أن تقديم الدعم النفسي لمرضى الأورام يجب أن يتم في إطار تنسيقي كامل مع طبيب الأورام المعالج، إذ لا يجوز وصف أي أدوية نفسية، مثل مضادات الاكتئاب أو أدوية القلق، إلا بعد إجراء الفحوصات اللازمة والتأكد من توافقها مع الخطة العلاجية الأساسية، خاصةً في ظل استخدام المسكنات القوية أو الأفيونات، لما لذلك من آثار جانبية وتداخلات دوائية خطيرة.

وتؤكد أن العمل في مجال الرعاية التلطيفية النفسية يتطلب أخصائيين مؤهلين ومدربين تدريبًا عاليًا، نظرًا لحساسية الحالات وتعقيدها، موضحةً أن هذا المجال لا يحتمل الأخطاء، إذ يتعامل الأخصائي مع مرضى في مراحل متقدمة من المرض، ومع أسر مهددة بالانهيار النفسي. واستشهدت بحالات إنسانية واجهتها خلال عملها، من بينها التعامل مع أسر مرضى في الساعات الأخيرة من حياتهم، أو دعم زوجات وأطفال صغار بعد فقدان عائل الأسرة، مشيرةً إلى أن دور الأخصائي النفسي لا ينتهي بوفاة المريض، بل يمتد لمعالجة اضطرابات ما بعد الصدمة لدى الأسرة.

وتضيف: أن "غياب الدعم النفسي المتخصص قد يؤدي إلى سلوكيات خطرة داخل الأسرة، مثل لجوء بعض أفرادها إلى تعاطي الأدوية أو المواد المخدرة هروبًا من الألم النفسي، وهو ما يستدعي يقظة الأخصائي وقدرته على التدخل المبكر وحماية الأسرة".

وتشدد المؤذن على ضرورة الاعتراف بالرعاية التلطيفية كتخصص مستقل بذاته، له أطره الأكاديمية والعلمية الواضحة، بدلًا من كونه تابعًا أو مدمجًا ضمن تخصصات أخرى. وأكدت أهمية وجود أطباء وأخصائيين نفسيين واجتماعيين متخصصين في الرعاية التلطيفية والسايكو-أنكولوجي، ومدربين على التعامل مع مرضى المراحل المتقدمة وأسرهم، مشيرة إلى أن الدعم النفسي المتخصص يسهم بشكل غير مباشر في تحسين استجابة المرضى للعلاج.

وكان دليل خدمات الرعاية التلطيفية ورعاية الحالات المتقدمة في مصر، قد أوصى بضرورة تبنّي استراتيجية وطنية شاملة للرعاية التلطيفية تدمجها في جميع مستويات الرعاية الصحية، وترتكز على ثلاثة محاور متكاملة: إعداد كوادر مؤهلة، تشريعات وتنظيمات داعمة (خاصة فيما يتعلق بصرف المسكنات الأفيونية)، ورفع الوعي المجتمعي، وإنشاء برامج تدريب وتخصص مستقلة للرعاية التلطيفية للأطباء، وتضمين أساسياتها في المناهج الجامعية، مع تدريب التمريض والصيادلة والأخصائيين النفسيين، واستحداث مسار مهني واضح للرعاية التلطيفية، ومراجعة القوانين المنظمة للأدوية الأفيونية لتلائم احتياجات مرضى الرعاية التلطيفية، والتحول إلى نظم رقمية لصرفها، مع إنشاء قاعدة بيانات قومية للمتابعة والرقابة.

كما دعا إلى وضع سياسات لضمان توافر الأدوية الأساسية وأشكالها الصيدلانية المختلفة، وتنظيم تشكيل فرق الرعاية التلطيفية داخل المؤسسات الصحية، ودمج الرعاية التلطيفية ضمن التغطية الصحية الشاملة، والاستفادة من منظومة التأمين الصحي الشامل لتطبيقها، واعتبار دور المسنين شريكًا أساسيًا في تقديم الرعاية التلطيفية، وربط تقنينها بتوفير هذه الخدمات، وتنفيذ برامج توعية وطنية حول الرعاية التلطيفية، ومفهوم “الوفاة الصحية”.

في بلدٍ تتزايد فيه معدلات الأمراض المزمنة، ويتقدم فيه العمر المتوقع للسكان، تبدو الرعاية التلطيفية في مصر اختبارًا حقيقيًا لقدرة المنظومة الصحية على وضع الإنسان في قلب السياسات العامة، لا على هامشها. فالمعاناة التي يعيشها المرضى ليست قدرًا حتميًا، بل نتيجة مباشرة لاختيارات مؤجلة، وتشريعات قاصرة، وغياب رؤية شاملة تعترف بأن تخفيف الألم حق، لا منّة، وأن جودة الحياة لا تقل أهمية عن إطالة العمر.

وتكشف هذه المعاناة اليومية أن أزمة الرعاية التلطيفية ليست أزمة موارد بقدر ما هي أزمة أولويات وتنظيم؛ إذ يمكن، بإرادة سياسية واضحة، دمج هذا النوع من الرعاية داخل المستشفيات العامة ووحدات الرعاية الأولية، وتدريب الكوادر، وتحرير علاج الألم من القيود البيروقراطية التي تحاصر المرضى بدلًا من حمايتهم. وبينما تستمر المبادرات الأهلية في سد فجوات واسعة، يظل غياب الدولة عن تبنّي استراتيجية وطنية شاملة بمثابة إقرار ضمني بقبول الألم كجزء من تجربة المرض.

أضف زاوية ثالثة إلى مصادرك المفضلة على جوجل

آية ياسر
صحافية وكاتبة وروائية مصرية حاصلة على بكالوريوس الإعلام- جامعة القاهرة.

Search