تحليل المخدرات: وسيلة للفصل التعسفي ومأساة الموظفين في مصر

يضغط قانون تحليل المخدرات على الموظفين في مصر اقتصاديًا، ويستخدم للفصل التعسفي، مما يعرض حياة الآلاف للخطر بسبب الديون والوصم الاجتماعي.
رباب عزام

في 22 مايو الجاري، وصل إلى المستشفيات والمراكز التابعة لمنطقة حلوان الطبية، قرارًا من وزارة الصحة، ينبههم إلى ضرورة إجراء تحليل كشف المخدرات لـ العاملين والكادر الطبي بالمنطقة، في الفترة ما بين يومي 24 مايو الجاري إلى الأول من يونيو المقبل، وذلك في مستشفى التأمين الصحي بحلوان.

وحسب مجموعة من العاملين بالقطاع الطبي تحدثت معهم زاوية ثالثة، فقد تفاجئوا بالقرار، وحسب وصفهم فرغم من أن المعروف أن التحليل يكون مجانيًا، نظرًا لاستقطاع جانب من رواتبهم الشهرية في التأمينات والمعاشات، لكنهم فوجئوا بأن المستشفى تطلب منهم دفع رسوم قُدرّت بنحو 305 جنيهًا (نحو 6.4 دولار أمريكي)، دون إيصال أو إثبات للدفع.

توّجه العاملون بمستشفيات ومراكز منطقة حلوان الطبية إلى المستشفى المحدد، لإجراء الكشف، لكنهم فوجئوا بانتهاء عبوات “كارت تحليل المخدرات”، في الساعة الـ11 صباحًا من اليوم الأول، وبرر المسؤولون ذلك بأن الوزارة أرسلت لهم كميات ضئيلة للغاية مقارنة بأعداد الموظفين والعاملين الذين وفدوا لإجراء التحليل، ما اضطرهم لشراء مستلزمات التحليل من الخارج على نفقتهم الخاصة والتي تضاعف سعرها من 45 إلى 100 جنيه في ثلاثة أيام فقط (نحو 0.9 – 2.1 دولار)، ووفق من تحدثنا معهم، فإن تكلفة إجراء التحليل وما صاحبها من نفقات، كلفتهم نحو 450 جنيه على أقل تقدير (9.5 دولار). 

وحسب التعليمات التي وردت إلى المستشفيات، فقد هُدد من يتخلف عن إجراء التحليل إما بالمنع من الترقية والعلاوة، أو الفصل من العمل، ما يذكرنا بأزمة المفصولين عن العمل (تتراوح أعدادهم وفق تقديرات غير رسمية حصلنا عليها من مصادر تحدثنا معها إلى نحو 16 ألف موظف منذ عام 2021)، على إثر القانون رقم (73) لسنة 2021، المتعلق بشروط شغل الوظائف العامة أو الاستمرار فيها، والمعروف بقانون تحليل المخدرات.

 

القانون

ينص القانون رقم (73) لسنة 2021، في مادته الثالثة على أن: “يشترط لشغل الوظائف في الجهات الخاضعة لأحكام القانون بالتعيين أو التعاقد أو الاستعانة أو الترقية أو الندب أو النقل أو الإعارة أو للاستمرار فيها، ثبوت عدم تعاطي المخدرات من خلال تحليل فجائي استدلالي تجريه جهات العمل بمعرفة أي من الجهات التابعة لوزارة الصحة والسكان أو وزارة التعليم العالي والبحث العلمي”. وتنص المادة (12) من القانون على العقوبات الواردة في حال ثبوت إيجابية التحليل، إذ يتم إيقاف إجراءات شغل وظيفته، مع صدور قرار بإيقاف الموظف عن العمل مدة لا تزيد عن ثلاثة أشهر أو لحين ورود نتيجة التحليل التوكيدي أو تقرير الطب الشرعي، بينما تنص المادة (15) من القانون على: “إذا تأكدت إيجابية نتيجة العينة يتم إنهاء خدمة العامل بقوة القانون”.

