ماسبيرو بين الديون وخطة الإنقاذ: هل تكفي إعادة الهيكلة لاستعادة الجمهور؟

خطة حكومية لتطوير ماسبيرو تواجه ديونًا متراكمة وأجورًا ضعيفة واستوديوهات متهالكة، فيما يربط عاملون وخبراء الإنقاذ بحرية المحتوى وثقة الجمهور.
كولاج توضيحي لتلفزيون وكاميرا وأرشيف سينمائي عن أزمة ماسبيرو
Picture of هشام عارف

هشام عارف

يتناول التقرير وضع ماسبيرو في مطلع يناير 2026، عقب الإعلان عن إعداد خطة لتطويره في نهاية ديسمبر 2025.

بعد سنوات من الديون المتراكمة والنقاشات حول خصخصة أجزاء من مبنى الإذاعة والتلفزيون المصري «ماسبيرو» أو نقل العاملين إلى العاصمة الإدارية الجديدة، طرحت الحكومة في نهاية ديسمبر 2025 مسارًا لإعادة الهيكلة والتطوير، تقوده الهيئة الوطنية للإعلام بدعم من مجلس الوزراء. وكانت تقارير سابقة قد تناولت سيناريوهات الإغلاق والنقل، لكنها لا تعادل قرارًا رسميًا نهائيًا بتصفية المبنى. وفي خلفية النقاش مديونية قالت الهيئة، في بيان عام 2021، إنها تجاوزت 42 مليار جنيه؛ وهو رقم تاريخي، لا حصر محدث للديون في يناير 2026.

وفي تفصيل البيان الصادر في يناير 2021، قالت الهيئة إن أصل قروض بنك الاستثمار القومي بلغ 9.6 مليار جنيه وإن الفوائد بلغت 32.9 مليارًا، وذكرت إجماليًا قدره 42.6 مليار جنيه. مجموع الرقمين المنشورين يساوي 42.5 مليارًا، بفارق 0.1 مليار عن الإجمالي المعلن؛ لذلك لا تُستخدم هذه الأرقام لبناء حسابات دقيقة أو بوصفها مديونية حالية. وكان البيان يؤكد أيضًا أن القروض موروثة من اتحاد الإذاعة والتلفزيون وأن الهيئة لم تحصل على قروض جديدة من البنك منذ إنشائها حتى تاريخ البيان.

وخلال اجتماع حكومي في 29 ديسمبر 2025، أعلن الكاتب الصحفي أحمد المسلماني، رئيس الهيئة الوطنية للإعلام، عن بدء التحضيرات لإطلاق منصة رقمية خاصة بـ"ماسبيرو"، تهدف إلى تعظيم الاستفادة من الرصيد الإعلامي والتاريخي الكبير للهيئة، ضمن مسار شامل لإعادة الهيكلة المالية والإدارية. وشمل هذا المسار إصلاح شركة صوت القاهرة ووكالتها الإعلانية، ودمج بعض القنوات وتطوير أخرى لمواكبة التحولات في المشهد الإعلامي. كما تم استعراض خطوات فض التشابكات المالية مع بنك الاستثمار القومي، لتذليل العقبات التي تعوق تنفيذ الإصلاحات وضمان الاستدامة المالية.

في هذا الإطار، أكّد الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، أن الدولة شكلت لجنة متخصصة لإعادة حوكمة الهيئات الاقتصادية، مع التركيز على وضع خريطة طريق واضحة للإصلاح، وتقديم دعم حكومي كامل للهيئة الوطنية للإعلام لتعزيز دورها في نشر الوعي الثقافي والاجتماعي، ومواكبة التطورات الحديثة في المنظومة الإعلامية، واستعادة ريادة "ماسبيرو" ومكانته التاريخية.

عودة ماسبيرو إلى صدارة النقاش على الساحة الإعلامية تأتي في سياق محاولات إعادة تعريف دور الإعلام الرسمي، بعد سنوات طويلة من التراجع والخسائر المالية وتآكل التأثير الجماهيري، وصولًا إلى مرحلة تراكم الديون واستنزاف الكوادر البشرية، ما وضع المبنى العريق أمام أزمة وجودية غير مسبوقة.

