قرار بنزع ملكية 320 منزلًا في طوسون بالإسكندرية والهدم بدأ قبل أن تُحسم الدعوى القضائية

قرار حكومي بنزع ملكية 320 منزلًا وأربعة مساجد وكنيسة في طوسون بالإسكندرية لإنشاء طريق دائري، فيما يطعن محامو الأهالي في وجود بديل هندسي لم يُرد عليه، ومعدات الهدم باتت في الموقع قبل أن تُحسم الدعوى القضائية أمام خبراء المحكمة.
Picture of رشا عمار

رشا عمار

تجددت أزمة أهالي منطقة طوسون، التابعة لحي ثان المنتزه شرق الإسكندرية، مع بدء أعمال هدم وإزالة في أجزاء من المنطقة، بالتزامن مع استمرار نظر الطعون القضائية المقامة ضد قرار نزع ملكية مئات المنازل والعقارات لتنفيذ الطريق الدائري الجديد. 

وبينما تؤكد الحكومة أن المشروع يأتي في إطار أعمال المنفعة العامة وتطوير شبكة الطرق، يرى الأهالي ومحاميهم تحدثوا إلى “زاوية ثالثة” أن مسار الطريق كان يمكن استبداله ببدائل هندسية لا تستلزم إزالة الكتلة السكنية، ويقولون إن المشروع يخدم في النهاية مشروعات استثمارية وسياحية في منطقة شرق أبو قير.

يقول المحامي محمد رمضان أبو بيبرس، وكيل أهالي طوسون، إن الأزمة الحالية تعيد إلى الأذهان ما شهدته المنطقة عام 2008، عندما تصدى قانونيًا لقرارات إزالة منازل الأهالي، وتمكن آنذاك من الحصول على حكم قضائي بوقف تنفيذها وإلغائها.

ويضيف لـ”زاوية ثالثة”: “بعد مرور 17 عامًا، يتكرر المشهد مرة أخرى، لكن هذه المرة عبر قرارات نزع الملكية الصادرة في أكتوبر 2025، والتي شملت عشرات المنازل والأراضي، إضافة إلى أربعة مساجد وكنيسة.”

ويوضح “أبو بيبرس” أنه تولى، بناءً على طلب السكان، إقامة دعوى أمام محكمة القضاء الإداري للطعن على قرار نزع الملكية، مستندًا إلى عدة أسباب قانونية، في مقدمتها، انتفاء شرط المنفعة العامة، باعتبار أن المشروع المزمع تنفيذه “يخدم مشروعًا سياحيًا واستثماريًا وليس مرفقًا عامًا”، فضلًا عن وجود طريق قائم بالفعل يحقق الغرض المروري، إلى جانب إعداد مقترح هندسي لمسار بديل لا يستلزم إزالة المنازل أو نزع ملكيات السكان.

صورة الطريق المزمع إنشاؤه توضح وجود طريق قائم بالفعل- مستند خاص لـ”زاوية ثالثة”
مقترح هندسي لمسار بديل لا يستلزم إزالة المنازل

ويشير إلى أن المحكمة قررت ندب لجنة ثلاثية من الخبراء الهندسيين لفحص النزاع، معتبرًا أن هذا القرار يمثل “انتصارًا جزئيًا” في مثل هذا النوع من القضايا، مضيفًا أن الأهالي ما زالوا في انتظار مباشرة اللجنة لمهمتها، إلا أن التطور الأخطر، من وجهة نظره، لا يتعلق فقط بمسار الدعوى، وإنما بما يصفه بـ”الضغوط الميدانية” التي يتعرض لها السكان. 

ووفقًا لروايته، بدأت شركة برودكشن للتوريدات والمقاولات العمومية المتكاملة ورصف الطرق، التي يقول إنها اتخذت من المنطقة مقرًا مؤقتًا لأعمالها، في التواصل مع الأهالي لشراء منازلهم.

ويؤكد أن ممثلي الشركة استخدموا، بحسب شكاوى الأهالي، وسائل ترغيب وترهيب لحث السكان على البيع، من بينها إبلاغهم بأن الملف تتولاه “جهات سيادية”، وأن رفض البيع سيؤدي في النهاية إلى إخلاء المنازل بالقوة، فضلًا عن الادعاء بأن الشركة تعمل لصالح إحدى تلك الجهات. ويضيف أن هذه الضغوط دفعت عددًا محدودًا من السكان إلى بيع وحداتهم، بينما رفضت غالبية الأهالي ذلك.

