مع اقتراب موعد الجرعة الشهرية، تستعد أسرة منال عبد العظيم (اسم مستعار)، عمرها 57 سنة ومريضة فصام مرحلة رابعة، للبحث عن حقنة “انفيجا”، في صيدليات القاهرة، تتواصل عن طريق الخط الساخن لحجزها، قبل أن تقطع الكيلومترات من الإسكندرية، محل سكنها، إلى القاهرة، للحصول عليها.
منذ العام الماضي تكرر الأسرة هذه المأساة بانتظام، والتي تضاعفت مع غلاء سعر الحقنة إلى جانب نقصانها من السوق تمامًا خلال الأربعة شهور الأخيرة.
تحكي مريم حسن (اسم مستعار) بناءً على رغبتها، أن سعرها في البدء، حين شُخصت الحالة بالفصام قبل ثلاث سنوات، كان ثلاثة آلاف ونصف، ثم قفز إلى خمسة ونصف، ومنذ سنة لم يتمكنوا من العثور على أمبول واحد في صيدليات الإسكندرية، الأمر الذي اضطرهم للمجيء إلى القاهرة شهريًا، وبدلًا من تحمل تكلفة سعر الحقنة فقط، صارت الأسرة تتحمل عبء مادي إضافي، وهو تكلفة التنقل “لأن الصيدلية ترفض شحنها إلى الإسكندرية”.
لتبدأ الأسرة في تخصيص ما يقرب من سبعة آلاف جنيه شهريًا، ثمن الأمبول (جرعة واحدة)، فضلًا عن تكلفة السفر من الإسكندرية إلى القاهرة، ذهاب وعودة، غير أن نقص الحقنة من السوق الفترة الأخيرة، اضطرهم إلى توفير الجرعة كل شهر ونصف بعد أن كانت تتناولها شهريًا “وفي الأوقات التي نتعثر في إيجادها تدخل المريضة في انتكاسات”.
حقنة “انفيجا” هي الحل الوحيد للتعامل مع حالة منال، بحسب حديث الطبيب الذي شخصها قبل ثلاث سنوات بالفصام، تقول إحدى أقاربها من الدرجة الأولى “منال” لـ”زاوية ثالثة” إنها ظلت ترفض تناول الأقراص، بعد خروجها من المصحة، وكانت تلقيها في القمامة دون معرفة أحد من أسرتها، ولهذا السبب لم يكن أمام الطبيب خيارًا آخر غير استبدال الحبوب بالحقنة، لعدم التزامها بالأدوية.
والفُصام هو مرض عقلي خطير يسبب اضطرابات كبيرة في الإدراك وتغيرات في السلوك، وتشمل أعراضه أوهامًا مستمرة، وهلوسات وتفكيرًا غير منظم، وسلوكًا شديد الاضطراب، أو هياجًا شديدًا، مما يجعل صاحبه يعاني من صعوبة في التركيز.
ويُصيب الفُصام حوالي 23 مليون شخص، أي واحد من كل 345 شخصًا حول العالم، وفقًا لأحدث إحصائيات نشرتها منظمة الصحة العالمية. ويُقدر عدد مرضى الفُصام في مصر بحوالي مليون شخص.
وتُشير بيانات نُشرت في المعهد القومي الأمريكي للطب إلى ارتفاع مُعدل انتشار الفُصام من 13.62 إلى 23.18 مليون بين عامي 1990 و2021، كما تشير المؤشرات العالمية إلى أنه سيستمر في الارتفاع، مما يسبب عبء مجتمعي واقتصادي.
وفي الأشهر الماضية برزت أزمة نقص مستحضرات الحقن طويلة المفعول، في سوق الأدوية، ويوضح أطباء تحدثوا إلى “زاوية ثالثة” أنها متوفرة فقط في مستشفيات الأمانة العامة للصحة النفسية، لكنها بدأت تتراجع من حيث الكميات المتوفرة بها.
