عمالة الأطفال في مصر: طفولة مسلوبة وحوادث قاتلة خلال رحلات العمل اليومية

Picture of أحمد جمال زيادة

أحمد جمال زيادة

سبعة أطفال وشاب غرقوا في النيل عائدين من مزرعة دواجن بأجر خمسين جنيهًا، وثمانية أطفال غرقوا في ترعة عائدين من محطة بطاطس، فيما تعاقب الدولة من يشغّل طفلًا بغرامة لا تتجاوز ألف جنيه، وتدفع بعد موته مئة وعشرين ألفًا.

في مساء الاثنين 10 يناير 2022، صعدت سيارة نصف نقل تحمل ثلاثة وعشرين عاملًا على معدية غير مرخصة تعبر فرع رشيد من قرية القطا بمركز منشأة القناطر في الجيزة إلى عزبة التفتيش التابعة لقرية طليا بمركز أشمون في المنوفية. كان معظم الركاب أطفالًا بين الثالثة عشرة والسابعة عشرة، عشر فتيات وثلاثة عشر صبيًا، أنهوا للتو يوم عمل في مزرعة دواجن يجمعون فيها البيض. لم يتحكم السائق في المكابح وهو يصعد بالسيارة على سطح المعدية، فانزلقت من الجهة الأخرى وسقطت في النهر، بحسب تحريات مباحث الجيزة. نجا أربعة عشر، وغرق ثمانية، سبعة منهم أطفال: سعيد سعد الطناني وهاجر عبد الصمد ودعاء نبيل وندى أحمد حسن، وكل منهم في الثالثة عشرة، وشروق ياسر في السادسة عشرة، وزياد أحمد حسن وزينب عبد المؤمن عبد العزيز، وكل منهما في السابعة عشرة، ومحمد صبري سالم الذي تجاوز الطفولة بعام واحد، وفق قائمة الضحايا التي نشرتها الصحف المحلية.

 

انتشلت قوات الإنقاذ النهري سبع جثث خلال اليومين التاليين، وبقيت شروق تحت الماء سبعة أيام في عز البرد، حتى عثر عليها الغواصون في 17 يناير، وعرفها أهلها من شعرها بعدما غيّر الماء ملامحها. كانت تعمل باليومية بخمسين جنيهًا (نحو 1.6 دولار بسعر اليوم) مثل أقرانها، وخرجت إلى المزرعة، كما روى أهلها للصحفيين، لتشتري جاكيت لأخيها الصغير يقيه برد الشتاء. ولم تغادر أمها موقع الحادث طوال الأسبوع، بانتظار أن يُدفن جثمان ابنتها في مقابر الأسرة لا أن يذهب مع التيار.

تحركت النيابة العامة سريعًا على المسار الذي تعرفه: حبست مالك المعدية وثلاثة من عمالها وسائق السيارة أحمد ماهر سعيد أربعة أيام على ذمة التحقيق بتهم التسبب في الوفاة وإدارة مركب من دون ترخيص وتحميل ركاب في سيارة نقل بالمخالفة للقانون، ثم جدد قاضي المعارضات بمحكمة شمال الجيزة حبسهم خمسة عشر يومًا بتهمة القتل الخطأ لثمانية أطفال وتعريض حياة خمسة عشر آخرين للخطر. ولم يُذكر في لائحة الاتهام، كما نشرتها الصحف، من يشغّل أطفالًا في الثالثة عشرة في مزرعة دواجن اثنتي عشرة ساعة في اليوم، ولا من يتعاقد مع سائق لنقلهم في صندوق سيارة نصف نقل عبر النهر كل مساء. تلك جريمة أخرى في القانون المصري، لكن عقوبتها لا تستحق تحريك دعوى: غرامة لا تقل عن خمسمئة جنيه ولا تتجاوز ألفًا عن كل طفل.

