لا يطلب أهالي جزيرة الوراق، بحسب قولهم، «أمرًا مستحيلًا»، وإنما تخصيص مساحة أرض داخل الجزيرة لبناء مساكن بديلة عوضًا عن بيوتهم التي تسعى الحكومة منذ سنوات إلى إزالتها لصالح مشروع استثماري؛ ورغم تكرار المطلب وتقديمه إلى الجهات المعنية، قوبل بالرفض في كل مرة، بينما يقول الأهالي إن الضغوط تتواصل عليهم لإجبارهم على إخلاء منازلهم، وهو ما يصفونه بـ«الإخلاء القسري».
في آخر تطورات الأزمة الممتدة منذ تسع سنوات، نظّم مئات من أهالي الجزيرة، صباح الثلاثاء الماضي، وقفة احتجاجية أمام جهاز المدينة، اعتراضًا على تجاهل مطالبهم التي سبق أن تقدموا بها قبل نحو أسبوع؛ وبحسب المشاركين، أغلق الجهاز أبوابه منذ الصباح، ولم يخرج أي مسؤول للقائهم، فيما كثّفت قوات أمنية وجودها بمحيط الوقفة.
وقالت حملة «باقون في جزيرة الوراق»، التي أطلقها الأهالي منتصف أغسطس الجاري، في بيان، إن آلافًا من الأهالي توجهوا إلى جهاز مدينة الوراق الجديدة انتظارًا للرد على مطالبهم، وفي مقدمتها تخصيص قطعة أرض داخل الجزيرة لإقامة مساكن لأهالي الوراق كاملة المرافق والخدمات. وأضاف البيان أن الأجهزة الأمنية طلبت من الأهالي اختيار مجموعة محددة للتحدث باسمهم والدخول إلى مقر الجهاز للقاء أحد المسؤولين، إلا أن الأهالي رفضوا ذلك متمسكين بالحصول على رد مكتوب ورسمي على جميع مطالبهم كما وردت في مذكرتهم، وأن فترة الانتظار طالت دون حضور أي مسؤول أو تقديم رد.
نوصي للقراءة: جزيرة الوراق.. زاوية ثالثة توثق استخدام الرصاص الحي ضد الأهالي

مطلب واحد: البقاء داخل الجزيرة
يُجمع أهالٍ ومحامون تحدثوا إلى «زاوية ثالثة» على أن المطلب الرئيسي الآن هو تخصيص مساحة نحو 300 فدان داخل الجزيرة يبني عليها الأهالي وفق الاشتراطات التي تضعها الحكومة ممثلةً في هيئة المجتمعات العمرانية، مع ترك باقي المساحة لمشروعات الدولة؛ وعلى مدار تسع سنوات ترفض الحكومة هذا المطلب، فيما يعتبره الأهالي إجبارًا على البيع والإخلاء القسري في ظل ما يصفونه بالتضييقات الأمنية المتواصلة.
ويقول أحد أعضاء مجلس عائلات جزيرة الوراق، فضّل عدم ذكر اسمه، لـ«زاوية ثالثة»، إن المساحة المطلوبة في حدود 300 فدان قد تزيد أو تقل بحسب دراسات أعداد الأهالي لاحقًا، لكن الأهم موافقة الحكومة على المبدأ وعدم إجبار السكان على المغادرة أو البيع. وحول التحرك الأخير، يوضح أن المسؤولين لم يلتقوا بالأهالي، وإنما طلبوا اختيار مجموعة منهم للاجتماع بها، فرفض الأهالي ما رأوا فيه تكرارًا لسيناريو متكرر منذ سنوات، في إشارة إلى مجلس العائلات الذي يقول إنه فقد فاعليته بسبب عدم استجابة الحكومة، ويضيف: «سألنا الناس فقالوا: هل نعيد الموضوع من البداية مرة أخرى؟ نحن منذ تسع سنوات نعيش الحكاية نفسها»، رافضين المقترح ومطالبين بلقاء مباشر مع المسؤولين.