ويلفت الأطباء إلى أن هذا النقص انعكس بشكل مباشر على عدد من المرضى، خاصة من يواجهون صعوبة في الالتزام بالعلاج الفموي، إذ أدى انقطاع العلاج لدى بعضهم إلى حدوث انتكاسات استدعت دخول المستشفى سواء في القطاع الحكومي أو الخاص، ما شكل عبئًا إضافيًا على الأسر.
ووصلت أسعار البدائل، المتاحة منها في السوق إلى آلاف الجنيهات مقارنة بالسعر الأصلي الذي لا يتجاوز 20 و30 جنيهًا، وهو ما وصفوه بفجوة سعرية كبيرة تزيد من صعوبة حصول المرضى على العلاج المنتظم، بحسب الأطباء، مطالبين وزارة الصحة بسرعة التدخل لضمان توفير هذه الحقن، قبل أن يزداد الأمر سوءًا.
نوصي للقراءة: نقص الأدوية النفسية في مصر: صراع يومي من أجل البقاء

مضادات الذهان طويلة المفعول
تندرج “انفيجا” ضمن الحقن طويلة المفعول وتُسمى علميًا بمضادات الذهان طويلة المفعول، وتستخدم لعلاج مرضى الفصام، والاضطرابات الفصامي العاطفية الوهمية، وثنائي القطب.
وهي عبارة عن تركيبات دوائية تثبت مستوى الدواء في الدم، ولها مزايا عديدة مقارنة بالعلاج الفموي، نظرًا لتثبيت الدواء بشكل منتظم، وتُعطى لعدد من المرضى ممن لا يلتزمون بالعلاج، ويشكلون خطرًا على حياة الآخرين، فهي تساعد على تحسين حياتهم، وتقلل من حدة الأعراض السلبية.
وظهرت مضادات الذهان طويلة المفعول في عام 2018، بعدما حصلت على موافقة هيئة الأغذية والأدوية الأمريكية، بعضها يؤخذ شهريًا وهناك أنواع أخرى تؤخذ كل ثلاثة شهور.
يؤكد الدكتور مصطفى شحاتة، طبيب نفسي، ومدير مستشفى العباسية سابقًا، لـ”زاوية ثالثة” أنه يوجد شح كبير في الأدوية طويلة المفعول في السوق، لافتًا إلى أن عددًا كبيرًا من المرضى تأثروا بهذا النقص، وتحديدًا مرضى الفُصام، موضحًا أن توفير هذه الحقن ليس رفاهية، خصوصًا للمرضى الذين لا ينتظمون في تناول الجرعات العلاجية “لأنها تسيطر على الأعراض الحادة للمرض لفترة أطول من الأدوية العادية”، فهي تُعد ضرورية بالنسبة لكثيرًا من المرضى النفسيين الذين ينكرون مرضهم.
ويشير “شحاتة” إلى أن غلاء ثمن الحقنة زاد الأمر سوءً، إذ تجاوز سعر الحقنة الواحدة خمسة آلاف جنيه، ورغم ذلك غير متوفرة في السوق المصري منذ ما يقرب من سنة، مؤكدًا أن نقصانها زاد من حدوث انتكاسات، ودخول العديد من المرضى المصحات النفسية، مما يزيد من الأعباء المادية على الأسرة المصرية “لم يكن لديّ غير خيارين إما أن يُعالج المريض في البيت، أو حجزه في المصحة”.
ويقول إن هؤلاء المرضى ممن يتعرضون إلى نوبات انتكاسة متكررة، لم يتمكن ذويهم من العثور على الحقن، فلم يكن لدينا خيارًا آخر الحجز في المصحات النفسية “لأن المريض اعتاد تناول هذه الحقن منذ سنين”.

