يعرض هذا التقرير الشهادات والخطط المعلنة وقت إعداده في مارس 2026، قبل الموعد المعلن آنذاك لتجربة المنظومة في المنيا.
مع اقتراب الموعد المعلن لبدء التشغيل التجريبي لمنظومة التأمين الصحي الشامل في المنيا خلال أبريل 2026، تتجدد الأسئلة بشأن استعداد النظام للتوسع، بينما يشكو منتفعون في محافظات المرحلة الأولى من تأخر الموافقات العلاجية والقيود على تمويل أدوية وأجهزة طبية. وتتعلق هذه الشكاوى بحالات مزمنة وحرجة، من بينها الفشل الكلوي والأورام، تجعل انتظار القرار الإداري جزءًا من معاناة العلاج اليومية.
وتضم خطة المرحلة الثانية المعلنة خمس محافظات: المنيا ودمياط وكفر الشيخ ومطروح وشمال سيناء، بتكلفة مقدرة بنحو 115 مليار جنيه لخدمة أكثر من 12 مليون مواطن. أما 290 منشأة للرعاية الأولية و26 منشأة للرعاية الثانوية والثالثية، فهي أعداد واردة ضمن الاستعدادات الخاصة بالمنيا، وليست إجمالي منشآت المحافظات الخمس. وقد عرضت هيئة الرعاية الصحية هذه الاستعدادات في إعلانها عن قرارات اجتماع مجلس الإدارة رقم 95 مطلع مارس 2026. وهذه أرقام خطة وتجهيزات، ولا تعني أن كل المنشآت أصبحت تعمل بالفعل.
وكان الجدول المعلن في يوليو 2025 يتوقع بدء المرحلة الثانية بمطروح في سبتمبر، ثم شمال سيناء في ديسمبر، ومحافظتين أخريين مطلع 2026، على أن تلحق بهما المحافظة الخامسة لاحقًا. ويأتي تحديد أبريل 2026 موعدًا مرتقبًا للمنيا بعد نحو سبعة أشهر من موعد البداية المعلن سابقًا للمرحلة ككل. لذلك ينبغي التمييز بين تغيير ترتيب المحافظات ومواعيد التشغيل، وبين الادعاء بأن المنيا نفسها تأخرت سبعة أشهر عن موعد مقرر لها.
أُنشئت المنظومة بموجب القانون رقم 2 لسنة 2018، على أساس التطبيق الجغرافي التدريجي عبر مراحل. وبدأ التشغيل التجريبي في بورسعيد في يوليو 2019، ثم أُطلقت المنظومة في الإسماعيلية والأقصر وجنوب سيناء في 16 فبراير 2021، وتضم محافظات المرحلة الأولى أيضًا السويس وأسوان. وتعتمد مواردها على اشتراكات المؤمن عليهم وأصحاب الأعمال، وتمويل الخزانة العامة لغير القادرين، وموارد أخرى يحددها القانون. أما التعاقد مع القطاع الخاص فهو آلية لتقديم وشراء الخدمة، وليس في حد ذاته موردًا ماليًا يعادل الاشتراكات.
وفي عرض للهيئة العامة للتأمين الصحي الشامل خلال مؤتمر للاكتواريين في دبي في فبراير 2026، بلغ عدد المستفيدين بمحافظات التطبيق 5.2 مليون شخص، بنسبة تسجيل 82%. وترد ضمن مستهدفات التوسع تقديرات برفع نطاق المستفيدين إلى نحو 18 مليونًا، مع خطط لتعميم التغطية خلال السنوات التالية وصولًا إلى 2030 أو 2032 بحسب الجداول المطروحة. هذه مستهدفات زمنية وليست تغطية تحققت، كما لا يكفي عدد المسجلين وحده لقياس انتظام العلاج أو رضا المرضى.
المريض بين الدواء وقرار التمويل
في مارس 2026، تقدم النائب أحمد فرغلي، عضو مجلس النواب عن بورسعيد، بأربعة طلبات إحاطة تتناول شكاوى داخل المنظومة، من بينها استبدال دواء بروجراف بمثيل يُعرف باسم أدبورت لمرضى زراعة الكلى، ونقص وحدات الغسيل الكلوي، وتحمل بعض المرضى مصروفات إضافية عند تلقي الخدمة لدى جهات خاصة، بما فيها أدوية وتحاليل ونقل دم. كما انتقد عدم تمويل أجهزة القياس المستمر للسكر ومضخات الأنسولين للأطفال إلا بعد اللجوء للقضاء، وقصور التنسيق في الحالات الاستثنائية والأمراض المزمنة والأورام. وتظل هذه اتهامات وشكاوى طرحها النائب، ولا تثبت وحدها وقوع ضرر دوائي في كل حالة.
