سند المواطن يعدك بعائد 17%.. لكن التضخم أسرع منه

الادخار المحلي في مصر لا يتجاوز 1.2% من الناتج المحلي الإجمالي، وتمويلات الأفراد من البنوك بلغت 1.53 تريليون جنيه في أبريل 2026، فيما جمع سند المواطن 7.7 مليار جنيه مقابل 1.5 تريليون للشهادات البنكية، وعائده 17.75% يقل عن سعر الإيداع البنكي 19%
Picture of إبراهيم الهادي عيسى

إبراهيم الهادي عيسى

تستعد الحكومة المصرية، مؤخرًا  لطرح إصدار ثالث من “سند المواطن”، عبر مكاتب البريد بمختلف المحافظات، بهدف توفير سيولة مالية تسهم في سداد الديون، وتوفير بدائل ادخارية للمواطنين عن الشهادات البنكية. 

ويستهدف سند المواطن جمع سيولة لسد عجز الموازنة، فيما تعتبره الحكومة فرصة للمواطنين للاستثمار المباشر الآمن في الأوراق المالية الحكومية، حسبما يقول الخبير المصرفي هاني أبو الفتوح لـ”زاوية ثالثة”.

وكانت وزارة المالية طرحت، في 22 فبراير الماضي، عبر مكاتب البريد “سند المواطن” للأفراد بعائد سنوي ثابت (17.75٪) يصرف شهريًا لمدة 18 شهرًا، كأداة ادخارية آمنة بعائد دوري ثابت، حسب تصريحات مسئولين حكوميين، لمنح المواطنين فرصة للاستثمار المباشر في الأوراق المالية الحكومية بسهولة.

وفي 4 أبريل الماضي، أُصدر الطرح الثاني لسند المواطن، بينما بلغت قيمة مبيعات الطرح الثاني نحو ملياري جنيه، مع نيّة وزارة المالية لطرح ثالث مع التوسع في بيع سند المواطن عبر البنوك لزيادة قاعدة المستفيدين، دون استهداف حصيلة محددة من الطرح.

فيما صرّح وزير المالية أحمد كجوك في 29 مارس الماضي بعد انتهاء الطرح الأول بنحو 19 يومًا، بأن مبيعات سند المواطن حققت نحو 5.7 مليار جنيه، واصفًا الإقبال على الاكتتاب في السندات بـ”الكبير” بعدما حقق حصيلة مميزة في 3 أسابيع، حسب تصريحاته. وانتهى الطرح الأول لسند المواطن في 10 مارس الماضي بعدما بدأ الاكتتاب به في 22 فبراير 2026، وفق البيانات الرسمية.

في المقابل وصفت تقارير الإقبال سند المواطن بـ”المحدود”، مقارنة بالشهادات البنكية التي طرحها البنك الأهلي المصري وبنك مصر في يناير 2024 والتي حققت نحو 1.5 تريليون جنيه

وكان “كجوك” قد صرح بأن مصر تسعى لتنويع أدوات وأسواق ومصادر التمويل وتستهدف مسارًا نزوليًا لدين أجهزة الموازنة، مشيرًا إلى أن الحكومة المصرية تسعى إلى التوسع في مبادلة جزء من الديون باستثمارات في كل المجالات عبر نماذج تمويلية مبتكرة.

ويصف هاني  أبو الفتوح أداة سند المواطن بأنها “على الورق تبدو الفكرة ذكية”، معللًا ذلك بأن الوصول للسندات عبر مكاتب البريد يفتح الباب أمام شرائح لا تتعامل بسهولة مع أدوات الدين التقليدية ولا الإجراءات المصرفية المعقدة، بفئات للمدخر المتوسط والصغير لا المستثمر المحترف وحده.

وتعرف أدوات الدين الحكومي بأنها عقود مالية تصدرها الدولة، ممثلة في وزارة المالية والبنك المركزي، للاقتراض من الأفراد والمؤسسات لتمويل مشاريع التنمية الاقتصادية وسد عجز الموازنة العامة أو السيطرة على التضخم.

ويرى “أبو الفتوح” أن حصيلة بنحو .75 مليار جنيه في الإصدار الأول ثم نحو ملياري جنيه في الإصدار التالي تبدو جيدة لأداة دين جديدة موجهة للأفراد لكنها لا تكفي لإعلان نجاح جماهيري واسع، فالطلب موجود، حسب أبو الفتوح، لكنه لم يتحول إلى موجة إدخار شعبية كبيرة.