ويتابع “أبو بيبرس” أن الضغوط تصاعدت خلال الفترة الأخيرة، مستشهدًا بعقار يضم 30 شقة، اشترت الشركة 12 وحدة منه، ثم شرعت في إزالة الحوائط والشرفات الخاصة بهذه الوحدات، الأمر الذي تسبب في حدوث تصدعات ببقية العقار وتشويه واجهته، بما أدى إلى زيادة الضغوط على السكان الرافضين للبيع.

كذلك يتهم الشركة بالوقوف وراء ممارسات أخرى، من بينها الإضرار بشبكات الصرف الصحي وقطع التيار الكهربائي عن بعض العقارات، مشيرًا إلى أن الأهالي حاولوا تحرير محاضر بهذه الوقائع في قسم شرطة ثان المنتزه، إلا أنهم لم يتمكنوا من ذلك، بحسب قوله. 

ولم يتسن لـ”زاوية ثالثة” الحصول على رد من الشركة أو من وزارة الداخلية بشأن هذه الاتهامات حتى وقت نشر التقرير.

ويؤكد “أبو بيبرس” أن فريق الدفاع سيواصل المسار القضائي، في انتظار مباشرة لجنة الخبراء لأعمالها، إلى جانب التقدم ببلاغ إلى المحامي العام الأول بشأن الوقائع المنسوبة إلى الشركة، مطالبًا في الوقت نفسه بإعادة النظر في قرار اعتبار المشروع من أعمال المنفعة العامة.

وفي مذكرة الطعن المقدمة إلى محكمة القضاء الإداري ضد كل من رئيس الجمهورية، ورئيس مجلس الوزراء، ووزيري التنمية المحلية والنقل، ومحافظ الإسكندرية، استند الدفاع إلى أربعة محاور رئيسية.

أولها، مخالفة قرار نزع الملكية لأحكام القانون رقم 10 لسنة 1990 بشأن نزع ملكية العقارات للمنفعة العامة، والمعدل بالقانون رقم 24 لسنة 2018، إذ يرى الدفاع أن القرار صدر دون استيفاء الإجراءات التي يوجبها القانون، وفي مقدمتها إعداد مذكرة تفصيلية بالمشروع، وعرضه على اللجنة الفنية الدائمة المختصة للتحقق من جدواه واحتياجه الفعلي للعقارات المطلوب نزع ملكيتها، مع إتاحة الفرصة لذوي الشأن لإبداء ملاحظاتهم.

أما السبب الثاني، فيتعلق، بانتفاء المنفعة العامة، إذ يتمسك الدفاع بوجود طريق قائم بالفعل يربط المنطقة، وبإمكانية تنفيذ مسار بديل يحقق الغرض المروري دون إزالة المنازل أو الأراضي الزراعية، بينما يرى أن المشروع في حقيقته يخدم إنشاء مرسى لليخوت ومنطقة سياحية ذات طبيعة استثمارية، وهو ما ينفي عنه، من وجهة نظره، وصف المنفعة العامة.

 

مقتطف من صحيفة دعوى الطعن المقدمة من 62 ساكنًا من أهالي طوسون أمام محكمة القضاء الإداري بالإسكندرية، يكشف أن المشروع الحقيقي هو "إنشاء مرسى يخوت ومنطقة سياحية" لا طريقًا دائريًا، وأن ثمة بديلًا هندسيًا متاحًا لا يستلزم نزع ملكية المواطنين.

مقتطف من صحيفة دعوى الطعن المقدمة من 62 ساكنًا من أهالي طوسون أمام محكمة القضاء الإداري بالإسكندرية، يكشف أن المشروع الحقيقي هو “إنشاء مرسى يخوت ومنطقة سياحية” لا طريقًا دائريًا، وأن ثمة بديلًا هندسيًا متاحًا لا يستلزم نزع ملكية المواطنين.

 

مقتطف من ختام صحيفة الطعن القضائي التي حصلت عليها زاوية ثالثة، يتضمن طلب الأهالي بوقف تنفيذ قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 3754 لسنة 2025 بصفة مستعجلة، وإلغاءه نهائيًا مع إلزام الإدارة بالمصروفات والتعويض القانوني اللازم.

مقتطف من ختام صحيفة الطعن القضائي التي حصلت عليها زاوية ثالثة، يتضمن طلب الأهالي بوقف تنفيذ قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 3754 لسنة 2025 بصفة مستعجلة، وإلغاءه نهائيًا مع إلزام الإدارة بالمصروفات والتعويض القانوني اللازم.