وللتدقيق الطبي، يحتوي بروجراف وأدبورت على تاكروليمس، وهو مثبط للمناعة ذو نطاق علاجي ضيق. وتوضح إرشادات هيئة تنظيم الأدوية البريطانية أن الانتقال بين العلامات التجارية يستلزم إشراف متخصص ومراقبة علاجية دقيقة. لا تعني هذه الإرشادات أن كل دواء مثيل غير آمن، لكنها تجعل طريقة التبديل والمتابعة عنصرين أساسيين لا يجوز اختزالهما في سعر العبوة.
ويحكي محمد حسن، أحد المنتفعين بمنظومة التأمين الصحي الشامل في بورسعيد والمُصاب بالفشل الكلوي، أن المرضى فوجئوا خلال الأشهر الأخيرة بوقف صرف بعض الأدوية الأساسية لعلاج ارتفاع الفوسفور، رغم اعتمادهم عليها بشكل منتظم داخل وحدات الغسيل الكلوي، موضحًا لـ”زاوية ثالثة” أن دواء “رانجيل” المستخدم في ضبط مستويات الفوسفور كان يُصرف للمرضى بانتظام، قبل أن يتوقف صرفه بشكل مفاجئ منذ ديسمبر 2025، وكان التبرير الذي قُدم لهم هو ارتفاع سعره، الذي يصل إلى نحو 2000 إلى 2500 جنيه للعبوة الواحدة.
يقول: “هذا القرار يضع المرضى أمام عبء مالي كبير، خاصة أن معظمهم غير قادرين على العمل بسبب حالتهم الصحية، إذا كان الدواء مرتفع التكلفة على جهة التأمين، فكيف يمكن لمريض لا يملك مصدر دخل ثابت أن يتحمل هذه النفقات؟”، مشيرًا إلى أن ارتفاع نسبة الفوسفور في الدم يجعلهم عرضة للإصابة بمضاعفات صحية خطيرة، من بينها آلام العظام الشديدة، والحكة المستمرة، وتأثيرات على الغدة جار الدرقية، ما ينعكس سلبًا على الحالة العامة للمريض وجودة حياته.
ويطالب المريض الجهات المسؤولة بإعادة النظر في قرار وقف صرف الدواء، وتوفير العلاجات اللازمة لمرضى الفشل الكلوي، مؤكدًا أن انتظام العلاج يمثل ضرورة طبية لا يمكن الاستغناء عنها، وليس خيارًا يمكن تأجيله أو تحميل تكلفته للمريض.
وفي السياق يؤكد محمود فؤاد، رئيس جمعية الحق في الدواء، أن منظومة التأمين الصحي الشامل تواجه تحديات جوهرية، خاصة فيما يتعلق بإتاحة الدواء والخدمات العلاجية للحالات الحرجة والمزمنة، مُبينًا أن الشكاوى المتعلقة بتأخر الموافقات الإدارية والقرارات التمويلية لا تقتصر على مرحلة التشغيل التجريبي، بل ظهرت أيضًا في المحافظات التي شهدت تطبيقًا كاملًا للمنظومة، مثل بورسعيد والإسماعيلية والسويس والأقصر.
ويلفت إلى أن بعض مرضى الفشل الكلوي يواجهون صعوبة في الحصول على العلاج المناسب، بسبب نواقص الأدوية وقلة أعداد وحدات جلسات الغسيل الكلوي، بالتزامن مع الاعتماد المتزايد على مراكز خاصة متعاقدة مع منظومة التأمين الصحي الشامل، الأمر الذي قد يفرض أعباء إضافية على المرضى، تتمثل في طول فترات الانتظار أو تحمل تكاليف مرتبطة بالخدمات، كإجراءات نقل الدم في بعض الحالات.
