200 طالب من 230 فوق 90% في لجنة ثانوية واحدة: سؤال الغش الذي لم تجب عنه الوزارة

وزارة التربية تحجب إحصاءات نتيجة الثانوية للعام الثاني، فيما كشف تحليل زاوية ثالثة لملف 919 ألف طالب أن 200 من 230 في لجنة الطالب الأول بفاقوس تجاوزوا 90% دون إجابة رسمية واضحة عن احتمال الغش.
Picture of ياسمين علي

ياسمين علي

مساء الثلاثاء 28 يوليو الماضي، اعتمد محمد عبد اللطيف، وزير التربية والتعليم والتعليم الفني، نتيجة الثانوية العامة للعام الدراسي 2025/2026، بنسبة نجاح بلغت 75.1% للنظام الجديد و72.1% للنظام القديم. لكنّ الوزارة اكتفت هذه المرة بإعلان أعداد المتقدمين للامتحان والناجحين في الشعب المختلفة، وامتنعت عن نشر التفاصيل الإحصائية التي اعتادت الإفصاح عنها طوال السنوات الماضية، قبل أن تحجبها في العامين الأخيرين.

فالإحصاءات التي درجت الوزارة على إعلانها كانت تدور حول نسب النجاح في كل مادة على حدة، وشرائح مجاميع الطلاب لكل 5% من المجموع، ونسب النجاح بحسب أنماط المدارس المختلفة، والفارق بين البنين والبنات في أعداد الناجحين، ومقارنة نسب النجاح على مدى خمسة أعوام، ومقارنة المحافظات، بل كانت تفصح عن عدد حالات الغش التي طُبّق عليها القانون، وأعداد الطلاب الحاصلين على درجات الحافز الرياضي، وغير ذلك من الإحصاءات التي تقدّم صورة عن الامتحان الذي أداه الطلاب، وتساعدهم على فهم مستواه والفوارق بين الشعب، ويتوقع الخبراء من خلالها مستويات تنسيق القبول بالجامعات.

ويرجع الخبير التربوي وأستاذ علم النفس بكلية التربية جامعة عين شمس، الدكتور تامر شوقي، في حديثه لـ«زاوية ثالثة»، تعمُّد الوزارة إخفاء إحصاءات النتيجة للعام الثاني على التوالي إلى أسباب عدة، أبرزها تجنّب إثارة الرأي العام إذا أُسيء فهم الإحصاءات، أو تلاعب بعضهم بأولياء الأمور وتحريضهم على الوزارة إذا جاء منحنى النتيجة غير اعتدالي؛ أي لا يتوسطه غالبية الطلاب بينما تقع على طرفيه قلة من المتفوقين والضعفاء. لكنه يؤكد في المقابل أهمية الشفافية وإتاحة المعلومات للرأي العام للاطلاع عليها والاستفادة منها وتحليلها.

ويضيف شوقي أن وزير التربية والتعليم الحالي يرى الثانوية العامة «سنة شاذة» في التعليم المصري، ويسعى بكل جهده إلى تحويلها من محطة مفصلية في حياة الطلاب إلى سنة عادية، فيتّخذ كل ما من شأنه التقليل من شأنها؛ حتى إنه لم يتصل بأوائل الطلاب لتهنئتهم كما جرت عادة الوزراء، واكتفى بتكريمهم متأخرًا في حفل داخل الوزارة دون حضور وسائل الإعلام، مصحوبًا ببيان صحفي.

ويتفق معه الدكتور عاصم حجازي، أستاذ علم النفس التربوي بجامعة القاهرة، مؤكدًا أن إحصاءات نتيجة الثانوية العامة ليست شأنًا خاصًا بالوزارة وحدها، وأن الشفافية تقتضي إطلاع الرأي العام على تفاصيل النتيجة وإحصاءاتها؛ حتى يتمكن الخبراء من تقييمها وتقديم إرشادات تعين أولياء الأمور على اختيار النظام التعليمي والمدرسة والشعبة الأنسب لأبنائهم، وطرح ملحوظات قد تفيد الخبراء داخل الوزارة وتكون حلقة وصل بينهم وبين الجمهور.

