عادت في سبتمبر 2026 استغاثات أسر ذوي الإعاقة على مواقع التواصل الاجتماعي، بعد أكثر من عامين على احتجاز سياراتهم في الموانئ، وبعد عام أفرجت فيه الجمارك عن نحو تسعة آلاف سيارة وأبقت على آلاف أخرى تتراكم عليها غرامات أرضيات تجاوزت في حالات ثمن السيارة نفسها.
بدأت الأزمة في مايو ويونيو 2024 حين توقفت مصلحة الجمارك عن الإفراج عن السيارات المستوردة باسم ذوي الإعاقة، قبل أن يعلن رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في 24 يوليو 2024 وقف استيرادها لحين وضع ضوابط جديدة، بداعي أن سيارات تُستورد بأسمائهم ثم تُباع لغير المستحقين. صدرت الضوابط في أكتوبر 2024، واستُؤنف الإفراج في يناير 2025، لكن من لم تنطبق عليهم الشروط الجديدة، ومنهم من تقاضى يومًا معاش «تكافل وكرامة»، بقيت سياراتهم في الميناء وغراماتها تكبر. تروي أسرتان لـ«زاوية ثالثة» ما يعنيه ذلك يوميًا، فيما يختلف مسؤولو الجمارك والنواب والتجار على عدد السيارات المتبقية: نحو 12 ألفًا، أو أقل من ثلاثة آلاف، أو «عشرات الآلاف».
سيارة في ميناء بورسعيد
تقول زينب خليفة، 55 عامًا، والدة يارا، لـ«زاوية ثالثة» إنها وزوجها اضطرا قبل عامين إلى شراء سيارة لذوي الإعاقة ليتمكنا من التنقل بابنتهما في الغردقة، حيث تقيم الأسرة، بعد أن بدأت سيارتهما القديمة تتلف وانتهى عمرها الافتراضي وصارت تكلفهما ماديًا.
منذ أن مرضت يارا في الثانية عشرة من عمرها، لم تستخدم الأسرة «جواب السيارة»، أي خطاب الإعفاء الذي يتيح للشخص ذي الإعاقة استيراد سيارة معفاة من الجمارك، واعتمدت على سيارتها القديمة، حتى عُرض على الزوجين بيع الجواب لشخص آخر، وهو الالتفاف ذاته الذي تقول الحكومة إنها تحاربه، فرفضا. باعا سيارتهما القديمة واقترضا مبلغًا إضافيًا، وسدد والد يارا 550 ألف جنيه (نحو 11,400 دولار) ثمنًا للسيارة، ثم فوجئا باحتجازها في مايو 2024.
«عقب شحن السيارة من كوريا ووصولها ميناء بورسعيد، فوجئنا بإصدار قرار الاحتجاز الجمركي»، تقول زينب. ومنذ تلك اللحظة يحاول الزوجان بكل الطرق إخراجها، وتنتهي محاولاتهما بالفشل.
لم تقف المعاناة عند الاحتجاز، بل امتدت إلى مطالبة الأسرة بسداد رسوم الأرضيات، التي تحصّلها الموانئ عن بقاء البضائع في ساحاتها ويسميها أصحاب السيارات والنواب غرامات، وبلغت خلال 2025 نحو 110 آلاف جنيه (نحو 2,280 دولارًا) بحسب زينب، شرطًا لاستخراج السيارة. ذهب الزوجان إلى بورسعيد في العام الماضي وسددا المبلغ أملًا في استلام السيارة، لكن مسؤولي الجمارك رفضوا تسليمها، بداعي أن يارا كانت تحصل على معاش «تكافل وكرامة».
تقول زينب إن ابنتها تقاضت المعاش عامين فقط، ثم أوقفته وزارة التضامن الاجتماعي قبل أربع سنوات بعدما تبين أن دخل الأسرة مرتفع، أي قبل شراء السيارة. «رغم أن ذلك مُثبت على الموقع لديهم، إلا أنهم يحاسبوننا على معاش متوقف منذ سنوات». ومنذ ذلك الحين لم تتسلم الأسرة السيارة رغم سداد الغرامة، بل تراكمت عليها غرامة سنة ونصف جديدة. «ليتنا اشتريناها حُرة أفضل من إنهاكنا كل هذه السنوات، حتى صارت السيارة خردة»، تقول زينب، والحُرة هي السيارة المستوردة بالرسوم الكاملة.
