أكملت وزارة الثقافة المصرية، في 16 أكتوبر 2026، مئة يوم ويومًا بلا وزير، بحساب زاوية ثالثة. في 7 يوليو كلّف رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي وزير التعليم العالي والبحث العلمي عبد العزيز قنصوة بمهام القائم بأعمال وزير الثقافة «بصفة مؤقتة لحين تعيين وزير جديد»، عقب قبول استقالة الوزيرة جيهان زكي. وحتى كتابة هذا التقرير، لم يصدر قرار بتعيين وزير، وما زالت النشرات الرسمية للوزارة تصف قنصوة بـ«القائم بأعمال».
خلال هذه الأيام أدار وزير واحد وزارتين. ترأس قنصوة جلسة المجلس الأعلى للثقافة التي صوّتت على جوائز الدولة، واعتمد أجندة احتفالات أكتوبر، ورعى المهرجانات المعتادة. وفي سبتمبر أصدر قرارًا يلزم رؤساء قطاعات الوزارة بعدم الإدلاء بأي أحاديث لوسائل الإعلام، بعد أيام من حوار صحفي تحدث فيه رئيس قطاع الفنون التشكيلية محمود حامد عن مخازن متاحف غير مؤمّنة، وبيناليات مؤجلة لغياب التمويل.
بين الفعاليات التي تواصلت والملفات التي توقفت، يتتبع هذا التقرير ما جرى داخل الوزارة منذ سقوط وزيرتها بحكم قضائي: المقاعد الشاغرة، والمشروعات المعلقة على الموازنات، والقرار الذي أغلق باب الحديث أمام من يعرفون التفاصيل.
كتاب من هيئة الكتاب إلى محكمة النقض
بدأت القصة في 27 يناير 2024، حين دُعيت الكاتبة والصحفية بجريدة الأهرام سهير عبد الحميد إلى ندوة عن كتاب جيهان زكي ضمن فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب، فاكتشفت، بحسب روايتها، أن أجزاءً من بحثها انتقلت إلى كتاب غيرها. حمل كتاب زكي عنوان «كوكو شانيل وقوت القلوب.. ضفائر التكوين والتخوين»، وأصدرته الهيئة المصرية العامة للكتاب، ذراع النشر الرئيسي لوزارة الثقافة، عام 2022. وتتبّع الكتاب سيرتي مصممة الأزياء الفرنسية كوكو شانيل والأديبة المصرية ذات الأصول الأرستقراطية قوت القلوب الدمرداشية، ضمن سلسلة حملت اسم «ثنائيات». أما كتاب عبد الحميد، «اغتيال قوت القلوب الدمرداشية: سيدة القصر»، فقد اتهمت الوزيرة اللاحقة بنقل ما يجاوز 50% منه.
أقامت عبد الحميد دعواها أمام المحكمة الاقتصادية، التي انتدبت لجنة ثلاثية من خبراء الملكية الفكرية خلصت، بحسب ما ورد في أوراق القضية، إلى وجود اقتباس حرفي غير مبرر. وفي 9 يوليو 2025 ألزمت المحكمة زكي بدفع تعويض قدره 100 ألف جنيه (2,070 دولارًا) للمدعية، وسحب الكتاب من الأسواق وعدم إتاحته للبيع أو التداول. وفي سبتمبر 2025 طعنت زكي مرتين أمام محكمة النقض، مدافعة بأن ما ورد في كتابها يندرج ضمن «الاقتباس المباح»، ونفت الاتهام، مؤكدة أن المقاطع جاءت في إطار دراسة مقارنة مع الإشارة إلى مصدرها.