في أكتوبر الماضي، أصدرت المحكمة الإدارية العليا، أول حكم من نوعه، عقب تطبيق القانون الصادر في عام 2021، إذ حكمت بعودة الموظف إلى عمله، وصرف كامل أجره ومستحقاته، وأسست المحكمة حكمها على عدم إرسال الطب الشرعي تأكيد العينة خلال 10 أيام وفق ما جاء باللائحة التنفيذية للقانون رقم 73 لسنة 2021، حيث أرسل الطب الشرعي نتيجة العينة بعد شهرين من التحليل، ما حدا بالمحكمة إلى إعادته إلى عمله مرة أخرى. لكن تلك الحالة ربما كانت نادرة، حسبما تحدث فتحي نفادي – مفتش تأمينات مفصول عن العمل-، إذ يقول في حديثه إلى زاوية ثالثة: “في إحدى جلسات المحكمة في الدعوى التي أقمتها أمام مجلس الدولة، قال لي سكرتير الجلسة صراحةً، أن القضية ستُرفض لأن هناك تعليمات من جهات سيادية برفض أي دعوى وعدم عودة أي موظف إلى عمله بالحكومة مرة أخرى”.

 

مفصولون تعسفيًا

يعود “نفادي” ويتذكر ما حدث معه، يقول: “في مارس من عام 2023، أُبلغنا بضرورة إجراء تحليل كشف المخدرات في خلال أسبوع من الإبلاغ، وفي تلك الأيام أصبت بالإنفلونزا؛ ما أجبرني على تناول الأدوية والحقن لعدة أيام، وبالفعل ذهبت لإجراء التحليل المطلوب، وكلي إيمان بأنه سيكون سلبيًا لأنني لا أتعاطى أي نوع مخدر، لكن النتيجة جاءت صادمة، وخرجت النتيجة إيجابية، وأجبرت على التوقيع على محضر إثبات الحالة من اللجنة، مع وعد بإمكانية إعادة التحليل مرة أخرى في الطب الشرعي، وفي اليوم التالي ذهبت لإجرائه، لأكتشف أنهم سيعيدون التحليل على نفس العينة، وفي المقابل سأقوم بدفع الرسوم، إذ أن القانون يتيح إعادة الإجراء على نفس العينة خلال 24 ساعة”، متسائلًا: ما الجديد؟، إذا جاءت نتيجة العينة الأولى إيجابية فكيف ستتغير في الثانية، وماذا إذا فسدت العينة تحت أي ظرف؟.

يضيف: بعد 55 يومًا من إجراء الكشف، خرج قرار بفصلي عن العمل وذلك في مايو 2023، وحينما توجهت إلى الشئون القانونية بالعمل، أخبروني حسب تفسيرهم للقانون أن الفصل مؤقت وسأعود للعمل حال إجرائي تحليلًا جديدًا في غضون ثلاثة أشهر، بشرط أن تخرج النتيجة سلبية. مشيرًا إلى استمرار فصله منذ أكثر من عام الآن، وأن إجراءات التقاضي بطيئة، لذا حاول البحث عن عمل في أكثر من شركة خاصة، لكن جميع محاولاته التسع فشلت، لأن من ضمن الأوراق التي يجب تقديمها قرار إنهاء الخدمة في وظيفته السابقة، والتي يجدونها مسببة بـ”ثبوت تعاطيه المواد المخدرة”.

يصف “نفادي” شعوره ويقول: “هذا القانون دمر مستقبلي وأسرتي، بعد 14 عامًا من العمل في الحكومة، بكد وشرف وكفاءة – بشهادة كافة تقارير الأداء السنوية الرسمية-، أُفصل من عملي بجرم لم أرتكبه، ترتب على ذلك انخفاض مستوى دخل الأسرة، وعملت كسائق خاص بعد أن كنت مفتش يستعد لترقية في هيئة التأمينات، فماذا سنفعل الآن؟”. 

يعاني محمد كمال – موظف في قطاع خدمة العملاء بشركة مياه الشرب والصرف الصحي بشبرا الخيمة، تعرض للفصل عن العمل-، من نفس المشكلة، إذ عمل منذ العام 2009 في الشركة، وكانت تقاريره السنوية ممتازة -حسب وصفه-، وفي مارس 2023، تفاجئ بلجنة في مقر العمل، لإجراء تحليل كشف المخدرات، يقول: “انتظرت دوري كغيري، وكنت قبلها قد أبلغت مديري بنيتي في الاستئذان مبكرًا، لأن والدتي كانت مريضة في المستشفى، وبعد مدة من الانتظار أبلغوني بوفاتها، وانتظاري لإتمام تصاريح الدفن، خرجت مسرعًا إلى رئيس اللجنة لطلب استعادة بطاقة هويتي، لكنه رفض ونهرني آمرًا أن استمر في الانتظار لإجراء التحليل، لكني تركت البطاقة والعمل وغادرت إلى حيث أمي”، مؤكدًا أن رئيس اللجنة هدده بأنه سيسجل له تحليلًا إيجابيًا، وهو ما حدث بالفعل، فقدم تظلمًا لدى صندوق مكافحة الإدمان، و أوهموه بقبول التظلم -حسب وصفه-، بعد توقيعه على مستند، ثم يقوم بإجراء التحليل بعد ذلك، واستكمل عمله مدة 16 يومًا، لكنه فوجئ بعد ذلك بقرار إيقافه عن العمل مدة ثلاثة أشهر، لحين صدور نتيجة العينة التوكيدية من وزارة الصحة، رغم أنه وحسب شهادته لم يقم بإجراء أي تحاليل من الأساس.