غير أن هذه الخطة الحكومية تصطدم بواقع معقد داخل المبنى العريق، حيث تراكمت الأزمات وبات ماسبيرو، وفق شهادات من داخله، يواجه ضغوطًا متراكمة. استوديوهات متهالكة، بنية تحتية لم تُحدَّث منذ أكثر من عقد، كوادر بشرية جرى تهميشها أو دفعها للهروب، وأوضاع معيشية قاسية للعاملين، إلى جانب سياسات تحريرية شديدة التحفظ أفقدت الشاشة الرسمية قدرتها على المنافسة. ويربط العامل والمصادر الذين تحدثوا إلى التقرير هذا التدهور بـ سنوات من القرارات المؤجلة، وتقليص الإنتاج، وتهميش الدور التحريري، لصالح صعود قنوات خاصة ومنصات رقمية احتكرت المشهد الإعلامي.

في هذا السياق، يطرح تقريرنا تساؤلات حول ما يحتاجه المبنى فعليًا ليستعيد مكانته، وبين وعود "عودة ماسبيرو" وأعباء مالية تاريخية بعشرات المليارات، يحاول التقرير تفكيك أسباب التدهور، لرسم صورة أكثر وضوحًا لمستقبل الإعلام الرسمي في مصر، وإمكانية إنقاذه في ظل تعدد السيناريوهات المطروحة حول مستقبله.

الأوضاع داخل ماسبيرو

"فشل في كل شيء"، بهذه الكلمات يبدأ أحد العاملين القدامى في مبنى ماسبيرو الذي فضّل عدم ذكر اسمه، سرد معاناة المبنى العريق الذي يعمل فيه منذ أكثر من 15 عامًا. يقول: "رواتبنا محددة على الحد الأدنى، كل شيء محسوب فيه، بما فيها الحوافز، وحتى مع كل السنوات اللي قضيتها داخل المبنى، راتبي لا يتجاوز 7400 جنيه".

ويضيف في حديثه لـ"زاوية ثالثة": "حصلت على حكم من المحكمة بدفع مستحقات مالية من بعض الحوافز التي لم أحصل عليها منذ سنوات، لكن المشكلة تكمن في عدم وجود أموال داخل المبنى للتنفيذ. والأمر نفسه ينطبق على أصحاب المعاشات الذين يحصلون على مستحقاتهم بصعوبة شديدة".

يروي العامل ذلك بوصفه صاحب المطالبة؛ ولم تتضمن المادة المتاحة نسخة من الحكم أو مستندات تنفيذه تسمح بتحديد قيمته أو مرحلته الإجرائية. وتظل شهادته عن راتبه وظروف العمل شهادة فردية، لا متوسطًا محسوبًا لأجور جميع العاملين.

ولا تتوقف الأزمة عند الأجور، بحسب العامل: "البنية التحتية للمبنى في حالة مأساوية. الاستديوهات قديمة جدًا، الأجهزة بالية، والمرافق الأساسية متهالكة. الإنتاج توقف أو قل بشكل كبير، والكوادر التي كانت موجودة غادرت أو أحيلت للمعاش، بينما انتقل البعض الآخر للعمل في شركات إنتاج خاصة أو فضائيات أخرى".

وعن الأسباب الحقيقية لتدهور الوضع، يوضح العامل: "المشكلة مركبة، مالية وفنية وإدارية في الوقت نفسه. عندما كنا تحت إدارة وزارة الإعلام، كان هناك دعم مالي يكفي لتشغيل كل شيء، لكن بعد أن أصبحنا تابعين للهيئة العامة، تراجع الدعم وهرب المعلنون، وانحسر دور المبنى مع غياب التطوير".

ويختم حديثه بالأمل: "أتمنى نجاح خطة التطوير التي تعمل الدولة عليها لإنقاذ هذا الصرح العريق، الذي يمتلك تاريخًا طويلًا وإمكانات كبيرة يمكن أن تعيد له دوره الإعلامي".

في فبراير عام 2022، شهد مبنى الإذاعة والتلفزيون (ماسبيرو) احتجاجات للعاملين داخل المبنى في إطار اعتراضهم على ظروف العمل المتدهورة وتدني مستويات الأجور وتأخر صرف مستحقاتهم المالية لسنوات، مع مطالبهم بإعادة وزارة الإعلام بكامل صلاحياتها للإشراف على المجالس والهيئات الإعلامية الثلاثة وتعيين وزير إعلام ذي خلفية إدارية وقانونية، إضافة إلى إعادة صياغة قانون إنشاء الهيئة الوطنية للإعلام وإعادة نصوص مواد حق البث الفضائي والأرضي لتكون مختصّة بالهيئة فقط، وفقًا لبيان صادر عنهم في 11 فبراير 2022.