ويستند الدفاع كذلك إلى ما يعتبره إساءة في استعمال السلطة، مستشهدًا بواقعة مماثلة شهدتها المنطقة عام 2008، عندما ألغى القضاء الإداري قرارات إزالة صدرت تمهيدًا لتخصيص الأراضي لصالح نادي الاتحاد السكندري، كذلك يستشهد بحكم المحكمة الإدارية العليا الصادر في الطعن رقم 367 لسنة 30 قضائية، الذي قرر أن نزع الملكية إذا ثبت أنه يستهدف غرضًا خاصًا، لا تحقيق منفعة عامة، يكون قرارًا مخالفًا للقانون.

فيما تحذر مذكرة الطعن من الآثار الاجتماعية المترتبة على تنفيذ القرار، معتبرة أن إزالة مساكن المواطنين وأراضيهم الزراعية لصالح مشروع يراه الأهالي ذا طبيعة استثمارية قد يخلق حالة من الاحتقان وفقدان الثقة في العدالة، ويؤثر في الاستقرار المجتمعي، مطالبة بوقف تنفيذ قرار نزع الملكية بصفة مستعجلة، ثم إلغاؤه، مع إلزام الجهة الإدارية بالتعويض عن الأضرار التي لحقت بالأهالي.

وبحسب رواية عدد من الأهالي ومحاميهم، تتولى شركة برودكشن للتوريدات والمقاولات العمومية المتكاملة ورصف الطرق تنفيذ أعمال الهدم والإزالة المرتبطة بالمشروع، إلا أن الشركة لم تصدر تعليقًا على هذه الرواية حتى وقت إعداد التقرير.

وتأسست الشركة عام 2022 كشركة ذات مسؤولية محدودة، وتتخذ من منطقة سبورتنج بالإسكندرية مقرًا رئيسيًا لها، وتعمل في مجالات المقاولات العامة، وأعمال الهدم والإزالة، والحفر والردم، ورصف الطرق، وتنسيق المواقع.

وتقدم الشركة نفسها، عبر موقعها الإلكتروني وصفحتها على “لينكدإن”، باعتبارها مزودًا لحلول متكاملة في قطاع المقاولات، مع تركيز خاص على أعمال الهدم باستخدام معدات متخصصة وأنظمة للسلامة المهنية، وتشير إلى امتلاكها خبرات تراكمية تتجاوز 30 عامًا من خلال فريق العمل والإدارة.

وسبق للشركة المشاركة في عدد من المشروعات الحكومية بقطاع النقل في الإسكندرية، من بينها أعمال هدم وإزالة ضمن مشروع مترو أبو قير، إذ نفذت إزالة عدد من المباني الواقعة على مسار المشروع، كما شاركت في مناقصات أخرى مرتبطة بمشروعات البنية التحتية، وفق بياناتها والمعلومات المنشورة على بوابة التعاقدات الحكومية.

 

نوصي للقراءة: لمشروع سكة حديد طلبه كامل الوزير.. نزع 87 فدانًا في سيناء يضع أهالي المقاطعة والخرافين أمام إخلاء ثالث


نزع الملكية.. قانون في خدمة السلطة

من جانبه، يرى المحامي محمد فتوح أن قانون نزع الملكية يضع شرطين أساسيين لا يجوز إغفالهما: أن يكون نزع الملكية لتحقيق منفعة عامة حقيقية، وأن يحصل أصحاب العقارات على تعويض عادل ومعاصر للقيمة الفعلية للممتلكات وقت التنفيذ، وليس وقت صدور القرار الإداري.

ويقول لـ”زاوية ثالثة”: “التعويض العادل لا يعني مجرد دفع مبلغ مالي، وإنما أن يكون كافيًا لتمكين المالك من الحصول على بديل مماثل في ظل الأسعار السائدة وقت التنفيذ. لا يجوز تقدير التعويض قبل سنوات ثم صرفه بعد موجات تضخم متلاحقة دون إعادة تقييمه.”

ويضرب “فتوح” مثالًا بمشروع تطوير ترام الإسكندرية، موضحًا أن الدولة رصدت نحو 50 مليون جنيه لتعويض أصحاب المحال التجارية المتضررة عند صدور قرار نزع الملكية في عام 2020، بينما بدأ التنفيذ الفعلي بعد سنوات شهدت ارتفاعًا كبيرًا في الأسعار، ويضيف: “كان يفترض تعديل قيمة التعويضات لتصبح متناسبة مع الأسعار وقت التنفيذ، حتى يتحقق شرطي العدالة والمعاصرة اللذين يتطلبهما القانون.”