يقول لـ”زاوية ثالثة”: “نقص بعض الأدوية الحيوية، خاصة أدوية الأورام أو الأدوية المثبطة للمناعة بعد زراعة الأعضاء، يرتبط جزئيًا بتأخر توريد الأدوية نتيجة مديونيات مستحقة على جهات الشراء، ما يؤدي إلى اضطراب سلاسل الإمداد، وهذه الأزمة لا تقتصر على منظومة التأمين الصحي الشامل، بل تمتد إلى قطاع الدواء بشكل عام”.
ويضيف: “بعض المرضى يشكون من استبدال عدد من الأدوية الأصلية بأخرى مثيلة، وقد يرتبط ذلك بظروف السوق الدوائي وتحديات الاستيراد، إلى جانب ضغوط التكلفة، ورغم أن الأدوية المثيلة معتمدة طبيًا، فإن عدم تقبل بعض المرضى والأطباء لها يخلق حالة من عدم الثقة، ويؤثر على تجربة العلاج”.
ويعتقد فؤاد أن التحديات الأكبر تظهر مع الحالات المرضية المتقدمة، مثل الفشل الكلوي وزراعة الأعضاء وأمراض القلب، حيث تتزايد الاحتياجات العلاجية وتكاليفها، مقارنة بالخدمات الأساسية التي تسير بشكل أكثر انتظامًا داخل المنظومة، مشيرًا إلى استمرار الجدل حول عدم تغطية بعض الأجهزة مثل مضخات الأنسولين وأجهزة القياس المستمر للسكر للأطفال، رغم انتشارها عالميًا، في ظل غياب قرار واضح بتمويلها داخل المنظومة.
ويوصي رئيس الحق في الدواء، بإجراء تقييم شامل وشفاف لتجربة المرحلة الأولى، قبل التوسع في تطبيق المرحلة الثانية، خاصة في محافظات ذات كثافة سكانية أعلى وظروف اقتصادية مختلفة، بجانب مراجعة آليات التمويل والرقابة، لضمان عدم تحميل المرضى أعباء إضافية، لاسيما أن المواطن في المنظومة الجديدة يتحمل اشتراكات أكبر مقارنة بالنظام القديم، ما يرفع من سقف توقعاته بشأن جودة الخدمة وتوافرها.
ويشدد على أن نجاح منظومة التأمين الصحي الشامل يتطلب معالجة التحديات المرتبطة بتوافر الدواء، وكفاءة سلاسل الإمداد، والرقابة على مقدمي الخدمة، إلى جانب إجراء تقييم دوري للتجربة، بما يضمن تحقيق الهدف الأساسي للمنظومة في توفير رعاية صحية عادلة وآمنة لجميع المواطنين.
أعباء مالية وإجراءات بيروقراطية
وبموازاة شكاوى المنظومة الشاملة، قدم النائب محمد جبريل، عضو مجلس النواب عن الإسكندرية وأمين الشؤون البرلمانية لحزب مستقبل وطن بالمحافظة، طلب إحاطة في 2 فبراير 2026 بشأن امتناع هيئة التأمين الصحي عن تقديم خدمات للعاملين وأصحاب المعاشات رغم تحصيل الاشتراكات. ويتعلق الطلب بالتأمين الصحي التقليدي، لا بهيئة التأمين الصحي الشامل؛ لذا لا يصح استخدامه وحده دليلًا على أداء المرحلة الأولى من المنظومة الجديدة، وإن كان يكشف جانبًا من المشكلات الأوسع في إتاحة الرعاية.
وبحسب النائب فإن الهيئة تتقاضى الاشتراكات التأمينية كاملة من رواتب العاملين ومعاشاتهم، لكنها لا توفر الرعاية الصحية المستحقة لهم، ما يمثل انتهاكًا لقانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات ومبادئ الحماية الاجتماعية، مطالبًا بإعادة تقديم الخدمات دون تأخير، ومحاسبة المسؤولين عن التقصير سواء في إدارات الشركات أو الهيئة نفسها.
ومع التطبيق التدريجي للمنظومة تحولت الاشتراكات المتراكمة على أعداد كبيرة من المشتركين إلى عبء مالي على المواطنين في المحافظات التي بدأ فيها تنفيذ المرحلة الأولى، ووفق تحقيق صحفي نشرته زاوية ثالثة، في فبراير 2025، فوجئ كثير من المنتفعين بمديونيات كبيرة دون علم مسبق بآليات احتساب الاشتراكات أو التزامات السداد، ما أدى إلى تراكم مبالغ وصلت في بعض الحالات إلى عشرات الآلاف من الجنيهات.