ضاعف الاحتجاز معاناة الأسرة مع التنقل. تحكي زينب أن الأسفلت يبعد عن المنزل، وأن نقل يارا بكرسيها المتحرك إليه يتطلب أن ينزلها والدها من الطابق الثالث على السلالم لعدم وجود مصعد، بينما تذهب هي لإحضار تاكسي، فيرفض سائقو التاكسي ركوبهم في أحيان كثيرة، لأن الكرسي يحتاج إلى فتح حقيبة السيارة ونزول السائق.
تنقلات الأسرة بيارا متواصلة، لجلسات العلاج الطبيعي ومتابعة حالتها مع الأطباء، ولا تستطيع الخروج في الغردقة من دون وسيلة مواصلات. ومع تقاعد الأم ومعاش لا يكفي احتياجات الابنة، يضاعف التاكسي التكلفة، فانقطعت يارا عن جلسات العلاج الطبيعي في الفترة الأخيرة، وباتت لا ترى الشارع إلا على فترات متباعدة. «ابنتي محجوزة في المنزل، عاقبوا المخطئ الحقيقي»، تقول زينب.
معاش متوقف يحتجز سيارة
رفض الجمارك تسليم السيارة بسبب معاش «تكافل» ليس اجتهادًا من موظف. فبحسب خطاب اطلعت عليه موقع «العربية بزنس»، أصدر رئيس مصلحة الجمارك في 12 يناير 2025 قرارًا تنفيذًا لاجتماع برئاسة مدبولي في 12 ديسمبر 2024، يقضي بإعادة تصدير سيارات ذوي الإعاقة المتبقية في الموانئ أو إحالتها إلى البضائع المهملة أو بيعها بالمزاد، ويسري على المستفيدين من الدعم النقدي لبرنامج «تكافل وكرامة». وفي 23 فبراير 2025 أوقف شريف الكيلاني، نائب وزير المالية للسياسات الضريبية والمشرف على مصلحة الجمارك، تلك الإجراءات بتعليمات إلى جمارك البحر الأحمر والمنطقة الجنوبية، تقضي بعدم اتخاذ «أية إجراءات سواء بإعادة التصدير أو الإحالة إلى بضائع المهمل أو البيع بالمزاد» إلا بعد العرض على رئيس المصلحة ثم وزير المالية، و«من يخالف ذلك يحال إلى التحقيق فورًا». فبقيت تلك السيارات في الموانئ، لا تُفرج ولا تُعاد ولا تُباع.
لا يحدد الخطاب المنشور ما إذا كان القرار يشمل من توقف معاشه قبل الاستيراد، وهي حالة يارا. وفي الخبر نفسه قال أسامة أبو المجد، رئيس رابطة تجار السيارات، إن مستفيدين رفعوا دعاوى قضائية بحجة أن الشروط لم تكن سارية وقت الاستيراد ولا يجوز تطبيقها بأثر رجعي.
من السيولة الدولارية إلى «التلاعب»
قبل إعلان مدبولي بشهر، كانت الجمارك قد احتجزت بالفعل آلاف السيارات المستوردة من الخارج. في 26 يونيو 2024 نشر موقع «كايرو 24» حالات لسيارات محتجزة في الموانئ، منها حالتا مختار سالم وسعد أحمد زكي، وعلّقت إيمان كريم، المشرف العام على المجلس القومي للأشخاص ذوي الإعاقة، بأن الاحتجاز لفترة مؤقتة لجمع سيولة دولارية، وأنه سيُفرج عن السيارات بعد ذلك.
جاء التبرير الرسمي بعد شهر مختلفًا. في 24 يوليو 2024 أعلن مدبولي وقف استيراد سيارات ذوي الإعاقة، قائلًا إن سيارات تُستورد بأسمائهم لكنها تُباع إلى أشخاص آخرين من غير المستفيدين، وإن الهدف ضبط منظومة سيارات ذوي الإعاقة وحرص الدولة على وصولها للفئات المستحقة فعليًا، من دون تحديد مدة للوقف. وقدّر خالد سعد، الأمين العام لرابطة مصنعي السيارات المصرية، حينها لـزاوية ثالثة أن 90% من هذه السيارات يقودها أقارب المستفيدين، فيما قدّر أبو المجد عدد السيارات المحتجزة في الموانئ بنحو 13 ألف سيارة.