ويشير إلى تجربة أخرى في منطقة المأوى بالإسكندرية، إذ نُقلت أسر إلى مشروع “بشاير الخير” بعد إزالة مساكنها باعتبارها مناطق عشوائية، ويقول إن المشكلة لم تكن في توفير وحدات بديلة فحسب، وإنما في طبيعة الحق القانوني الذي مُنح للسكان. ويوضح: “الكثير من الأسر كانت تمتلك مساكنها، لكن الوحدات البديلة لم تُسلم لهم بعقود تمليك، وإنما بحق انتفاع، وهو ما يثير إشكاليات قانونية تتعلق باستقرار الملكية وانتقالها إلى الورثة.”

ويضيف أن هذه الوقائع كانت محل طعون أمام محكمة القضاء الإداري بالإسكندرية، موضحًا أن المحامي حمدي خلف أقام عشرات الدعاوى نيابة عن المتضررين، معتبرًا أن هذه القضايا تعكس نمطًا متكررًا في تطبيق قانون نزع الملكية.

وبالانتقال إلى أزمة طوسون، يرى فتوح أن القضية لا تتعلق بمبدأ التعويض فقط، وإنما بمدى عدالته وكفايته، ويقول: “الجهة الإدارية تتحدث عن وجود تعويضات، لكن السؤال الحقيقي هو: هل تكفي هذه المبالغ لشراء مسكن بديل داخل الإسكندرية؟ في تقديري، الإجابة لا.”

ويشير إلى أن التعويضات تخضع، من حيث المبدأ، لرقابة القضاء، إلا أنه يرى أن هذه الرقابة تتركز غالبًا على مشروعية قرار نزع الملكية ذاته، دون التوسع في فحص مدى كفاية التعويضات أو سلامة إجراءات تنفيذ القرار، ويضيف: “المحكمة تنظر عادة إلى مدى قانونية قرار نزع الملكية، بينما تظل الآثار المترتبة عليه، وفي مقدمتها قيمة التعويض وكيفية تنفيذه، بحاجة إلى رقابة قضائية أكثر اتساعًا.”

ويضرب مثالًا بمشروع مترو أبو قير، موضحًا أن بعض السكان طُلب منهم إخلاء مساكنهم مؤقتًا أثناء تنفيذ الأعمال الإنشائية، مقابل بدل إيجار شهري يبلغ نحو ألفي جنيه. ويعلق قائلًا: “هذا المبلغ لا يكفي لاستئجار مسكن مناسب في الإسكندرية، وهو ما يضع الأسر أمام أعباء مالية لا تستطيع تحملها.”

وبشأن مشروع الطريق في طوسون، يؤكد “فتوح” أن نزع الملكية يجب أن يكون الخيار الأخير بعد استنفاد جميع البدائل الهندسية الممكنة، خاصة إذا كانت هناك مسارات أخرى تحقق الغرض نفسه دون المساس بالمساكن. ويقول: “حق الملكية تحميه أحكام الدستور والقانون والاتفاقيات الدولية التي صدقت عليها مصر، ولذلك لا يجوز المساس به إلا في أضيق الحدود، وبعد إثبات الضرورة الحقيقية.”

ويعتبر أن قانون نزع الملكية رقم 10 لسنة 1990، رغم التعديلات التي طرأت عليه، لم يعد مواكبًا للتحولات العمرانية والاقتصادية التي شهدتها مصر خلال العقود الأخيرة، سواء فيما يتعلق بآليات إعلان أصحاب الشأن، أو تقدير التعويضات، أو ضمانات التنفيذ. ويضيف: “ما زال القانون يعتمد على إجراءات تقليدية لم تعد مناسبة للواقع الحالي، بينما تغيرت أسعار العقارات، وأنماط العمران، ووسائل التواصل مع المواطنين.”

ويطالب فتوح بإعادة النظر في التشريع بما يضمن تحديث آليات نزع الملكية، وإلزام الجهات الإدارية بإعادة تقدير التعويضات وفق القيمة السوقية وقت التنفيذ، مع تمكين القضاء من بسط رقابته الكاملة على تقدير التعويضات، بحيث يكون معيارها الأساسي هو قدرة المواطن على الحصول على مسكن بديل مماثل، وليس مجرد صرف مبلغ مالي لا يواكب الأسعار الفعلية.