هذه المديونيات لم تقتصر آثارها على الجانب المالي، بل امتدت إلى حرمان المواطنين من إجراء خدمات حكومية أساسية، مثل تجديد رخص القيادة أو استخراج الأوراق الرسمية، إلا بعد السداد أو جدولة المديونية، وهو ما يدفع البعض إلى الاقتراض أو اللجوء إلى حلول مالية صعبة، بحسب شهادات المتضررين.
وترتبط أزمة المديونيات التي واجهت العديد من منتفعي منظومة التأمين الصحي الشامل، بغياب التوعية الكافية، وتعقيدات الربط بين الجهات المختلفة، فضلًا عن إشكاليات تتعلق بالعاملين في القطاع غير الرسمي أو حالات الاستقطاع غير المنتظم، الأمر الذي خلق فجوة بين تحصيل الاشتراكات وضمان الاستفادة الفعلية من الخدمة الصحية، وقتئذٍ.
وفي السياق تؤكد النائبة الدكتورة إيرين سعيد، العضوة بلجنة الصحة في مجلس النواب ورئيسة الهيئة البرلمانية لحزب الإصلاح والتنمية، أن الدولة اتجهت إلى تقسيط هذه المديونيات بدلًا من تحصيلها دفعة واحدة، مع التأكيد على صعوبة الإعفاء الكامل منها تحقيقًا لمبدأ العدالة بين المشتركين، مُبينة أن التحدي الأكبر يظهر في فئات العمالة غير المنتظمة، حيث لا توجد آلية مباشرة لخصم الاشتراكات، ما يجعل ربط الحصول على الخدمة بسداد الاشتراك هو الأداة الأساسية لضمان الالتزام.
ووفقًا للمادة (40) من قانون التأمين الصحي الشامل رقم 2 لسنة 2018، تتكون الموارد المالية للهيئة، من حصة المؤمن عليهم والمعالين، وفي حالة الجمع بين أكثر من وظيفة يلتزم المؤمن عليه بقيم الاشتراكات لكل ما يتحصل عليه من دخل، والاشتراكات التي يلتزم بسدادها رب الأسرة عن الزوجة غير العاملة أو التي ليس لها دخل ثابت، ومن يعيش في كنفه من الأبناء والمعالين، ويستمر الاشتراك عن الأبناء والمعالين حتى الالتحاق بعمل، أو زواج الإناث.
كما تلزم المادة أصحاب الأعمال المحددين بقوانين التأمينات الاجتماعية بأداء حصتهم عن العاملين بواقع 4% شهريًا من أجر الاشتراك، وبما لا يقل عن خمسين جنيهًا شهريًا، نظير خدمات تأمين المرض والعلاج وإصابات العمل. ويميز القانون بين الاشتراك الدوري والمساهمة عند تلقي الخدمة: فالإعفاء الوارد لغير القادرين وأصحاب الأمراض المزمنة والأورام يتعلق بقيمة المساهمات وفق ضوابطه، بينما تتحمل الخزانة العامة اشتراكات غير القادرين. ولا يعني الإعفاء من المساهمة إعفاءً عامًا لكل أصحاب الأمراض المزمنة من الاشتراكات.
ويضاف إلى تلك الموارد المالية العائد الناتج من استثمار الأموال والاحتياطيات المتاحة لدى الهيئة وفقًا للإستراتيجية الاستثمارية، بجانب المنح الخارجية والداخلية والقروض التي تعقدها الحكومة لصالح الهيئة، والهبات والإعانات والتبرعات والوصايا التي يقبلها مجلس إدارة الهيئة، والمصادر الأخرى كالرسوم المفروضة على مشتقات التبغ، والسجائر، والطرق السريعة وتجديد رخص قيادة السيارات.
وتوضح النائبة لـ”زاوية ثالثة” أنها لم تتلق شكاوى مباشرة تفيد بتحميل المرضى تكاليف رسمية داخل المنظومة، لكنها أقرت بأن بعض المواطنين قد يلجؤون إلى الإنفاق الذاتي لتجاوز فترات الانتظار أو تعقيدات الإجراءات، مثل قوائم الانتظار أو الأعطال الفنية في الأجهزة، ما يدفعهم لإجراء الفحوصات أو تلقي الخدمة خارج المنظومة لتسريع العلاج.