 

وبمجرد اعتماد النتيجة، جرى تداول نسخة منها بصيغة xlsx في هيئة ملف «إكسل»، تضمّنت أرقام جلوس طلاب النظام الحديث وطلاب المدارس الدولية وأسماءهم، ودرجاتهم الكلية، وحالة كل طالب (ناجح، دور ثانٍ، راسب، غائب كليًا عن الامتحانات)؛ وقد حصلت «زاوية ثالثة» على نسخة منه.

ما أعلنته «التعليم» عن نتيجة الثانوية العامة

في بيان اعتماد النتيجة، وبخلاف نسبة النجاح، أعلنت الوزارة أن إجمالي المتقدمين بالنظام الحديث بلغ 883 ألفًا و690 طالبًا، حضر منهم 825 ألفًا و867 طالبًا، ونجح 620 ألفًا و314 طالبًا. وعلى مستوى الشعب، تقدّم لامتحان شعبة العلوم 543 ألفًا و120 طالبًا، حضر منهم 507 آلاف و415 طالبًا، ونجح 382 ألفًا و720 طالبًا، بنسبة نجاح 75.4%.

وفي شعبة الرياضيات، تقدّم 145 ألفًا و459 طالبًا، حضر منهم 139 ألفًا و302 طالب، ونجح 113 ألفًا و651 طالبًا، بنسبة نجاح 81.6%. أما الشعبة الأدبية، فتقدّم لها 195 ألفًا و111 طالبًا، حضر منهم 179 ألفًا و150 طالبًا، ونجح 123 ألفًا و943 طالبًا، بنسبة نجاح 69.2%.

 

واستنادًا إلى بيانات الوزارة، تركّزت النسبة الغالبة من الطلاب في شعبة العلوم، كونها الشعبة التي تضم الكليات الطبية وتفتح أمام منتسبيها عددًا أكبر من الكليات مقارنة بالشعبتين الأخريين، تلتها الشعبة الأدبية فشعبة الرياضيات، بينما تفوّق طلاب الرياضيات في نسب النجاح.

وأعلنت الوزارة الإحصاءات ذاتها لطلاب النظام القديم، غير أن هذا التقرير لا يوردها نظرًا لقلة عددهم البالغ 4172 طالبًا فقط، ولعدم تضمينهم في الملف موضع التحليل.

 

ما ورد في ملف نتيجة الثانوية العامة المتداول

تضمّن الملف 919 ألفًا و397 صفًا من البيانات، شملت أرقام جلوس المتقدمين وفق النظام الحديث، وطلاب المدارس الدولية الذين يؤدون مواد الهوية الوطنية فقط (اللغة العربية والتربية الدينية والتربية الوطنية)، وأسماءهم ودرجاتهم الكلية وحالتهم (ناجح، دور ثانٍ، راسب، غائب كليًا). وبعد تنظيف البيانات وإزالة أسماء طلاب المدارس الدولية، لاختلاف مناهجهم ونظام تنسيق قبولهم بالكليات، وتقسيم الطلاب وفق حالتهم، توصّلنا إلى عدة نتائج:

فقد تقدّم لامتحان الثانوية العامة للعام الدراسي 2025/2026، 889 ألفًا و10 طلاب، نجح منهم 624 ألفًا و332 طالبًا، وبقي للدور الثاني 196 ألفًا و297 طالبًا، ورسب 63 ألفًا و929 طالبًا، بينما غاب كليًا عن الامتحان 4452 طالبًا.