 

نوصي للقراءة: جرافات التنمية تقتحم حي الريسة في العريش

ماذا يحدث مؤخرًا؟

تقول ناشطة حقوقية من الإسكندرية زارت منطقة طوسون مؤخرًا، فضلت عدم ذكر اسمها، إنها شاهدت معدات ثقيلة داخل المنطقة، بعد أن كانت قد سمعت من عدد من الأهالي، وكذلك من المحامي محمد رمضان أبو بيبرس، عن بدء وصول معدات إلى موقع المشروع.

وتوضح في حديث لـ”زاوية ثالثة” : “منذ دخول المنطقة كان مسار المحور الجديد ظاهرًا بوضوح، وكنت أقف في مبنى مرتفع يطل على المكان، ومن هناك رأيت المعدات الثقيلة.”

وتصف المشهد قائلة إن حجم المعدات أثار لديها انطباعًا يشبه ما اعتادت رؤيته في صور الجدار الفاصل بالضفة الغربية، مضيفة: “أول ما رأيتها قلت لنفسي: هل أنا في الضفة الغربية؟”.

وتشير إلى أنها رصدت، من مسافة بعيدة، حفارات وجرافات ومعدات رفع ثقيلة متمركزة بالقرب من البحر، وفي محيط الكوبري الجديد الجاري إنشاؤه، مؤكدة أنها لم تتمكن من تحديد أنواعها بدقة بسبب بعدها عن الموقع، لكنها كانت “معدات عملاقة مخصصة لأعمال الإنشاء والهدم”.

كذلك تقول إنها لاحظت آثار إزالة في بعض المباني، موضحة أنها شاهدت من الخارج منازل أزيلت واجهات أجزاء منها أو هُدمت بعض حوائطها، دون أن تتمكن من الوقوف على تفاصيل ما جرى داخل المنطقة. 

وتضيف أن الأحاديث عن قرب تنفيذ الإخلاء كانت متداولة بين الأهالي منذ فترة طويلة، حتى قبل بدء النزاع القضائي، إلا أن أعمال الهدم التي ظهرت مؤخرًا جاءت -بحسب وصفها- بشكل مفاجئ بالنسبة للسكان.

وبشأن الأوضاع الأمنية، تؤكد أنها لم تشاهد احتكاكات مباشرة بين الأهالي والقائمين على الأعمال خلال وجودها، موضحة أن المعدات كانت متمركزة في أراضٍ فضاء بعيدًا عن الكتل السكنية. 

وترى أن اختيار هذه المواقع “قد يكون محاولة لتجنب أي احتكاك مع السكان في المرحلة الأولى”، مضيفة أن هذا الأسلوب يذكرها بما جرى في جزيرة الوراق، حيث بدأت الأعمال في مناطق خالية قبل الاقتراب من المناطق المأهولة.

وتعتقد أن طريقة التعامل مع كل منطقة تختلف بحسب طبيعتها العمرانية والاجتماعية، موضحة أن جزيرة الوراق، على سبيل المثال، ما زالت تشهد مقاومة عند مداخلها، ولم تتمكن الجهات المنفذة من التوغل إلى قلب الجزيرة، بسبب طبيعتها الجغرافية وترابط سكانها. أما رأس الحكمة، فتختلف، لأن المساكن هناك متباعدة، وهو ما يجعل تنفيذ الإزالات أكثر سهولة.

أما في طوسون، فتؤكد أن الوضع مختلف، لأن المنطقة تضم كتلة سكنية متصلة وكثيفة، وهو ما يجعل تنفيذ عمليات إزالة واسعة النطاق أكثر تعقيدًا. وتضيف: “لا أعتقد أن اللجوء إلى الإزالة المباشرة سيكون الخيار الأول، بل ربما يكون الخيار الأخير بعد استنفاد وسائل أخرى.”

وترى أن الوسيلة الأكثر ترجيحًا هي استمرار شراء المنازل من السكان، معتبرة أن هذا المسار “أقل تكلفة وأقل إثارة للمواجهة”، في إشارة إلى ما يتداوله الأهالي بشأن شراء بعض الوحدات السكنية داخل المنطقة.