 

طفل من كل عشرين

لا يملك أحد في مصر رقمًا حديثًا لعدد الأطفال العاملين فيها، لأن آخر مسح قومي متخصص لعمل الأطفال يعود إلى عام 2010، حين أجراه الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء مع البرنامج الدولي للقضاء على عمل الأطفال التابع لمنظمة العمل الدولية. وجد ذلك المسح، بحسب ما لخصته قناة الجزيرة في ديسمبر الماضي، أن 1.6 مليون طفل منخرطون في عمل الأطفال، أي 9.3 في المئة من أطفال مصر، طفل من كل عشرة، وأن 82.2 في المئة منهم يعملون في ظروف سيئة وغير آمنة، وأن 16.9 في المئة يعملون أكثر من ست ساعات في اليوم، وأن الزراعة تستأثر بثلاثة وستين في المئة منهم، يليها التعدين والتشييد والصناعات التحويلية بنسبة 18.9 في المئة، ثم الخدمات بنسبة 17.6 في المئة. ولم تُعلن الدولة منذ ذلك الحين مسحًا قوميًا جديدًا، فظل الرقم الذي يفتتح به كل بيان رسمي عن عمل الأطفال رقمًا عمره ثلاثة عشر عامًا.

 

ما يتوفر بدلًا من ذلك مؤشر جانبي في المسح الصحي للأسرة المصرية، الذي أجراه الجهاز المركزي عام 2021 وأطلق نتائجه الأولية في 30 أغسطس 2022 ثم النهائية في 20 مارس الماضي. وبين الإصدارين تغيّر الرقم: فقد قال رئيس الجهاز اللواء خيرت بركات في الإعلان الأولي إن نسبة عمالة الأطفال بين الخامسة والسابعة عشرة بلغت 5.6 في المئة عام 2021 مقابل 7 في المئة عام 2014، وإن محافظات الحدود سجلت أقل نسبة (2.6 في المئة) وريف الوجه القبلي أعلاها (8.4 في المئة مقابل 10.4 في المئة عام 2014)، ثم جاءت النتائج النهائية لتقول إن النسبة 4.9 في المئة، 6.8 في المئة بين الذكور و2.8 في المئة بين الإناث. وأيًا كان الرقم الصحيح بين الاثنين، فإن ما يقيسه المسح الصحي هو سؤال واحد ضمن استبيان عن الإنجاب والتغذية والختان، لا مسحًا يحصي ساعات العمل وطبيعته ومخاطره، ولذلك لا يمكن مقارنته بمسح 2010 إلا بحذر. والمؤكد أن طفلًا واحدًا على الأقل من كل عشرين طفلًا في مصر يعمل، وأن النسبة في ريف الصعيد تقترب من طفل من كل اثني عشر، وأن ثلثي هؤلاء يعملون في الحقول والمزارع حيث لا يصل مفتش عمل ولا يسري قانون.

 

سلسلة لا تنقطع

لم يكن غرق أطفال طليا حادثة استثنائية، بل حلقة في سلسلة تتكرر بالتفاصيل نفسها: سيارة غير مخصصة لنقل الركاب، وطريق أو معبر غير آمن، وأجر يومي يتراوح بين ثلاثين وخمسين جنيهًا، وأطفال في طريقهم إلى مزرعة أو عائدون منها. فبعد الحادث بمئة يوم فقط، فجر السبت 30 أبريل 2022، انقلبت دراجة نارية ثلاثية العجلات تحمل أربعة عشر شخصًا في ترعة ساحل مرقص أمام كوبري قرية السوالم بمركز إيتاي البارود في البحيرة، وكانوا عائدين من العمل في محطة لفرز وتعبئة البطاطس بمنطقة التوفيقية. غرق ثمانية أطفال من قرية نكلا العنب، بين الثالثة عشرة والرابعة عشرة، سمّتهم الصحف: محمد أمين العبد وهادي هشام بدران وسالم محمد علي سالم وأحمد السيد طه عبيد، وكل منهم في الثالثة عشرة، وعبد الرحمن رضا خليفة ومحمد عبد المنعم شعبان وأحمد عز الأسيوطي، وكل منهم في الرابعة عشرة. وقررت النيابة حبس متهمين اثنين، وتساءل نائب في البرلمان عن سبب عدم إخلاء المنطقة من الخطر، ولم يسأل أحد لماذا كان أربعة عشر طفلًا يعودون من محطة البطاطس في الفجر.