كما طالب العاملون بإعادة جدولة ديون ماسبيرو لدى بنك الاستثمار القومي، وتعديل نصوص لائحة الموارد البشرية الصادرة في أبريل 2021 التي اعتبروا أنها تخالف القوانين والحقوق الدستورية ولم تحصل على موافقة الجهات المختصة، إضافة إلى تعديل نصوص لائحة الجزاءات التأديبية لإنهاء العقوبات التعسفية ضد العاملين. وتشمل المطالب أيضًا إعادة قطاع الإقليميات إلى قطاع التلفزيون، وإلغاء خدمات الرعاية الطبية الحالية واستبدالها بتعاقد مع شركة مصر للتأمين لتغطية جميع العاملين والمتقاعدين، وقالوا إن هذا البديل قد يوفر نحو 105 ملايين جنيه سنويًا من الموازنة. وهو تقدير وارد في مطالبهم، لا وفر مالي تحقق بالفعل.

وعلى خلفية هذه التحركات، تم القبض على الإعلاميتين هالة فهمي وصفاء الكوربيجي قبل أن يتم إخلاء سبيلهما في فبراير 2024، بالإضافة إلى هذا أُحيل العشرات من العاملين إلى التحقيق الإداري كما أُحيل بعضهم إلى النيابة الإدارية.

لم تكن احتجاجات العاملين في ماسبيرو عام 2022 الأولى من نوعها، إذ شهد المبنى مظاهرات مماثلة عام 2011 عقب ثورة يناير، إثر تعيين زكي عبد الحميد مستشارًا لوزير الإعلام ورئيسًا للقطاع الاقتصادي، ما أثار غضبًا واسعًا بين الإعلاميين وموظفي التلفزيون الذين اعتبروا التعيين عودة لهيمنة صفوت الشريف، رئيس مجلس الشورى السابق المسجون حينها، الذي واجه اتهامات بالتحريض على قتل المتظاهرين في ثورة يناير، على التلفزيون المصري، قبل أن يتم تبرئته من هذه التهمة.

ماسبيرو: تاريخ من الأزمات وملفات الفساد

بدأ التلفزيون المصري البث في 21 يوليو 1960، بعد تأجيل افتتاحه نتيجة العدوان الثلاثي على مصر، ليصبح ماسبيرو منذ ذلك الحين الصرح الإعلامي الأكبر في البلاد، ويضم القنوات الرسمية مثل القناة الأولى والثانية والفضائية المصرية، بالإضافة إلى شبكات قنوات النيل وقنوات الأقاليم، ومحطات الراديو المتنوعة. وقد شكل المبنى رمزًا للإعلام الحكومي وقدرته على تشكيل الرأي العام، قبل أن تتراكم عليه الأزمات خلال العقود الماضية.

يرتبط جانب من تاريخ الأزمة المالية والإدارية بسنوات تولي صفوت الشريف وزارة الإعلام. وفي سبتمبر 2020 أصبح الحكم بسجنه ثلاث سنوات في قضية الكسب غير المشروع نهائيًا بعد رفض الطعن عليه، بينما بُرّئ ابنه في إعادة المحاكمة. ولا يجوز الخلط بين هذا الحكم وبين بلاغات أخرى تتعلق بإدارة ماسبيرو أو التعيينات فيه، إذ تختلف الوقائع والمسارات القضائية.

ومن بين البلاغات المتعلقة بإدارة ماسبيرو، تقدّم المخرج محمد كمال عثمان، العامل باتحاد الإذاعة والتليفزيون، ببلاغ رسمي للنائب العام، المستشار عبدالمجيد محمود في سبتمبر 2012، يتهم فيه كل من صفوت الشريف، وزير الإعلام الأسبق، وحسن حامد، رئيس اتحاد الإذاعة والتليفزيون الأسبق، بإجراء تعيينات بالمخالفة لأحكام القانون المنظمة للقبول بالوظائف الحكومية.