عبء على الأطباء
من جانبها تقول الدكتورة نهال زين، أخصائية الطب النفسي، إن مضادات الذهان تنقسم إلى نوعين، منها أقراص والنوع الآخر حقن، وهذه الحقن يوجد منها مخصص للطوارئ، والأخرى ممتدة المفعول، التي تصفها دائمًا لمرضاها، بجرعات شهرية محددة، قد تصل إلى جرعتين شهريًا، لمساعدتهم على الاستقرار، مشيرة إلى أن في حالة عدم تناول الجرعات بانتظام يكون المرضى في أشد حالاتهم خطرًا، معتقدين أن الذين حولهم يتآمرون ضدهم، وسيؤذونهم.
وتضيف لـ”زاوية ثالثة” أن وجود هذه الحقن تحد من هذه الأفكار كما تسهل عليهم وذويهم متابعتهم وممارسة الحياة بشكل أكثر هدوءً على الطرفين، لكن اختفاء العديد من الأصناف من السوق لفترة ليست قصيرة، أصبح يمثل عبء على المرضى وأسرهم.
وتلفت إلى أن النقص في مضادات الذهان لم يقتصر على الأصناف المستوردة فقط، مشيرة إلى انتشار الأزمة على مستوى الأدوية المستوردة والبدائل المحلية منها أيضًا، ومن هذه الأصناف حقن هالوبريدول والبديل منها أقراص هالونيز، بالإضافة إلى حقن الكلوبيكسول مؤكدة أنها تتوافر لفترة قصيرة ثم تعود إلى الاختفاء مرة أخرى، ذلك يحدث في آخر سنوات حسب قولها لزاوية ثالثة.
نقص مضادات الذهان طويلة المفعول يضطر أخصائية الطب النفسي إلى اللجوء إلى إعطاء المرضى الأقراص، كبديل عن الحقن، ذلك يضع الأطباء أمام معضلة عدم التزام المرضى بالأقراص، والذي تعلله “نهال” بأن المريض يكون في حالة من فقدان الاستبصار “يمثلون أنهم تناولوا الأقراص وابتلعوها لكنهم أخفوها في الحقيقة عن مقدمي الرعاية لهم على نقيض الحقنة يتناول الجرعة لمدة أطول دون الحاجة إلى التأكد من تناوله”.
وهذا أثر على هاجر علي (اسم مستعار) فتاة عشرينية، مريضة فُصام، بعدما فقدت أسرتها الأمل في العثور على حقنة هالوبريدول في صيدليات محافظة قنا لأشهر طويلة، توقفت هاجر عن تناول الأقراص التي كتبها طبيبها النفسي تمامًا.
تقول شقيقتها، إنه بسبب نقص مضادات الذهان، اضطر الطبيب النفسي إلى تزويد أقراص ذات تركيز أعلى، لكن هاجر امتنعت عن تناولها، مضيفة أنها توقفت أيضًا عن الذهاب إلى طبيبها.
وتوضح أن هاجر خلال فترة احتجازها في المستشفى العام الماضي بعد تفاقم أعراض المرض، كانت تحصل على جرعاتها العلاجية بانتظام، لأن الحقن طويلة المفعول كانت متوفرة بالمستشفى، لكن بعد خروجها، لم تتمكن الأسرة من إيجادها في السوق، إذ كان الرد المتكرر “أنها ناقصة”، وتضيف أن توقف هاجر عن تلقي العلاج، بالتزامن مع امتناعها عن تناول الأقراص البديلة، أدى إلى تدهور حالتها من جديد، وعودة بعض السلوكيات والأعراض القديمة التي كانت قد تجاوزتها خلال فترة العلاج.

خيار علاجي أولي
بحسب المكتبة الوطنية الأمريكية للطب فإن مضادات الذهان طويلة المفعول القابلة للحقن صُممت لزيادة فعالية علاج اضطرابات الفصام، وخلصت دراسات تحليلية إلى أنها تحقق مزايا عديدة، وقد تصل إلى خفض احتمالية الانتكاسات، وإعادة الدخول إلى المستشفى وتقصير مدة الإقامة في المستشفى وانخفاض معدل الوفيات، مقارنة بمضادات الذهان الفموية الأخرى، كما يرتبط العلاج طويل المفعول بانخفاض إجمالي النفقات الطبية.