بين الحكم الأول والحكم البات انتقلت زكي من مقعدها في مجلس النواب إلى مقعد الوزير. في 10 فبراير 2026 اختيرت أستاذة الحضارة المصرية القديمة والمديرة السابقة للأكاديمية المصرية للفنون في روما وزيرةً للثقافة في حكومة مصطفى مدبولي الثالثة، خلفًا لأحمد فؤاد هنو الذي تولى الوزارة في يوليو 2024. أثار الاختيار جدلًا بسبب حكم المحكمة الاقتصادية، فردّ وزير الدولة للإعلام ضياء رشوان في مؤتمر صحفي للحكومة بأن مجلس الوزراء سينظر، بعد صدور الحكم البات، فيما إذا كان بقاء الوزيرة يتسق مع القانون. ووصف مدبولي القضية من جهته بأنها شخصية بحتة، لا تزال منظورة أمام القضاء.
في يوم الاثنين 6 يوليو 2026 رفضت محكمة النقض الطعنين، بعد أن أوصت نيابة النقض برفضهما، فصار الحكم نهائيًا وباتًا. وفي اليوم التالي قدمت زكي استقالتها، وقال مكتب رئيس الوزراء إنها استقالت «لرفع الحرج عن الحكومة في هذه القضية الشخصية»، وإنها ستستكمل الإجراءات القانونية المتاحة، بما فيها التماس إعادة النظر في الأحكام. قبل مدبولي الاستقالة فورًا، لتغادر زكي المنصب بعد أقل من خمسة أشهر على أدائها اليمين الدستورية. وقالت سهير عبد الحميد لصحيفة «الشرق الأوسط» إن خصومتها كانت مع جيهان زكي لا مع الوزيرة، وإن هدفها كان حماية إبداعها.
مهندس تحلية مياه على رأس وزارتين
دخل عبد العزيز قنصوة الحكومة في التعديل نفسه الذي جاء بجيهان زكي في فبراير 2026، وزيرًا للتعليم العالي خلفًا لمحمد أيمن عاشور. وهو، بحسب سيرته الرسمية، أستاذ هندسة البيئة بكلية الهندسة في جامعة الإسكندرية، تدرج من عمادة الكلية إلى منصب محافظ الإسكندرية ثم رئاسة الجامعة، وتخصص في معالجة المياه وتحليتها بتكنولوجيا النانو والأغشية. لا تضم سيرته منصبًا سابقًا في مؤسسة ثقافية، باستثناء عضوية مجلس أمناء مكتبة الإسكندرية.
جاءه التكليف بوزارة الثقافة وهو في أوزبكستان للمشاركة في المنتدى الأول للحضارة الإسلامية. وقال مصدر بالوزارة لصحيفة «الشرق الأوسط» إن المخاطبات الرسمية التي تحتاج إلى اعتماد الوزير ستُعرض عليه فور عودته، وإن الوزيرة المستقيلة لم تترك أوراقًا تستلزم توقيعًا عاجلًا. وقال مدير المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية عادل حسان للصحيفة ذاتها إن العمل يسير بانتظام. أما الناقد طارق الشناوي، عضو لجنة المهرجانات بالوزارة، فرأى أن وزير التعليم العالي سيتحمل أعباء إضافية لأنه يدير وزارتين متشعبتي القطاعات، وأن العرف في مثل هذه الحالات أن يختار المكلّف أحد وكلاء الوزارة لتسيير الأمور.
في أول اجتماع له مع قيادات الوزارة ورؤساء هيئاتها، يوم الأحد 12 يوليو، طالب قنصوة كل قطاع برؤية مستقبلية وخطة تنفيذية مرتبطة بإطار زمني محدد، ووجّه بتكثيف القوافل الثقافية إلى المحافظات الحدودية بالتعاون مع الجامعات، وبالاهتمام بمسرح الجامعة، وبالرقمنة، وبالاستعداد المبكر لمعرض القاهرة الدولي للكتاب ومهرجان المسرح المدرسي المقرر في نوفمبر.