ولكن الخبيرة الاقتصادية سلمى حسين، ترى أن حصيلة سند المواطن بنحو 7.7 مليار جنيه بعد الطرحين السابقين تظل “نقطة في بحر”، حسب تعبيرها، مقارنة بحجم الاحتياجات التمويلية الحكومية، معتبرة أن الأرقام لا تعكس إقبالًا كبيرًا على الأداة الاستثمارية.

وتضيف “سلمى” لـ”زاوية ثالثة” أن السندات تستهدف في الأساس أصحاب المدخرات الصغيرة، لكنها تقدم في المقابل عائدًا منخفضًا نسبيًا مقارنة بالعوائد المتاحة على أدوات الدين المحلي الأخرى كأذون الخزانة، موضحة أن المستثمر في سند المواطن قد يتخلى عن مبلغ السند لفترة طويلة بينما يظل عائده أقل من معدل التضخم، وهو ما يعني تآكل القوة الشرائية للأموال بمرور الوقت.

 

وكانت صحف قد رصدت قلّة الإقبال على شراء سندات المواطن من مكاتب البريد، بينما أرجع خبراء ذلك إلى ندرة المعلومات عن المزايا والشروط المتعلقة بها والضوابط المطروحة للعملاء.

وأشارت الخبيرة الاقتصادية إلى أن الحد الأدنى للاكتتاب البالغ 10 آلاف جنيه للشهادة الواحدة يمثّل حاجزًا أمام شريحة واسعة من صغار المدخرين، لا يمتلكون تلك المبالغ التي قد تكون “ضخمة” بالنسبة لهم.

 

نوصي للقراءة: تسريع التخارج من الأصول تحت ضغط التمويل والإصلاحات الدولية

الفكرة خاطئة من الأساس

يصف الخبير الاقتصادي الدكتور حسن الصادي، فكرة “سند المواطن” بأنها خاطئة من الأساس، لأنها بُنيت على افتراض أن المواطن المصري يمتلك فوائض مالية يبحث عن أدوات لاستثمارها أو ادخارها، بينما الواقع الاقتصادي يشير إلى أن قطاعًا واسعًا من المواطنين يعاني ضغوط معيشية متزايدة.

ويضيف الصادي لـ”زاوية ثالثة” أن طرح سند بفئات 10 آلاف جنيه استند إلى تصور الحكومة وجود مدخرات لدى محدودي ومتوسطي الدخل، في حين أن المشكلة الأساسية، حسب تقديره، هي “ضعف الدخول”، مشيرًا إلى أن شريحة كبيرة من المواطنين لا تمتلك فائضًا ماليًا للادخار، بل تعاني فجوة بين الدخل والإنفاق، لافتًا إلى أن القروض الاستهلاكية أصبحت من أكثر أشكال المديونية انتشارًا بين الأسر لتغطية الاحتياجات الأساسية.

وأظهرت بيانات البنك المركزي المصري ارتفاع تمويلات الأفراد لتصل إلى 1.53 تريليون جنيه حتى أبريل 2026، لا سيما أن استمرار معدلات التضخم عند مستويات مرتفعة يدفع العملاء إلى اللجوء للاقتراض لتلبية احتياجاتهم الاستهلاكية.

وحسب تقارير وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية، بلغ معدل الاستثمار في مصر نحو 12.9٪ من الناتج المحلي الإجمالي خلال العام المالي 2024-2025، بينما لم يتجاوز الادخار المحلي 1.2٪، وهو ما أدى إلى اتساع فجوة الموارد المحلية إلى 11.7٪ من الناتج المحلي الإجمالي.

بينما تصف الخبيرة المصرفية سهر الدماطي حصيلة “سند المواطن” البالغة نحو 7.7 مليار جنيه منذ إطلاقه بـ”نتيجة جيدة”، معللة ذلك بأن الأداة طُرحت منذ نحو 5 أشهر فقط، مضيفة أن عائد السند لمدة عام ونصف يمنح المواطنين فرصة للاستثمار عبر أداة ادخارية جديدة بـ10 آلاف جنيه، واصفة أنه “ليس رقماً كبيراً للفئة المستهدفة”.