في 9 أكتوبر 2024 وافق مجلس الوزراء على تعديل المادة 75 من اللائحة التنفيذية لقانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة رقم 10 لسنة 2018، الصادرة بقرار رئيس مجلس الوزراء رقم 2733 لسنة 2018، وصدر التعديل بالقرار رقم 3500 لسنة 2024 المنشور في 21 أكتوبر 2024. اشترط التعديل للإعفاء من الضريبة الجمركية وضريبة القيمة المضافة حصول المتقدم على بطاقة إثبات الإعاقة والخدمات المتكاملة الصادرة من وزارة التضامن الاجتماعي، وتقريرًا طبيًا يتضمن بياناته ومدى قدرته على القيادة بنفسه أو من خلال شخص آخر، ويشترط إقرارًا من طالب الإعفاء يفيد عدم سابقة تمتعه بإعفاء جمركي عن سيارة خلال السنوات الخمس السابقة على الطلب، وعدم الجمع بين هذا الإعفاء وأي إعفاءات مقررة بموجب قوانين أخرى، وأن يكون لطالب الإعفاء أو أحد أقاربه من الدرجة الأولى حساب بنكي لدى بنك ناصر الاجتماعي أو أحد البنوك المعتمدة من البنك المركزي مفتوح قبل تقديم الطلب بعام على الأقل ومودع فيه مبلغ لا يقل عن ثمن السيارة عند التمتع بالإعفاء، إلى جانب عدم قبول الشهر العقاري تحرير توكيلات لإدارة السيارة أو وسيلة النقل الفردية المرخصة باسم الشخص ذي الإعاقة.
وحدد التعديل سنة صنع السيارة المستوردة بثلاث سنوات بحد أقصى بما فيها سنة الصنع، وسعة المحرك بـ1200 سي سي للبنزين والديزل والهجين وبـ200 كيلوواط للكهربائية، واستبعد السيارات الموجودة في المناطق الحرة، مع تطبيق أحكام قانون الجمارك إذا ضُبطت السيارة وتبين أن مالكها من ذوي الإعاقة باعها أو سلّمها لغير مستحقي قيادتها.
عام الإفراج الجزئي
بعد ستة أشهر من التوقف، فتحت مصلحة الجمارك في 8 يناير 2025 نافذة شهر لتقديم أوراق الإفراج، بشرط أن يثبت الشخص ذو الإعاقة خلال شهر من طلبه سداد ثمن السيارة أو جزء منه وقت الاستيراد من حسابه الشخصي أو حساب قريب من الدرجة الأولى، وألا يستخدم السيارة سواه أو سائقه الشخصي المؤمَّن عليه أو قريب من الدرجة الأولى إن كان قاصرًا أو غير قادر على القيادة، مع حظر بيعها أو التصرف فيها خلال فترة الحظر القانونية تحت طائلة قانون الجمارك. وقال أبو المجد حينها إن غرامة الإفراج لن تتجاوز 10 آلاف جنيه (نحو 207 دولارات).
لم يصمد هذا الرقم. ففي 25 ديسمبر 2025 نقل موقع «العربية بزنس» عن مصادر في شعبة السيارات أن الجمارك أفرجت على مراحل عن نحو تسعة آلاف سيارة من أصل قرابة 13 ألفًا، وأن نحو 2800 سيارة ما زالت محتجزة في الموانئ بعد ما يقرب من عامين، وأن الغرامات تراوحت بين 150 و700 ألف جنيه (نحو 3,100 إلى 14,500 دولار). وقال أبو المجد إن بعض الغرامات بلغت ضعف ثمن السيارة، ما دفع مستوردين إلى رفع دعاوى لوقف البيع أو المزاد، فيما أرجع منتصر زيتون، عضو شعبة السيارات باتحاد الغرف التجارية، الأزمة إلى تطبيق الشروط الجديدة بأثر رجعي، وقال إن الغرامات نتجت عن طول فترة الاحتجاز وتعقيد الإجراءات لا عن مخالفات المستفيدين، وإن من يستطيع سداد الغرامة يستعيد سيارته ومن تجاوزت غرامته قيمتها يتخلى عنها. ونقل الموقع عن مسؤول في شركة استيراد أن مستوردين أُبلغوا بعدم الإعفاء من الرسوم، خاصة للسيارات الفاخرة، وبمهلة لتوفيق الأوضاع وإلا أُعيد تصدير السيارة على نفقتهم أو بيعت بالمزاد.