عمليات الهدم في طوسون

وعن التعويضات، تقول إن أي مبالغ يحصل عليها السكان لن تكون كافية لتوفير سكن بديل داخل الإسكندرية في ظل الأسعار الحالية للعقارات. وتوضح: “حتى لو حصل شخص على 300 ألف جنيه، فمن الصعب جدًا أن يتمكن من شراء شقة أخرى داخل المدينة، إلا ربما في مناطق بعيدة للغاية، كما أن بعض المنازل تضم أكثر من أسرة، وبالتالي فإن التعويض لا يغطي احتياجات جميع المقيمين.”

وتلفت إلى أن الخسارة لا تقتصر على المسكن وحده، بل تمتد إلى مصادر الرزق وشبكات العلاقات الاجتماعية التي بناها السكان على مدار سنوات. وتقول إن كثيرًا من أهالي طوسون يعملون داخل المنطقة أو يمتلكون ورشًا ومحالًا ومشروعات صغيرة، وبالتالي فإن الانتقال إلى مكان آخر يعني فقدان تلك الروابط الاقتصادية والاجتماعية، فضلًا عن تحمل أعباء إضافية تتعلق بالمواصلات وبعد أماكن العمل.

وتصف ما يجري بأنه “تهجير قسري حتى وإن اقترن بتعويض مالي”، موضحة أن جوهر المشكلة لا يتعلق بقيمة التعويض، وإنما بحق السكان في البقاء في مساكنهم واختيار ما إذا كانوا يريدون بيعها من عدمه. وترى أن تجارب مشابهة شهدتها مناطق أخرى، من بينها محيط ميناء العريش، أظهرت أن نقل السكان إلى أماكن بديلة لا يعوضهم عن ارتباطهم التاريخي والاقتصادي بالمكان الذي عاشوا فيه لسنوات.

صراع ممتد منذ 17 عام

تعود جذور الأزمة إلى نزاع ممتد مع أجهزة الدولة بدأ قبل أكثر من 17 عامًا، ففي عام 2008، شهدت المنطقة أولى موجات الإخلاء عقب صدور القرار رقم 957 لسنة 2008 بنزع ملكية مساحات من الأراضي الزراعية.

وفي 12 مايو من العام نفسه، نفذت الأجهزة التنفيذية بمحافظة الإسكندرية قرارات إزالة لعدد من المنازل، بمشاركة قوات من الأمن المركزي وآليات الهدم، استنادًا إلى اعتبار الأرض من أملاك الدولة، وأن المباني المقامة عليها مخالفة للقانون، وفق ما أعلنته الجهات الرسمية آنذاك. بينما يؤكد الأهالي أنهم كانوا يقيمون على تلك الأراضي منذ سنوات طويلة، وأنها تمثل مصدر رزقهم الرئيسي.

كانت مساحة الأرض محل النزاع تبلغ نحو 42 فدانًا من الأراضي الزراعية التي تعتمد في ريها على ترعة المنتزه، وظلت لعقود ضمن الرقعة الزراعية المنتجة في المنطقة، إلا أن أعمال الردم التي نُفذت في إطار مشروعات التطوير العمراني أدت، بحسب سكان المنطقة، إلى فقدان الأرض مصدر الري وتحولها إلى أرض غير صالحة للزراعة، ما أجبر المزارعين على هجرها بعد تراجع قيمتها الإنتاجية.

حكم قضائي لم ينهِ النزاع

لجأ عدد من الأهالي إلى القضاء الإداري للطعن على قرارات الإزالة، وفي مايو 2009 أصدرت محكمة القضاء الإداري حكمًا بوقف تنفيذ تلك القرارات، وهو ما اعتبره السكان آنذاك انتصارًا قانونيًا منحهم أملاً في الحفاظ على ممتلكاتهم.

غير أن الأزمة لم تنتهِ عند هذا الحد، فبحسب ملفات التقاضي ووثائق اطلع عليها الأهالي وفريق دفاعهم، فُرضت لاحقًا إجراءات حراسة على نحو 30 فدانًا من الأراضي المتبقية، قبل أن تنتقل ملكيتها إلى محافظة الإسكندرية، وهي خطوة يرى محامو الأهالي أنها تخالف الضمانات التي يقررها قانون الإصلاح الزراعي رقم 3 لسنة 1986 فيما يتعلق بالتصرف في الأراضي الزراعية وآليات التعويض. في المقابل، استمرت الجهات التنفيذية في التعامل مع الأرض باعتبارها من أملاك الدولة.