وتقول لـ”زاوية ثالثة” إن الإقبال الأكبر على السند كان من سكان القرى والمراكز، بسبب قِصر مدة الاستثمار نسبياً وانخفاض الحد الأدنى للاكتتاب فضلاً عن مستوى العائد الذي وصفته بأنه “جيد”.

وفيما يتعلق بمقارنة “سند المواطن” وشهادات استثمار قناة السويس 2014، وصفت الخبيرة المصرفية المقارنة بـ”غير دقيقة”، موضحة أن مشروع قناة السويس حمل طابعاً وسمته بـ”قومي”، مشيرة إلى أن شهادات قناة السويس كانت متاحة بمبالغ مختلفة دون قيود كبيرة على المشاركة، ما سمح حتى لأصحاب المدخرات المحدودة بالاكتتاب فيها.

وقبل نحو 12 عامًا، أقبل المواطنون على البريد المصري للاستثمار في شهادات قناة السويس الجديدة عبر مكاتبه المنتشرة، وتمكنت مكاتب البريد وحدها من جمع نحو 750 مليون جنيه من حصيلة 60 مليار جنيه جُمعت للمشروع بأكمله.

كذلك يصف أستاذ الاقتصاد الدكتور كريم العمدة قيمة السند الواحد المقومة بـ10 آلاف جنيه بـ”مناسبة” لصغار المدخرين من العمال والفلاحين وربات المنازل وأصحاب المشروعات الصغيرة والمحال التجارية، مشيرًا إلى العائد السنوي يبلغ 17.75٪ لمدة 18 شهراً مع صرف العائد شهريًا وإعفائه من الضرائب، وهي مزايا، حسب العمدة، توافق احتياجات شريحة واسعة من المواطنين الباحثين عن دخل دوري منتظم.

بينما يستبعد “العمدة” اعتبار حصيلة “سند المواطن” مؤشراً مباشراً على الأوضاع الاقتصادية أو الاجتماعية للطبقة المتوسطة، موضحاً أن السند في جوهره ليس منتجاً مالياً جديداً، بل نسخة مبسطة وميسرة من السندات الحكومية التقليدية.

ويتابع أن الدولة صممت الأداة لتناسب احتياجات المواطنين عبر توفير عائد شهري وإعفاءات ضريبية وإتاحة الاكتتاب عبر مكاتب البريد المنتشرة، لتسهيل الوصول إليها في القرى والمراكز والأحياء دون حاجة للتعامل مع إجراءات مصرفية معقدة.

سند المواطن.. فشل محقق أم نجاح باهت؟

يقول الدكتور كريم العمدة إن الحديث عن نجاح أو فشل السندات في هذه المرحلة قد يكون مبكراً، مرجحاً زيادة الإقبال عليها تدريجياً مع زيادة الوعي بطبيعتها ومزاياها، خاصة أنها تشبه إلى حد كبير شهادات الادخار المصرفية المعروفة لدى المواطنين.

ويضيف العمدة أن إحدى المزايا المهمة للأداة الجديدة تتمثل في أن طرحها يستهدف تسهيل وصول المواطنين العاديين لأدوات الاستثمار الحكومية، بينما تستقطب السندات التقليدية البنوك وصناديق الاستثمار المحلية والدولية والمؤسسات المالية.

وفيما يتعلق بحجم الحصيلة، قال العمدة إن 7.7 مليار جنيه ليست ضعيفة، بل رقم معقول في ضوء حداثة الأداة وعدم المعرفة الكافية بها بين المواطنين، حسب وصفه، مبينًا أن الثقة في السياسات الاقتصادية تلعب دوراً مهماً لجذب المدخرات، بجانب أهمية الترويج والتوعية الجيدة بالأداة الاستثمارية وآلية عملها ومزاياها.

بينما يقول هاني أبو الفتوح إن ميزة سند المواطن تتمثل في أنه حاول مخاطبة جمهور غير مصرفي بلغة بسيطة عبر البريد، واصفًا لها بأنها “نقطة قوة تسويقية”، مشيرًا إلى ميزة أخرى، حسب تقديره، وهي إمكانية الاسترداد بعد 4 أشهر، ما يخفف خوف الالتزام الكامل حتى الاستحقاق، ولكنه يتساءل: هل يريد المواطن أداة ادخار جديدة أم يريد عائداً يحميه من تآكل القوة الشرائية؟

أبو الفتوح يرى أن سند المواطن لم يفشل، لكنه لم يثبت بعد أنه تحول إلى أداة ادخار جماهيرية، ويشير إلى أن نجاحه الحقيقي لن يُقاس بالحصيلة الأولى فقط إنما بقدرته على كسب مدخرين يريدون الأمان والسيولة وعائداً لا يذوب سريعاً في فاتورة الحياة.