تقول: إن “أبرز الشكاوى التي تم رصدها منذ بدء التطبيق تمثلت في معاناة المرضى نتيجة التنقل بين المستشفيات وهيئات التأمين للحصول على الموافقات، إلى جانب مشكلات نقص بعض الأدوية والمستلزمات، وأعطال الأجهزة، ونقص الفنيين، وهو ما يؤدي أحيانًا إلى تأجيل الخدمات أو إعادة الإجراءات الطبية”.
كما تعزي جانبًا من شكاوى تأخر الموافقات على العلاج، بما في ذلك العلاج الكيماوي والجراحات، إلى البيروقراطية الناتجة عن الفصل المؤسسي بين جهة تمويل وشراء الخدمة والجهات المقدمة لها، مؤكدة أن المشكلة الأساسية تتمثل في آليات الربط والتنسيق بين الهيئات، وليس في نظام الإحالة ذاته، الذي وصفته بأنه نظام طبيعي ومطبق في دول أخرى.
وفيما يتعلق بنقص الأدوية والمستلزمات الطبية، تشير إلى أن الأزمة تتجاوز منظومة التأمين الصحي الشامل، وترتبط بسوق الدواء في مصر بشكل عام، في ظل الاعتماد الكبير على استيراد المواد الخام بنسبة تتجاوز 95%، وهو ما يجعل سلاسل الإمداد عرضة للتأثر بالمتغيرات الاقتصادية العالمية، وينعكس على توافر الدواء وتسعيره.
وبسؤالها حول مدى الاستعداد لتطبيق المرحلة الثانية من منظومة التأمين الصحي الشامل، أفادت بأن مصر متأخرة عن الجدول الزمني المقرر لتطبيق المنظومة، لكنها لا تمتلك رفاهية للتراجع بسبب التحديات التي لا تكمن فقط في البنية التحتية، بل في ضعف التنسيق والربط بين الجهات المختلفة المنصوص عليها في القانون، وعلى رأسها هيئة الرعاية الصحية (مقدم الخدمة) وهيئة التأمين الصحي الشامل (الممول)، وهو ما يؤدي إلى تعقيدات إجرائية يشعر بها المواطن في صورة تأخيرات للحصول على الموافقات.
وتضيف: “في المرحلة الأولى، الاعتماد الأكبر كان على المستشفيات الحكومية، مع ضعف نسبي في مشاركة القطاع الخاص، وهو أحد أوجه القصور، لأن فلسفة التأمين الصحي الشامل تقوم على تعدد مقدمي الخدمة (حكومي، خاص، جامعي).
وتبدي النائبة تشككها في قدرة المنظومة على تحقيق التغطية الصحية الشاملة بحلول عام 2030، وفق الإطار الزمني المحدد، بسبب التأخر الحالي في التنفيذ الذي يجعل تحقيق الأهداف المرجوة في هذا الموعد أمرًا غير مرجح، وفي الوقت نفسه تربط نجاح المرحلة الثانية بمعالجة الاختلالات الإجرائية، وتعزيز التكامل بين الجهات المختلفة، وتوسيع مشاركة القطاع الخاص والجامعي، بما يضمن تحسين كفاءة تقديم الخدمة وتقليل الأعباء على المواطنين.
الفصل بين الجهات المعنية
يشرح كريم طارق، الباحث في نظم التغطية الصحية الشاملة، أن تقييم منظومة التأمين الصحي الشامل في مصر لا يزال يميل إلى البُعد الكمي أكثر من الكيفي، إذ تركز الجهات الرسمية على مؤشرات مثل حجم الاستثمارات، وعدد المستفيدين، وقيمة المطالبات المسددة، باعتبارها دلالات على نجاح المنظومة، في حين لا تحظى جودة الخدمات وتجربة المرضى بنفس القدر من الاهتمام في التقييم.
ويوضح لـ”زاوية ثالثة” أنه رغم تحسينات البنية التحتية واعتماد معايير الجودة، لا تزال المنظومة تواجه تحديات تتعلق بآليات التشغيل، ومرجعًا المشكلات المتكررة، مثل تأخر الموافقات على العلاج أو صعوبات الحصول على بعض الأدوية والأجهزة الطبية، في الأساس إلى اعتماد آليات جزئية في التعامل مع الشكاوى، تركز على حل الحالات الفردية دون معالجة الأسباب الجذرية.