يضيف: “قمت بعمل تحليل في المعامل المركزية بوزارة الصحة، بخطاب موجه من جهة العمل، وجاءت النتيجة سلبية، لذا قدمت أكثر من تظلم، لكن بعد أسبوعين ردت الشركة بعدم الاختصاص في الرد وحفظ التظلمات، فقدمت تظلم جديد في صندوق مكافحة المخدرات، لكنه رفض شفهيًا، وفي اليوم الأخير من مدة الثلاثة أشهر، تلقيت خطابًا يفيد بإنهاء الخدمة وفصلي من العمل، في مايو 2023”.

يشير “كمال” إلى أنه لجأ للقضاء، بعد أن طمأنه المحامي لسلامة موقفه، نظرًا لوجود ما يثبت عدم تواجده وقت تحليل المخدرات (تقرير وفاة والدته يثبت ساعة الوفاة والتاريخ وهو نفس التوقيت الخاص باللجنة)، يستطرد: “في الجلسة الأولى أجلت القضية، وفي المرة الثانية رفضت موضوعًا مع إضافة سبب أنه لا يجوز فرض العامل على صاحب العمل، وهو ما لا يجوز لأنني موظف عمومي وليس لدي صاحب عمل، وقدمت استئناف على الحكم لكنه رفض لنفس السبب دون الاستماع لشهود الواقعة”. مؤكدًا أن هناك توجيهات سيادية للمحاكم العمالية بعدم إرجاع أي موظف للعمل، فصل نتيجة تحليل كشف المخدرات.

 

الديون تلاحقنا

يشارك موظف شركة المياه والصرف الصحي المفصول عن العمل، همومه وصعوبة حالته المادية بعد إنهاء خدمته المفاجئ، يقول: “لم أجد بدًا من البحث عن عمل، فقمت بالعمل مدة أربعة أشهر في منطقة الحرفيين كعامل لمدة 14 ساعة يوميًا، ثم انتقلت للعمل في أحد مطاعم التجمع الأول لمدة ثلاثة أشهر، لكن الرواتب كانت هزيلة للغاية لا تكفي لسد احتياجات الأسرة المكونة من زوجتي وثلاثة أطفال، كان علينا أن ننفق 200 جنيه فقط أسبوعيًا – نحو 4.2 دولار-، وهذا المبلغ لا يكفي ثمن وجبة غذاء واحدة لفردين وليس نفقات أسرة لمدة أسبوع كامل”. مضيفًا أنه اضطر إلى تحويل أطفاله من مدارسهم الخاصة إلى أخرى حكومية، وانقطع عن تدريبهم الرياضي في النادي، لأنه لا يستطيع تحمل نفقاته، ما أثر على حالتهم النفسية بشدة.

يشترك “كمال” و “نفادي” مع آخرين من موظفي الدولة الذين تعرضوا للفصل، نتيجة قانون تحليل المخدرات، في حصولهم على قروض بضمان الوظيفة العمومية، وقد أثر فصلهم عن العمل وتوقف رواتبهم على قدرتهم على سداد أقساط القرض والفوائد المترتبة على التأخير.

يقول “كمال”: “لدي قرض بضمان الوظيفة ولا أستطيع سداده منذ شهور، كنت أدفع شهريًا نحو 2400 جنيه – ما يوازي 50.7 دولار-، لكن بسبب تراكم فوائد التأخير أصبحت مطالبًا بسداد مبلغ 3600 جنيه شهريًا – ما يوازي 76 دولار-، وهددت من البنك بتحويل الملف إلى الشئون القانونية واتخاذ الإجراءات القانونية لسجني، بعد المطالبة بكامل المديونية دفعة واحدة، بينما “نفادي” الذي حصل على قرض هو الآخر بضمان وظيفته يتساءل: هل هذا مقصود؟ أكثر من 90% من الموظفين المفصولين حصلوا على قروض بضمان الوظيفة؛ ما يعني أنه في حال عدم قدرتهم على السداد سيتم حبسهم.