هكذا تكبدت أسر ذوي الإعاقة آلاف الجنيهات شهريًا تكلفة غرامات الأرضيات رغم سداد ثمن السيارات واستيفاء الأوراق، وسط استغاثات مستمرة ومطالب برلمانية بالإفراج الجمركي عنها، فيما تواجه الأسر يوميًا صعوبة في التنقل بأبنائها إلى الخدمات الطبية والتعليمية، في ظل غلاء وسائل النقل.
ثلاثة أرقام لا تتفق
في 8 فبراير 2026 قال رئيس مصلحة الجمارك أمام لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب، أثناء مناقشة الحساب الختامي للمصلحة عن العام المالي 2024/2025، إن عدد سيارات ذوي الإعاقة المحتجزة «حوالي 12 ألف سيارة تقريبًا»، من دون أن يوضح إن كان الرقم حاليًا أم إجماليًا لما احتُجز، ووعد بتقرير شامل للجنة. وكان أحمد أموي روبين يوسف، الدبلوماسي السابق، قد تولى رئاسة المصلحة في مارس 2025 خلفًا للشحات غتوري.
في الجلسة نفسها قال مصطفى سالم، وكيل اللجنة، إن الحكومة تعاملت مع الملف بالإغلاق بدل «الإصلاح والحوكمة وسد الثغرات»، وإن «عشرات الآلاف» من السيارات محتجزة في الموانئ وتُفرض على أصحابها غرامات أرضيات «دون ذنب لهم»، وطالب بتقرير عن أعدادها وغراماتها وتفاصيل القانون الجديد، معتبرًا خفض سعة المحرك من 1600 إلى 1200 سي سي ومد حظر البيع من خمس سنوات إلى 15 عامًا شروطًا قاسية تحتاج إلى مراجعة.
بين 2800 سيارة في ديسمبر 2025، و12 ألفًا في فبراير 2026، و«عشرات الآلاف» على لسان وكيل اللجنة، لا يوجد رقم رسمي منشور لعدد السيارات التي ما زالت في الموانئ حتى أكتوبر 2026.
تنمر في المترو
في سبتمبر 2026 عادت الاستغاثات على مواقع التواصل الاجتماعي تطالب بإرجاع السيارات لتسهيل التنقلات اليومية إلى المراكز التأهيلية والمدارس والخدمات، وتقول إن قرار وقف السيارات ضاعف الأعباء اليومية.
في مقطع مصور نشرته على فيسبوك، حكت والدة ريتاج ومازن، وهما طفلان على طيف التوحد، المقيمة في مدينة السادات بمحافظة المنوفية، معاناتها مع وسائل النقل وهي متجهة بابنيها إلى المجالس الطبية لإنهاء أوراقهما: يتعرضون لتنمر مستمر في المواصلات عند ظهور أعراض التوحد فجأة، من صراخ وبكاء شديد، ويوجه إليهم الركاب أقسى العبارات، في عبء إضافي لا تعرف كيف تواجهه.
قالت إن ذلك يتكرر على مدار الأسبوع في طريقها بابنيها إلى المراكز الطبية لجلسات التأهيل والتمارين الأسبوعية وإلى المدارس، وإن ظروفها لا تسمح باستقلال تاكسي باستمرار. ولا تنتهي معاناتها عند وسائل النقل العادية، فهي تواجه ذعرًا داخل المترو بسبب الازدحام الشديد الذي يتطلب تركيزًا حادًا مع ابنتها ريتاج خوفًا من أن تضيع وسط الزحام، ووصفت شعورها حين تتصور الموقف بأنه «يعتصر قلبي».
ولا تتوقف الآثار عند مشقة التنقل، إذ تمتد بحسب روايتها إلى متابعة الطفلين مع الأطباء المتخصصين، فالتجارب التي يتعرضان لها داخل المواصلات تزيد صعوبة التواصل وتعرقل حصولهما على الرعاية المناسبة، وريتاج لا تستطيع الإجابة عن أسئلة الطبيب، ما يصعّب عليه تحديد احتياجاتها ووضع الخطة العلاجية. وبين مشقة الطريق واحتياجات طفليها، اختصرت الأم مطلبها في مناشدة للرئيس: «إحنا عايزين حاجة بأربع عجلات، خلي حربي مع التوحد بس يا ريس، رجعلنا السيارات».