ونشرت منظمة أمريكية دليلًا، تدعو الأطباء النفسيين والأخصائيين ومؤسسات العلاج النفسي، للتوسع في استخدام الحقن طويلة المفعول، وترى المنظمة أن جميع العاملين في خدمات الصحة النفسية المجتمعية وعلاج اضطرابات تعاطي المواد ينبغي أن يطرحوا الأدوية طويلة المفعول كخيار علاجي أولي أمام المرضى، كما يشجع أعضاءه على تعزيز استخدامها بصورة آمنة وفعالة.
كذلك تشير إلى أن الأبحاث العلمية تدعم اعتماد الأدوية طويلة المفعول كخيار علاجي من الخط الأول، بدلًا من قصر استخدامها على المراحل اللاحقة كخيار من الدرجة الثانية أو الثالثة.
وبحسب الدليل، التدخل المبكر باستخدام مضادات الذهان طويلة المفعول يساهم بفاعلية في منع الانتكاس لدى معظم المرضى وهو ما يساعد على تجنب التدهور العصبي التدريجي والاعاقات اللاحقة المرتبطة بالفصام.
كذلك كشفت العديد من الأبحاث وجود ارتباط وثيق بين ضعف الالتزام بالعلاج وارتفاع معدل الانتكاس، فأظهرت الدراسات ارتفاعًا ملحوظًا في معدلات الالتزام بين المرضى الذين يتلقون الأدوية طويلة المفعول، تتراجع لديهم تفاقم الاعراض الذهانية أو الانتكاسات مقارنة بالمرضى الذين يتلقون العلاج الفموي.
ويشير الدليل المنشور إلى أن رغم ما تحققه هذه الأدوية من تحسن لدى حالات الفُصام، الذي ينعكس بالتبعية على معدلات المرض والوفاة وجودة الحياة، فضلًا عن تقليل التكاليف المباشرة للرعاية الصحية، مثل الإقامة بالمستشفيات والعلاج الخارجي، والتكاليف غير المباشرة المرتبطة بالإعاقة.
إلا أنه لا تزال الأدوية طويلة المفعول تستخدم بمعدلات أقل من المطلوب وغالبًا تُعطى بعد وقوع الانتكاسات بدلًا من استخدامها مبكرًا منذ بداية المرض، وكثيرًا من الأطباء يعتمدون على العلاج بالأقراص لمرضاهم، مما يؤدي إلى تكرار الانتكاسات.
بحسب تصريحات الدكتور علي الغمراوي، رئيس هيئة الدواء المصرية، خلال اجتماع عقده رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، في يناير الماضي لا يوجد نقص في الأدوية، كذلك استعرض رئيس هيئة الدواء المصرية، في حوار له، أرقام لحجم سوق الدواء المصري خلال عام 2025 حتى العام الجاري، مشيرًا إلى تجاوز إجمالي حجم السوق 422 مليار جنيه موزعة بين القطاعين الخاص والعام، ويستحوذ القطاع الخاص على نحو 70% من إجمالي القيمة المالية، مقابل نحو 30% للقطاع الحكومي، مشيرًا إلى أن هذه المؤشرات تظهر استقرار في سوق الأدوية بعد أن تراجع في عام 2024، مما جعل طفرة نمو قوية في سوق الأدوية بلغت 22% أي مليار و300 مليون دولار في سنة 2025، بينما سنة 2024 بلغت مليار وسبعين، بفارق حوالي 230 مليون دولار. كما تحدث عن اهتمام الحكومة بملف توطين صناعة الدواء، مستعرضًا أن الدولة تصنع 91 عبوة من 100 مصنعة محليًا.