حسب عدد من الشهادات التي حصلنا عليها، فقد أدى الفصل من العمل إلى سجن بعض الحالات، نتيجة عدم قدرتهم على سداد الديون، إضافة إلى وفاة اثنين من الموظفين؛ أحدهما نتيجة إصابته بسكتة قلبية ولم يتحمل القرار الذي رآه ظالمًا، والأخر لم يستطع الانتظار وقام بالانتحار فورًا، نتيجة التعسف الإداري معه، فيما خسر الكثير منهم روابط أسرية وأصيبوا بوصمة اجتماعية في مجتمعاتهم المحيطة، فحسب شهادات البعض فإن هناك 16 مدرسة في محافظة بني سويف بصعيد مصر قد ثبت إيجابية تحليلهن؛ ما أدى إلى تعرضهن لوصم اجتماعي أودى بهن جميعًا إلى الطلاق من أزواجهن، وتفكك الأسرة، رغم تأكيدهن أنهن لا يتعاطين المخدرات، بل أدوية مختلفة تظهر نفس النتيجة.

تقول شروق محمد حسن – ابنة موظف في هيئة الضرائب المصرية تعرض للفصل أيضًا، وتسكن في العياط- إن ما حدث عرضهم لظلم شديد، إذ طردوا من منزل العائلة حيث شقتهم، واضطر والدها إلى الحصول على قرض من البنك لضمان توفير منزل بسيط لهم في أرض كانت لجدها من الأم، وسرعان ما قام البنك بتوجيه إنذار بالحجز على المنزل – وهم لا يمتلكونه من الأساس- بعد عدم فشلهم في سداد الأقساط بشكل منتظم.

تضيف: “في البداية لم نعلم شيئًا عن قرار فصل والدي عن العمل، فقد كنا ننتظر مثله ترقيته المقبلة كمأمور ضرائب في عمله في مأمورية ضرائب العمرانية بالجيزة؛ لكننا بعد فترة فوجئنا بأنه يتحدث إلى محام ويطلب منه رفع دعوى، ومن هنا علمنا كل شئ، وقد أجرى والدي تحليل كشف المخدرات وخرجت النتيجة سلبية، عكس النتيجة الخاصة باللجنة”، وقد أدى توقف محمد حسن عن العمل منذ نوفمبر 2021، إلى ظهور مشكلات اقتصادية مؤثرة في الأسرة؛ على إثرها أنهت الابنة الكبرى الثانوية العامة وقررت ألا تتقدم إلى الجامعة بسبب الظروف المستجدة، بل خرجت للعمل لسداد مديونية الأسرة الخاصة بقرض الوالد الذي يبلغ قسطه الشهري 3800 جنيه (نحو 80.3 دولار).

تصف شروق تدهور حالة والدها الصحية، وتعزي ذلك إلى شعوره بالقهر والعجز بعدما تعرض لظلم شديد، خاصة وأنه لا يستطيع الحصول على عمل مناسب الآن لكبر سنه، وجل ما يفعل أن يخرج كعامل يومية متى استطاع ذلك.

 

محاولات لتعديل القانون وعودة المفصولين

نظم عشرات من الموظفين وزوجاتهم المتضررين من قانون رقم (73) لسنة 2021، وقفة احتجاجية أمام مجلس النواب، في الأول من مايو الجاري، للمطالبة بمناقشة تعديل القانون وعودة المفصولين حيث تم فصل عمال وموظفين من 44 جهة حكومية، نتيجة التطبيق الخاطئ للقانون وعدم مراعاة البعد الاجتماعي والإنساني، حسبما تقول فاطمة فؤاد، أمين عمال حزب المحافظين، ورئيس نقابة العاملين بالضرائب.