يقول: “أحد أبرز التحديات يتمثل في الطبيعة المؤسسية للمنظومة، التي تقوم على الفصل بين جهات التمويل وتقديم الخدمة والرقابة والجودة، والذي أدى إلى نوع من التفكك، حيث تعمل كل جهة وفق أهدافها الخاصة، دون تكامل كافٍ يضمن كفاءة الأداء كمنظومة واحدة، ونتيجة لذلك، قد تتحمل بعض الجهات أعباء لا تغطيها التمويلات المتاحة، ما يؤدي لتحميل المرضى تكاليف إضافية في بعض الحالات”.
ويشير إلى أن توجهات إدارة المنظومة أصبحت تميل إلى الجانب الاقتصادي والاستثماري، بما يركز على ضبط الإنفاق وتحقيق الاستدامة المالية، وهو ما قد يأتي أحيانًا على حساب الاعتبارات المرتبطة بحقوق المرضى وجودة الرعاية. ولفت إلى أن بعض حالات نقص الأدوية أو الأجهزة الطبية لا ترتبط فقط بقرارات التمويل، بل أيضًا بعوامل خارجية مثل صعوبات الاستيراد أو زيادة الطلب، إلا أن غياب آليات واضحة لإدارة هذه الأزمات يزيد من حدتها.
كما يرجع ظاهرة تحمل المرضى لنفقات إضافية، خاصة في المنشآت الخاصة المتعاقدة مع المنظومة، إلى تأخر سداد مستحقات هذه الجهات من قبل هيئة التأمين، ما يدفع بعض مقدمي الخدمة إلى مطالبة المرضى بسداد فروق مالية لضمان استمرار تقديم الخدمة، معتبرًا أن ذلك يعكس خللًا في دورة التمويل والتعاقد، وليس مجرد تجاوزات فردية.
ويعتقد الباحث أن المشكلة لا تكمن في نقص اللوائح أو القواعد المنظمة، وإنما في ضعف آليات الحوكمة والرقابة على التنفيذ، مؤكدًا أن ضمان حقوق المرضى يتطلب تفعيلًا حقيقيًا لنظم المتابعة والمساءلة، وليس مجرد الاكتفاء بالاستجابة للشكاوى بشكل فردي.
ويضيف: “الإطار التنظيمي ينص على وجود آليات لمتابعة أداء المنشآت المتعاقدة، إلا أن التطبيق الفعلي، لا يزال يعاني من قصور، حيث تبدو الرقابة غير منتظمة في بعض المحافظات، ولا تضمن دائمًا التزام مقدمي الخدمة بالمعايير المطلوبة”.
ويعتبر أن نجاح المرحلة الثانية من المنظومة، لا يعتمد فقط على استكمال البنية التحتية أو تجهيز المنشآت، بل يمتد إلى توعية المواطنين بالنظام الجديد، وتوزيع الخدمات جغرافيًا، ومدى توافر الكوادر الطبية المدربة، فضلًا عن التفاوت في معدلات الفقر بين المحافظات، وهو ما قد يؤثر على كفاءة التطبيق، مشيرًا إلى أن معالجة العديد من المشكلات المطروحة تتطلب زيادة الإنفاق على الصحة، وتعزيز نظم الحوكمة والرقابة، وتبني سياسات مستدامة تضمن عدم تكرار الأزمات، بدلًا من الاكتفاء بالحلول المؤقتة.
الحوكمة وجاهزية المنيا
شكاوى المرضى والتحديات التي واجهتها المرحلة الأولى من المنظومة، أثارت التساؤلات حول مدى الاستعداد لتطبيق المرحلة الثانية؛ إذ تقدم النائب حسين غيته، عضو مجلس النواب عن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، بطلب إحاطة، موجه للحكومة ووزارة الصحة، في مارس 2026، بشأن استعدادات تطبيق منظومة التأمين الصحي الشامل بمحافظة المنيا بدءًا من أبريل 2026 وفق الموعد المعلن آنذاك.
وأكد النائب أن المنيا، التي يتجاوز عدد سكانها 6 ملايين نسمة، تتطلب تجهيزات واسعة لضمان نجاح التطبيق، تشمل تطوير واعتماد المستشفيات والوحدات الصحية وفق معايير الجودة، وتوفير كوادر طبية وفنية كافية، مشددًا على أهمية جاهزية البنية التحتية والتجهيزات الطبية، مثل أسرة الرعاية المركزة وأجهزة الأشعة والتحاليل.