وفي 27 يوليو ترأس جلسة المجلس الأعلى للثقافة للتصويت على جوائز الدولة، في ما وصفته صحيفة «اليوم السابع» بـوضع استثنائي، إذ حضر بصفة مزدوجة، وأدلى بصوته بوصفه رئيسًا للمجلس، وأدار الاقتراع وأعلن النتائج، في حين لا يملك رؤساء الهيئات الثقافية الأعضاء في المجلس حق التصويت. وفي الاجتماع الثامن والسبعين للمجلس قال إن وزارة الثقافة «لا تعمل وحدها» حين يتصل الأمر بخلق عقل جمعي مصري، ودعا إلى تكاملها مع التعليم العالي وبقية وزارات الدولة.
استمر هذا الخط حتى أكتوبر. في 12 أكتوبر، خلال المؤتمر الصحفي للدورة السابعة من «جائزة الدولة للمبدع الصغير»، أعلن قنصوة أن الدولة تعد «مسارات متكاملة» لرعاية المبدعين وتمويل مشروعات الشباب، خاصة في التعليم العالي، ستُعلن خلال أسابيع، ومثّل لها بأفكار الطلاب ونماذجهم الأولية في التكنولوجيا والابتكار، قبل أن يضيف أن الاهتمام يمتد إلى الفن والأدب والموسيقى عبر «مسارات إضافية» لم يحدد موعدها.
حوار واحد وقرار بالصمت
في سبتمبر 2026 أصدر قنصوة قرارًا يلزم جميع رؤساء قطاعات وزارة الثقافة بعدم الإدلاء بأي أحاديث لممثلي وسائل الإعلام. جاء القرار بعد حوار أجراه الصحفي طارق عبد العزيز في جريدة «أخبار اليوم»، إحدى الصحف القومية المملوكة للدولة، مع رئيس قطاع الفنون التشكيلية الدكتور محمود حامد. وبحسب ما نشره عن الحوار، تحدث حامد عن مخازن متاحف غير مؤمّنة بيئيًا لحماية الأعمال الفنية من التلف، وعن تكلفة تطوير متحف الشمع بحلوان التي تتجاوز 400 مليون جنيه (8.28 مليون دولار) بسبب تآكل التماثيل وحاجة المتحف ومحيطه إلى الترميم، وعن حصر بالمتاحف المغلقة ومحاولات إعادة افتتاحها.
وتضمن الحوار، بحسب صحيفة «فيتو»، ملفين آخرين: تعارض الأدوار في المعرض العام للفنون التشكيلية، حيث يشارك قوميسير المعرض وأعضاء لجنة الفرز بأعمالهم في المعرض نفسه، وأزمة تمويل أدت إلى تأجيل بينالي الإسكندرية وترينالي الجرافيك أكثر من مرة لعدم توفير الميزانيات اللازمة. وذكرت الصحيفة أن نشر الحوار أثار ارتباكًا داخل الوزارة، صدر بعده القرار.
متحف الشمع، الذي تحدث عنه حامد، مغلق منذ عام 2009، ويضم 116 تمثالًا و26 منظرًا تروي تاريخ مصر من الأسرة الثامنة عشرة حتى ثورة يوليو 1952. وقال رئيس القطاع السابق وليد قانوش في أواخر 2025 إن الإغلاق جاء بسبب ملاحظات الحماية المدنية وغياب التمويل، وإن مشروعًا لإعادة إحيائه قيد الدراسة. بعد أشهر من تلك التصريحات، كان الحديث العلني عن الكلفة الفعلية للمشروع هو ما سبق قرار المنع.
ورصدت «فيتو» مفارقة في توقيت القرار: ففي اليوم نفسه دعا وزير التربية والتعليم محمد عبد اللطيف ووزير الدولة للإعلام ضياء رشوان عددًا كبيرًا من الصحفيين والمفكرين إلى حوار مفتوح حول مستقبل التعليم. وذكّرت الصحيفة بأن وزارة الثقافة ظلت في عهود سابقة من أكثر الوزارات انفتاحًا على الإعلام، لأنه أداتها للوصول إلى الجمهور. أما القائم بأعمال الوزير فلم يدعُ، بحسب ما ورد في التغطية ذاتها، الصحفيين والكتّاب إلى حوار مماثل حول التعليم العالي أو الثقافة.