وقبل حادث طليا بشهر واحد، في ديسمبر 2021، قُتل طفلان وأصيب أربعة وعشرون شخصًا معظمهم أطفال في انقلاب سيارة ربع نقل على وصلة الدواويس بطريق القصاصين في الإسماعيلية، كانوا في طريقهم إلى مزرعة لجني البصل، وتراوحت أعمارهم بين العاشرة والخامسة عشرة، وهي الوصلة نفسها التي شهدت في مارس 2019 مصرع فتاة في التاسعة عشرة وإصابة ستة عشر طفلًا كانوا في طريقهم إلى مزارع الطريق الصحراوي. وفي مايو 2021 لقي طفلان حتفهما وأصيب واحد وعشرون في انقلاب سيارة ربع نقل على طريق الصعيد الصحراوي الغربي في أثناء عودتهم من العمل بإحدى مزارع الظهير الصحراوي. وفي أغسطس 2021 عُثر على طفل في أطفيح مشنوقًا في المقابر، كان يعمل على توك توك لإعالة والده المصاب بالعجز، فقتله ثلاثة أشخاص للاستيلاء على المركبة. أربع وقائع في أربعة عشر شهرًا، في أربع محافظات، بأطفال من الريف كلهم، وبالوسيلة نفسها: صندوق سيارة.

تتقاطع هذه السلسلة مع بنية أخرى من الإهمال هي المعديات. فبعد غرق أطفال طليا، قال النائب محمد عبد الله زين الدين، عضو لجنة النقل بمجلس النواب، إن المعديات المنتشرة على النيل في محافظات الجمهورية تعاني التهالك وعدم الملاءمة لنقل الأفراد والممتلكات، وإن في مصر ما يقرب من عشرة آلاف معدية تخدم نحو 144 جزيرة على طول النهر فضلًا عن قرى يفصلها عن غيرها فرع من فرعيه، وإنها جميعًا في أمسّ الحاجة إلى صيانة فورية أو استبدالها بجسور. وجاء رد السلطة على الحادث مالًا ووعدًا: وجّه الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيس مجلس الوزراء بتنفيذ جسر لأهالي المنطقة لمنع تكرار الحادث، وأمر صندوق تحيا مصر بصرف عشرين ألف جنيه (نحو 650 دولارًا بسعر اليوم) لأسرة كل متوفى، وخصصت وزارة التنمية المحلية خمسمئة ألف جنيه لمحافظة المنوفية لدعم الأسر بعد بحث اجتماعي، وصرف محافظ المنوفية مئة وعشرين ألف جنيه (نحو 3,900 دولار) لكل متوفى. أي أن الدولة قدّرت حياة الطفل الغارق، بعد غرقه، بما يعادل أجر نحو ألفين وأربعمئة يوم عمل في مزرعة الدواجن، بينما قدّر قانونها عقوبة تشغيله حيًا بأجر عشرين يومًا.

 

من القطا إلى المحاجر

تمثل الزراعة القطاع الأكبر لعمل الأطفال في مصر لكنها ليست الأخطر. ففي الجانب الشرقي من محافظة المنيا، على امتداد نحو ثلاثمئة كيلومتر مربع، تعمل مئات محاجر الحجر الجيري الأبيض التي تنتج الطوب ومواد البناء، ويعمل فيها الأطفال على مناشير التقطيع الكهربائية والكسارات وفي تحميل الكتل الحجرية. وثّق تحقيق نشرته شبكة «أريج» في سبتمبر الماضي، بعد جولة ميدانية بين ديسمبر 2021 ومارس 2022 ومعاينة خمسين طفلًا، أن 84 في المئة من العينة تعرضوا لجروح قطعية في أثناء العمل، وأن سجلات الوحدة الصحية في قرية الديابة سجلت إصابة ثلاثين إلى أربعين طفلًا شهريًا في الأشهر الأولى من 2022، معظمها إصابات عمل بحسب ممرضة الوحدة، وأن إحصاءً أجرته مؤسسة وادي النيل لحماية عمال المحاجر ونشرته نقابة عمال المحاجر عام 2019 حصر 115 طفلًا مصابًا بسبب العمل في المحاجر، وأن الأطفال يشكلون نحو خمس العمالة في هذا القطاع. وروى التحقيق قصة محمود عاطف، الطفل ذي الثلاثة عشر عامًا الذي يعمل تحت ماكينة تقطيع الأحجار بأجر وصل إلى خمسين جنيهًا في اليوم، وتعثر وهو يحمّل الحجارة على السيارات فجرح حاجبه الأيمن، ثم عاد إلى المحجر ومعه شقيقه الأصغر كل صباح.