ويوضح أن الأهالي سبق أن نظّموا تجمعات عدة لتوحيد صفوفهم والتعامل مع الدولة بصورة منظمة، إلا أنها كانت تنتهي في كل مرة إلى تفريغ الموقف عبر اجتماعات مع جهات أمنية لا تسفر عن نتائج واضحة، فيتراجع الأهالي وينصرفون؛ لكن هذه المرة رفضوا ذلك وطالبوا برد مكتوب. وبحسب روايته، ماطل المسؤولون وتركوا الأهالي ينتظرون قبل أن يغادروا، ثم نظّموا مسيرة جابت أنحاء الجزيرة ومرّت على مشروعات ومواقع تابعة للوزارة توقّف العمل فيها، رددوا خلالها هتافات مناهضة للتهجير القسري والإجبار على البيع، وينتظرون اجتماعًا جديدًا يوم الجمعة يكون أساس تحركهم المقبل.
ويتفق معه أحد المحامين، وهو عضو بمجلس العائلات أيضًا، مؤكدًا أن المطلب الأهم عدم ترك الجزيرة، ومشيرًا إلى أن الحكومة تروّج لما يجري باعتباره «بيعًا رضائيًا» بينما تفرض، بحسب قوله، حصارًا وقيودًا أمنية مشددة؛ ويقول إنه منذ 2022 هُدم المستشفى الوحيد الذي يخدم الأهالي ومركز الشباب ومكتب البريد، وأُغلقت ثلاث معديات من خمس كانت تخدم الجزيرة، ومع ذلك يتمسك الناس بمنازلهم. ويلفت إلى أن جهاز المدينة، المنشأ في سبتمبر 2018، لا يملك صلاحيات لمعالجة الأزمة، لأن إدارة الملف تتولاها الأجهزة الأمنية، وتحديدًا الأمن الوطني بالتنسيق مع محافظة الجيزة، ويقول لـ«زاوية ثالثة»: «القيادات الأمنية عقدت لقاءات مع الأهالي وحاولت احتواء الأزمات، ومع ذلك تسعى الدولة منذ 2017 للاستحواذ على أكبر قدر من مساحة الأرض، ليس كلها، بينما يطلب الأهالي الاستقرار والبقاء والاستفادة من أي تطوير».
ويوضح أحد الأهالي، وهو أستاذ جامعي فضّل عدم ذكر اسمه، أن إدارة الملف جرت في غياب حوار مباشر بين السكان والوزارات المعنية، وعلى رأسها الإسكان والتنمية المحلية ورئاسة مجلس الوزراء، وأن التفاوض الميداني أُسند أساسًا إلى الأجهزة الأمنية، وأن عددًا من اللقاءات عُقد داخل مقار أمنية. ويرى أن ذلك حصر دور الوساطة الأمنية في التهدئة واحتواء الاحتجاجات دون صلاحيات تخطيطية أو تنفيذية تتيح الاستجابة للمطالب الجوهرية أو طرح بدائل تنموية مستدامة. ويشير إلى أن الأهالي قدّموا مقترحات لتطوير الجزيرة تحافظ على وجودهم وطبيعة مجتمعهم، منها تخصيص نحو 300 فدان لإعادة تخطيطها عمرانيًا بما يناسب الطابع الريفي والخصوصية السكنية، على أن تُتاح المساحة المتبقية للدولة لاستغلالها استثماريًا.
ويقول المحامي: «يمكن للدولة أن تضع اشتراطات تضمن النسق الحضاري للمشروع، وينتقل الأهالي إلى مساكن مستقرة دون الخروج من الجزيرة إطلاقًا، ثم تحصل الدولة على باقي المسطح دون خلاف، لكن أي طرح نقدّمه يُقابَل بردود مختلفة؛ تارة يرفعون الأسعار، وأخرى يقترحون سكنًا بديلًا، ثم يتحدثون عن وحدات بديلة داخل الجزيرة، وكلها حلول لا تحقق المصلحة الحقيقية للأهالي». ويضيف: «نسعى إلى الخروج من الأزمة بحلول عقلانية عادلة، نعيش على ملكياتنا الخاصة التي يحميها الدستور والقانون، ولن نتنازل عن حقوقنا المشروعة»، مطالبًا بأن يُوثَّق أي اتفاق في قرار رسمي من رئيس الجمهورية أو رئيس مجلس الوزراء، مع تخطيط تفصيلي لما يُتفق عليه، حتى تنتهي الأزمة وتطمئن جميع الأطراف.