لم يُخفِ القرار أسماء رؤساء القطاعات من الصحف، بل غيّر شكل حضورهم. فبعد أسابيع ظهر محمود حامد نفسه في بيانات رسمية عن عودة صالون الأعمال الفنية الصغيرة بعد غياب قارب عشرين عامًا، وعن افتتاح معرض استيعادي للفنان الراحل سعيد حداية بمركز الجزيرة للفنون، وكلاهما تحت رعاية قنصوة. بقي الحديث عن الفعاليات متاحًا عبر البيانات، أما الحديث عن المخازن والميزانيات والمتاحف المغلقة فلم يرد في البيانات الرسمية التي اطلعت عليها زاوية ثالثة بعد القرار.
أكبر معرض للكتاب تديره هيئة بلا رئيس
الهيئة المصرية العامة للكتاب، التي أصدرت كتاب الوزيرة المستقيلة، تعمل بلا رئيس معيّن منذ استقالة رئيسها أحمد بهي الدين العساسي في أغسطس 2025، أي منذ نحو أربعة عشر شهرًا بحساب زاوية ثالثة. تولى نائب الرئيس خالد أبو الليل تسيير الأعمال عشرة أشهر، حتى انتهت فترة ندبه في 3 يونيو 2026، فـغادر مكتبه للمرة الأخيرة دون قرار بالتجديد. في اليوم نفسه أسندت الوزارة تسيير الهيئة مؤقتًا إلى موظفين تنفيذيين: محمد عزت، مدير عام المكتب الفني، والمهندس هيثم يونس، رئيس الإدارة المركزية للمعارض، على أن يحمل الأخير التفويض المالي والإداري.
تداولت الصحف طوال أشهر أسماء مرشحة للمنصب، منها رئيسا الهيئة الأسبقان أحمد مجاهد وهيثم الحاج علي، وعميد المعهد العالي للنقد الفني شوكت المصري، والسيناريست عبد الرحيم كمال، ثم انضم إليهم رئيس دار الكتب الأسبق شريف شاهين ورئيس تحرير مجلة «إبداع» الشاعر أحمد الشهاوي. لم تحسم جيهان زكي الملف خلال أشهرها الخمسة، رغم أنها أجرت تغييرات في قطاعات أخرى آخرها تعيين رضا الوكيل رئيسًا لدار الأوبرا في أواخر يونيو، ولم يُحسم خلال الأيام المئة التالية.
بدلًا من ذلك تقدّم القائم بأعمال الوزير بنفسه إلى المقعد. في 16 سبتمبر أصدر قنصوة قرارًا بتشكيل اللجنة العليا للدورة الثامنة والخمسين من معرض القاهرة الدولي للكتاب برئاسته، وصدر قرار بأن يتولى هيثم يونس، «المفوض باختصاصات رئيس الهيئة»، إدارة المعرض بوصفه مديرًا تنفيذيًا. المعرض، الذي تصفه الصحافة المصرية بأكبر حدث ثقافي في الشرق الأوسط وأفريقيا، مقرر من 20 يناير حتى 2 فبراير 2027 بمركز مصر للمعارض الدولية في التجمع الخامس، وتحل قطر ضيف شرف له، ويغلق باب اشتراك الناشرين في 31 أكتوبر. هكذا تُدار أهم فعالية تنظمها الوزارة بتفويض في الهيئة، وبالإنابة في الوزارة.
