رائدات بلا حقوق: كيف تحولت عقود التطوع إلى أداة لتأنيث الفقر في القرى المصرية؟

رائدات اجتماعيات يروين كيف تحوّل العمل بعقود تطوع إلى مهام يومية بلا أجر مضمون أو حماية كافية.
Picture of آية ياسر

آية ياسر

قبل خمس سنوات التحقت هدى محمد، ابنة محافظة بني سويف، بالعمل كرائدة اجتماعية لدى وزارة التضامن الاجتماعي، دون عقد، بنظام المكافأة.. بضع مئات من الجنيهات كانت تحصل عليها كل شهر، نظير عملها الذي يتجاوز متابعة الأسر المستفيدة من برامج الدعم النقدي "تكافل وكرامة"، إلى نشر الوعي في قرى ريفية، بقضايا مجتمعية مثل: تزويج القاصرات، ختان الإناث، العنف الأسري، والتسرب من التعليم، بينما الأمل في التعيين والحصول على التأمينات الاجتماعية والصحية، كان دافعها للاستمرار في عمل لا يوفر لها أجره، الحد الأدنى من العيش الكريم.

غير أن حلمها في التعيين، هي وآلاف من زميلاتها الرائدات، قد تبدد وازدادت ظروفهن الاقتصادية سوءًا، بعد أن اضطررن في العام 2022، إلى التوقيع على عقود عمل تطوعي، تحرمهن من حقوق العمل الأساسية مثل التأمين الصحي والاجتماعي، وتجعل استمراريتهن رهينة لرغبة الوزارة، والتي تتذكر هدى أنها كانت تمنحهن مكافأة شهرية لا تتخطى 1500 جنيه، إلا أن هذه المكافأة قد لا تغطي نفقات المواصلات وباقة الإنترنت الشهرية التي تستخدمها لتأدية عملها، فضلًا عن تأخر صرفها أحيانًا أو تعرضها لاستقطاعات أو وقف صرفها لشهر أو اثنين لبعض الرائدات.

رغم الصعوبات، تلعب الرائدات دورًا أساسيًا في المبادرات القومية، وعلى رأسها "حياة كريمة"، حيث تتولى كل رائدة متابعة نحو 200 أسرة، وتوثيق احتياجاتهم، وربطهم بالخدمات الحكومية، وتحكي هدى أنهن تعرضن لضغوط شديدة خلال حملة التطعيم ضد فيروس كورونا، حيث تم تكليفهن بالعمل لساعات طويلة دون مقابل إضافي وكان يتم فقط صرف وجبة لكل منهن، مع تهديدات بالفصل لمن ترفض، كما يشاركن في حشد الناخبين من أبناء القرى وحثهن على المشاركة في العملية الانتخابية، بجانب مساعدة الحملات في التعرف على المكان وطبيعة السكان.

تقول لـ"زاوية ثالثة": " لقد خدعونا، قالوا لنا: "تعالوا لتوقيع العقود"، ذهبنا ونحن سعداء، نعتقد أننا سنوقع عقود عمل عادية؛ لكننا فوجئنا بأنهم جعلونا نوقع على عقود "عمل تطوعي"، عندما حاولنا أن نقرأ العقد، قالوا لنا: "وقعوا بسرعة، لا وقت للقراءة"، حتى أنهم منعوا تصوير العقد، بعض الفتيات تمكنّ من تصويره خلسة، لقد استغلوا فرحتنا ورغبتنا في الحصول على عقود وعدم وعينا القانوني، ومن رفضت التوقيع، اضطرت في النهاية للتوقيع، لأنها كانت كالغريق الذي يتعلق بقشة. أنتِ تعرفين الظروف الصعبة".

وتشرح هدى، ظروف عملها، مضيفة: "أنا وخمس من زميلاتي مسؤولات عن بلدتي، وكل واحدة منا مسؤولة عن 200 أسرة، من المفترض أن أزور هذه الأسر شهريًا، أتابع معهم مشاكلاتهم الصحية والمادية والاقتصادية، مثل: التسرب من التعليم، وختان الإناث، لكن في الفترة الأخيرة، أصبحنا نتعرض لضغوط كبيرة، وبعضنا لا يتقاضين رواتبهن أنا شخصيًا، لم أتقاضَ جنيهًا واحدًا الشهر الماضي، ومنذ ثلاثة أشهر لم أحصل على أكثر من 500 جنيه شهريًا، ورغم ذلك نحن الرائدات نخشى الحديث، لأنهم يهددوننا بالفصل، ويقولون لنا ليس لكم الحق في المطالبة بالتثبيت أو غيره، ويجبروننا على العمل بالمجان بحجة العمل التطوعي، دون مراعاة لظروفنا".