تؤكد “فؤاد” أنهم قدموا شكاوى لمختلف الجهات الرسمية من مكتب النائب العام، إلى اتحاد عمال مصر، ورئاسة مجلس الوزراء، وصولًا إلى مجلس النواب ومنظمة العمل الدولية، مضيفة: “تفاجئنا بأن نواب المجلس الذين تواصلنا معهم وعددهم نحو 22 نائبًا، لم يعرفوا عن القانون شئ رغم موافقتهم عليه في عام 2021، وتفاجئوا بفصل هذا العدد الذي قدرناه وفق دوائرنا بنحو 15- 16 ألف موظف/ موظفة مفصولين عن العمل، ولم يستجب لنا سوى النائب عاطف مغاوري -عضو اللجنة التشريعية بمجلس النواب، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب التجمع-، واعدًا بتقديم مقترح بتعديل القانون”.

وكان النائب عاطف مغاوري، قد قدم طلبًا لتعديل مواد القانون، أحيل إلى لجنة مشتركة من لجنتي القوى العاملة، والشؤون الدستورية والتشريعية بالمجلس. ويستهدف تعديل القانون بحيث لا يُفصل الموظف من المرة الأولى التي يثبت فيها تعاطيه المخدرات، ويجب أن توجه إليه إنذارات أولًا، مبررًا ذلك بأن القانون صدر لمعالجة الظواهر السلبية في المجتمع وليس لتدمير الأسرة (يقصد على المستوى الاقتصادي بعد فصل المعيل).

وترى أمين عمال حزب المحافظين أن السبب الحقيقي خلف فصل موظفي الدولة، يتمثل في تنفيذ السلطة توجيهات صندوق النقد الدولي بضرورة تقليص عدد موظفي الجهاز الإداري للدولة، التي تزعم الحكومة أنهم وصلوا إلى نحو سبعة ملايين موظف، في حين أن تصريحات صالح الشيخ – رئيس الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة- في عام 2022، تؤكد أنهم ثلاثة ملايين و231 ألف موظف، ما يعني حسب وصفها أن هناك خطة ممنهجة للتخلص من أعداد أخرى من الموظفين مع عدم منحهم مستحقاتهم وفق تعديلات قانون التأمينات الجديد رقم 148 لسنة 2019.

يقر القانون 148 لسنة 2019، في المادة (21)، الحالات التي يجب فيها صرف المعاش ومكافأة نهاية الخدمة، في حال إحالة الموظف للتقاعد المبكر قبل بلوغه سن الستين، إذ اقتصر القانون على حالات العجز الكامل أو الوفاة في خلال سنة من تاريخ انتهاء العمل، لصرف المعاش، أو الانتظار لحين بلوغ سن التقاعد لحصول الموظف المتخارج على معاشه التأميني ومكافأة نهاية الخدمة، وهو الذي ينطبق على العاملين المفصولين من الخدمة، إذ سيحصلون على معاشات مستحقة عن فترة خدمتهم، ولكن بعد بلوغ الستين أو وفاتهم أيهما أقرب.

وتصف “فؤاد” آلية إجراء التحاليل بـ غير المنضبطة، إذ أنها تجرى في مناخ غير آدمي، وحسب حديثها إلى زاوية ثالثة، فإن هناك بعض اللجان التي يكون فيها التشكيل القانوني غير مكتمل، مثلا لم يحضر مندوب الطب الشرعي ضمن اللجنة، ما يؤدي بالضرورة لبطلان الإجراءات إذا طُبق القانون، مشيرة إلى أن أدوات قياس المخدرات (كروت التحليل/ الشرائح) رديئة للغاية، وتعطي نتائج غير دقيقة مقارنة بتحليل الدم، كما أن كثير من الموظفين من المرضى الذين يتناولون أدوية مختلفة مثل أدوية نزلات البرد والكحة أو تنشيط المبايض بالنسبة للنساء، والتي أظهرت نتيجة التحليل إيجابية، رغم من تقديم الموظفين ما يثبت مرضهم في كثير من الحالات، متسائلة: “لماذا لا يكون هناك تحليل دم، خاصة وأنه أدق وأفضل؟، وهل من المنطقي أن يتوقف مصير أسرة كاملة وعائلها على مجرد تحليل قد يخطئ أو يصيب!”.

تستطرد: “في المرحلة الأولى من تطبيق القانون كان هناك إجراء التوقيف عن العمل لثلاثة أشهر، ويعودون بعدها للعمل إذا ثبت في التحليل الجديد عدم تعاطيه المخدر، لكن الآن الجميع يفصلون، والعدد في تزايد”، مؤكدة أن هناك اتجاهًا في المحاكم المنظور أمامها القضايا منذ الفترة التي سبقت رمضان الماضي وحتى الآن، برفض القضايا المنظورة من الأساس، مطالبة بضرورة إتاحة المعاش المبكر في حال كانت نية السلطة تقليص عدد العاملين بالجهاز الإداري للدولة، ولكن مع صرف كافة مستحقاتهم فورًا دون الإلتزام بسن المعاش.