 

وتواصلت «زاوية ثالثة» مع مسؤول سابق بامتحانات الثانوية العامة، تحفّظ على ذكر اسمه، لتفسير الفجوة بين البيان الرسمي للوزارة والملف المتداول في أعداد المتقدمين والناجحين، فأشار إلى أن الوزارة عادة ما تحتسب نسبة النجاح وأعداد الناجحين بعد استبعاد الغائبين كليًا والطلاب المحرَّر ضدهم محاضر غش، إذ تَعُدّهم في حكم الراسبين وفقًا للقانون ولو حققوا درجات مرتفعة؛ وهؤلاء قد يشملهم الملف المتداول، خاصة أن النتيجة تُعلن أحيانًا قبل صدور بعض قرارات الشؤون القانونية بحق الطلاب المدانين بالغش.

وأضاف المسؤول السابق أن الفارق في أعداد المتقدمين وفق النظام الحديث، بين ما أعلنته الوزارة وما ظهر في الملف، يبلغ نحو 6 آلاف طالب، وفارق الناجحين نحو 4 آلاف طالب، وهي نسب لا تتجاوز 0.5% ولا تؤثر في النتيجة لضخامة مجتمع الدراسة؛ أما فارق نسبة النجاح فيعود إلى أن الوزارة تحتسبها وفق الطلاب أصحاب الموقف القانوني السليم فقط، وهي وحدها تمتلك هذه التفاصيل.

وبالفعل، فوجئت الطالبة صاحبة رقم الجلوس 2497328، بعد أن أظهرت نتيجة الثانوية العامة على الموقع الرسمي للوزارة نجاحها، بأنها راسبة وامتحانها ملغى حين توجهت إلى مدرستها لاستلام النتيجة؛ وبالتواصل مع لجنة النظام والمراقبة التابعة لها، تبيّن أنه حُرِّر ضدها محضر بحيازة هاتف محمول، فأُلغيت امتحاناتها، لكن قرار الشؤون القانونية تأخر إلى ما بعد اعتماد النتيجة، لتصل حالتها الرسمية إلى المدرسة بوصفها «راسب».

نظرة على مجاميع الناجحين

من واقع البيانات المتاحة عن درجات الناجحين، وزّعناهم على عشر شرائح بين 50% و100%. وأظهرت الشرائح حصول 160868 طالبًا، بنسبة 26%، على مجموع يتراوح بين 80% و100%، مقابل 304059 طالبًا، بنسبة 48.7%، حصلوا على مجموع بين 50% و70%، و159405 طلاب، بنسبة 25.5%، وقعوا في شريحة 70% إلى 80%.

 

وعلّق أستاذ علم النفس التربوي بجامعة عين شمس على تركّز نسبة كبيرة من الناجحين في شريحة الدرجات المتدنية من 50% إلى 70%، مرجعًا ذلك إلى نظام الامتحان القائم على الأسئلة الموضوعية؛ فالطالب يظلّل دائرة تعبّر عن الإجابة، فإذا كانت خاطئة حصل على صفر ولو عرف السؤال وخطواته وأخطأ في النتيجة فقط، بينما كان في الأسئلة المقالية يُمنح درجات مقابل خطوات الحل وتُخصَّص درجة للنتيجة النهائية.

ومن أسباب تدني الدرجات كذلك، كما يوضح الدكتور تامر شوقي، غياب العدالة في تنسيق الالتحاق بالمرحلة الثانوية؛ فبينما يُشترط على طلاب المدارس الحكومية الحصول على درجات مرتفعة في الشهادة الإعدادية تصل إلى 230 درجة من 280 للالتحاق بالثانوية العامة، يلتحق طلاب المدارس التجريبية والخاصة بـ140 درجة فقط، أي بنسبة 50%. يضاف إلى ذلك تركّز 44% من مجموع الثانوية العامة في مادتي اللغة العربية واللغة الأجنبية الأولى وحدهما، مقابل 56% لمواد التخصص؛ ما يعني أن الإخفاق في اللغات، التي قد لا يتقنها بعض الطلاب، يجرّهم إلى درجات متدنية.