كما طالب الحكومة بتوضيح عدد المنشآت المؤهلة، ومدى جاهزيتها الفعلية، وخطة توزيع الخدمات جغرافيًا، إضافة إلى آليات توفير القوى البشرية والتشغيل، لضمان تقديم خدمات صحية متكاملة بكفاءة منذ بدء التطبيق.
بدوره يرى الدكتور علاء غنام، رئيس وحدة الحق في الصحة بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، أن التوسع في المنظومة يمثل التحدي الحقيقي أمام الدولة، خاصة مع الانتقال من محافظات صغيرة نسبيًا في المرحلة الأولى إلى محافظات كبيرة وكثيفة السكان؛ إذ أن المحافظات التي شملتها المرحلة الأولى كانت أقل من حيث عدد السكان، كما أن بنيتها التحتية الصحية كانت أفضل نسبيًا، وهو ما ساهم في تسهيل التطبيق، بينما المرحلة الثانية، وعلى رأسها محافظة المنيا التي يقترب عدد سكانها من إجمالي سكان محافظات المرحلة الأولى مجتمعة، فيؤكد أنها تتطلب مستوى أعلى بكثير من الجاهزية، سواء من حيث البنية التحتية أو تنظيم الخدمات، خصوصًا في القرى والمناطق الريفية.
يقول لـ”زاوية ثالثة”: “بدء المرحلة الثانية في ظل الظروف الاقتصادية الحالية يُعد في حد ذاته خطوة إيجابية، لكنه يظل تحديًا كبيرًا يتطلب اختبارًا حقيقيًا لقدرة المنظومة على التوسع والاستدامة، والحكم الفعلي على نجاح التجربة لن يتضح إلا مع التطبيق في المحافظات الأكبر”.
وفيما يتعلق بتوفير الكوادر الطبية اللازمة للمرحلة الثانية، يؤكد أن المشكلة لا تكمن في عجز عددي بقدر ما تتمثل في سوء توزيع الأطباء، حيث تتركز الكثافة في محافظات مثل القاهرة والإسكندرية، مقابل نقص نسبي في الأقاليم، معتبرًا في الوقت ذاته أن دمج المستشفيات الجامعية ضمن المنظومة يمثل فرصة مهمة لتحسين إتاحة الخدمات، خاصة في محافظات الصعيد، من خلال الاستفادة من البنية التحتية والكوادر المتاحة بالفعل.
ويعتبر غنام أن نظام الإحالة داخل التأمين الصحي الشامل، عنصرًا أساسيًا لتنظيم الخدمة، لكنه يتطلب تفعيلًا عمليًا من خلال الاعتماد على الرقمنة وتدريب أطباء الأسرة، حتى لا يتحول إلى عائق بيروقراطي يؤخر حصول المرضى على الرعاية، مشيرًا إلى أن أي تأخير في تقديم الخدمة أو نقص في الإمكانيات داخل المستشفيات المتعاقدة يرتبط بالأساس بمشكلات في الإدارة.
ويضيف أن “الحوكمة الرشيدة تمثل حجر الأساس لنجاح المنظومة، بينما غياب آليات واضحة مثل لجان حقوق المرضى، ومجالس الأمناء، وشفافية البيانات، يؤدي إلى صعوبة تقييم الأداء أو محاسبة المسؤولين”، مشددًا على أهمية وجود استجابة واضحة وشفافة لكل شكوى ترد للهيئة، لكون غياب الرد أو التوضيح يُضعف الثقة في المنظومة.
ويشدد على أن أولوية المرحلة المقبلة يجب أن تتركز على تحسين الحوكمة، وإتاحة بيانات دقيقة وشفافة، والانتقال من منطق عرض تقارير الإنجاز إلى إعداد تقارير تقييم حقيقية تعترف بالمشكلات وتعمل على معالجتها، بما يضمن تطوير المنظومة بشكل مستدام.
وبينما يعتقد رئيس وحدة الحق في الصحة أن التأمين الصحي الشامل يظل أداة أساسية لضمان العلاج، خاصة لغير القادرين، من الناحية النظرية، إلا أنه يقر بأن التطبيق العملي لا يزال يواجه تحديات، وهو ما يستدعي المتابعة والتقييم المستمرين مع التوسع في التنفيذ.
