تحت وطأة التضخم: كيف تخلى مصريون عن سلع أساسية لمواجهة ارتفاع الأسعار؟

استبدال الأسر الفقيرة اللحوم والحبوب والخبز، بالبطاطس والمعكرونة، للحصول على عناصر غذائية بأقل تكلفة.
خالد الدخيل

 

الغلاء ظاهرة عالمية، هذا حقيقي، لكن لا أظن أن معدلاته ترتفع بهذه الوتيرة في أي مكان على وجه الأرض، كما هو في مصر.  تقول حنان محفوظ “ربة منزل”.

وتضيف “إننا نسأل عن سعر سلعة اشتريناها بالأمس، فنجدها ارتفعت اليوم، مما يدفعنا إلى الاستغناء عن الكثير من السلع، بغية ضغط النفقات، لكن هذا الضغط لا يجدي، إذ يأتي بعد الضغط ضغط جديد، وكلما حددنا أولويات الإنفاق نهرع إلى تعديلها، جراء تغير الأسعار”.
توقعت دراسة مستقلة أجرتها مستشارة الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، هبة الليثي، أن يكون مستوى الفقر في عام 2022/2023 ارتفع إلى %35.7، وهو ما يحتم على الدولة أخذ هذا الرقم الضخم بعين الاعتبار خلال الأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد والعالم، والتي تصفها الحكومة المصرية بأنها غير مسبوقة.

بمقارنة سريعة بين أسعار السلع الأساسية قبل عامين والآن، نجد أن الأسعار تضاعفت، وكان الحل لدى المصريين هو التحايل على ظروف المعيشة كما فعلت حنان وأسرتها، الذين بدأوا بتقليل النفقات من خلال شراء كميات أقل من الطعام .في ظل تراجع الحكومة عن القيام بضبط الأسواق وحركة الأسعار والاكتفاء بإطلاق المبادرات وضخ مواد غذائية بأسعار مخفضة عبر المنافذ الرسمية المختلفة أو معارض السلع التي يتم تنظيمها بالقاهرة والمحافظات.

تقول حنان “أن الغلاء لا يشمل الطعام والشراب فالخدمات الحكومية بدورها تتصاعد بشكل جنوني، المواصلات والكهرباء والغاز والإنترنت والبنزين والعلاج والتعليم، هذا فضلًا عن الدروس الخصوصية التي تعد شرًا لا بد منه”.

وتضيف: “ضغط الإنفاق بدأ منذ عام 2018 بتقليل الكميات، ثم التنازل عن بعض السلع، واستبدالها بأخرى، فمثلًا لم تعد الأسرة تشتري الفواكه الغالية، كالتفاح والمانجو، واكتفت بالبرتقال والتين والعنب، وهي فواكه كانت توصف بأنها فواكه الغلابة، لكن حتى هذه صارت أسعارها فلكية.. الكيلو جرام من العنب وصل إلى 30 جنيهًا، والتين في حدود 25 أما البرتقال فصار في حدود 15 جنيهًا”.

وتتساءل: “عن أي شيء يمكننا أن نتنازل بعد ذلك.. الحليب البلدي تجاوز 30 جنيهًا، لو كان عندك طفل وتريد تحضير وجبة إفطار له، فقد يكلفك ذلك 30 جنيهًا، كوب لبن وبيضتان وشريحة جبن ورغيفان، لا أكثر ولا أقل”.

وتختتم “أنا لا أتحدث عن الشوكولاتة، ولا عن العصائر، والمكسرات، بل أتكلم عن الأساسيات اللازمة لتغذية الأطفال، تنازلنا عن سلع كثيرة، ولا نزال نتنازل، في محاولة لمحاصرة الغلاء، لكنه يحاصرنا ويضغطنا ويعصرنا أيضًا”.

إحصائيات رسمية

وفقًا لبيانات الجهاز المركزي للإحصاء، فإن بعض الأسعار زادت منذ عام 2018 حتى الآن بنسبة أكثر من 100% مثلا الدواجن البيضاء كان يبلغ متوسط سعر الكيلو جرام 30 جنيهًا، وصل إلى 80، واللحم البلدي ارتفع من 150 إلى 325 في حين ارتفع سعر السمك البلطي من 30 إلى 80 جنيهًا.
وقررت الحكومة المصرية في العام الماضي توسيع مظلة برنامج الحماية الاجتماعية، وزيادة عدد الأسر المستفيدة من برنامج “تكافل وكرامة”، وضم مليون أسرة جديدة إلى البرنامج، ليستفيد أكثر من 20 مليون مواطن من المعاش المخصص للبرنامج الذي يقدم بين 300 و450 جنيها لكل أسرة.
وقد بلغ عدد المستفيدين من برنامج الدعم النقدي خلال العام المالي الحالي 2023/2022 نحو 4.1 ملايين أسرة، بإجمالي 17 مليون مواطن، ويصل حجم الموازنة المخصصة له إلى نحو 22.5 مليار جنيه سنويا.