ويعقّب المسؤول السابق بأن المعدل الطبيعي للنتيجة أن تتركّز قلة قليلة من المتفوقين في الفئة من 85% إلى 100%، مع قلة من الراسبين، وأن تقع النسبة الأكبر في المنتصف، وهو ما عبّرت عنه نتيجة العام الحالي «بشكل ما»، وإن لم يكن منحنى توزيع الطلاب اعتداليًا بالكامل.

ويضيف أن نظام الثانوية العامة قديمًا، القائم على الحفظ والتلقين، كان منحنى توزيع الطلاب فيه منحرفًا بشدة، إذ يتركّز أكثر من 30% منهم في الفئة من 85% إلى 100% نتيجة سهولة توقّع الامتحانات، ما كان له أثر في ارتفاع تنسيق القبول بالجامعات؛ أما إذا حسبنا أعداد الطلاب في الشريحة العليا ذاتها بنتيجة العام الحالي 2025/2026، فسنجد أن نحو 94500 طالب يقعون فيها ويمثّلون 15% من الناجحين، وهي النسبة المفترضة إحصائيًا.

ويكشف المنحنى تركّز الشريحة الأكبر من الناجحين بين 60% و75%، وانخفاضه كلما اتجهنا نحو الدرجات الأعلى وصولًا إلى 100%.

ويقول المسؤول السابق بوزارة التربية والتعليم والتعليم الفني إن ثمة عاملًا مؤثرًا في تحديد النتيجة هو تعدد فئات المدارس؛ فالمدارس الثانوية في مصر تتنوع بين الحكومية والتجريبية والخاص لغات والخاص عربي، إضافة إلى طلاب المنازل، ولكل فئة سماتها الخاصة بطلابها. فمن المعتاد أن ترتفع درجات طلاب المدارس التجريبية (الحكومية لغات) والخاصة لغات، مقابل تدني درجات طلاب المدارس الخاصة (عربي) لالتحاقهم بالثانوية العامة بمجاميع منخفضة، وكذلك طلاب المنازل الذين يدرسون بعيدًا عن البيئة المدرسية، بينما تأتي فئة المدارس الحكومية (عربي) في منطقة متوسطة بحسب موقعها الجغرافي ومستوى الطلاب فيها.

ويضيف أن مثل هذه المعلومات لا تعرفها سوى وزارة التربية والتعليم، وهي وحدها القادرة على تحديد شرائح المجاميع في ضوء فئات المدارس، كما كانت تعلنها من قبل.

دور ثانٍ.. لكن متفوقون

في نتيجة الثانوية العامة، لا تعني حالة «دور ثانٍ» أو «راسب» بالضرورة أن الطالب غير مجتهد؛ فوفقًا للملف المشار إليه، حصل نحو 1200 طالب من أصحاب حالة «دور ثانٍ» على درجات تراوحت بين 288 و316 درجة، أي بنسبة 90% إلى 99%، وذلك بعد إخفاقهم في مادة أو مادتين من المواد غير المضافة للمجموع.

وكذلك الراسبون، حصل عدد منهم على درجات مرتفعة بلغت 286.5 درجة بنسبة 89.5%، نتيجة غيابهم عن المواد الثلاث الخارجة عن المجموع (مواد نجاح ورسوب) أو رسوبهم فيها؛ فوفقًا للقوانين المنظمة، تصبح حالة الطالب «دور ثانٍ» إذا رسب في مادتين على الأكثر يؤديهما في امتحان الدور الثاني، أما إذا رسب في ثلاث مواد فتصير حالته «راسب» وعليه إعادة السنة.