 

يؤدي تطبيق قانون 37 لسنة 2021، حسب وصف “فؤاد” إلى ازدواج تشريعي، إذ يتعارض مع قانون العمل رقم 12 لسنة 2003، الذي يقر أنه لا يجوز فصل العامل/ الموظف بسبب تعاطيه المخدر إلا في حالة تلبسه في مكان عمله، حيث تنص المادة 69 من قانون العمل على أنه: “لا يجوز فصل العامل إلا إذا ارتكب خطأ جسيما، ويعتبر من قبيل الخطأ الجسيم: إذا وجد العامل أثناء ساعات العمل في حالات سكر بيّن أو متأثرًا بما تعاطاه من مادة مخدرة”.

تعليقًا، يقول مصطفى زكي – المحامي بالنقض والمستشار العمالي-، والذي نجح في إعادة ستة من الموظفين المفصولين عن العمل منذ عام 2021، عبر دعاوى قضائية، إن القانون ينطبق على موظفي/ عمال أي شركة أو هيئة يكون للدولة مساهمة فيها، مضيفًا: “نسميه الآن قانون الذبح الوظيفي، وقبل هذا القانون كان يطبق على العاملين المدنيين بالدولة قانونين فيما يخص المسألة؛ الأول العاملين بالقطاع العام ويطبق عليهم قانون الخدمة المدنية الذي يسمح بفصل الموظف في حال كان مدمنًا وليس متعاطي فقط، ولكن بعد فرصة ستة أشهر للعلاج، يعود بعدها لإجراء التحليل وإن خرج إيجابيًا هذه المرة يفصل عن الخدمة، أما القانون الثاني والمتعلق بالعاملين في القطاع الخاص، والذي يطبق قانون العمل، فشرطه الوحيد في فصل الموظف أن يكون متأثرًا بتعاطيه المخدرات وغير متزن أثناء العمل”. مشيرًا إلى تقييد القانون الحالي حق إدارة المنشأة في اتخاذ قرارها بشأن إعادة الموظف المفصول، وعدم منحها سلطة تقديرية بناء على حاجتها للموظف أو كفاءته.

يضيف: كثير من عمليات كشف المخدرات المفاجئة قد أجريت في مكان مكتظ داخل جهة العمل بشكل غير آدمي، وكانوا يضعون مرآة تعكس وجه الموظف لكشفه، مع وجود ضغوط شديدة وإحراج شديد يتعرض له أثناء إجراء التحليل، إضافة إلى أن حالة التكدس قد تؤدي إلى اختلاط العينات أو فسادها، كما أن العينة تنتهي صلاحيتها وجودتها بعد عدد محدود من الساعات، فكيف يستندون في القانون إلى نفس العينة في إعادة إجراء التحليل؟.

وينتقد “زكي” القانون في عدة أوجه، إذ يقول أنه يشوبه عدم إيضاح مفهوم التعاطي على نحو دقيق، وعدم إجراء تحقيق مع العامل وسماع دفاعه، وأيضًا انتهاك حرمة الحياة الخاصة التي يقرها الدستور المصري، طالما لم يؤثر ذلك على بيئة العمل، إضافة إلى خلو القانون من اشتراط ضمانة عادلة للعامل أن يتم الفصل بعد العرض على المحكمة العمالية وجعل الفصل بقوة القانون، إلى جانب خلو القانون من تدرج الجزاء، والوصول فورًا إلى الفصل عن العمل.

يبقى آلاف من موظفي الدولة المفصولين في انتظار إعادتهم إلى العمل، أو محاولة إجراء تعديل تشريعي على نص القانون الذي -حسب وصفهم- عرّض كثير منهم لظلم بيّن، وفرق كثير من الأسر، نتيجة الأحوال الاقتصادية السيئة والوصم الاجتماعي.

رباب عزام
صحفية استقصائية مصرية، مهتمة بالصحافة الحقوقية والعمالية، ومقدمة برامج إذاعية، وباحثة في دراسات شرق إفريقيا الناطقة بالسواحيلية.

Search