ميراث بلا سيارة
مازن آخر، في العشرين من عمره ولديه إعاقة ذهنية، يقيم مع والدته في مدينة نصر بالقاهرة. لا تتوقف تنقلات والدته برفقته عند الذهاب إلى المدرسة، إذ تصطحبه إلى الأندية لأداء التمارين، وإلى زيارات الأطباء وجلسات التأهيل، لذلك حين قررت بيع ميراثها لتوفير ثمن سيارة تخفف عنها أعباء التنقل، كانت تأمل أن تنهي سنوات من المشقة، لا سيما أنها لا تجد من يساندها في رعاية ابنها.
تقول لـ«زاوية ثالثة» إنها جمعت ثمن السيارة وكانت مستعدة لشرائها، لكن قرار وقف الاستيراد، الذي امتد عامًا بحسب قولها، بدّل خططها، ومع تعطل إمكانية حصولها على السيارة اضطرت إلى الاعتماد على وسائل النقل المختلفة، وأحيانًا على سيارات أوبر، بعدما أنهكها التنقل بوسائل المواصلات العامة وما تعرضت له مرارًا من تنمر على يد المحصّلين والركاب.
تذكر أن رحلة الذهاب إلى المدرسة تتطلب استقلال توك توك أولًا ثم أتوبيس النقل العام، بتكلفة يومية تصل إلى 150 جنيهًا (نحو 3 دولارات)، من دون احتساب المشاوير الأخرى إلى أطباء الجلدية وإجراء التحاليل بين مدينة نصر وعين شمس، فضلًا عن جلسات التأهيل الأسبوعية. ولا تقتصر المشقة على طول المسافات وتكلفتها، إذ يمر ابنها أحيانًا بنوبات من الصراخ والبكاء المصحوبين باندفاع شديد، ولا يتحمل درجات الحرارة المرتفعة خلال التنقل، ومع تقدمها في العمر باتت تجد صعوبة متزايدة في احتواء الموقف، بعدما أصبحت مسؤولية رعايته والتنقل به تفوق قدرتها على التحمل.
رواية الصناعة ورواية التجار
يرجع خالد سعد، الأمين العام لرابطة مصنعي السيارات المصرية التي تمثل شركات التصنيع والتجميع المحلي، استمرار الأزمة وعدم الإفراج عن السيارات إلى استغلال منظومة الإعفاء الجمركي لاستيراد سيارات لصالح أشخاص غير ذوي الإعاقة بطرق غير مشروعة، والاستفادة من الامتيازات التي تمنحها الدولة لهم.
ويقول سعد في حديثه لـ«زاوية ثالثة» إن الجهات المعنية رصدت عددًا كبيرًا من السيارات التي يستفيد منها أشخاص غير مستحقين، من دون أن يحدد رقمًا بعينه، وإن الدولة تسعى إلى ضبط المنظومة، وهو ما دفعها إلى تشديد الإجراءات المنظمة لاستيراد السيارات خلال 2025 ووضع ضوابط جديدة تهدف إلى الحد من استغلال الإعفاءات الجمركية. وأما بشأن استمرار احتجاز السيارات رغم سداد الغرامات المستحقة، فيرجع سعد ذلك إلى عدم مطابقتها للاشتراطات الجديدة، ويرى أنها يجب أن تستوفي الضوابط الجديدة حتى يُفرج عنها.
تتعارض هذه الرواية مع رواية التجار الذين يتحدثون عن شروط طُبقت بأثر رجعي على سيارات شُحنت قبل صدورها، ومع رواية أسرة يارا التي تقول إنها استوفت الاشتراطات المطلوبة وسددت الغرامة ولم تتسلم السيارة إلى الآن.