وليست الجروح القطعية سوى الأثر الظاهر. فقد وثق تحقيق لجريدة «الشروق» عام 2014 أن أكثر من ستة عشر ألف طفل بين الخامسة عشرة والثامنة عشرة يعملون في محاجر المنيا بلا عقود عمل، بيومية ثمانين جنيهًا و«دية وفاة» ألف جنيه، وأن تشغيلهم في تفجير الجبال بالديناميت أودى بحياة عشرات منهم وترك عاهات مستديمة لعشرات آخرين. واصطحب معدّ التحقيق طفلًا في الخامسة عشرة يعمل في المحاجر منذ التاسعة إلى عيادة محمد علي موسى، أستاذ الأمراض الصدرية بجامعة المنيا، فوجد لديه التهابات شديدة في الحلق والأنف والحنجرة ونزلة شعبية مزمنة، وشرح الطبيب أن الغبار الجيري والأسبستوس المستخرج من الصخر يسببان تحجر الرئة الذي قد ينتهي بالسرطان. وفي العام نفسه حرر مكتب العمل في المنيا خمسمئة محضر في ثلاثة آلاف محجر مرّ عليها، عن التشغيل من دون ترخيص وتشغيل الأطفال واستخدام المتفجرات، أي محضرًا واحدًا لكل ستة محاجر، بغرامة لا تتجاوز ألف جنيه.

 

ولا يخفي أصحاب المحاجر منطقهم. فقد قال أحدهم، ويدعى حسين عبد الهادي، لموقع «مصراوي» في مايو 2019 إن تشغيل من هم دون الثامنة عشرة ترشيد للتكاليف، لأن راتب العامل الواحد يشغّل به ثلاثة أطفال يؤدون العمل نفسه وأكثر. وتقع المحاجر في صلب ما تصفه الاتفاقية الدولية رقم 182 بأسوأ أشكال عمل الأطفال، لكن أحمد مصيلحي، رئيس شبكة الدفاع عن الأطفال، قال للتحقيق نفسه إن الغرامات الضئيلة المطبقة لا تردع أحدًا، وطالب بأن تصل العقوبة إلى الحبس خمس سنوات لاستغلال أصحاب المحاجر الأطفال.

وبين الحقل والمحجر تمتد قائمة طويلة تعرفها كل مدينة مصرية: الأطفال في ورش النجارة والحدادة والميكانيكا، وفي أفران الطوب على أطراف الجيزة، وفي فرز القمامة، وفي البيع المتجول على أرصفة الأسواق وفي عربات القطارات والمترو، وفي الصيد في بحيرات البرلس والمنزلة، وفي الخدمة المنزلية حيث تعمل فتيات لا يراهن أحد. ويتخذ العمل الزراعي نفسه أشكالًا صناعية متزايدة: مزارع الدواجن التي تستخدم القاصرين في التنظيف والتغذية وجمع البيض وتعبئته، ومحطات فرز البطاطس والبصل، وحقول القطن التي تُعد من أقدم مواقع عمل الأطفال في مصر، حتى إن الحكومات السابقة، كما ذكّرت خبيرة لقناة الجزيرة، كانت تمنح تلاميذ القرى المشتهرة بزراعة القطن إجازة استثنائية لمعاونة أهاليهم في جني المحصول، فكان عمل الأطفال سياسة تعليمية معلنة لا مخالفة تُضبط.

القانون الذي يساوي الطفل بألف جنيه

على الورق، تملك مصر منظومة قانونية كاملة. فالمادة 80 من دستور 2014 تلزم الدولة برعاية الطفل وحمايته من كل أشكال الاستغلال التجاري، وتحظر تشغيله قبل تجاوز سن إتمام التعليم الأساسي، وتحظر تشغيله في الأعمال التي تعرضه للخطر. وتحظر المادة 64 من قانون الطفل رقم 12 لسنة 1996، بعد تعديله بالقانون 126 لسنة 2008، تشغيل الأطفال قبل بلوغ خمس عشرة سنة وتدريبهم قبل ثلاث عشرة، وتحظر تشغيلهم في أي عمل يعرض صحتهم أو سلامتهم أو أخلاقهم للخطر، وبخاصة أسوأ أشكال عمل الأطفال كما عرّفتها الاتفاقية 182. غير أن المادة نفسها تفتح الباب الذي يدخل منه الريف كله: فهي تجيز للمحافظ المختص، بعد موافقة وزير التعليم، الترخيص بتشغيل الأطفال من سن اثنتي عشرة إلى أربع عشرة سنة في «أعمال موسمية لا تضر بصحتهم أو نموهم ولا تخل بمواظبتهم على الدراسة»، وهو وصف ينطبق في نظر أي محافظ على جني القطن وجمع البطاطس والبصل.