تصاعد الأحداث مؤخرًا
تجددت خلال أغسطس الجاري الاحتكاكات بين أهالي الجزيرة وقوات الأمن على خلفية القيود المفروضة على إدخال مواد البناء؛ ففي الثاني من أغسطس اندلعت اشتباكات قرب معدية القللي بعد اعتراض الأهالي على الإجراءات التي تقيّد دخول مواد البناء، وأسفرت عن إصابة اثنين على الأقل، قبل أن تتجدد في اليوم التالي إثر تفتيش سيارة أحد السكان بحثًا عن مواد بناء. وتطورت الأزمة إلى اعتصام للمطالبة بالسماح بإدخال المواد وتحسين الخدمات، قبل تعليقه عقب مفاوضات مع قيادات أمنية ووعود بوضع آلية لتنظيم الدخول. إلا أن جهاز تنمية جزيرة الوراق الجديدة نفى في 12 أغسطس السماح بمرور أي مواد أو مستلزمات بناء إلى الجزيرة، مؤكدًا استمرار الضوابط المعمول بها وأن مشروعات التطوير الحكومية تسير وفق خططها المعلنة.
ويقول الأهالي إن سياسة تقييد مواد البناء المتبعة خلال السنوات الأخيرة حالت دون ترميم منازلهم أو إعادة بنائها، في وقت تتواصل فيه الإنشاءات الحكومية داخل الجزيرة، وإن المعديات تحولت إلى نقاط تفتيش لمنع دخول الطوب والرمل والأسمنت، بما جعل أي محاولة للترميم مصدرًا متكررًا للاحتكاك مع الأمن.
وتُعد جزيرة الوراق أكبر جزر نهر النيل مساحةً، إذ تبلغ نحو 1500 فدان، منها نحو 1200 فدان أرض زراعية عالية الجودة، ويعتمد دخل سكانها، الذين تقدّرهم دراسة الجامعة الأمريكية بنحو 120 ألف نسمة، على زراعة الخضراوات والصيد بصورة أساسية.
نوصي للقراءة: «لن نُغادر».. أهالي الوراق في مواجهة الإخلاء القسري والأمن يستخدم القوة المفرطة

ملكية منذ مئات السنين
يؤكد أهالي جزيرة الوراق أن الترويج للأرض باعتبارها تؤول إلى ملكية الدولة غير صحيح، مؤكدين أنها ملكية خاصة يحوزون عقودًا بها، بعضها موقّع منذ أكثر من مائة عام. ويقول أحدهم لـ«زاوية ثالثة» إن جذور النزاع تعود إلى تسعينيات القرن الماضي حين أُدرجت الجزيرة ضمن جزر النيل التي اعتُبرت محميات طبيعية، رغم وجود مجتمع سكني مستقر يضم منازل ومدارس ومساجد وكنائس ومرافق. ويشير الأهالي إلى أن كثيرًا من أراضي الجزيرة ملكيات خاصة، وأن بعض الأسر يملك عقودًا موثقة تعود إلى أواخر القرن التاسع عشر وبدايات العشرين، بينها عقود مؤرخة عام 1902، ويقولون إن مسؤولين حكوميين أقرّوا في تصريحات سابقة بوجود ملكيات خاصة داخل الجزيرة، معتبرين ذلك سندًا لموقفهم الرافض لنزع ملكيتهم أو نقلهم خارجها.
ويتمسك الأهالي بمقترح تخصيص 300 إلى 400 فدان لإقامة تجمع سكني لهم مع استغلال باقي المساحة في مشروعات الدولة، مؤكدين أنهم لا يرفضون التطوير من حيث المبدأ، وإنما يرفضون أن يجري على حساب ملكياتهم أو يؤدي إلى نقلهم خارج الجزيرة، ويعترضون على التعويضات المعروضة باعتبارها لا تتيح شراء مساكن بديلة مناسبة في ظل ارتفاع أسعار العقارات. ويؤكدون أن تمسكهم بالأرض لم يتراجع رغم الضغوط وشراء وإزالة آلاف المنازل، وأن الكتلة السكنية ما زالت قائمة، وأن ارتباطهم بالمكان لا يتعلق بالملكية وحدها بل بشبكة اجتماعية وعائلية متجذرة تجعل مطلبهم الأساسي البقاء والحصول على سكن عادل داخل الجزيرة بدلًا من نقلهم إلى مدن جديدة بعيدة.
وعن أعداد المتمسكين بمنازلهم، يوضح أحد أعضاء مجلس العائلات أن جزءًا كبيرًا من الملكيات الزراعية الواسعة كان لأشخاص لا يقيمون في الجزيرة ويؤجرونها للسكان، وأن بعض هؤلاء باعوا ملكياتهم وانتقلت أراضيهم إلى الدولة، معتبرًا أن القضية الحالية لا تتعلق بمجرد ملكية الأرض، إذ «الدولة تملّكت بالفعل أراضي كثيرة وبدأت في البناء، كما أن هناك من باعوا بيوتهم»، وإنما بالكتلة السكنية التي لا تزال قائمة والدولة تريد ضخّ استثمارات وإنهاء المشروع.