وأعلنت وزارة التموين عن برنامجها لزيادة الدعم التمويني للأسر الأكثر احتياجا بمبالغ تتراوح بين 100 و200 و300 جنيه طبقا لعدد الأسر الموجودة على بطاقة الدعم لتوفير الحماية الاجتماعية لها (الدولار يساوي 30 جنيهًا في السوق الرسمية ويتخطى الـ50 جنيهًا في السوق الموازية).

 

استبدال الأطعمة

تقول ماجدة خالد “ربة منزل” إن الأسر قللت إلى الحدود الدنيا كميات البروتين الحيواني، لكن هل معقول أن يصل سعر الكيلو جرام من البطاطس إلى 25 جنيها، وزجاجة الزيت 65 جنيهًا، والرز البلدي 30 جنيها، والرغيف الحر خارج بطاقة التموين إلى جنيهين، في حين أنه صار “من لقمتين”؟.. ماذا يأكل الناس؟ هل يأكلون بعضهم بعضًا؟

وتضيف “لنفترض أن أسرة ما قررت طبخ وجبة بسيطة، كيلو ونصف بطاطس بسعر 35 جنيها تقريبًا، وكيلو رز بـ30 وطماطم بـ10 جنيهات، وزيت وسمن وتوابل وبصل بـ20 علمًا بأن هذا تقدير منخفض، عندئذٍ ستبلغ التكلفة للوجبة “القُرديحي” 95 جنيهًا، بمعنى آخر أن تكلفة وجبة غذاء لأسرة من 5 أشخاص في الشهر تبلغ 3000 جنيه، هذا مع استبعاد البروتينات كليًا، فأهلًا بأمراض سوء التغذية والسمنة ومشكلات النمو لدى الأطفال، وأهلًا بالخلافات الأسرية والطلاق، وأهلًا بكل الكوارث التي يفرزها الفقر”.

هذا بالإضافة إلى مصاريف أخرى لا تقل أهمية مثل المواصلات والماء والكهرباء والغاز وهي تدفع إجباريًا أو يتم التهديد بقطع الخدمة أو فرض غرامات كبيرة في حالة التأخير.

وتضيف: الجميع تأثروا بالارتفاع الجنوني للأسعار، مختلف الشرائح من الغنية إلى الفقيرة، كلهم تأثروا بشكل او بآخر وابتكروا حلولاً لمواجهة هذا الارتفاع الذي لا يتوقف على الاقل لتلتقط الناس أنفاسها.

قبل عامين أو ثلاثة كنت أشتري خضروات بما يقارب 50 جنيها، وهو مبلغ يكفي لشراء كل ما نحتاجه خلال يومين مثلا، الآن هذا المبلغ يكفي بالكاد لشراء مكونات السلاطة أو نوعين من الخضروات وبكميات قليلة.
وفي مارس من العام الجاري  نشرت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية دراسة عن  زيادة معدلات الفقر وقلة الغذاء، وأشارت إلى استبدال الأسر الفقيرة اللحوم والحبوب والخبز، بالبطاطس والمعكرونة، للحصول على عناصر غذائية بأقل تكلفة.
وبينت أن ذوي الشرائح الدنيا الذين يعيشون في فقر مدقع عام 2019، بدخل يقل عن 550 جنيهًا، صارت أوضاعهم شديدة القسوة، مع ارتفاع معدلات زيادة أسعار الطعام والشراب والمسكن والملبس وخدمات التعليم والصحة والمواصلات والرعاية الصحية، مع تركز الفقر في المناطق الريفية، وخاصة الوجه القبلي الذي يعيش فيه 43٪ من الفقراء على مستوى الجمهورية.

 

عودة النصف والربع كيلو 

شعبان محمد بائع خضروات في حلوان، يؤكد أن الزبائن صاروا يشترون احتياجاتهم بكميات أقل: “صار من العادي أن يطلب زبون نصف أو ربع كيلوجرام من الطماطم، هذا أمر غير مسبوق بالنسبة لي بعد أكثر من 20 عامًا في السوق، كان الله في عون العباد”.

حجم المبيعات المنخفض يؤثر بالسلب علي تجارتي، يضيف “في السابق كان يعمل معي أربعة عمال، حاليًا معي بائع واحد يساعدني، هكذا ينقطع عيش الناس، لكن ما باليد حيلة، لست قادرًا على تسديد يوميات لعمال في حين ترتفع أسعار الخضروات بأسواق الجملة، وتركد البضائع وقد تتلف نظرًا لتراجع حركة البيع.. الزبائن لم يتغيروا إنهم يترددون على المتجر، لكن حجم طلباتهم انخفض إلى درجات قصوى”.                     