وتتابع: "الآن ربطونا بنظام تحديد المواقع (GPS)، ويجب علينا تفعيل الموقع لنثبت وجودنا في مكان العمل، بينما نحن ندفع ثمن باقات الإنترنت من حسابنا الخاص. لقد وعدونا بأجهزة تابلت، لكن لم يحدث ذلك، والآن هواتفنا المحمولة قد استُهلكت تمامًا، وإذا تعطل هاتف إحدى الزميلات، فلن تتمكن من تسجيل عملها، وبالتالي لن تتقاضى مكافأتها، ولن تستطيع شراء هاتف جديد بسبب إمكانياتها المحدودة".

وتطالب الرائدة، وزارة التضامن الاجتماعي بإقرار عقود عمل رسمية تضمن التأمين الصحي والاجتماعي، ورفع الحد الأدنى للمكافآت بما يتناسب مع الجهد المبذول، وانتظام صرفها دون استقطاعات، حتى يتمكنّ من الاستمرار في أداء دورهن المجتمعي بكفاءة.

ورغم اشتراكها مع هدى في المعاناة نفسها، إلاّ أن رحلة علا السيد (اسم مستعار)، ابنة محافظة قنا، في العمل كرائدة اجتماعية، اختلفت قليلًا عن زميلتها؛ إذ بدأت العمل منذ العام 2014، كرائدة على قوة أندية نسائية، وكان عملها لسنوات يقتصر على تنظيم الرحلات والأنشطة الترفيهية والتدريبية وتنظيم الندوات التثقيفية للنطاق المجتمعي الذي تعيش فيه، وتتذكر علا أن عدد الرائدات الاجتماعيات كان يبلغ وقتئذٍ 3 آلاف رائدة، وكانت أوضاعهن أفضل بكثير، إلا أن أوضاعهن انقلبت رأسًا على عقب، حين تم إجبارهن على توقيع عقود عمل تطوعية، لصالح وزارة التضامن الاجتماعي.

عقب ذلك تضاعف عدد الرائدات الاجتماعيات بشكل كبير، لتتراوح أعدادهن بين 15 ألف إلى 20 ألف رائدة، ثم بدأت الرائدات يعانين عدم انتظام صرف المكافآت الشهرية البالغة قيمتها 1500 جنيه، وتخصم منها 300 جنيه لصالح التأمينات الاجتماعية، إذ لا يتم صرفها لهن في بعض الأشهر، وحين يتقدمن بشكاوى، يقول لهن المسؤولون: "إنكن متطوعات"، ولم يقتصر الأمر على ذلك بل تم تغيير طبيعة عملهن، خلال السنوات الأخيرة، لتصبح كل مجموعة صغيرة منهن مسؤولة عن متابعة وزيارة 200 أسرة من مستفيدي برنامج "تكافل وكرامة"، داخل القرى، بحسب ما تحكي علا.

تقول لـ"زاوية ثالثة":

"نحن نعاني، لا يوجد لدينا رواتب نعيش منها، وليست لدينا أي ضمانات تحافظ على حقوقنا، وتستطيع رئيسة أي وحدة اجتماعية أن تمنع صرف مكافأة لأي رائدة لا تعجبها، ونتلقى تهديدات منذ قيامنا في العام 2020 بتنظيم حملة الكترونية للاحتجاج على أوضاعنا وتدني قيمة مكافأة "بدل الملبس"، لكن وزيرة التضامن الاجتماعي السابقة نيفين القباج، أبدت وقتها تضامنًا معنا، أما الآن نعمل تحت التهديد والإهانة إضافة للاستقطاعات من المكافأة وعدم انتظام صرفها".