ويرى أن ذلك لا يستلزم إخراج السكان، مؤكدًا أنهم يطرحون حلولًا لا تتعارض مع خطط التطوير، ويضرب مثالًا: «أعيش في بيت مساحته 200 متر، أعطني 200 مترًا وقل لي ابنِ وفق اشتراطات محددة؛ فأنا لم أعتد العيش في شقة داخل عمارة وسط سكان آخرين». ويوضح أن الأمر لا يتعلق بمساحة المسكن وحدها بل بطبيعة الحياة الريفية التي اعتادها السكان، حيث قد تعيش الأسرة في منزل واحد إلى جانب الأبناء المتزوجين مع مساحة وخصوصية حول المنزل. ويقول إن الخطط المطروحة لم تراعِ طبيعة الأهالي ولا تركيبتهم الاجتماعية، وإن السلطات تعاملت مع الجزيرة كأي منطقة أخرى: «مثلث ماسبيرو كان فيه نحو أربعة آلاف شخص، وأرض اللواء بالآلاف، لكن هنا نتحدث عن نحو مائة ألف شخص، وهؤلاء جميعًا تقريبًا يد واحدة».
ويرى أن سوء تقدير طبيعة المجتمع المحلي جعل الخطط تُبنى على افتراض رحيل السكان في النهاية عبر التعويضات أو الترغيب أو التهديد، لكنه يؤكد أن هذا التصور لم يعد واقعيًا مع تزايد وعي الأهالي بقيمة المكان وأسعار الأراضي وإدراكهم أنهم يعيشون وسط النيل وفي قلب القاهرة. ويؤكد أن رفضهم لا يعني معارضة التطوير أو الاستثمار: «لسنا ضد التطوير ولا ضد أن يعود على البلد عائد، لكننا نريد حلًا يتيح للناس البقاء»، ويرى أن جوهر المشكلة أن الدولة تنظر إلى الجزيرة أرضًا قابلة لإعادة التخطيط، بينما ينظر إليها سكانها مجتمعًا قائمًا له علاقاته الاجتماعية الممتدة. ويستشهد بتجربة أهالي النوبة عند إنشاء السد العالي، حين أُنشئت لهم مدينة متكاملة بأسمائهم وبما يناسب طبيعة معيشتهم ثم نُقلوا إليها، معتبرًا أن سكان الوراق يطالبون بمبدأ مشابه يحفظ مجتمعهم بما يكفله الدستور والقانون.
نوصي للقراءة: اشتباكات الوراق: 90 ألف نسمة يرفضون الإخلاء القسري

جذور الأزمة
تعود جذور الأزمة إلى عام 1998 حين صدر قرار باعتبار جزيرة الوراق محمية طبيعية، ما أثار شكوك السكان في نية إخلاء الجزيرة، ثم صدر قرار من رئيس الوزراء عام 2001 بإخضاع الجزيرة لقانون أملاك الدولة، لتبدأ منذ ذلك الحين نزاعات قضائية بين السكان والدولة. ويقول الأهالي إنهم حصلوا عام 2002 على حكم قضائي لصالحهم بتملك أراضٍ في الجزيرة، بحسب توثيق سابق لـ«زاوية ثالثة». وفي عام 2010 أعلنت الحكومة ترسيم الحدود الإدارية لخمس محافظات بينها الجيزة، وضمنها الوراق، ووضعت خطة لتطوير الجزيرة، قبل أن تهدأ الأمور لبضع سنوات عقب الإطاحة بنظام الرئيس الأسبق حسني مبارك (1981–2011).
وفي يوليو 2017 تصاعدت الأزمة مع محاولة قوات الأمن تنفيذ قرارات إزالة بُنيت على أساس أن الأراضي ملك للدولة، فقوبلت بمقاومة شعبية واسعة سقط خلالها أحد السكان متأثرًا بإصابته. ومنذ ذلك الحين، أصبحت الجزيرة تحت رقابة أمنية مشددة، وبدأ الأهالي تنظيم احتجاجات متفرقة، وتشكّلت لجان شعبية للدفاع عن الجزيرة، وأُطلق وسم «#الوراق_مش_للبيع»، ورفض الأهالي مغادرة منازلهم أو قبول التعويضات باعتبارها دون القيمة الفعلية للأرض والموقع.