وليس الفراغ في هيئة الكتاب استثناءً في سجل الوزارة القريب. في فبراير 2025 رصدت «اليوم السابع» مواقع ثقافية بلا قيادة، أبرزها المركز القومي للسينما والرقابة على المصنفات الفنية، التي ظلت بلا رئيس نحو ثلاثة أشهر بعد انتهاء مدة خالد عبد الجليل في ديسمبر 2024، قبل انتداب السيناريست عبد الرحيم كمال مساعدًا للوزير لشؤونها. وقالت الصحيفة حينها إن غياب رئيس الرقابة أوقف موافقات أعمال فنية وأمورًا إدارية معلقة.
موازنة دافعت عنها وزيرة وينفذها غيرها
بدأ العام المالي 2026/2027 في الأول من يوليو، قبل ستة أيام من استقالة الوزيرة. وتبلغ الاستثمارات المقترحة لوزارة الثقافة في خطة هذا العام 1.77 مليار جنيه (36.6 مليون دولار). في 12 مايو 2026 ناقشت لجنة الإعلام والثقافة والآثار بمجلس النواب، برئاسة النائبة ثريا البدوي، مشروع موازنة الوزارة، وكشفت الجلسة فجوة واسعة بين المطلوب والمتاح. قال رئيس الهيئة العامة لقصور الثقافة هشام عطوة إن طلبًا سابقًا لصيانة القصور بقيمة 250 مليون جنيه (5.18 مليون دولار) لم يُخصص له سوى 5 ملايين (103.5 ألف دولار)، أي 2% من المطلوب بحساب زاوية ثالثة، وذكرت البدوي أن مخصصات صيانة الهيئة في العام السابق بلغت 33 مليون جنيه (683 ألف دولار)، وأشارت أمين سر اللجنة النائبة ضحى عاصي إلى سبعة قصور ثقافة غير عاملة.
وتملك الهيئة، بحسب عطوة، نحو 600 موقع ثقافي في المحافظات، لا تتجاوز مكافأة المدرب الواحد فيها 100 جنيه (2.07 دولار)، وطالب برفع مخصصات باب الأنشطة إلى 42 مليون جنيه (870 ألف دولار). وفي يونيو أعلنت ضحى عاصي توصية اللجنة بزيادة موازنة الهيئة نحو 500 مليون جنيه (10.35 مليون دولار) لأعمال الإنشاءات والترميم واشتراطات الحماية المدنية، وقالت إنها لا تكفي لإنجاز الأعمال المتراكمة. الوزيرة التي وعدت النواب بتفعيل دور الهيئة غادرت بعد أسابيع، وانتقل تنفيذ الموازنة إلى وزير يديرها بالإنابة.
وكان النشاط المسرحي قد تعثّر في عدد من الأقاليم قبل ذلك. ففي 21 أبريل 2026 أعلن عطوة صرف ميزانيات إنتاج العروض المسرحية في جميع الأقاليم، خاصة شرق الدلتا وجنوب الصعيد، واستكمال المشروعات التي توقفت، مع «الالتزام بعدم التعارض» مع خطة مجلس الوزراء لترشيد الإنفاق. وفي القطاع التشكيلي أجّلت الوزارة بينالي الإسكندرية وترينالي الجرافيك أكثر من مرة لغياب التمويل، وهو ما قاله رئيس القطاع في الحوار الذي سبق قرار الصمت.
أما بيوت الثقافة المؤجرة، أصغر منافذ الوزارة في القرى والأحياء، فما زال ملفها معلقًا بين الوزارة والقضاء. ففي 5 مارس 2025 قرر مجلس إدارة هيئة قصور الثقافة إخلاء العاملين من البيوت والمكتبات المؤجرة التي تقرر إغلاقها، واعتمد وزير الثقافة آنذاك أحمد فؤاد هنو القرار بعد ثمانية أيام. وفي 2 فبراير 2026 أوصت هيئة مفوضي الدولة، في الدعوى رقم 58055 لسنة 79 قضائية، بإلغاء القرار، معتبرة بيوت الثقافة «مراكز إشعاع ثقافي» والثقافة حقًا دستوريًا للمواطن. وحين تولى عطوة رئاسة الهيئة في أبريل 2026، وضعت الصحافة مراجعة أوضاع البيوت المستأجرة ضمن أولوياته. ولا تكشف البيانات الرسمية المنشورة منذ يوليو عن قرار جديد في الملف، لا إلغاءً ولا تنفيذًا.