وادّعى البلاغ رقم 3321 لسنة 2012 أن المشكو في حقهما قاما بتعيين أقارب وأشخاص مرتبطين بنظام الرئيس الأسبق حسني مبارك. ووصف مقدمه ذلك بأنه مخالفة لقواعد التعيين وشكل من المحسوبية. ويورد التقرير هذه الوقائع باعتبارها اتهامات وردت في بلاغ، وليس حكمًا قضائيًا بثبوتها. وطالب البلاغ النائب العام باتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لكشف الفساد داخل مبنى ماسبيرو، ومراجعة عقود التعيين وشروطها لضمان الالتزام بالقوانين ومعايير الشفافية.

وخلال عهد أنس الفقي استمرت انتقادات الإنفاق والإدارة. ففي سبتمبر 2009 نشر «اليوم السابع» عرضًا قال إنه يستند إلى تقرير للجهاز المركزي للمحاسبات عن سنوات مالية سابقة، يتناول استئجار استوديوهات غير مستغلة، ومغالاة في مصروفات الإنتاج والمكافآت، وضعف العائد على الأموال المنفقة. وتُعرض هذه الملاحظات هنا بحسب المصدر الصحفي الذي أوردها؛ فهي لا تبرر وصف البرامج كلها بأنها «وهمية»، ولا تغني عن التمييز بين ملاحظة رقابية ومسؤولية جنائية يحددها القضاء.

بعد ثورة 25 يناير، استمر التدهور المالي والفني، إذ تولى عدة وزراء الإعلام محاولات إصلاحية جزئية، لكنها لم تُحدث فرقًا ملموسًا. وواجه العاملون في ماسبيرو توقف الإنتاج، تآكل البنية التحتية، انقطاع الكهرباء، وغياب الدعم المالي الكافي، بينما تدهورت الكوادر البشرية نتيجة إحالة البعض للمعاش أو انتقالهم للعمل في فضائيات أخرى، لتتضاعف الخسائر المالية ويصل تراكم الديون إلى مستويات تهدد استمرار المبنى.

اليوم، ومع الإعداد لخطة التطوير المعلنة، يأمل القائمون على ماسبيرو في إعادة إحياء المبنى العريق واستعادة مكانته الإعلامية، من خلال تحديث البنية التحتية، تطوير المحتوى، واستثمار الأرشيف الضخم، مع التركيز على الكفاءات الموجودة داخله. إلا أن التحدي الأكبر يكمن في معالجة تراكم الخسائر التاريخية وإعادة الثقة للعاملين والجمهور على حد سواء، لضمان أن يعود ماسبيرو ليؤدي دوره الوطني والثقافي كما كان في السابق.

تطوير ماسبيرو

حتى مطلع يناير 2026، كانت الخطة الشاملة للتطوير لا تزال قيد الإعداد. وقال رئيس الهيئة الوطنية للإعلام في اجتماع 29 ديسمبر إن عرضها مقرر في نهاية يناير، وإنها تشمل إعادة الهيكلة ورفع الكفاءة وزيادة الموارد المالية. لذلك يتناول التقرير وعودًا وخطوات معلنة، لا نتائج خطة اكتمل تنفيذها.

من جهته يرى محمد الجارحي، وكيل نقابة الصحفيين، أن أزمة ماسبيرو تتلخص في ثلاثة محاور رئيسية: أزمة اقتصادية، إدارية، والصناعة الإعلامية. ويوضح الجارحي في حديثه لـ"زاوية ثالثة" أن الأزمة الاقتصادية تنبع من تراكم الديون على المؤسسة، وفق التصريحات الرسمية الصادرة عن الهيئة الوطنية للإعلام.

ويضيف أن تراكم الديون وفشل المشاريع المختلفة والقطاعات داخل ماسبيرو في تحقيق جدوى اقتصادية تسبب في ما وصفه بالكوارث، ويؤكد أن إحدى المذيعات العاملات بالمؤسسة لخصت الوضع في منشور لها على وسائل التواصل الاجتماعي، مشيرة إلى أن الوضع داخل المؤسسة محزن، فالاستديوهات والديكورات متدهورة، وهناك مشكلات في الرعاية الصحية والمعدات وغيرها من الجوانب الفنية والإدارية.