وفي عام 2018 أُعلن نقل تبعية ملف الجزيرة إلى هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، التي بدأت شراء الأراضي من السكان بأسعار تراوحت بين 6 آلاف و12 ألف جنيه للمتر، بعد أن كانت الهيئة الهندسية قد أنهت بناء كورنيش على الضفة الغربية؛ وتشير هذه الإجراءات إلى مضيّ الدولة في تطوير شامل للجزيرة، بينما يقول الأهالي إنهم لم يُشرَكوا في خطة واضحة. وفي المقابل، تستند السلطات إلى القانون رقم 7 لسنة 1991 بشأن أملاك الدولة الخاصة، والقانون رقم 144 لسنة 2017 الخاص بتقنين وضع اليد، ويعدّهما مراقبون أساسًا للإخلاء إذا لم يقنّن الأهالي أوضاعهم وفق إجراءات الدولة، بينما يرى الأهالي أن هذين القانونين لم يراعيا خصوصية الجزيرة كسكن دائم لعائلات متجذرة، ويقول كثير منهم إنهم يملكون عقود بيع وشراء موثقة تعود إلى أربعينيات القرن الماضي، إضافةً إلى حُجج عرفية وعقود مسجلة، وهو ما يجعل مسألة الملكية محل نزاع قانوني.
وبحسب خرائط منشورة منسوبة إلى الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، يشمل مشروع تطوير الجزيرة منطقة استثمارية كبرى يُشار إليها باسم «مدينة حورس» تضم أبراجًا سكنية وفنادق ومنطقة أعمال؛ فيما وصفت الهيئة العامة للاستعلامات المشروع بأنه يهدف إلى تحويل الجزيرة إلى مركز تجاري عالمي بمساحة 1516 فدانًا وتكلفة إجمالية تبلغ 17.5 مليار جنيه، ويتضمن ثماني مناطق استثمارية ومنطقة تجارية وإسكانًا متميزًا وحديقة مركزية ومارينا سياحية وواجهة نهرية ومنطقة ثقافية وكورنيشًا سياحيًا، دون أن تَرِد تسمية «حورس» نفسها في البيانات الرسمية، أو تفاصيل معلنة عن إعادة توطين السكان. وفي الوطن وغيرها ظهرت الخرائط ذاتها التي عزّزت شكوك السكان في أن يكون الهدف تحويل الجزيرة إلى مشروع عقاري كبير.
وفي سبتمبر 2024، منعت قوات الأمن دخول مواد البناء عبر المعديات، ما أدى إلى تكدس واحتقان، وسجّلت منظمات حقوقية، من بينها المفوضية المصرية للحقوق والحريات، وقائع وصفتها بالانتهاكات، شملت اعتقالات واستخدامًا مفرطًا للقوة. وعلى الجانب الرسمي، أكد محافظ الجيزة ومسؤولون في وزارة الإسكان أن مشروع تطوير الجزيرة يأتي ضمن خطة قومية لتطوير الجزر النيلية، وأن الدولة ملتزمة بتوفير وحدات بديلة وتعويضات عادلة ولا تستهدف التهجير القسري؛ كما أصدر مجلس الوزراء بيانًا في نوفمبر 2024 أكد فيه أن «الدولة لا تصادر ممتلكات أحد، لكنها تطبّق القانون على المخالفين». في المقابل، يرى الأهالي ومنظمات حقوقية، من بينها مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، أن غياب تفاصيل معلنة عن التعويضات وعدم إشراك السكان في القرار يزيدان التوتر ويثيران تساؤلات حول مدى الالتزام بالمعايير الدولية للترحيل الطوعي.
وبعد تسع سنوات من المواجهة، لا تبدو أزمة جزيرة الوراق مرتبطة برفض الأهالي للتطوير بقدر ما ترتبط بمدى قدرة الدولة على تطوير المنطقة دون إجبار سكانها على الإخلاء؛ فبينما تمضي الدولة في مشروعها العمراني والاستثماري مؤكدةً أنها لا تستهدف التهجير القسري، يتمسك الأهالي بمطلب يرونه قابلًا للتنفيذ: تخصيص مساحة محدودة داخل الجزيرة لإعادة بناء مساكنهم وفق اشتراطات الحكومة، مع ترك باقي المساحة لمشروعات التطوير.