وتضيف الرائدة الاجتماعية، موضحة طبيعة عملهن الحالي: "كل واحدة منّا منوط بها زيارة الحالات المسؤولة عنها، والتسجيل الكترونيًا بالموقع في بيت الأسرة، ومشاركة موقعنا عبر هواتفنا الشخصية بتقنية الـGPS، وإلاّ سيحرمن من المكافأة، ولا توفر لهن الوزارة باقات إنترنت مدفوعة أو هواتف خاصة بالعمل".

رغم كل هذا، لا تفكر علا في ترك عملها، لكنها تريد أن تعيش حياة كريمة، مطالبها واضحة: حد أدنى للأجور، عقود رسمية، تأمين صحي واجتماعي، أدوات عمل مناسبة، ومعاملة تحترم دور الرائدة الاجتماعية في حماية المجتمع من الفقر والجهل والعنف.

فيما حصلت "زاوية ثالثة" على نسخة من عقد تطوع رائدة اجتماعية، والذي ينص على اتفاق بين المؤسسة العامة للتكافل الاجتماعي (الطرف الأول) والمتطوعة (الطرف الثاني) للعمل كرائدة اجتماعية بشكل تطوعي لمدة سنة قابلة للتجديد تلقائيًا، ما لم يُخطر أحد الطرفين الآخر قبل شهر من انتهائه، ويتضمن التزام المتطوعة بأداء المهام التطوعية المحددة، والمشاركة في الأنشطة المجتمعية والتوعية، والالتزام بالقوانين واللوائح والتعليمات، والمحافظة على سرية المعلومات، وتقديم صحيفة الحالة الجنائية وإبلاغ المؤسسة بأي تغيير في البيانات، وعدم الجمع بين أكثر من جهة عمل تطوعي إلا بموافقة المؤسسة.

في حين يلزم العقد المؤسسة بتحديد المهام وتوفير الوسائل اللازمة والتدريب، وتسهيل التواصل مع المجتمع، وصرف الحوافز الشهرية المقررة، وينص على أن حقوق المتطوعة، هي الاطلاع على الحقوق والواجبات، والمشاركة في الأنشطة، والحصول على التدريب وشهادات تقدير، وإجازة سنوية 15 يومًا، إجازة مرضية، وإجازة وضع (3 أشهر للنساء)، مشيرًا إلى إمكانية التكليف بدورات تدريبية داخل أو خارج مصر على نفقة المؤسسة إذا كان التكليف منها، وأن العقد ينتهي بانتهاء مدته أو بإخطار كتابي، مع حق أي طرف باتخاذ الإجراءات في حالة الإخلال بالشروط.

صورة من عقد تطوع رائدة اجتماعية
صورة من عقد تطوع رائدة اجتماعية

وينص العقد صراحة على أنه عقد تطوع، أي أن العلاقة ليست علاقة عمل بأجر، وبالتالي لا تنطبق عليها أحكام قانون العمل فيما يخص الأجر أو التأمينات الاجتماعية أو الفصل التعسفي، كما يحرم الطرف الثاني من التأمينات أو حقوق العاملين إذا حدث نزاع، ورغم أنه تطوع، إلا أنه يتضمن التزامات محددة للطرف الثاني (الرائدة) مشابهة في طبيعتها للالتزامات الوظيفية، ما قد يخلق التباسًا إذا حدث نزاع، بينما العقد يشير للائحة الحوافز، ما يعني وجود مكافأة مالية أو مخصص رمزي، لكنها ليست "أجرًا" بالمعنى القانوني، كما لا يوجد نص يلزم المؤسسة بتحمل تكاليف علاج أو تأمين على الحياة.

صورة من عقد تطوع رائدة اجتماعية
صورة من عقد تطوع رائدة اجتماعية

ويمنح العقد المؤسسة (وزارة التضامن) حق تحديد المهام، وإنهاء العقد، ومنع الجمع مع جهات أخرى، دون التزام بتعويض، كما صياغة أن المادتين (1) و (2) تجعلان الطرف الثاني ملزمًا بمهام قد تكون يومية أو موسمية دون مرونة واضحة، وتتيح المادة الثالثة للطرف الأول إنهاء العقد بسهولة، وتفرض المادة الخامسة الالتزام بسرية المعلومات والمستندات، مما يعرض الرائدة للمساءلة القانونية حال الإخلال بهذا البند، وتتضمن المادة السادسة بند "عدم الجمع" والذي قد يقيّد حرية الرائدة في العمل التطوعي مع جهات أخرى، وتسمح المادتين (12) (13) بإنهاء العقد من جانب واحد.