وإذ يعزو بعض خبراء التعليم رسوب طلاب متفوقين في المواد غير المضافة للمجموع (اللغة الأجنبية الثانية والتربية الدينية والتربية الوطنية) إلى الغش، لأنه من غير المنطقي أن ينجح الطالب في مادة كالفيزياء بتفوق ثم يرسب في مادة ثقافية عامة كالتربية الدينية والوطنية، يرى آخرون أن هذه النتائج ربما تخص طلابًا أبدوا اهتمامًا شديدًا بالمواد الأساسية وأهملوا غير المضافة للمجموع، مؤكدين أنه لا يمكن الجزم بوجود الغش إلا بدليل تفصح عنه وزارة التربية والتعليم، وهو ما لم يحدث، إذ لم تعلن الوزارة أي معلومات عن أعداد الطلاب الذين تحررت ضدهم محاضر غش.

 

لجنة الطالب الأول و200 طالب متفوق

بمجرد إعلان اسم الطالب الوحيد الحاصل على المركز الأول بنتيجة الثانوية العامة بنسبة 100%، بإدارة فاقوس التابعة لمحافظة الشرقية، بدأ بعضهم يبحث عن رقم جلوسه، ليفاجأوا بأن لجنته كلها من المتفوقين؛ بل استغرق بعضهم بحثًا ليكتشف أن نحو 230 رقم جلوس متتاليًا حصل 200 منها على درجات تجاوزت 90%

230 رقم جلوس متتاليًا، حصل 200 منها على درجات تجاوزت 90%.

وبسبب الجدل المثار، تقدّم النائب أشرف سعد بطلب إحاطة عاجل إلى مجلس النواب لمناقشة ما وصفه بـ«الإخفاقات المتكررة» في تأمين امتحانات الثانوية العامة، ومراجعة منظومة الامتحانات بالكامل، بما يضمن استعادة ثقة المواطنين وصون حقوق الطلاب المجتهدين والحفاظ على هيبة الدولة ومصداقية شهادة الثانوية العامة.

لكن وزارة التربية والتعليم أسرعت إلى الرد على الجدل الدائر بشأن تفوق لجنة الطالب الأول، مؤكدة أنها اتخذت جميع الإجراءات اللازمة للتحقق من صحة النتائج ومراجعتها، إلى جانب مراجعة النتائج الدراسية للطلاب خلال السنوات السابقة.

وأشارت إلى أن أعمال المراجعة أسفرت عن أن الطلاب الذين تُداولت نتائجهم من المتفوقين دراسيًا، إذ حققوا نتائج متميزة في مرحلة التعليم الأساسي واستمر تفوقهم في الصفين الأول والثاني الثانوي. كما راجعت الوزارة إجراءات سير الامتحانات داخل لجان المدرسة التي تُداولت نتائجها، وفحصت محاضر الغش، فلم تسفر المراجعة عن رصد أي حالات غش أو مخالفات تتعلق بالإخلال بنظام الامتحان.

وعلّق الدكتور تامر شوقي على تقارب درجات الطلاب في بعض اللجان بأن التجانس الكبير بين الدرجات يدل على احتمال وجود نوع من أنواع الغش، مشيرًا إلى أن استدلال الوزارة بتفوق طلاب المدرسة منذ المرحلة الإعدادية غير كافٍ، لوجود فروق فردية بين الطلاب، وحتى على مستوى الطالب نفسه الذي لا يعني تفوقه في مرحلة استمرار تفوقه دائمًا، اعتبارًا لمبدأ الفروق داخل الفرد نفسه؛ لكنه يعود ليؤكد أنه لا يمكن الجزم بوجود الغش ما دامت الجهة الرسمية لم تعلنه بالدليل، وأن الاحتمال يبقى قائمًا.

في المقابل، يرى الدكتور عاصم حجازي أن الجزم بوجود الغش لا يكون إلا عند تطابق الدرجات بين الطلاب المتجاورين، أما تفاوتها ولو بنسبة بسيطة فلا يؤكده؛ لأن معيار التفوق لا يرتبط بشخص الطالب وحده بل بالبيئة المحيطة، فقد تكون المدرسة المشار إليها من المدارس التي تقبل المتفوقين، أو يضم نظامها معلمين أكفاء وبيئة تعليمية جيدة تعين الطلاب على الحصول على درجات مرتفعة، متسائلًا: «لماذا كنا نقبل فكرة وجود مدارس لم ينجح فيها أحد، ولا نقبل الآن فكرة وجود مدرسة تضم متفوقين؟».