أما الشق الإداري، فيذكر الجارحي أنه يتعلق بوجود تركة كبيرة تتحملها ماسبيرو، حيث يذهب جزء كبير من الميزانية للرواتب، نتيجة تضخم أعداد العاملين والتعيينات غير الضرورية، بما في ذلك إداريين وأفراد أمن، وهو ما يفوق احتياجات المؤسسة الفعلية. كما يؤكد أن ماسبيرو كان مصدرًا لكفاءات القنوات الخاصة الجديدة التي تعلمت الخبرات الفنية والإدارية داخل المؤسسة، إلا أن ضعف الأجور دفع هؤلاء إلى مغادرة ماسبيرو للعمل بالقنوات الخاصة، ما أفقد المؤسسة جزءًا مهمًا من قدراتها الفنية.

وعن أزمة الصناعة، يشير وكيل نقابة الصحفيين إلى أن مساحة الإبداع داخل ماسبيرو محدودة، كما أن البرامج الحوارية القوية والنقاشية التي تتناول مشاكل المواطنين شبه غائبة، ما أدى إلى عزوف الجمهور عن متابعة القنوات الرسمية وتراجع المعلنين، وبالتالي ضعف المصداقية الإعلامية. وأكد أن محاولات رئيس الهيئة الوطنية للإعلام في تطوير القنوات وتحسين البنية الفنية كانت محدودة وتركزت على تغيير مسميات القنوات أو تحديثات شكلية، دون تأثير ملموس على أوضاع العاملين أو استعادة ثقة المشاهدين.

ويرى الجارحي أن صناعة الإعلام تواجه خسائر مالية عالميًا، لكنها تمثل أمنًا قوميًا، مشيرًا إلى أن الدولة لجأت خلال السنوات العشر الماضية إلى إنشاء كيانات موازية لماسبيرو من خلال بعض القنوات الخاصة، لتكون بديلًا عن المؤسسة، إلا أن هذه المحاولات لم تنجح بسبب أعطاب الصناعة نفسها، بحسب تقييمه، وعدم وجود حرية أو مساحة للنقد، وسيطرة الإدارة على الإعلام سواء داخل ماسبيرو أو الكيانات الجديدة قوية جدًا، ما دفع رئيس الجمهورية إلى إبداء عدم رضاه عن أداء الإعلام وطلب تشكيل لجنة لتطويره.

ويعبّر هذا الوصف عن تقييم الجارحي لأزمة التمويل والحرية التحريرية، ولا يعني أن كل المؤسسات الإعلامية في العالم تسجل خسائر، أو أن عائد المؤسسة العامة يُقاس بالربح التجاري وحده. فالنقاش هنا يتصل كذلك بالخدمة العامة واستقلال المحتوى وثقة الجمهور.

في 20 يناير 2019، وقّعت الهيئة الوطنية للإعلام بروتوكول تعاون مدته خمس سنوات مع مجموعة إعلام المصريين لإنشاء قناة فضائية تستهدف الأسرة العربية وتطوير محتوى القنوات الرسمية المصرية مثل الفضائية المصرية والأولى والثانية، مع شراكة في الحقوق الإعلانية لتعظيم الإيرادات.

وتناول البروتوكول إطلاق قناة جديدة وتطوير محتوى القنوات القائمة والشراكة في حقوق الإعلان. وفي مسار التعاون اللاحق مع شركات الإنتاج ظهرت برامج مثل «صباح الخير يا مصر» و«التاسعة» على شاشة التلفزيون الرسمي. لكن استمرار النقاش حول الديون والتطوير في نهاية 2025 يظهر أن اتفاق 2019 لم يكن كافيًا وحده لإنهاء الأزمة؛ ولا يعني ذلك الجزم بأن كل بنوده توقفت أو أن البرامج اللاحقة كانت مذكورة بالاسم في نصه الأصلي.

الحل يبدأ من الدولة

يرى محمد الجارحي وكيل نقابة الصحفيين أن خروج ماسبيرو من كبوته يتطلب تطوير بيئة العمل الحالية، التي وصفها بأنها غير صالحة، حيث يعاني العاملون من ظروف غير آدمية، أجور متدنية، أجهزة شبه معطلة، واستديوهات بحاجة لمواكبة التكنولوجيا، مؤكدًا أن الخطوة التالية هي استعادة ثقة الجمهور والعاملين من خلال منح الكفاءات مساحة للإبداع، شرط توفر الإرادة السياسية لذلك، وهو ما لم يتحقق حتى الآن.