صورة من عقد تطوع رائدة اجتماعية
صورة من عقد تطوع رائدة اجتماعية

الرائدات حلقة وصل

وعن طبيعة دورهن، توضح لمياء لطفي، الرئيسة التنفيذية لمبادرة المرأة الريفية، أن الرائدات الريفيات يقمن بتوعية المجتمع، رجالًا ونساءً، في المناطق الريفية بقضايا الصحة الإنجابية، وحقوق النساء، والصحة والسكان، بما في ذلك قضايا مثل ختان الإناث والزواج المبكر، إضافة إلى الإرشاد الأسري، ويخلق قربهن الجغرافي والاجتماعي من الأهالي، كونهن من بنات القرية أو القرى المجاورة، عنصر ثقة لا يتوفر عند إرسال كوادر من خارج المجتمع المحلي، خاصة أن طبيعة عملهن تقوم على "طرق الأبواب" وزيارة المنازل، لا على عقد ندوات عامة، مشيرة إلى أن الرائدات يشكلن أيضًا حلقة وصل بين الجمعيات الأهلية والنساء والفئات المستهدفة في القرى، حتى إن لم يقمن بتنفيذ برامج التمكين الاقتصادي أو المساعدات بأنفسهن.

تقول لـ"زاوية ثالثة":

"المبلغ الذي تتقاضاه الرائدات الريفيات العاملات لدى وزارة التضامن الاجتماعي زهيد للغاية، وهو ما يعكس نهجًا سائدًا في التوظيف الحكومي يعتمد على العقود المؤقتة أو عقود التطوع لتجنب الالتزام بالتثبيت الوظيفي، أو توفير التأمينات الاجتماعية، أو أي مظلة حماية تأمينية وصحية، وهذه العقود، رغم مسماها "عقود تطوع"، هي في حقيقتها عقود عمل، إذ تُسند إلى الرائدات مهام صعبة تشمل العمل في قرى كاملة، بمساحاتها الواسعة وعزبها المحيطة، وبأعداد سكانية كبيرة".

وترى لمياء أن غياب المتابعة والتقييم الدوري لأداء الرائدات من خلال تقارير دقيقة يحول دون تطوير أدائهن المهني، ويجعل نجاحهن أو فشلهم في أداء مهامهن مرهونًا بقدراتهن الشخصية وخبراتهن المكتسبة بالتجربة والخطأ، مشيرة إلى أنهن يعانين من نقص التدريب والموارد المادية والمعرفية على حد سواء، مما يجعل أوضاعهن صعبة على المستويات المادية والمهنية والحماية الاجتماعية، مؤكدة ضرورة تدريب وتوعية الرائدات بالقضايا التي يعملن عليها، لكي يقمن بدورهن على أكمل وجه، فهن بحاجة إلى التدريب والتثقيف وتطوير وعيهن، إذ أن غياب الإيمان الحقيقي بالقضية قد يعيق تحقيق الأثر المطلوب، بل قد يؤدي أحيانًا إلى نتائج عكسية.

وكانت قد أعلنت وزيرة التضامن الاجتماعي السابقة، نيفين القباج، في 22 فبراير 2022، ضم 3000 رائدة ريفية إلى منظومة التأمينات الاجتماعية لأول مرة، اعتبارًا من يناير 2022، بتكلفة سنوية تبلغ 4.5 مليون جنيه، باعتبارهن من فئات العمالة غير المنتظمة المشمولة بقانون التأمينات الاجتماعية رقم 148 لسنة 2019.

وأوضحت أن الوزارة بصدد إنشاء جمعية مركزية للرائدات الاجتماعيات تتولى سداد اشتراكاتهن ورعاية مصالحهن، مع توفير حزمة حماية اجتماعية متكاملة بالتنسيق مع الجهات المعنية. وتم التنسيق مع الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي لتنفيذ القرار، بما يمنح الرائدات مزايا القانون الجديد، ومنها معاش التقاعد، ومعاش الإصابة أثناء العمل، ومعاش للورثة لا يقل عن 916 جنيهًا حاليًا، مع زيادة تدريجية للحد الأدنى.