وينظم قانون العمل رقم 12 لسنة 2003 في مواده من 98 إلى 103 تشغيل الأطفال: لا تشغيل قبل بلوغ سن إتمام التعليم الأساسي أو أربع عشرة سنة أيهما أكبر، ولا أكثر من ست ساعات يوميًا تتخللها فترة راحة، ولا عمل إضافيًا أو ليليًا، مع سجل بأسماء الأطفال وطبيعة عملهم يُعتمد من الجهة الإدارية. لكن المادة 248 من القانون نفسه تحدد عقوبة مخالفة كل ذلك بغرامة لا تقل عن خمسمئة جنيه ولا تجاوز ألف جنيه (بين 16 و32 دولارًا)، تتعدد بتعدد الأطفال وتضاعف في حالة العود. وقد وافق مجلس الوزراء في 7 ديسمبر 2021، بعد شهر من حادث الإسماعيلية وقبل شهر من حادث طليا، على مشروع قانون لتغليظ هذه العقوبات لتصبح الغرامة من ألف إلى ألفي جنيه مع غلق المنشأة ستة أشهر في حالة العود، وهو تغليظ يرفع ثمن الطفل من ثلاثين دولارًا إلى ستين، ولم يصدر حتى كتابة هذه السطور، فيما لا يزال مشروع قانون العمل الجديد الذي أقره مجلس الشيوخ معلقًا في مجلس النواب.

والأهم من ضآلة الغرامة هو من يستثنيه القانون من الحماية أصلًا. فقانون العمل لا يسري على خدم المنازل ولا على أفراد أسرة صاحب العمل الذين يعولهم فعلًا، ولا تسري أحكام فصل تشغيل الأطفال على الأطفال العاملين في الزراعة البحتة، أي على القطاع الذي يضم ثلثي الأطفال العاملين في البلاد. وهكذا يصبح الطفل الذي يجمع البيض في مزرعة أو يجني البصل في حقل خارج نطاق مفتش العمل بنص القانون، وإذا وصل إليه مفتش فإن أقصى ما يملكه محضر بغرامة ألف جنيه، ولا يُحاسب أحد عن سيارة نصف النقل التي تنقله إلا إذا سقطت في النهر.

وقد صدّقت مصر على اتفاقية حقوق الطفل عام 1990، وعلى اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 138 بشأن الحد الأدنى لسن الاستخدام عام 1999، وعلى الاتفاقية 182 بشأن أسوأ أشكال عمل الأطفال عام 2002، وأطلقت في يوليو 2018 مع مكتب المنظمة في القاهرة الخطة الوطنية لمكافحة أسوأ أشكال عمل الأطفال ودعم الأسرة 2018-2025، وقال وزير القوى العاملة آنذاك محمد سعفان في حفل إطلاقها إن عمل الأطفال جريمة لا بد من وقفها. وفي يونيو 2022 قال إريك أوشلان، مدير مكتب المنظمة في القاهرة، إن المنظمة تنفذ بدعم هولندي مشروع الإسراع بالقضاء على عمل الأطفال في سلاسل التوريد في أفريقيا، وإن المجلس القومي للطفولة والأمومة بدأ معها تطبيقه في سلسلة توريد القطن المصري. وبعد خمس سنوات من الخطة الوطنية التي تنتهي بعد عامين، لا يوجد تقرير علني واحد يقول كم طفلًا سُحب من العمل، ولا مسح واحد يقول كم طفلًا دخل إليه.

 

ثلاثة عقود من البرامج

ليست الخطة الوطنية الحالية أول محاولة. فبين عامي 2004 و2006 نفذت وزارة القوى العاملة مع برنامج الغذاء العالمي واليونيسف ومنظمة العمل الدولية مشروعًا لسحب 4,300 طفل من سوق العمل في ثلاث محافظات، وبحسب الحصيلة التي نشرتها المنظمة والوزارة، أُعيد 632 طفلًا إلى التعليم الابتدائي، والتحق 3,830 بفصول محو الأمية و5,108 بالمدارس المجتمعية و2,005 بمراكز التدريب المهني، وسُحب 371 طفلًا من أسوأ أشكال العمل، وقُدمت خدمات اجتماعية لـ2,938 طفلًا وصحية لستمئة ومساعدات مالية لـ236، ونُظمت 1,653 حلقة توعية. وهي أرقام تبدو كبيرة حتى تُقاس بمقياسها: فالمشروع كله سحب من أسوأ أشكال عمل الأطفال خلال عامين عددًا يقارب ما تسجله وحدة صحية واحدة في قرية الديابة من إصابات أطفال في عام واحد.