محمود العسقلاني رئيس جمعية مواطنون ضد الغلاء حدثنا عن الاستطلاع الذي أجرته الجمعية على المستهلكين وجامعي القمامة وقال: الأسرة بدأت في الفترة الأخيرة نتيجة لضغوط الحياة وارتفاع الأسعار وعلى وجه التحديد السلع الغذائية إلى ابتكار حلول لتقليل الإنفاق والتحايل على ارتفاع الأسعار.

يكمل: هناك ترشيد للاستهلاك ولم يعد هناك تبذير مثل السابق حيث كان البعض يلقي ببقايا الطعام في القمامة.. لكن هذا “كان زمان”.

الاستطلاع أظهر أن الأسر لم تعد ترمي أي مواد غذائية، ولجأت إلى ما يمكن تسميته إعادة التدوير، مثلًا إذا شارفت الطماطم على الفساد، صارت صلصلة، وهكذا.. أما جامعو القمامة في الاستطلاع ذاته فيقولون إن القمامة صارت تخلو من بقايا الطعام، حتى إن القطط والكلاب لم تعد تجد ما يسد رمقها.

ويشير محمود إلى أن الأسرة المصرية تديرها امرأة تتميز بالشطارة والذكاء والقدرة على التواؤم مع أي ظروف ويقول: المرأة المصرية تستحق في الظروف الحالية لقب وزير اقتصاد العالم لأنها تدير البيت بمهارة شديدة في ظروف بالغة السوء، لكن الحياة تسير.. دروس ومواصلات وطعام وخلافه.

كذلك الملابس هناك بدائل ومحاولات لتوفيق ملابس الأولاد مع بعضهم البعض واعادة تبديلها وتدويرها، أو اللجوء إلى شراء المستعمل مثلا، بالإضافة إلى ان البيوت في الأكل والشرب يمكن الاستغناء عن تناول البروتين يوميا بل صار مرتين أو مرة في الأسبوع.

وهناك مواطنون من الطبقات الميسورة ماديا بعد أن كانت لديهم سيارتان اكتفوا بواحدة يتبادلون استخدامها، وهناك البعض يعتمد على النقل الجماعي وتوصيل بعضهم البعض، والكثير من ابتكارات المواطن المصري للتغلب على ارتفاع الأسعار وخاصة في الشهور الماضية، حيث شهد عام 2023 أعلى ارتفاع في الأسعار ليس في مصر فقط ولكن على مستوى العالم.

 

دور الدولة الرقابي

تقول السلطات أنها تبذل مجهودًا كبيرًا في الرقابة، لكن على الجانب الآخر ما زالت أزمة ارتفاع سعر الكيلو جرام من السكر إلى ما فوق الـ50 جنيهًا مستمرة، فهذا الارتفاع لم يتراجع رغم انخفاض السعر عالميًا، وفقًا لجمعية “مواطنون ضد الغلاء”. وطالبت الجمعية الحكومة بإلزام التجار بكتابة السعر على المنتج، مشيرة إلى أنه في العام الأخير حدث تغير في التركيبة الإنسانية والأخلاقية للسوق المصري والتجار يصنعون الأزمات الآن والرقابة ضعيفة.يذكر أن البنك الدولي قد أعلن أن مصر تتربع على رأس قائمة أكثر 10 دول تضررًا من تضخم أسعار الغذاء على مستوى العالم، بنسبة بلغت 36%.  جاء هذا الإعلان بعد بدء شركات مصرية عاملة في مجال الصناعات الغذائية رفع أسعار منتجاتها، بنسب تراوحت بين 7.5% إلى 22.5%، ما رفع معدل التضخم في مصر إلى مستويات قياسية.

وتضغط أسعار الطعام والمشروبات معدلات التضخم، بنسبة 71.7%، بسبب تغير أسعار الخضراوات بنسبة 101.5%، والسكر والأغذية السكرية 41.9% والحبوب والخبز بنسبة 44.6%، واللحوم والدواجن 97%، والألبان والجبن والبيض 67.1%، والأسماك 80.9%.

وكانت شركة جهينة (إحدى أهم الشركات للصناعات الغذائية المصرية) قد طبقت زيادة جديدة على أسعار منتجات الألبان بنسبة بلغت 7% إلى 22.5%، وذلك بالتزامن مع ارتفاع التكلفة التشغيلية خلال الفترة الماضية على خلفية نقص تدبير العملة. كما زادت شركة دومتي المصرية أسعار منتجاتها بنسبة تصل إلى 7.5 %، بموجب منشور وُزع على التجار.

وتعاني مصر من أزمة اقتصادية حادة تتمثل في نقص شديد في العملة الصعبة وتهاوي سعر الجنيه ومن ثَمَّ ارتفاع التضخم لمستويات كبيرة.

 

خالد الدخيل
صحفي متخصص في تغطية قضايا الاقتصاد المصري

Search