أربعة عشر وزيرًا في خمسة عشر عامًا
لم يبدأ تبدّل الوزراء مع جيهان زكي. شغل فاروق حسني وزارة الثقافة 23 عامًا حتى يناير 2011، ثم استقال خلفه جابر عصفور بعد عشرة أيام من توليه المسؤولية في فبراير 2011، بعد أن أدان مثقفون مصريون وعرب قبوله المنصب في حكومة شُكلت في ذروة الاحتجاجات ضد نظام حسني مبارك. ومنذ ذلك الحين تعاقب على الحقيبة ثلاثة عشر وزيرًا حتى فبراير 2026 بحسب حصر صحيفة «العربي الجديد»، لتكون جيهان زكي الرابعة عشرة. أربعة عشر وزيرًا في نحو خمسة عشر عامًا ونصف، أي بمتوسط يقارب 13 شهرًا لكل وزير بحساب زاوية ثالثة، في مقابل أكثر من عقدين لوزير واحد قبلهم.
جاء خروج أحمد فؤاد هنو، سلف زكي، مفاجئًا بعد سنة وسبعة أشهر في المنصب، وبعد أيام من اختتام دورة من معرض القاهرة للكتاب قيل إنها الأنجح. وفسّرت «العربي الجديد» التبديل المتكرر بأن الوزارة ليست سيادية ولا خدمية مباشرة ولا اقتصادية ذات أثر فوري، ما يجعلها قابلة للتبديل دون كلفة سياسية تذكر، ورأت أن التغييرات المتلاحقة لم تتح وقتًا لبناء سياسات ثقافية طويلة الأمد أو لتقييم التجارب السابقة.
وتختلف اللحظة الراهنة عن هذا السجل في أمر واحد. فالوزارة لا تنتقل هذه المرة من وزير إلى آخر، بل تبقى بلا وزير أصيل، في حين تعمل أكبر هيئاتها الناشرة بلا رئيس، ويُمنع رؤساء قطاعاتها من الحديث. ولم يتضمن قرار التكليف الصادر في يوليو سوى وصف الإنابة بأنها «مؤقتة»، دون موعد محدد لانتهائها.
مواعيد لا تنتظر الوزير
بعد أسبوعين يُغلق باب اشتراك الناشرين في معرض القاهرة الدولي للكتاب، وبعد أقل من ثلاثة أشهر يفتتح المعرض أبوابه. وبين الموعدين ينعقد مهرجان المسرح المدرسي في نوفمبر، ويُنتظر إعلان «المسارات المتكاملة» التي وعد بها قنصوة خلال أسابيع. ومضى قرابة ثلث العام المالي الذي ناقشت الوزيرة السابقة وقياداتها موازنته أمام النواب، بحساب زاوية ثالثة، ولا تتضمن البيانات الرسمية المنشورة ما يوضح مصير توصية الخمسمئة مليون جنيه لقصور الثقافة، ولا موعدًا جديدًا لبينالي الإسكندرية، ولا قرارًا في ملف بيوت الثقافة المؤجرة.
في الحوار الذي سبق قرار الصمت، قدّم رئيس قطاع الفنون التشكيلية أرقامًا عن متحف مغلق منذ سبعة عشر عامًا، وعن مخازن لا تحمي الأعمال الفنية من التلف. بعد القرار بقيت الأرقام كما هي، وغاب من يتحدث عنها.
أرسلت زاوية ثالثة، أسئلة مكتوبة إلى المكتب الإعلامي لوزارة الثقافة حول ما ورد في هذا التقرير، ولم تتلقَّ ردًا حتى موعد النشر، وستحدّث التقرير فور وصول رد الوزارة.