ثم جاءت الخطة الوطنية 2018-2025 لتحدد أسوأ الأشكال التي تستهدفها: الممارسات الشبيهة بالرق كبيع الأطفال والعمل القسري، واستخدام الطفل في الدعارة أو إنتاج المواد الإباحية، واستخدامه في أنشطة غير مشروعة كإنتاج المخدرات، والأعمال التي تضر بصحته ونفسيته. ولا يكاد الطفل الذي يجمع البيض اثنتي عشرة ساعة أو يحمّل الحجارة على المناشير يظهر في هذا التعريف إلا في بنده الأخير، وهو البند الذي لا يحمله مفتش عمل في جيبه حين يدخل مزرعة، إن دخلها. وتقدّر منظمة العمل الدولية، بحسب ما نقله مركز «دراية» للدراسات، أن كل زيادة بنقطة مئوية واحدة في معدل الفقر تقابلها زيادة لا تقل عن 0.7 نقطة في معدلات عمل الأطفال، وهي معادلة تجعل أرقام الأسبوعين الماضيين قراءة مسبقة لما سيحدث في الحقول خلال الموسم المقبل.

 

الفقر بأرقام يوليو 2023

يصعب فهم استمرار هذه الظاهرة من دون النظر إلى الأرقام التي صدرت قبل أسبوعين. ففي 10 يوليو أعلن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن التضخم السنوي في الحضر بلغ 35.7 في المئة في يونيو، وهو أعلى مستوى في تاريخ القياس، وأعلن البنك المركزي أن التضخم الأساسي بلغ 41 في المئة، وارتفعت أسعار الأغذية والمشروبات 64.9 في المئة في عام واحد، بعدما فقد الجنيه نصف قيمته أمام الدولار منذ مارس 2022. وآخر رقم رسمي للفقر يعود إلى بحث الدخل والإنفاق لعام 2019/2020، الذي قال إن 29.7 في المئة من المصريين تحت خط الفقر، أي قبل الجائحة وقبل حرب أوكرانيا وقبل ثلاثة تخفيضات للعملة. وفي عام 2018، حين كان الفقر 32.5 في المئة بحساب الجهاز نفسه، قال حسن الخولي، أستاذ علم الاجتماع في جامعة عين شمس، لموقع «المونيتور» تعليقًا على حادث طليا إن الفقر المستشري هو السبب الرئيسي وراء عمل الأطفال في مصر، وإن الأسر الفقيرة تجبر أطفالها عادة على ترك المدرسة والعمل لكسب لقمة العيش.

ورد الدولة على هذا الفقر هو برنامج تكافل وكرامة للدعم النقدي، الذي يبلغ عدد الأسر المستفيدة منه، بحسب البيان المالي للعام 2023/2024، أكثر من خمسة ملايين أسرة بعد زيادة قيمة الدعم 25 في المئة اعتبارًا من أبريل الماضي بتكلفة سنوية 6.4 مليار جنيه، ويستحوذ الوجه القبلي على أكثر من سبعين في المئة من أسره، ويشترط «تكافل» أن يكون لدى الأسرة أطفال في مراحل التعليم قبل الجامعي وأن ينتظموا في المدرسة. وتبلغ قيمة الدعم الشهري للأسرة، وفق وزيرة التضامن الاجتماعي نيفين القباج، ما بين 620 و740 جنيهًا (20 إلى 24 دولارًا). وهنا تكمن المعادلة التي تحكم قرار الأسرة الريفية: فالطفل الذي يعمل باليومية بخمسين جنيهًا كشروق ومحمود عاطف يدرّ على أسرته في شهر من ستة وعشرين يوم عمل ألفًا وثلاثمئة جنيه، أي ضعف ما يدفعه البرنامج المشروط ببقائه في المدرسة. ومع تضخم في الغذاء يتجاوز ستين في المئة، لا يحتاج الأب في طليا أو نكلا العنب إلى محاضرة في حقوق الطفل ليعرف أيهما يختار.