في 17 مايو 2025، وجهت وزيرة التضامن الاجتماعي الدكتورة مايا مرسي، الشكر للرائدات على جهودهن التطوعية في دعم قضايا المجتمع، وأكدت احترام الوزارة لدورهن، مشيرة إلى ترحيبها بعملهن مع جهات أخرى، من أجل زيادة دخلهن، خاصة أنهن يعملن كمتطوعات، مؤكدة حرص الوزارة على توفير التأمين الاجتماعي لهن.

سياسات تكرس لتأنيث الفقر

خبيرة النوع الاجتماعي مي صالح، مديرة برنامج العمل والحقوق الاقتصادية بمؤسسة المرأة الجديدة، كشفت لـ"زاوية ثالثة"، عن أبعاد أزمة الرائدات الاجتماعيات، مؤكدة أنها أزمة مزدوجة؛ أحد وجوهها يتعلق بأوضاع الرائدات أنفسهن، والآخر بطريقة تعامل وزارة التضامن الاجتماعي معهن، موضحة أن الوزارة تعتمد على الرائدات بشكل أساسي في تنفيذ حملات وفعاليات مهمة، مثل حملات طرق الأبواب للتوعية، وحشد الناخبين خلال الانتخابات الرئاسية، والعمل أثناء جائحة كورونا، وتحمل أعباء إدارية داخل الوحدات الاجتماعية لا تدخل في نطاق اختصاصاتهن، لكنها في المقابل تمارس تجاههن تعنتًا شديدًا، وتفرض قيودًا صارمة تعيق حصولهن على مستحقاتهن.

تقول: "الوزارة تتعامل مع الرائدات باعتبارهن "متطوعات"، وتصر على توقيع عقود تطوع معهن، وهو ما يحرمهن من حق التثبيت الوظيفي، هذا الأمر أصبح أكثر وضوحًا في عهد الوزيرة الحالية مايا مرسي التي أعلنت صراحة رفضها تعيين أي منهن، بينما شهد عهد الوزيرة السابقة نيفين القباج خطوات بطيئة نحو حلول محتملة".

وذكرت مسؤولة برنامج العمل، أن تاريخ الأزمة ممتد منذ رفض الوزارة تثبيت الدفعة الأولى المكونة من نحو 2000 رائدة، بل وتهديدهن بشكل مباشر، ليستمر الوضع نفسه مع الدفعات اللاحقة حتى وصل العدد حاليًا إلى نحو 15 ألف رائدة جميعهن يعملن دون تثبيت. كما كشفت أن الوزارة أوقفت عقود عدد كبير منهن في فترة سابقة، بدعوى وجود محسوبيات أو تقصير في العمل، ثم أعادت بعضهن بعد شكاوى واستغاثات، دون أن تشمل العودة جميع المتضررات.

وتضيف: "الشروط الجديدة لصرف المستحقات الشهرية، مثل التسجيل على النظام الإلكتروني، وتوثيق التواجد في أماكن العمل عبر نظام تحديد المواقع (GPS)، وحضور الدورات التدريبية، تسببت في حرمان الكثيرات من رواتبهن الهزيلة التي لا تتجاوز في الغالب 1300 جنيه بعد الخصومات، بجانب وجود فساد إداري أدى إلى خصم مبالغ من مكافآت بعض الرائدات لصالح التأمينات الاجتماعية دون توريدها فعليًا، ما يحرم الرائدات من أي حماية تأمينية حقيقية".

وترى مي أن الوزارة تستغل هشاشة أوضاع الرائدات، ومعظمهن من المطلقات أو الأرامل أو من الأسر تحت خط الفقر، ما يجعلهن يقبلن بالأجور المنخفضة وشروط العمل المجحفة. وأوضحت أن هذه السياسة تعكس تناقضًا جندريًا واضحًا؛ فبينما ترفع الدولة شعار تمكين المرأة، تمارس وزارة التضامن سياسات تكرس لتأنيث الفقر، على نحو يشبه استغلال القطاع الخاص للنساء كعمالة رخيصة، مؤكدة أن الأزمة أعمق من مجرد ملف عمالي، إذ نجحت الوزارة في التحصن قانونيًا من أي التزام تجاه الرائدات عبر عقود التطوع، في إطار نهج حكومي أوسع يقوم على الاعتماد على "عمالة المقاول" أو "عقود الاستعانة" المؤقتة في مختلف القطاعات لتجنب الالتزامات المالية والاجتماعية.