في السياق ترى سارة فوزي، أستاذ الإعلام الرقمي، أن حل أزمات ماسبيرو يكمن في ثلاثة محاور رئيسية؛ المحور الأول يتعلق بالجانب المالي، حيث أكدت فوزي أن إسقاط الديون عن ماسبيرو يمثل خطوة أساسية لتحرير المؤسسة من القيود المالية التي تكبل عملها.

تضيف أستاذ الإعلام الرقمي في حديثها لـ زاوية ثالثة، أن الديون الحالية تمنع تطوير المبنى والإنتاج وتؤثر مباشرة على رواتب العاملين والمعاشات التقاعدية.

أما المحور الثاني، فيتعلق بالاستثمار والتطوير، حيث أشارت فوزي إلى ضرورة دعوة رجال الأعمال للاستثمار في منصات رقمية تتبع ماسبيرو، أو تخصيص جزء من أموال الضرائب لدعم الإنتاج والتقنيات، مستشهدة بتجربة «بي بي سي» في تمويل الخدمة العامة، بما يتيح للمؤسسة تحقيق عائد اقتصادي مستدام وتحسين البنية التحتية والاستوديوهات. وتؤكد أن الكفاءات الكبيرة داخل ماسبيرو تغادر للعمل في الخارج أو بالقنوات الخاصة بسبب القيود المالية وعدم توفر موارد كافية للإنتاج، وهو ما يضر بالمؤسسة ويقلل من قدراتها التنافسية.

وللتدقيق في المقارنة، تعتمد «بي بي سي» في تمويل خدماتها العامة أساسًا على رسم ترخيص التلفزيون، إلى جانب موارد تجارية وتمويلات محددة لبعض الخدمات. ومن ثم فإن تخصيص جزء من الضرائب العامة لماسبيرو يظل مقترحًا تطرحه فوزي، وليس وصفًا مطابقًا لآلية التمويل البريطانية.

المحور الثالث، وفق فوزي، يتعلق بإعادة الهيكلة الإدارية ومواجهة الترهل الوظيفي، إذ تشير إلى أن الهيكل الإداري الحالي معقد، يضم مستويات متعددة من الرؤساء والنواب والوكلاء، ويحتاج إلى تقليص وتقنين بحسب الاحتياجات الحقيقية للمؤسسة. وتوضح أن ضعف المحتوى الإعلامي وعدم استقلالية ماسبيرو نابعان أساسًا من القيود المالية، وليس من نقص الرؤية أو الإدارة، وأن الحلول الإدارية تحتاج دعمًا ماليًا حقيقيًا وإرادة سياسية واضحة.

وتشدد أستاذ الإعلام الرقمي على أن استعادة روح ماسبيرو تبدأ بالإصلاح المالي أولًا، ثم توفير الموارد اللازمة للإنتاج، بما في ذلك منصات رقمية اشتراكية، والتعاون مع شركات الاتصالات، وإنتاج محتوى حصري أو مشترك يمكن الاستفادة منه اقتصاديًا. وأشارت إلى أن الإرث الإعلامي الكبير للهيئة، بما في ذلك محتوى من العصور السابقة، يمكن أن يصبح مصدر دخل مهم إذا تم عرض هذا المحتوى بطريقة استراتيجية واستثمارية.

وتوضح أن إشراك خبراء في الاقتصاد والاستثمار والإدارة، إلى جانب المتخصصين الإعلاميين، ضروري لتقديم مقترحات قابلة للتنفيذ، بما يحقق تطويرًا حقيقيًا للهيئة ويعيد لها مكانتها وقدرتها على المنافسة في المشهد الإعلامي المحلي والدولي.

يبقى مبنى الإذاعة والتلفزيون العريق مرتبطًا بقدرة الدولة على اتخاذ قرارات حاسمة توازن بين الإنقاذ المالي والإداري، واستثمار الكفاءات الداخلية، وتطوير البنية التحتية والمحتوى الإعلامي. فالمؤسسة العريقة تواجه تحديات تاريخية تتطلب إرادة سياسية واضحة، لضمان أن يعود الصرح العريق إلى مكانته الطبيعية كمركز إعلامي قادر على المنافسة، وصياغة خطاب إعلامي يعكس مصالح المواطنين ويعزز المصداقية والثقة في الإعلام الرسمي.

Search