بينما تتخوف سلمى حسين من تكبد المواطنين خسائر في ظل انخفاض العائد النسبي من سند المواطن، مشيرة إلى أن إصدار أوراق مالية طويلة الأجل أمر إيجابي للحكومة لكنه يلائم كبار المستثمرين والشركات الكبرى، بينما يُفترض، حسب سلمى، تقليص الاعتماد على أدوات الدين قصيرة الأجل مثل أذون الخزانة.

تضيف الخبيرة الاقتصادية أن هيكل الدين الحكومي “معكوس” حسب وصفها، إذ تعتمد الحكومة على أذون الخزانة قصيرة الأجل بصورة أكبر، وهو ما يرتب عليها التزامات مرتفعة للغاية نتيجة أسعار الفائدة التي تقترب من 30٪، في حين يمثل الدين طويل الأجل نسبة أقل من إجمالي الاقتراض، مشيرة إلى أن عائد .7517٪ على هذه سند المواطن بفارق نحو 13٪ يدفع المواطن للاستثمار في أذون الخزانة قصيرة الأجل.

محدودية الإقبال

فيما يتعلق بالبعد الاجتماعي، توضح سلمى حسين أن نسب الفقر بين المصريين التي تتراوح بين 35٪ و37٪ لا يعني بالضرورة أن طرح أدوات ادخارية أمر غير مبرّر، مشيرة إلى أن شهادات الاستثمار القديمة كانت جاذبة لصغار المدخرين من خلال فئات بسيطة تبدأ من 10 جنيهات و20 جنيهًا و100 جنيه ومضاعفاتها.

منذ 2020، لم يُصدر الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، مؤشر الفقر الذي اُعتيد إصداره ضمن بحث الدخل والإنفاق كل عامين، إلا أن مصادر مطلعة ذكرت أن معدل الفقر بمنتصف 2023 تجاوز 35.5٪ من المصريين، بينما أشار البنك الدولي في تقرير  في 2025 إلى أن خط الفقر هو الحاجز الأقل من 6.85 دولار يوميًا، وهي نسبة نحو 66٪ من المصريين.

تضيفت سلمى أن بدء الاكتتاب في أداة ادخار تبدأ من 10 آلاف جنيه يعني عمليًا أنها تستهدف الطبقة الوسطى أكثر من استهدافها لصغار المدخرين، مشيرة إلى أن ذلك يستبعد قطاعًا كبيرًا من المواطنين محدودي الدخل.

وتتابع أن بعض أفراد الطبقة الوسطى قد يجدون في هذه السندات وسيلة مناسبة لاستثمار مدخراتهم، حتى لو كان ذلك عبر جمع المبلغ من خلال “جمعية” أو وسائل ادخارية أخرى، إلا أن مستوى العائد الذي وصفته بـ”الضئيل” يظل مصدر قلق.

 

وفيما يتعلق بعلاقة ما تطرحه الحكومة من أدوات ادخار ومستويات الأجور، تذكر الخبيرة الاقتصادية أن الحكومة لا تستهدف أساسًا الشرائح الأدنى دخلًا في طرحها، مشيرة إلى أن الفئة المستهدفة تبدو أقرب إلى كبار الموظفين أو الأسر ذات الفائض المالي، لافتة إلى أن انخفاض معدلات الادخار بين الشرائح الأقل دخلًا “أمر طبيعي”.

من جهته، يذكر الدكتور حسن الصادي أن معدلات الفقر المرتفعة بمصر واتساع قاعدة المستفيدين من برامج الدعم الاجتماعي، مثل برنامج “تكافل وكرامة” الذي يضم ما يناهز 5 ملايين أسرة، تعكس محدودية قدرة المواطنين على توجيه جزء من دخولهم إلى أدوات ادخارية أو استثمارية.

فوفق وزارة التضامن الاجتماعي، فإن برنامج تكافل وكرامة يدعم نقديًا 4.7 مليون أسرة من الأسر الأولى بالرعاية بما يقرب من 17 مليون مواطن تقريبًا بموازنة تبلغ 54 مليار جنيه سنوياً.