وفي أبريل 2025، أصدر محافظ الإسكندرية الفريق أحمد خالد القرار رقم 88 لسنة 2025 بتشكيل لجنة لحصر التعارضات الواقعة على مسار الطريق الدائري الجديد بشرق المدينة، والذي يمتد بطول نحو 23 كيلومترًا، وفي 22 أكتوبر 2025، نشرت الجريدة الرسمية قرار رئيس مجلس الوزراء بنزع ملكية عدد من الأراضي والعقارات الواقعة في نطاق طوسون لتنفيذ الطريق وربطه بمحور المحمودية.

ويرى الأهالي أن المشروع لا يقتصر على تطوير البنية التحتية، بل يرتبط أيضًا بتسهيل الوصول إلى مشروع سياحي خاص يجري تنفيذه في المنطقة، وهو ما يجعلهم يعتبرون أن مسار الطريق الحالي يخدم اعتبارات استثمارية كان يمكن تحقيقها عبر بدائل أقل كلفة اجتماعيًا، بينما لم تعلن الحكومة وجود مثل هذا الارتباط أو ترد على تلك الاتهامات.

ويقول الأهالي إن مخاوفهم لا تقتصر على فقدان المساكن، وإنما تمتد إلى غياب ضمانات واضحة بشأن إعادة التسكين أو توفير تعويضات تتيح لهم الانتقال إلى مناطق بديلة داخل الإسكندرية، بينما تؤكد الحكومة أن إجراءات نزع الملكية تتم في إطار القانون ولتنفيذ مشروعات ذات منفعة عامة، مع صرف التعويضات المقررة وفقًا للإجراءات القانونية المنظمة لذلك.

اعتقال ممثل الأهالي

مع تصاعد الأزمة، اختار السكان عبد الله محمد السيد (29 عامًا) لتمثيلهم أمام الجهات الحكومية والإعلامية، وتنسيق التحركات القانونية الخاصة بالقضية، والذي أُلقي القبض عليه في سبتمبر 2025، بعد أيام من لقاء جمعه بالفريق كامل الوزير، نائب رئيس مجلس الوزراء للتنمية الصناعية ووزير النقل والصناعة، لعرض مطالب الأهالي.

وأحيل عبد الله إلى نيابة أمن الدولة العليا، التي وجهت إليه اتهامات بالانضمام إلى جماعة إرهابية وتمويلها، ونشر أخبار كاذبة، وإساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، ثم أفرج عنه لاحقًا.

وكانت محكمة القضاء الإداري بالإسكندرية قد أحالت، في ديسمبر الماضي، الدعوى المقامة من 62 من أهالي منطقة طوسون ضد كل من رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء ومحافظ الإسكندرية إلى هيئة مفوضي الدولة لإعداد تقرير بالرأي القانوني، مع رفض الشق المستعجل من الدعوى.

وخلال نظر القضية، دفع فريق الدفاع، الذي ضم محامين من بينهم ممثلون عن المبادرة المصرية للحقوق الشخصية- بانتفاء صفة المنفعة العامة عن مشروع الطريق المزمع تنفيذه، معتبرًا أن المشروع يخدم أغراضًا استثمارية أكثر من كونه يحقق منفعة عامة. كما قدم الدفاع مستندات وخرائط قال إنها تُظهر وجود طريق قائم بالفعل، وطالب بتمكينه من الحصول على خرائط رسمية للمشروع والأراضي المحيطة به، تمهيدًا لعرضها على لجنة من أساتذة هندسة الطرق بجامعة الإسكندرية، لبيان مدى الحاجة الفعلية للمشروع وإمكانية تنفيذه عبر مسارات بديلة لا تستلزم إزالة الكتلة السكنية.

تعقيبًا على قرار المحكمة، قالت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية إن رفض الشق المستعجل لا يتسق مع المخاطر التي يواجهها سكان طوسون، في ظل ما وصفته بتهديد مباشر لحقهم في السكن، مؤكدة استمرارها في تقديم الدعم القانوني للأهالي، والدفاع عن حقهم في المشاركة والشفافية والاطلاع على المشروعات العامة التي تمس مساكنهم وملكياتهم.

 

نوصي للقراءة: صيادو بحيرة ناصر يرفضون منح مستقبل مصر 40% من إنتاجهم دون مقابل


مئات الأسر أمام شبح الإزالة

بحسب بيانات الحصر التي أعدها ممثلو الأهالي، يشمل مشروع نزع الملكية نحو 320 منزلًا، إضافة إلى أربعة مساجد وكنيسة مرخصة تخدم سكان المنطقة، الذين يتجاوز عددهم خمسة آلاف نسمة، وينتمي معظمهم إلى الأسر العاملة وذوي الدخل المتوسط والمحدود.