خلل في ترتيب الأولويات
في المقابل يعتقد الدكتور محمد حسن خليل، رئيس لجنة الحق في الصحة والقيادي في الحزب الاشتراكي المصري، أن خطة تطبيق منظومة التأمين الصحي الشامل تعاني من إشكاليات هيكلية عميقة، سواء على مستوى التصميم أو التنفيذ، بشكل يثير تساؤلات جدية حول مدى جاهزية الدولة لبدء المرحلة الثانية في موعدها المعلن، إذ تضمنت تأجيل إدخال محافظات كبرى ذات كثافة سكانية مرتفعة كالقاهرة والإسكندرية، إلى المراحل الأخيرة، وهو ما اعتبره مؤشرًا على خلل في ترتيب الأولويات، لافتًا إلى أن تعديل الجدول الزمني لاحقًا لتسريع التطبيق لم ينعكس على أرض الواقع بنفس الوتيرة، في ظل بطء معدلات التنفيذ.
يقول لـ”زاوية ثالثة”: “نسبة التغطية الفعلية حتى الآن لا تزال محدودة مقارنة بالمستهدف، فما تحقق خلال السنوات الماضية لا يتناسب مع الهدف المعلن للوصول إلى تغطية شاملة خلال فترة زمنية قصيرة، هذا الأمر يثير الشكوك حول واقعية استكمال المنظومة وفق الجدول الحالي”.
ويشير إلى أن التغطية لم تشمل جميع سكان المحافظات التي أُعلن عن تطبيق المنظومة بها، بل اقتصرت في بعض الحالات، على نقل المنتفعين من النظام القديم وإضافة شرائح محدودة، وهو ما أدى إلى بقاء نسب من السكان خارج التغطية، خاصة في المناطق الريفية وبين الفئات الأكثر هشاشة، كما ينتقد نظام الاشتراكات والمساهمات المعمول به في المنظومة الجديدة، معتبرًا إياه يزيد الأعباء المالية على المواطنين مقارنة بالنظام السابق.
وبشأن التحديات التشغيلية، يلفت لكون المنظومة تواجه نقصًا حادًا في المقومات الأساسية للنظام الصحي، على رأسها التمويل والكوادر البشرية والبنية التحتية، عازيًا ذلك إلى كون الإنفاق الحكومي على الصحة لا يزال دون المستويات الدستورية والدولية، الأمر الذي ينعكس على توافر الأدوية والمستلزمات الطبية، ويؤدي إلى تأخير في تقديم الخدمات أو تقليصها، بحسب رأيه.
ويربط خليل بين نقص الأطباء وهجرة الكوادر الطبية، في ظل تدني الأجور، وتراجع عدد الأسرة في المستشفيات الحكومية، وبين الشكاوى المتكررة من المرضى، مثل تأخر الموافقات على العلاج، أو نقص الأدوية، أو اضطرار بعض المرضى لتحمل تكاليف إضافية، معتبرًا أن هذه الأزمات نتيجة مباشرة لضعف التمويل واختلال أولويات الإنفاق.
ويعتبر رئيس اللجنة أن تحقيق تغطية صحية شاملة لا يرتبط فقط بتوسيع نطاق التطبيق الجغرافي، بل يتطلب إصلاحًا متكاملًا يشمل زيادة الإنفاق الحكومي على الصحة، وتحسين أوضاع الكوادر الطبية، وتطوير البنية التحتية، إلى جانب مراجعة التشريعات المنظمة لضمان العدالة في الحصول على الخدمة، مؤكدًا أن ضمان الحق في الصحة يستلزم إعادة النظر في السياسات الحالية، بما يضمن توفير خدمات صحية عادلة ومستدامة لجميع المواطنين.
وبينما تستعد وزارة الصحة للموعد المعلن لبدء التشغيل التجريبي في المنيا في أبريل 2026، فإن استمرار شكاوى المشتركين من تأخر الموافقات العلاجية والبيروقراطية الإجرائية وتحملهم أعباء مالية إضافية، في ظل تحديات البنية التحتية وضعف الحوكمة والتكامل بين القطاعات، يرى خبراء في القطاع الصحي والدوائي وبرلمانيون، ضرورة تحسين الحوكمة، تعزيز الرقابة، توسيع مشاركة القطاع الخاص، ضمان توافر الأدوية والكوادر الطبية، ومعالجة المشكلات الإجرائية لضمان تقديم رعاية صحية عادلة ومستدامة لجميع المواطنين.