وتختتم صالح حديثها معنا، مؤكدة أن حل مشكلات الرائدات الاجتماعيات لا يكمن في الوقفات الاحتجاجية أو المطالبات الفردية، بل في اتخاذ الرائدات موقفًا جماعيًا بوقف العمل تمامًا، بما يخلق ضغطًا فعليًا على الوزارة التي تعتمد عليهن في تنفيذ أنشطتها ومبادراتها على الأرض، خاصة بعد تكرار الوعود التي لم تتحقق بشأن المكافآت والحوافز.

وفي سياق متصل حصلت "زاوية ثالثة" على تسجيلات صوتية تضمنت توجيهات من مسؤولة حكومية بوزارة التضامن الاجتماعي، إلى الرائدات الاجتماعيات، اعتذرت خلالها عن التأخير في صرف مستحقات شهر أغسطس، مؤكدة أن صرف المكافأة الشهرية يعتمد بشكل أساسي على العمل الذي تقوم به الرائدات، وذلك وفقًا للعقد المبرم واللائحة المنظمة للعمل؛ إذ أنهن لسن موظفات حكوميات دائمات لهن راتبًا شهريًا ثابتًا، بصرف النظر عن الأداء، وأن هذه هي طبيعة العمل التطوعي؛ فالمكافأة الشهرية تُصرف مقابل ما يتم تأديته وإنجازه من مهام.

وحذرت المسؤولة خلال مقاطع صوتية، أُرسلت للرائدات الاجتماعيات عبر تطبيق "واتساب" من أن كل من لا تؤدي العمل المطلوب منها قد لا تستحق صرف المكافأة الشهرية في نهاية الشهر، مبينة أن هناك عدة معايير يتم تقييم العمل على أساسها، وهي التي تحدد استحقاق الصرف من عدمه، تتضمن:تسجيل الزيارات للأسر المستفيدة من مواقعها الفعلية، عبر نظام تحديد المواقع (GPS)، وجود آلية للتحقق حتى لو كانت الزيارة مسجلة على المنصة، فإن الوزارة تقوم بالاتصال بالأسر للتحقق. فإذا أفادوا بأن الزيارة لم تتم، أو أن أرقام الهواتف المسجلة خاطئة، أو تبين أن الزيارات صورية وتقتصر على المرور العابر في الشارع، فإن هذا لا يعتبر جودة في العمل ولا يفي بالمطلوب، وقد يترتب على ذلك عدم الصرف، مضيفة أن عدم حضور الرائدة للأنشطة والتدريبات والندوات داخل وخارج محافظتها، وكذلك عدم الحضور في اليوم المخصص في الوحدة، يترتب عليهما عدم صرف المكافأة.

وأضافت المسؤولة، مخاطبة الرائدات: "فكرة أن المكافأة ستُصرف تلقائيًا كل شهر هي فكرة غير صحيحة على الإطلاق. أما ترتيباتكن المالية الشخصية من أقساط أو جمعيات، فهذا أمر لا يعنينا. إذا كنتِ ترغبين في استمرارية صرف هذه المكافأة، فيتوجب عليكِ أداء عملكِ على أكمل وجه وبشكل مستمر، حين يُطلب منكِ الحضور لتدريب، فلا نقبل أعذارًا مثل "سأحضر ابنتي معي لأنه لا يوجد مكان أتركها فيه". وحين يُطلب منكِ تقديم صور الندوات الثلاث الخاصة بالشهر، فيجب تقديمها. وعندما يتم تنظيم ندوة بالتعاون مع جهات هامة مثل "مودة" أو "حياة كريمة" أو "صندوق مكافحة المخدرات"، فالمطلوب هو الحشد الفعّال.. إن لم تقومي بكل ما سبق، فعلى أي أساس تستحقين صرف المكافأة؟".