ورصدت الدولة تعويضات إجمالية تُقدر بنحو مليار و262 مليون جنيه موزعة على 596 قطعة أرض وعقار، بمتوسط يقارب 2.1 مليون جنيه للعقار الواحد. إلا أن الأهالي يعتبرون أن هذه التقديرات لا تتناسب مع القيمة السوقية للعقارات في الإسكندرية، ولا تكفي لتوفير مساكن بديلة في ظل الارتفاع الكبير في أسعار العقارات.

في مواجهة مشروع الإزالة، لم يكتفِ الأهالي بالطعن القانوني، بل استعانوا بمكتب استشاري هندسي لإعداد دراسة تقترح مسارًا بديلًا للطريق، ووفقًا للدراسة، فإن المسار المقترح يحقق الغرض المروري نفسه دون الحاجة إلى إزالة الكتلة السكنية القائمة، مع الحفاظ على كفاءة الطريق واستيعابه للحركة المرورية. ويقول ممثلو الأهالي إنهم تقدموا بهذه الدراسة إلى الجهات المختصة، إلا أنها لم تعتمد، كما لم يتلقوا -بحسب روايتهم- ردًا فنيًا يفند المقترح أو يوضح أسباب رفضه.

ويرى الأهالي أن تجاهل البديل يعزز مخاوفهم من أن الاعتبارات الاستثمارية كانت حاضرة في اختيار المسار النهائي للمشروع، بينما تؤكد الحكومة أن أعمال نزع الملكية تأتي في إطار تنفيذ مشروعات المنفعة العامة وتطوير شبكة الطرق.

منطقة تاريخية على مسار مشروع الطريق الجديد

تقع منطقة طوسون في نطاق حي ثان المنتزه، شرقي محافظة الإسكندرية، الذي يبلغ عدد سكانه نحو 575 ألف نسمة وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لعام 2023. وتتوسط المنطقة الحي تقريبًا، ويقطنها ما يقارب خمسة آلاف نسمة، معظمهم من الأسر التي استقرت فيها منذ تسعينيات القرن الماضي بحسب “ديوان العمران”.

وتحمل المنطقة اسم الأمير عمر طوسون، حفيد محمد علي باشا، وتكتسب أهمية تاريخية إلى جانب بعدها الاجتماعي، إذ تضم عددًا من المعالم الأثرية، أبرزها قصر الأمير عمر طوسون، الذي يعود إلى عصر أسرة محمد علي، ويتميز بطراز معماري يعكس تلك الحقبة. إلا أن القصر يعاني حاليًا من الإهمال، ويُستخدم كمخزن تابع لإحدى الجهات التعليمية، إلى جانب وجود معالم تاريخية أخرى في محيط المنطقة، من بينها قلعة كوسا باشا ومواقع أثرية مرتبطة بخليج أبي قير.

وفي هذا السياق، حذر الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، في تصريحات لـ”ديوان العمران”، من أن تنفيذ مشروعات إنشائية في محيط خليج أبي قير قد يؤثر على مواقع تراثية ذات قيمة عالمية، تضم مدنًا غارقة وسفنًا أثرية. وقال إن مصر طرف في اتفاقية اليونسكو لعام 2001 بشأن حماية التراث الثقافي المغمور بالمياه، الأمر الذي يقتضي إجراء دراسات أثرية متخصصة قبل تنفيذ أي أعمال إنشائية في تلك المناطق، حفاظًا على التراث الذي يصعب تعويضه.

ورغم استمرار النزاع أمام القضاء، تبدو أزمة طوسون أبعد من كونها خلافًا على مسار طريق أو قيمة تعويضات. فهي تطرح سؤالًا أوسع حول الكيفية التي تُدار بها مشروعات التطوير الكبرى، وبينما تؤكد الحكومة أن مشروعات نزع الملكية تُنفذ وفق القانون ولتحقيق المنفعة العامة، يتمسك الأهالي ومحاموهم بأن هذه المنفعة لا تتحقق إلا إذا اقترنت بالشفافية، ودراسة البدائل الأقل ضررًا، وضمان تعويض عادل يكفل استقرار الأسر، واحترام حق المواطنين في التقاضي قبل أن تتحول القرارات الإدارية إلى ” أمر واقع”.

رشا عمار
صحفية مصرية، عملت في عدة مواقع إخبارية مصرية وعربية، وتهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية.

Search