ويعتبر الصادي أن ضعف الإقبال على أدوات الحكومة الادخارية “مؤشر على محدودية السيولة المتاحة لدى الأفراد”، ذاكرًا أن حصيلة سند المواطن على سبيل المثال نحو 7.7 مليار جنيه وجُمعت من طرحيَن بينما لا تعكس نجاحًا حقيقيًا، مضيفًا أن تقييم التجربة يجب ألا يقتصر على قيمة الحصيلة المحققة، بل يجب أن يأخذ في الاعتبار التكاليف الإدارية والتسويقية والتنظيمية المرتبطة بعملية الإصدار، متسائلًا: “سند المواطن جمع 7.7 مليار جنيه.. فما التكلفة الإدارية لجمع هذا المبلغ مثل الموظفين ومقرات البريد والأوراق وكل ما يتعلق باستصدار السندات؟”.

ويرى الصادي أن محدودية إقبال المواطنين العاديين -وليس المؤسسات- على أدوات الحكومة المالية ترسل إشارات سلبية للمستثمرين الأجانب بشأن حجم السيولة المتاحة في السوق المحلية وقدرة المواطنين على الادخار، وهو ما قد يؤثر على تقييم بعض المستثمرين لفرص الاستثمار في السوق المصرية، مشيرًا إلى أن ضعف مستويات الدخل ينعكس على قطاعات أخرى مثل التعليم والصحة وتنمية رأس المال البشري، وهي عوامل تؤثر على جاذبية الاقتصاد للاستثمارات الجديدة.

من ناحيته، يشير الدكتور كريم العمدة إلى أن محدودية الإقبال النسبي على أدوات الحكومة المالية المطروحة للمواطن لا ترتبط بضعف القدرة الادخارية للمواطنين، وإنما ترجع بدرجة أكبر إلى أن غالبية المدخرين ما زالوا يفضلون الأدوات التقليدية المعتادة مثل شهادات الادخار بالبنك الأهلي وبنك مصر، رغم تشابههما في جوهرهما، متوقعاً أن يؤدي تراكم الخبرة وزيادة الوعي إلى رفع معدلات الإقبال عليها مستقبلاً.

بينما استبعدت سهر الدماطي أن يكون تراجع القدرة الشرائية أو ارتفاع معدلات الفقر السبب الرئيس وراء ضعف حصيلة ما تطرحه الحكومة من أدوات مالية ادخارية، مشيرة إلى أن “سند المواطن” جمع نحو 7.7 مليار جنيه خلال فترة قصيرة نسبياً، ما يشير إلى طلب فعلي على الأداة، وأن العامل الأكثر تأثيراً هو ضعف الانتشار الإعلامي، واصفة عائد السند بنسبة 17.75٪ لمدة عام ونصف بـ”مقبول”.

وتفسر سهر أن العامل الأهم وراء عدم تحقيق حصيلة أكبر من “سند المواطن” تحديدًا، أن الإعلان عنه لم يحظَ بانتشار كافٍ بالمحافظات والمراكز والقرى رغم ارتباط تلك المناطق جيدًا بشبكة مكاتب البريد، مشيرة إلى أن كثيراً من المواطنين لم يعرفوا بطرح السند من الأساس حتى ببعض المحافظات.

 

نوصي للقراءة: موازنة مصر 2027.. ضرائب أكثر، حماية أقل

المواطن لا يثق الحكومة.. حجة مألوفة وردود معروفة

يذكر هاني أبو الفتوح أن المشترين لسند المواطن ليسوا كبار المستثمرين، وإنما مدخرون يبحثون عن دخل شهري واضح، ويشرح أن المشكلة تتمثل في نقص السيولة وجاذبية الأداة، إذ إن التضخم العام عند 14.6٪ بنهاية شهر مايو الماضي يُبقي سؤال القوة الشرائية حاضراً، كما أن سعر عائد الإيداع عند 19٪ يجعل المقارنة صعبة، لأن سند المواطن يأتي بعائد 17.75٪ بأقل من سعر الإيداع بنحو 1.25٪، ومن ثم، فإن المدخر يتساءل عما يتبقى من له العائد بعد ضغط الأسعار.