وتابعت: "أرجو منكن عدم اعتبار المكافأة حقًا مكتسبًا يُصرف بشكل روتيني كل شهر. المكافأة ليست روتينية، وقد لا تكون متاحة شهريًا، إنما هي مرتبطة بجودة العمل الذي تؤدينه ومدى قيامك بالمهام الموكلة إليكِ.. أما بالنسبة للتعليقات غير اللائقة التي نسمعها أحيانًا، مثل: "كم تعطوننا؟" أو "ماذا يفعل هذا المبلغ؟"، فردنا هو: هذا هو عملنا التطوعي، فإن كان غير مناسب لكِ أو لإمكانياتك، فبإمكانكِ تركه، ونتمنى لكِ التوفيق في مكان آخر. نحن غير ملزمين بسماع مثل هذه التعليقات".

أوضاع شائكة للرائدات

فيما يصف المحامي الحقوقي مالك عدلي، مدير المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، قضية الرائدات الريفيات العاملات بعقود تطوعية لدى وزارة التضامن الاجتماعي، والبالغ عددهن نحو 15 ألف رائدة، بأنها "شائكة للغاية"؛ إذ أن المشكلة الأساسية تكمن في غياب عقود عمل واضحة؛ حيث تعمل الرائدات بموجب عقود تطوع، ويتقاضين مكافآت شهرية تبلغ 1300 جنيه فقط، في حال حصلن عليها، وهي تصرف من ميزانية الدولة.

ويوضح عدلي لـ"زاوية ثالثة" أن بعض الرائدات يواصلن العمل منذ أكثر من عشر سنوات بهذه الأوضاع، ما يجعل الأزمة أكثر تعقيدًا، لافتًا إلى أن بعضهن بدأن بالاحتجاج على هذه الأوضاع، مما أدى إلى إيقاف عدد منهن عن العمل، وتجاهل أخريات، بل وأُبلغت بعضهن بأنه "لا توجد عقود بهذا الشكل" لدى الوزارة.

بينما يشرح المحامي عصام رضا ركيبة، أن الرائدات الريفيات ينقسمن إلى ثلاث فئات رئيسية: رائدات صحيات أو ريفيات يتبعن وزارة الصحة، أو وزارة التضامن الاجتماعي، أو إحدى الجهات الممولة التابعة للبنك الدولي. وأكد أن مكتبه يتولى رفع القضايا لمختلف هذه الفئات، سواء للمطالبة بالتثبيت أو تعديل المسمى الوظيفي أو أي مطالب وظيفية أخرى، مشيرًا إلى أن وزارة الصحة تتعامل بطريقتين؛ إما أن تكون الرائدة مُعينة بعقد، أو مُعينة بالفعل وتسعى إلى تعديل مسماها الوظيفي، بينما وزارة التضامن الاجتماعي لا تقوم بتعيين الرائدات نهائيًا، إذ يعملن جميعًا بنظام العقود التطوعية مقابل مكافأة مالية، أو بنظام الأجر مقابل العمل، أو عقود بمكافآت، وهي عقود لا تمنح أي امتيازات وظيفية حقيقية، أما البنك الدولي، فيقدم رواتب أفضل مقارنة بالجهتين الأخريين، لكنه يبرم أيضًا عقود تطوع.

يقول لـ"زاوية ثالثة":

"القضايا التي توليت رفعها انتهت في بعض الحالات إلى صدور أحكام بالتثبيت لصالح الرائدات، حتى في حالة العقود التطوعية، حيث يحكم لهن إما بعقد عمل دائم أو بالتعيين، وفق تقدير المحكمة، وتمكنا من الحصول على حكم قضائي مباشر بالتعيين لصالح رائدات".

ويُبيّن ركيبة أن القانون يمنح الرائدات الحق في رفع دعاوى قضائية للمطالبة بحقوقهن، موضحًا أن عقد التطوع، بعد مرور ثلاث سنوات على بدئه، يمنح صاحبة العقد الحق في المطالبة بالتثبيت، لافتًا إلى أن أغلب الرائدات يترددن في اللجوء للقضاء خشية التعرض للفصل، وهو ما وصفه بالخطأ، لأن القانون يحمي حقوقهن، مشيرًا إلى أن المشكلة متفشية في جميع قرى مصر، وأن العديد من الرائدات يرضين بالأوضاع الحالية رغم أنها لا تمنحهن أية ميزات حقيقية.