وأشار إلى أن حصول طالب واحد على 100%، مع غياب شريحة تتراوح بين 3% و4% من الطلاب عن درجات تقترب من النهائية، يُعد مؤشر خطورة؛ فالدرجات النهائية موجودة ليحصل عليها الطلاب المتفوقون، ما يشير إلى وجود مشكلة في الامتحانات قد تتعلق بأسلوب الصياغة أو تشابه الاختيارات أو اعتماد الطلاب على التخمين، وهي أمور تتصل بغياب المنهج العلمي عن منظومة امتحانات الثانوية العامة.

نظام امتحان الثانوية العامة.. هل يحقق العدالة؟

يقوم نظام امتحانات الثانوية العامة، وهي السنة الأهم في مسيرة الطلاب والمؤهِّلة للالتحاق بالجامعة، على الأسئلة الموضوعية (الاختيار من متعدد)؛ إذ تنقسم أسئلة الامتحان إلى 85% موضوعية و15% مقالية، ويجيب الطالب على أسئلة الاختيار من متعدد في ورقة دوائر «بابل شيت» تُصحَّح آليًا دون تدخل للعامل البشري.

ويقول الدكتور تامر شوقي إن الأسئلة الموضوعية أداة تُستخدم في التقييم في كثير من الدول المتقدمة وفي الجامعات أيضًا، لكن المشكلة في مصر أن الأمر تحوّل إلى ضده؛ إذ سهّل هذا النوع من الأسئلة مهمة الغش على الطلاب القادرين على التواصل مع معلمين من خارج اللجان باستخدام أي أداة من أدوات الغش، بحيث يحصل الطالب على الإجابات ويظلّل الدوائر الصحيحة ولو لم يتبقّ سوى عشر دقائق من زمن الامتحان.

وعلّق على ورقة «البابل شيت» التي يجيب فيها الطالب على 85% من الأسئلة بأن مشكلتها أنها غير قابلة للكشف عن الغش بين الطلاب، بخلاف الأسئلة المقالية التي تعبّر عن هوية الطالب.

كذلك يوضح الخبير التربوي الدكتور عاصم حجازي أن تحميل الأسئلة الموضوعية وورقة «البابل شيت» مسؤولية انتشار الغش خطأ كبير، إذ كان الغرض من هذا النظام تحقيق العدالة بين الطلاب والابتعاد عن ذاتية المصحح التي قد تؤثر في درجات الطالب إذا كانت الأسئلة مقالية تُصحَّح يدويًا؛ لكن الأزمة تكمن في غياب المنهجية العلمية عن منظومة الامتحان.

فوزارة التربية والتعليم تضع اليوم امتحانات الثانوية العامة عبر لجان فنية متخصصة بالتعاون مع المركز القومي للامتحانات والتقويم التربوي، غير أن الدكتور عاصم حجازي يشير إلى أن تطبيق نظام الامتحانات القائم على الاختيار من متعدد يستلزم أولًا بناء «بنوك أسئلة» تُخزَّن فيها أعداد هائلة من الأسئلة المتعلقة بكل موضوع يدرسه الطلاب، ثم تُطبَّق على عينات عشوائية من الطلاب في مختلف المحافظات، وتُحلَّل إجاباتهم إحصائيًا لاستخلاص الخصائص السيكومترية لكل سؤال، مثل درجة الصدق والقدرة التمييزية ومستوى الصعوبة وناتج التعلم الذي يقيسه والمستوى المعرفي الذي يستهدفه، وهكذا.