ويفسّر أبو الفتوح أن الأسرة التي كانت تدخر جزءاً من دخلها قد تجد نفسها مضطرة إلى الاحتفاظ بسيولة أكبر للطعام والمواصلات والدواء والمدارس، بينما المال الذي كان يذهب إلى ادخار متوسط الأجل قد يتحول إلى احتياطي للطوارئ، مشيرًا إلى أن تراجع مساحة الادخار لدى الطبقة المتوسطة لا يمكنها من رفاهية تجميد المال.

ويضيف أن مفارقة ثقة المواطن بالحكومة حاضرة، لكن بطريقة أكثر تعقيداً، إذ إن تحويل الفرد إلى دائن مباشر للحكومة يحتاج خطاباً واضحاً حول الغرض من أدوات الحومة المالية وفهم موقعها بين الشهادات والودائع وأذون الخزانة والبدائل الأخرى، مشيرًا إلى أن المواطن حال شعوره بارتفاع العائد لاحقاً فإنه قد ينتظر بينما إذا أحس باستمرار التضخم فإنه قد يفضّل الاحتفاظ بالسيولة أو البحث عن وسائل أخرى.

وفي ذات السياق، تذكر سلمى حسين أن الحكومة قد تحتاج إلى ترويج أكبر لأدواتها المالية المعروضة على المواطنين، لكنها رأت في الوقت نفسه أن هناك “عدم توافق بين الهدف والوسيلة”، موضحة أن نجاح أي أداة مالية يتطلب وضوح الهدف الأساسي من طرحها.

وتضيف أن هدف الحكومة إذا تمثل في زيادة معدلات الادخار لدى المواطنين، فإنه من الأفضل طرح فئات أصغر للأدوات المالية، مثل 1000 جنيه وأضعافها، بما يسمح بمشاركة شرائح أوسع من المواطنين ويقلل من رهبة استثمار كامل المدخرات في ورقة واحدة، مشيرة إلى أن المستثمر المالك 10 آلاف جنيه قد يفضل شراء 10 وحدات صغيرة بدل وحدة واحدة كبيرة، معتبرة أن هذا التصميم يعزز جاذبية الأدوات الادخارية.

ولكنها تذكر، أن الهدف الحقيقي من طرح أدوات حكومية مالية للمواطن هو حصول الحكومة على تمويل طويل الأجل منخفض التكلفة، مشيرة إلى أن ذلك كان ينبغي به استهداف كبار المدخرين مباشرة، مع تقديم عائد أعلى يناسب طبيعة الاستثمار طويل الأجل، كما تشير سلمى إلى أن المنطق الاستثماري يقضي عادة بارتفاع العائد كلما زادت مدة الاستثمار، بينما يحدث العكس مع الحكومة وعلاقتها بالمواطن.

في حين يقول الدكتور حسن الصادي إن الحكومة كان بإمكانها الاتجاه إلى بدائل أخرى لزيادة الإيرادات العامة بدل طرح أدوات مالية للمواطنين، من بينها فرض ضرائب أعلى على الثروات الكبيرة تصل إلى 40٪، مشيرًا إلى أن تطبيق ضريبة على ثروات رجال الأعمال المصريين الممتنعين عن سداد قروض البنوك قد يحقق حصيلة بمليارات الجنيهات، دون الحاجة لبخس المواطن حقه في استثمار ماله القليل إن وجد، حسب وصفه.

ونوّه الصادي إلى أن السياسات الاقتصادية يجب أن تركز على تحسين مستويات الدخل والقدرة الشرائية للمواطنين قبل طرح أدوات ادخارية تستهدف جذب مدخراتهم، لأن نجاح أي أداة مالية يرتبط أولًا بوجود فوائض مالية حقيقية لدى الفئات المستهدفة.

لا يبدو “سند المواطن” مجرد تقييم لنجاح أو فشل أداة ادخارية جديدة، بل مرآة تعكس واقعًا اقتصاديًا أكثر تعقيدًا، فالحصيلة التي جمعتها السندات خلال أشهر تشير إلى شريحة ما زالت قادرة على الادخار وتبحث عن أدوات آمنة لاستثمار أموالها، لكنها تكشف في الوقت ذاته حدود القدرة الادخارية لدى قطاع واسع من المصريين الذين تلتهم ضغوط المعيشة والتضخم معظم دخولهم، فهل يملك المواطن المصري اليوم ما يكفي ليصبح مدخرًا أصلًا؟

إبراهيم الهادي عيسى
صحفي مهتم بالقضايا الاقتصادية وتقاطعاتها مع العدالة الاجتماعية والقصص الإنسانية

Search