نوصي للقراءة: نقص الأدوية يضاعف معاناة مرضى السرطان والفشل الكلوي

أزمة تصنيع محلي
من جانبه يكشف الدكتور محيي حافظ، عضو المجلس التصديري للصناعات الطبية، في تصريحات إلى زاوية ثالثة، إن كل الأدوية ممتدة المفعول للأمراض النفسية والعصبية لازالت تستورد من الخارج، ولم تُصنع محليًا، مرجعًا السبب وراء اختفائها من السوق إلى أنها تتطلب لصناعتها توافر تقنية ومواد تصنيع عالية، لا توجد غير في السوق العالمية، ويتفق حديثه في هذا السياق مع طارق سعد، أستاذ الطب النفسي، في تصريحات سابقة، أن مشكلة هذه الأدوية أنها تحتاج إلى طريقة تحضير صعبة.
ويضيف لـ”زاوية ثالثة” أن وجود عدم الاهتمام بها يعود إلى ضعف الاستهلاك داخل البلاد. رغم ما تشير إليه الأرقام إلى وجود ما يقرب من مليون مواطن مصري يعانون من الفُصام.
وأكد عضو المجلس التصديري للصناعات الطبية أن الكميات المستوردة من مضادات الذهان طويلة المفعول تتوفر عادة في المستشفيات والمصحات النفسية العامة أولًا، موضحًا أنها بمثابة مصدر رئيسي لإمداد المرضى المحتجزين داخل المستشفيات، أكثر بكثير من الأطباء في العيادات، وعلل ذلك نظرًا لاستخدام الأطباء لها بشكل أقل من المصحات.
ويلفت إلى أن الاعتماد على استيراد هذه الحقن من الخارج، قد يخلق وجود نقص أو عجز في بعض الأحيان، مشيرًا إلى أنه يعرف مدى أهمية توافر مضادات الذهان طويلة المفعول بالنسبة لهؤلاء المرضى غير الراغبين في تناول الجرعات اليومية وتفضيل الأطباء إعطائهم مضادات طويلة المفعول.
وعن ازدياد أسعار الحقن طويلة المفعول علق أن استمرار أزمة الاستيراد الذي نتج عن ارتفاع سعر الصرف، من قبل، أثر على ثمن الحقنة الواحدة، مضيفًا أن في النهاية تظل تسعيرتها بالجنيه المصري بعيدة عن تسعيرتها بالعملة الأجنبية، رغم تحرك الأسعار لكن مازالت أسعارها مرتفعة، ولهذا السبب يوجد دائمًا نقص، نظرًا لطبيعة هذا الأمر.
وشهد سوق الأدوية المصرية ارتفاع كبير في الأسعار، بزيادة 25%، ذلك خلال 2024، حيث انتشر وجود نقصحاد في الأدوية، وأوضح الغمراوي أسبابها والتي تعود إلى صعوبة توفير العملة الصعبة لاستيراد الأدوية من الخارج، وصعوبة استيراد المواد الخام لمستلزمات الإنتاج.
وتقول الحكومة المصرية إنها نجحت في احتواء أزمة نقص الدواء، التي وصلت إلى اختفاء 1000 نوع وقتها، إذ تم توفير 80% من الادوية المفقودة، بينما تسعى لتوفر باقي الكميات المستوردة موضحة أنها تحاول توفيرها.
إلا أن هيئة الدواء أوضحت خلال مؤتمر صحفي سابق في عام 2024 أن مصر تحتاج إلى 100 مليون دولار شهريًا لاستيراد المواد الخام، لأنها تستورد 85% من المواد الخام من الهند والصين، وبسبب نقص العملة خلال أزمة نقص الدواء في 2024 قلّ المخزون داخل المصانع.
وأثرت أزمة توفير الدولار على عملية الاستيراد، فقبل تحرير سعر الصرف كانت شركات الأدوية تحصل على اعتمادات دولارية من البنوك بالسعر الرسمي البالغ 30.85 جنيهًا للدولار، لسد احتياجاتها من المواد الخام ومستلزمات الإنتاج المستوردة من السوق العالمية، إلا أن تعويم الجنيه في عام 2024 وارتفاع سعر الصرف أمام الدولار بنحو 48 جنيهًا انعكس على تكلفة الإنتاج.