وكانت المحكمة، قد قضت آنذاك، بإلغاء قرار الجهة الإدارية السلبي بالامتناع عن اتخاذ إجراءات تعيين المدعية بوظيفة دائمة على درجة دائمة ببند الأجور الثابتة بالباب الأول أجور، مع ما يترتب على ذلك من آثار، كما حكمت المحكمة، الذي نشر المحامي عصام رضا ركيبة، صورة منه، بقبول الدعوى شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء قرار الجهة الإدارية السلبي بالامتناع عن اتخاذ إجراءات تعيين المدعية على درجة دائمة على بند الأجور الثابتة بالباب الأول أجور، وعلى النحو المبين تفصيلاً بالأسباب، وألزمت الجهة الإدارية بالمصروفات.

تحرك برلماني

في نوفمبر من العام الماضي تقدم النائب البرلماني محمد حمدي موسى، بطلب إحاطة لوزيرة التضامن، بشأن أزمة الرائدات الريفيات واللاتي يعانين من العقود المؤقتة وعدم تمتعهم بخدمة التأمين الصحي، ناقشته لجنة التضامن الاجتماعي والأسرة والأشخاص ذوي الإعاقة بمجلس النواب.

ويوضح النائب لـ"زاوية ثالثة"، أنه تقدم بطلب إحاطة إلى وزارة التضامن الاجتماعي بشأن أوضاع الرائدات الاجتماعيات، مشيرًا إلى أن الوزيرة السابقة نيفين القباج وافقت على إدراجهن في التأمين الصحي والاجتماعي، فيما ناقشت الوزيرة الحالية مايا مرسي ملف تحسين أجورهن خلال عام 2024.

يقول:

"تحدثنا أيضًا عن موضوع الأجور، وقد وعدوا بزيادتها. قالوا إنهم سيقومون بزيادات على مراحل، حيث لا يمكنهم إجراء زيادة دفعة واحدة نظرًا للموازنة العامة للدولة"، مشيرًا إلى أن أجور الرائدات زادت مؤخرًا لتصل إلى 1500 جنيه يُخصم منها اشتراك التأمينات، لكنها تُصرف كمكافآت غير منتظمة وليست رواتب ثابتة، وأن هذه الأمور تخضع لباب معين في الموازنة، وهي تُعتبر مكافآت وليست رواتب ثابتة.

ويضيف النائب: " الرائدات دورهن مهم جدًا، لهن إسهامات جيدة، لكنها تحتاج إلى تفعيل جيد من خلال توجيه الحكومة لهذا الدور وتبنيه؛ فهن بالفعل يزرن البيوت ويجلسن مع سيدات البيوت، خاصة في الأرياف، ويقمن بدور توعوي كبير جدًا"

ويشدد النائب على أهمية الدور الذي تقوم به الرائدات في التوعية الصحية والمجتمعية، خاصة في القرى والأرياف، حيث يقمن بزيارات ميدانية للأسر ونشر التوعية حول القضايا الصحية والسلوكية والاجتماعية، مضيفًا: "لا يمكن الاستغناء عنهن، لكنهن بحاجة ماسة لتحسين ظروف العمل وتفعيل دورهن بشكل أكبر".

ختامًا، تكشف أزمة الرائدات الاجتماعيات عن مفارقة صارخة بين حجم الدور المجتمعي الذي يقمن به في مواجهة الفقر والجهل والعنف، وبين الهشاشة التي تطبع أوضاعهن الوظيفية والمعيشية؛ فبين عقود تطوع تُحرمهن من أبسط حقوق العمل، ومكافآت زهيدة غير منتظمة، وضغوط ميدانية وإدارية مستمرة، تظل آلاف النساء في القرى والنجوع عمادًا أساسيًا لمبادرات الدولة، دون ضمانات أو حماية، ومع تراكم الشكاوى والوعود المؤجلة، تزداد الحاجة إلى إرادة سياسية جادة وإصلاحات تشريعية تُعيد الاعتبار لدورهن، وتحول الجهد التطوعي القسري إلى عمل لائق، يضمن لهن الحد الأدنى من الكرامة والعيش الكريم، ويعكس بالفعل شعارات التمكين الاقتصادي للمرأة والمساواة بين الجنسين التي تُرفع في الخطاب الرسمي.

أضف زاوية ثالثة إلى مصادرك المفضلة على جوجل

آية ياسر
صحافية وكاتبة وروائية مصرية حاصلة على بكالوريوس الإعلام- جامعة القاهرة.

Search