مشروعان في البرلمان
في 13 أغسطس 2025 وافق مجلس الوزراء على مشروع قانون بتعديل أربع مواد من قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة رقم 10 لسنة 2018، هي المواد 2 و31 و49 و51. ينص المشروع على إعفاء سيارة واحدة كل 15 عامًا بدل كل خمس سنوات، وألا يكون المستفيد من المستفيدين من الضمان الاجتماعي، وأن يُسدد ثمن السيارة من حسابه أو حساب قريب من الدرجة الأولى، وحظر التصرف فيها قبل مرور خمس سنوات من الإفراج الجمركي، وسداد الورثة نصف الضريبة الجمركية وضريبة القيمة المضافة إذا توفي المستفيد خلال فترة الحظر، وتعريف جديد للإعاقة يشمل «كل من يعاني من عاهة طويلة الأجل». ويرفع المشروع عقوبة تزوير بطاقة إثبات الإعاقة أو الخدمات المتكاملة إلى الحبس مدة لا تجاوز عشر سنوات وغرامة من 10 آلاف إلى 100 ألف جنيه (نحو 207 إلى 2,070 دولارًا) في المادة 49، ويعاقب من يحصل على الإعفاء بغير وجه حق بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر وغرامة من 50 إلى 200 ألف جنيه (نحو 1,035 إلى 4,140 دولارًا) في المادة 51.
في 25 أغسطس 2025 انتقدت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية المشروع في بيان بعنوان «خطوة للوراء من شأنها استبعاد مستحقين للخدمات الحكومية»، واعتبرته تراجعًا عن الالتزامات الدستورية والقانونية التي تضمن حماية حقوق ذوي الإعاقة، وقالت إن ضوابط الاستفادة من الإعفاءات الجمركية وضريبة القيمة المضافة على السيارات ووسائل النقل الفردية لم توازن بين التسهيل على ذوي الإعاقة وأسرهم من جانب والحفاظ على حقوق الدولة المالية من جانب آخر. ورأت أن التعديلات تعيد التعامل مع ذوي الإعاقة «من منظور العجز الطبي فقط» بما يخالف الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة التي صدقت عليها مصر في 2008، وأن لفظ «عاهة» يحمل أثرًا نفسيًا سلبيًا ويقلص عدد المستحقين للخدمات، وأن مدة 15 عامًا طويلة وكان الأولى ربط الاستبدال بتهالك السيارة، وأنها تهدد تمتع هذه الفئات بحقها في المساواة الكاملة.
كما قالت المبادرة إن الحكومة «لم تأخذ رأي الجهة الحكومية ذات الاختصاص»، وهي المجلس القومي للأشخاص ذوي الإعاقة، الذي أصدر في 17 أغسطس 2025 بيانًا وصف فيه ما تداولته الأخبار بأنه «ما هو إلا مشروع بتعديل بعض مواد القانون» لن يسري قبل استكمال خطوات دستورية وتشريعية، وقال إنه سيدرس التعديلات بموجب اختصاصه في القانون رقم 11 لسنة 2019، ورحّب بتشديد العقوبات على من يحصل على الخدمات بغير وجه حق باعتباره خطوة للردع، وتمسك بلفظ «قصور» الوارد في القانون بدل «عاهة».
يقول إسحاق إبراهيم، مسؤول ملف حرية الدين والمعتقد في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، لـ«زاوية ثالثة» إن هناك احتياجًا شديدًا إلى سيارات ذوي الإعاقة، وإن التعديلات التي فرضتها الحكومة بدعوى منع استغلال غير المستحقين للإعفاءات الجمركية لم تتناسب مع حجم المشكلة، ولم تضع ضوابط فعالة لمواجهة هذا الاستغلال بقدر ما فرضت قيودًا إضافية وعقّدت إجراءات الحصول على السيارات من دون مراعاة احتياجاتهم.
ويضيف أن الإجراءات التي اتخذتها الحكومة تتناقض مع الخطاب الرسمي الذي يروج للاهتمام بذوي الإعاقة والعمل على تيسير حياتهم، إذ يكشف الواقع عن مزيد من الصعوبات، وأن تسهيل حصولهم على السيارات ليس رفاهية أو ميزة تكميلية بل ضرورة تفرضها احتياجاتهم اليومية، في ظل ما يواجهونه من مشقة عند الاعتماد على وسائل النقل العام التي لا تتيح لهم تنقلًا ميسرًا.
ويرى إبراهيم أن التعريف الجديد للإعاقة الذي سعت الحكومة إليه ضمن التعديلات المطروحة على البرلمان من شأنه تضييق نطاق المستفيدين من الدعم والخدمات الحكومية، عبر استبعاد أشخاص كانوا مشمولين بالتعريف السابق، بما يحرمهم من الاستفادة المخصصة لهم. وينتقد إطالة المدة المحددة لاستبدال السيارة إلى 15 عامًا مقارنة بالقواعد السابقة التي كانت تتيح استبدالها كل خمس سنوات، معتبرًا أن هذه المدة لا تراعي احتياجات الأشخاص ذوي الإعاقة ولا ما تتعرض له السيارات من تهالك مع الاستخدام، وأنها تقيد قدرة المستفيدين على الاستبدال بما يتناسب مع احتياجهم بدلًا من تيسير حصولهم على وسيلة آمنة، كما ينتقد استبعاد المستفيدين من الضمان الاجتماعي، الذين تكون معاشاتهم ضئيلة.