وبعد إضافة الأسئلة التي خضعت للاختبار إلى بنوك الأسئلة، يُطلب من البنك توليد صور مختلفة للامتحانات بالمواصفات ذاتها، ما يساعد على مواجهة الغش لأن كل طالب يحصل على نموذج امتحاني مختلف عن محيطه في اللجنة، ويحقق عدالة حقيقية بين الطلاب.

ولفت حجازي إلى أن تطبيق الأسئلة الموضوعية يرتبط أيضًا بنظام الامتحان الإلكتروني الذي شرع وزير التعليم الأسبق الدكتور طارق شوقي في تطبيقه بعد تسليم الطلاب أجهزة «التابلت»، لكن النظام لم يكتمل لوجود مشكلات في البنية التحتية التكنولوجية بكثير من المدارس، فتحولت الوزارة من نظام الامتحان الإلكتروني إلى النظام الورقي القائم على ورقة «البابل شيت» التي تُصحَّح آليًا دون تدخل للعنصر البشري.

وعلّق حجازي على معارضة البعض تخصيص 85% من الامتحان للأسئلة الموضوعية بأن الثانوية العامة تقيس المستوى المعرفي للطلاب، وهو ما تحققه الأسئلة الموضوعية؛ أما الأسئلة المقالية، فإضافة إلى مشكلات التصحيح، تقيس بعض المهارات غير المطلوبة من كل الطلاب كالإبداع والطلاقة والقدرة على التعبير وتنظيم الأفكار، وهي خصائص يحتاجها بعض الطلاب فقط ممن يلتحقون بالكليات النظرية كالإعلام والحقوق والسياسة والاقتصاد، ويمكن اختبارهم فيها داخل تلك الكليات.

وعن شكاوى اعتماد درجة السؤال في الأسئلة الموضوعية على النتيجة النهائية وحدها، دون مراعاة معرفة الطالب بخطوات الحل، قال حجازي إن علم القياس والتقويم يعرف، مع التطبيق الصحيح لمنظومة الأسئلة الموضوعية، ما يسمى «الدرجة المصححة من أثر التخمين»؛ فإذا تكوّن الامتحان من 100 سؤال، وأجاب الطالب عن 70 سؤالًا إجابة صحيحة وخمّن الثلاثين الباقية، فقد يحصل على 50% فقط من درجة الامتحان بعد تحليل نتيجته عبر برامج إحصائية تحدد أثر التخمين في إجاباته، وهو ما لا يحدث في امتحانات الثانوية العامة التي قد يعتمد فيها كثير من الطلاب على التخمين.

وأضاف أن الطالب لو علم أن ورقته ستخضع لتصحيح يراعي أثر التخمين، لما أجاب إلا عمّا يعرفه فقط، لأن الأسئلة المتروكة لا تدخل معادلة التصحيح، بينما قد تكلفه الإجابة بالتخمين درجات إضافية. وقال حجازي: «لكن فكرة وصول الطالب إلى نتيجة خاطئة رغم اتباعه خطوات صحيحة للإجابة تدل على مشكلة لديه، فالطالب إذا عرف الخطوات فلا بد أن يجيب بشكل صحيح».

واختتم حجازي بأن منظومة امتحان الثانوية العامة تفتقر إلى المنهج العلمي، وأنه إلى حين الوصول إلى منظومة امتحان إلكتروني قائمة على تعدد النماذج الامتحانية المتفقة في المواصفات، يمكن التوسع في الأسئلة المقالية لتبلغ 50% بهدف تقليل فرص الغش بين الطلاب، إضافة إلى تقليص الزمن المخصص للمراجعة بحيث لا يتجاوز عشر دقائق، لأن الوقت الزائد للامتحان هو ما يسمح بخروج ورقة الأسئلة وحلها خارج اللجنة ثم إعادتها مرة أخرى.

ياسمين علي
صحفية مصرية، متخصصة في ملفي التعليم والاقتصاد، عملت في مواقع محلية وإقليمية ودولية.

Search