 

يرتبط دخول الأطفال سوق العمل بخروجهم من المدرسة، ويعرف الريف المصري الطريقين. فقد كشف تعداد 2017 أن ربع السكان فوق العاشرة أميون، وتميل الأسر الفقيرة الكبيرة إلى سحب أبنائها من التعليم مبكرًا للعمل، فيما يفضّل الأطفال العاملون كسب لقمة عيشهم على حضور دروس لا تؤدي إلى شيء ملموس. ويقدّم البرنامج المشروط نفسه دليلًا على حجم الفجوة: فوزارة التضامن قالت إن 2.26 مليون طفل من أسر تكافل وكرامة مسجلون في المدارس، وهو رقم يُقرأ بوصفه نجاحًا، لكنه يعني أيضًا أن انتظام ملايين الأطفال في التعليم صار مرهونًا بتحويل نقدي شهري تلتهمه الأسعار. ولا يملك المسح الصحي لعام 2021 ولا أي إحصاء رسمي آخر إجابة عن السؤال الذي تطرحه كل حادثة: كم من الأطفال الذين غرقوا في القطا والسوالم كانوا مقيدين في مدرسة، وكم منهم تركها، ومتى، ولماذا لم يلاحظ أحد.

ما تعرفه الدولة وما لا تريد عدّه

تعرف الدولة بالضبط أين يعمل أطفالها. فالمسح القومي لعام 2010 حدد القطاعات والمحافظات، والمسح الصحي لعام 2021 حدد أن ريف الصعيد الأعلى نسبة وأن الذكور أكثر من الإناث بأكثر من الضعف، وتحقيقات الصحافة حددت المحاجر بالاسم والقرى بالاسم والوحدات الصحية التي تسجل إصابات الأطفال شهريًا. وتملك الدولة الأدوات: خط نجدة الطفل 16000 التابع للمجلس القومي للطفولة والأمومة، ومفتشي عمل دُرّب 911 منهم على معايير العمل الدولية بين نوفمبر 2013 ومارس 2018 بحسب دراسة مشتركة بين منظمة العمل الدولية ووزارة القوى العاملة، وخطة وطنية بتاريخ انتهاء محدد، وبرنامج دعم نقدي يصل إلى خمسة ملايين أسرة. وما لا تملكه هو أمران: إرادة أن تعدّ أطفالها العاملين عدًا دقيقًا كل بضع سنوات بمسح متخصص لا بسؤال عابر في استبيان صحي، وقانون يجعل تشغيل طفل في الثالثة عشرة اثنتي عشرة ساعة في مزرعة دواجن أغلى على صاحب المزرعة من ألف جنيه.

وبين الأمرين، يبقى المشهد الذي افتُتح به هذا التحقيق هو الصورة الأصدق للمسألة كلها: دولة تدفع مئة وعشرين ألف جنيه عن كل طفل بعد غرقه، ولا تدفع ما يبقيه في المدرسة قبل الغرق، وتحبس سائق السيارة ومالك المعدية، ولا تسأل من شغّل الأطفال ومن نقلهم كل مساء في صندوق سيارة عبر النهر. ولم تعثر زاوية ثالثة، حتى تاريخ نشر هذا التحقيق، على إعلان رسمي بافتتاح الجسر الذي وُجّه بتنفيذه بعد الحادث، ولا على حكم منشور في قضية معدية القطا، ولا على محضر واحد حُرر لمن شغّل أطفال طليا أو نكلا العنب. وما تثبته الحوادث المتعاقبة، من القطا إلى السوالم إلى الدواويس، أن أطفال القرى ما زالوا يُنقلون كل صباح في صناديق السيارات إلى المزارع، لأن خمسين جنيهًا في اليوم ما زالت أكثر مما تملك الدولة أن تعطيهم مقابل البقاء في المدرسة.

أحمد جمال زيادة
صحفي استقصائي مصري، مؤسس ورئيس تحرير زاوية ثالثة. حاصل على ماجستير في العلوم السياسية والعلاقات الدولية من جامعة Free University of Brussels (ULB)، وماجستير في الإعلام الرقمي من جامعة Vrije Universiteit Brussel (VUB).

Search