ويتساءل إبراهيم: «هل الدولة بتشوف حقوق ذوي الإعاقة، أم بتشوفهم عبء على المجتمع؟»، معتبرًا أن التعامل مع حقوق ذوي الإعاقة باعتبارها منحة تقدمها الدولة لا حقوقًا واجبة ينعكس على القرارات التي تصدرها. ويقول إن وجود حالات استغلال لإعفاءات سيارات ذوي الإعاقة لا ينبغي أن يؤدي إلى فرض قيود تعرقل استفادة المستحقين منها، أو تجعل إجراءات الحصول على السيارات والتصرف فيها واستبدالها أكثر صعوبة، وإن مواجهة الاستغلال يجب أن تتم بضوابط لا تحمّل الأشخاص ذوي الإعاقة تبعاته أو تنتقص من حقوقهم.
أُحيل مشروع الحكومة إلى مجلس النواب، وناقشته لجنة التضامن الاجتماعي برئاسة رندا مصطفى في 16 فبراير 2026، حيث تساءل أحمد فتحي، وكيل اللجنة، «هل تعديلات قانون ذوي الإعاقة تحقق الصالح العام وتصل فعليًا لمستحقي الدعم؟»، وقال إن بعض التعديلات المقترحة قد تثير تساؤلات عن أثرها المباشر على الفئات المستحقة، وتحتاج إلى مراجعة تعزز الحماية الاجتماعية من دون الإضرار بالمستفيدين. ولم يُعلن عن إقرار المشروع نهائيًا حتى الآن.
وفي مطلع أكتوبر 2026 قدّم سعيد رضا الوسيمي، عضو مجلس النواب عن حزب المؤتمر وعضو تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين، مع ستين نائبًا، اقتراحًا بمشروع قانون موازٍ لتعديل المادة 31 من القانون 10 لسنة 2018، يتيح للمستفيدين شراء سيارات مجمعة محليًا وتجهيزها بما يتناسب مع حالة كل مستفيد مع إعفائها من الضرائب والرسوم المقررة لسيارات ذوي الإعاقة، ويتيح للمصريين ذوي الإعاقة المقيمين بالخارج أو أقاربهم حتى الدرجة الثانية استيراد السيارات أو الأدوات والأجهزة التعويضية وحدها وفق ضوابط قانونية، ويشدد الرقابة على منظومة الإعفاءات لضمان وصولها إلى المستحقين والحد من استغلالها. وأحال المجلس الاقتراح إلى لجنة مشتركة من لجان التضامن الاجتماعي والأسرة والأشخاص ذوي الإعاقة، والخطة والموازنة، والشؤون الصحية، والشؤون الدستورية والتشريعية. وقال الوسيمي إن الاقتراح «يهدف إلى دعم حق ذوي الإعاقة في سيارة مجهزة بدون تعقيدات ولا استغلال»، وإن التعديلات المقترحة تهدف إلى توفير مزيد من التيسيرات وتوسيع الامتيازات الممنوحة للأشخاص ذوي الإعاقة.
وينص قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة رقم 10 لسنة 2018 على أن تلتزم الدولة والوزارات بتوفير سبل الإتاحة وتيسير انتقال الأشخاص ذوي الإعاقة، وتخصيص أماكن لهم في جميع وسائل النقل بكافة درجاتها.
بين مشروع حكومي لم يُقر واقتراح نيابي أُحيل إلى اللجان، لا تزال آلاف السيارات في الموانئ، دفع أصحابها أموالًا باهظة لتخفيف أعباء الحياة والوصول إلى الخدمات. سيارة يارا عالقة في بورسعيد وغرامات أرضياتها تزيد مع مرور الوقت، ووالدة مازن تراجعت عن إحضار ابنها إلى التمارين بسبب ما تتعرض له في المواصلات العامة، لأنها لا تملك ميراثًا آخر تبيعه لتشتري سيارة.