تحرك الحكومة
وبدوره يقول محمد البهي، رئيس اتحاد الصناعات، لـ”زاوية ثالثة” إنه لا يمكن اعتبار اختفاء بعض الأصناف من السوق يعد نقصًا في الأدوية، لكنه يرجعها إلى التحديات التي تواجه الدولة من حيث تراجع الاستيراد من الخارج، بسبب صعوبة الحصول على العملة الأجنبية، فضلًا عن تأخر المواد الفعالة، التي كانت تأتي من شرق آسيا والصين، اضطراب حركة التجارة مؤخرًا في البحر الأحمر، مضيفًا أن بعض المنتجات الدوائية متأثرة بالحالة الأمنية في البحر الأحمر، مؤكدًا أن الدولة تعمل على اتاحة الدواء خصوصًا للأمراض المزمنة.
ويشير البهي إلى تزايد عدد المصانع إلى 180 مصنع تسعى إلى تغطية كل المنتجات الدوائية باستمرار وبدائلها، إلا أنه يبرر نقص الأدوية طويلة المفعول لاعتماد الأطباء شركات معينة دون أخرى للمرضى، موضحًا أن الأدوية المنتجة في مصر تغطي حوالي 94% من احتياج المريض وما يتم استيراده لا يتعدى 6% من حجم الدواء المستخدم في البلاد “مصر أقدم دولة في المنطقة لديها صناعة دواء من القرن الماضي”.
ويرى البهي أن هيئة الدواء المصرية تحرص على توفير كل الادوية، فهي لديها سياسات دوائية وتراجع كل الأصناف الناقصة وتحاول إتاحتها حتى في بعض المصانع المملوكة للدولة توجه لإنتاج الأصناف التي يوجد بها عجز.
وكان الغمراوي أعلن في حوار له خلال العام الحالي إن الهيئة بدأت تطبيق منظومة التتبع والتعقب الدوائي، بهدف إحكام الرقابة على حركة تداول الدواء داخل السوق المصري، بما يضمن تتبع مسار عبوة الدواء من الإنتاج وحتى وصولها إلى المستهلك، في محاولة للحد من ممارسات التخزين غير القانوني والتهريب التي شهدها السوق خلال الفترات الماضية.
وأوضح أن تنفيذ المنظومة بشكل تدريجي ضمن مشروع يمتد من ثلاث إلى خمس سنوات، مشيرًا إلى أنه منذ فبراير الماضي بدأ تطبيقها على بعض المجموعات العلاجية الأساسية، على أن يتم إدراج جميع الادوية داخل هذه المنظومة خلال السنوات المقبلة.
من جانبه يؤكد الدكتور محيي حافظ أن هيئة الدواء المصرية تضع صناعة الأدوية في خطتها المقبلة، ضمن استراتيجية توطين الصناعة، وتسعى جاهدة لتصنيع مثائل محلية عن طريق الشركات المصرية، للحد من الاعتماد على الاستيراد، لافتًا إلى أن توطين صناعة الدواء صارت قضية هامة وحساسة ومطلب عادل لهؤلاء المرضى، قائلًا إن مصر تمتلك القدرة على الأبحاث والتطوير في مثل هذه الموضوعات.
وينصح المواطنين الذين يتعثرون في إيجاد الأدوية طويلة المفعول التواصل مع صيدلية الإسعاف، لكونها المصدر الأول في توافر الادوية، أو مخاطبة إدارة النواقص في هيئة الدواء على الخط الساخن، لتوجيههم إلى المناطق المتاح بها الأدوية، إذ في بعض الأحيان تتوفر الحقن في أماكن وتنقص في مناطق أخرى، تختلف من محافظة للثانية، في هذه الحالة للتأكد من أن أصنافًا محددة ناقصة من السوق.